النص المفهرس
صفحات 381-400
٨١ الجزء السادس , وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادقة هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ، (!) . وقال تعالى - , وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وماجملنا عدتهم إلافتنة للذين كفروا، ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا (٢). وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن الله - تعالى - ان يؤاخذهم بما تعاطوه من محرمات قبل تحريمها . وأن الواجب عليهم أن يستمروا على مراقبتهم له ، و خشيتهم منه حتى يلقوه - عز وجل .. وبعد أن حذر الله - تعالى - المؤمنين من تعاطى المنكرات كالخمر والميسر وبين لهم حكم من مات قبل تحريم هذه الأشياء ... بعد كل ذلك بين - سبحانه - بشىء من التفصيل بعض الأحكام التى تتعلق بالصيد .. فقال تعالى -: ((يأيها الذينّ آمنُوا لَيبلوَ نكُم اللهُ بشىءٍ من الصيدِ تناء أيدِيكُم ورِماحُكُم لِيعلَمَ اللهُ مَن يخافُه بالغيبِ، فَن اعتدَى بعد ذلكَ فَلَهُ عذابٌ أليمٌ (٩٤))). قال الآلوسى: هذه الآية - كما خرج ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان - نزلت فى عمرة الحديبية، حيث ابتلاهم الله - تعالى - بالصيد وم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم فى رحالهم ، وكانوا متمكنين من صيدها أخذاً بأيديهم، وطعنا برماحهم فهموا بأخذما فنزلت ... (٣) وقوله: (( ليبلونكم، أى: ليخبر فكم وليمتحننكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان ، (١) سورة التوبة: الآيتان ١٧٤، ١٢٥ (٢) سورة المدثر الآية ٣١ (٣) تفسير الآلوسى = ٧ص٢١. ٣٨٢ سورة المائدة ولفظ الصيد فى قوله: ((من الصيد، مصدر بمعنى المصيد أى: ما يصطادونة والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ليختبرن الله سبحانه - إيمانكم ومبلغ قوته بأن يرسل إليكم وأنتم محرمون شيئاً من الصيد الذى تحبوفه، بحيث يكون فى متناول أيديكم ورماحكم . وقوله: ليبلو فكم الله، جواب قسم محذوف. والتقدير: والله ليعاملنكم سبحانه معاملة المختبر ليقبين المطيع من العاصى : وأكد - سبحانه - هذا الخبر بلام الفسم ونون التوكيد، للإشارة إلى أهمية هذا الاختبار حتى يسارعوا إلى طاعته - سبحانه وامتثال أمره . ١ والتنوين فى قوله (( بشى.)) للتقليل والتحقير. وإنما امتحنوا بهذا الشىء -الصغير، تنبيها إلى أن من يثبت ويمصم نفسه عن ارتكاب هذه الأشياء الصغيرة فإنه لن يثبت أمام التكاليف الكبيرة. ويمكن أن يقال، إن التنوين هنا للتعظيم باعتبار الجزاء الأليم المترقب على الاعتداء على الصيد فى حال الإحرام. قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير فى قوله: بشىء من الصید ؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التى تدحض عندها. أقدام الثابتين - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال . وأنماهو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عندما هو أشد منه ... ، (أ) . وقوله : : بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم)، هو موضع الاختبار و((من، فى قوله((من الصيد، لبيان الجنس. أو التبعيض، لأن المراد صيد البر دون البحر، وصيد الاحرام دون صيد الإحلال . ومعنى « قناك أيديكم ورماحكم، تستطيع أيديكم أن نأخذ هذا الصيد (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٧٧ ٣٨٣ الجزء السادس بسهولة ويسر إذا كان صغيرا وقريبا منكم، وتستطيع وماحكم أن تناله إذا كان كبيرا أو بعيداً بعدا نسبيا منكم ... وخص الأيدى والرماح بالذكر ، لأن معظم التصرفات التى تتعلق بالصيد تكون بالأيدى، ولأن معظم الآلات التى تستعمل فى الصيد تكون بالرماح. وقوله: « ليعلم ألقه من يخافه بالغيب، تعليل قصد به بيان الحكمة من وراء الإبتلاء والاختبار . والمراد بالعلم فى قوله: «ليعلم الله ... )) إظهار ماعله أزلا من أهل طاعته ومعصيته ، حتى يتميز الخبيث من الطيب . والمعنى: اختبر فاكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا - وهو تحريم مصيد البر صغارا وكبارا - وأقم مح مون أو فى الحرم، ليظهر ما علمه أزلا - - سبحانه - من أهل طاعته ومعصيته، وبذلك يتميز للناس الخبيث من الطيب، ويعرف الشخص الذى يخاف الله ويراقبه - مع أنه لم ير الله - سبحانه من الشخص الذى لايخاف الله ولا يراقبه . وبحوز أن يكون الكلام على حذف مضاف، أى: ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب. قال الجمل: وقوله (( بالغيب، حال من فاعل يخافة، أى: يخاف الله حالة كونه غائبا عن الله. ومعنى كون العبد غائبا عن الله، أنه لم ير الله تعالى. أو حال من المفعول. أى: يخاف الله حال كونه - تعالى - ملتبسا بالغيب عن العبد، أى غير مرئى له ... (١) . وقوله: (( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)) بيان لسوء عاقبة المخالف لأوامر الله ، والمتجاوز لحدوده . واسم الإشارة (( ذلك)) يعود إلى ما بينه - سبحانه - لعباده من أحكام. والمعنى: لقد اختبرناكم - أيها المؤمنون - بما اختبرنا كربه، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، فمن تعدى منكم حدود الله بعد هذا البيان والإعلام، (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥٢٤. ٣٨٤ سورة المائدة فله عذاب شديد الآلام ، عظم الإهانة، لأن التعدى بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله، ومن لم يباز بأوامر الله سامت عاقبته، وقبح مصيره. هذا ولقد نجحت الأمة الإسلامية وخصوصا سلفها الصالح - فى هذا الاختبار ، فقد تجنب أبناؤها وهم محرمون أو فى الحرم، صيد البر مهما أغرام قربه منهم، وحبهم له على صيده والانتفاع به ... بهما أخفق بنو إسرائيل فیما يشبه هذا الاختبار ؛ فقد نهام اقه - تعالى- عن الصيد فى يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم فى هذا اليوم إمتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها ، بأن حبسوها فى يوم السبت ليصيدوها فى غيرها ... فاستحقوا من الله اللعنة والمسخ ... واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس . ثم نهى - سبحانه - المؤمنين نهيا صريحا عن قتل الصيد وهم حرم، وبين ما يجب على القاتل .. وكرر تحذيره وتهديده من يتعدى حدوده فقال- تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ، ومن قتله منكم يُعتَّمداً فجزاء مثلُ ما قتلَ من النَّعَمِ، يحكّ به ذوا عدلٍ منكم هَدْيًا بالغّ الكعبةِ أو كفارةٌ طعامُ مساكين أو عَدْلُ ذلكَ صياماً ليذوقَ وبالَ أمرِه، عفا اللهُ عَمَّا سَلَف، ومَنْ عاد فينتَقِمِ اللهُ منه، والله عزيز ذو انتقامٍ (٩٥))) . قال القرطبى: قوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ... ، هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى. وهذا النهى هو الإبتلاء المذكور فى قوله - تعالى - قبل هذه الآية: ( يأيها الذين آمنوا ليبلون كم الله بشىء من الصيد ... الآية)). وروى أن أبا اليسر - وأسمه عمرو بن مالك الأنصارى - كان محرماً عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحش فنزلت هذه الآية (١) .. (١) تفسير القرطي : ٦ ص ٣٠٢. ٠ الجزء السادس ٢٨٥ . والمراد بالصيد هنا المصيد، لأنه هو الذى يقع عليه القتل . وقولة (« حرم)) جمع حرام. وهذا اللفظ يتناول المحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما وإن كان فى الحل ، كما يتناول من كان فى الحرم وإن كان حلالا . قال ابن جرير: ((والحرم جمع حرام، والذكر والأنثر فيه بلفظواحد. تقول: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا قيل محرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام: هو الدخول فيه. يقال: أحرم القوم: إذا دخلوا فى الشهر الحرام، أو فى الحرم . فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصيد وأنتم مغرمون ,(١) . والصيد المنهى عن قتله هنا: صيد البرء، لأن صيد البحر قد أحله الله بعد الآية » . ذلك بقوله: «أحل لكم صيد البحر وطعامه .. والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأى طريق من طرق الإزهاق، يتناول - أيضاً - قتله بطريق التسبب كالإشارة إليه مثلا ... وبتناول كذلك حظر الصيد نفسه، لقوله - تعالى - فى مطلع هذه السورة : ,( بأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم ... ، .. ولقوله - تعالى - بعدهذه الآية التى معنا: « أحل لكم صيد البحر وطعامه مناعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم خرما ... )) .. . فالنهى فى قوله - تعالى - ((لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، يتناول القتل عن طريق المباشرة أو التسبب كما يتناول أى عمل يؤدى إلى صيد الحيوان . وإنما كان النهى فى الآية منصبا على القتل، لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية الصيد، إذ الصائد يريد قتل المصيد لكى يأكله فى الغالب. هذا، وقد اختلف الفقهاء فى المصيد الذى يحرم صيده على المحرم. (١) تفسير ابن جرير = ٧ ص ٠٤٠. - ( ٢٥ - سورة المــائدة) ٣٨٦ سورة المائدة فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه، وذلك لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول. ٠٠ - وهذا الرأى قال الأحناف ومن وافقهم من الفقها . . ويرى الشافعية أن المراد به المأكول فقط؛ لأن الصيد إنما يطلق على ما يحل أكله لحسب .... وقد انبنى على هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعا ، فالأحناف يرون أنه يجب عليه الجواء الذى فصلته الآية ... والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك . قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأتم حرم)». = ٠٫ هذا تحريم منه - تعالى - لقتل الصيد فى حال الإحرام، ونهى عن تعاطيه فيه . وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعى يجوز قتلها ، والجمهور على تحريم قتلها أيضا ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الغراب والجدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور)) - وفى رواية الحية بدل. المقرب - ومن العلماء كما الك وأحمد من الحق بالسكلب العقور: الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررا منه. ...... (١). وقوله: « ومن قتله منكم متعمدا جزاء مثل ما قتل من النعم ... ، بيان لما يجب على المحرم فى حال قتله للصيد . قال الآلوسي ما ملخصه: والمعنى: ((ومن قتله، كائنا ((منكم، حال كونه (« متعمدا) أى: ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله، ومثله من قتله خطأ (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٨. ٣٨٧ الجزء السادس والفاء فى قوله ((لجزاء مثل ما قتل من النعم)) جزائية إذا اعتبرنا ((من)) شرطية وهو الظاهر ، وإذا اعتبرناها موصولة تكون زائدة لشبه المبتدأ بالشرط ... وقوله: ((جزاء)، بالرفع والتنوين - مبتدأ، و((مثل)، مرفوع على أنه صفته، والخبر محذوف. أى: فعليه جزاء عائل لما قتله.، .. وبهذا قرأ الکوفیون ويعقوب ، وقرأ باقی السبعة برفع ( جزاء، بدون تنوین- ويجر مثل، بالإضافة.،. وقد خرجت هذه القراءة بتخريجات منها: أن تعتبر الإضافة بيانية أى: جزاء هو مثل ما قتل ... (١). وظاهرة الآية يفيد ترتيب الجزاء على القتل العمد ، إلا أنهم اختلفواهنا على أقوال ذكرها القرطى فقال ما ملخصه : قوله - تعالى -: ((ومن قتله منكم متعمدا جزاء مثل ماقتل من النعم) ذكر - سبحانه - المتعمد ولم يذكر المخطىء ولالناسى والمتعمد هناهو القاصد الشىء مع العلم بالإحرام. والمخطىء هو الذى يقصد شيئا فيصيب صيدا. والناسى هو الذى يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه . واختلف العلماء فى ذلك على خمسة أقوال : الأول: ما أسنده الدار قطنى عن ابن عباس قال: إنما التكفير فى العمد، وإنما غلظوا فى الخطأ لثلا يعودوا. الثاني: أن قوله ((متعمدا) خرج على الغالب، فالحق به النادر كأصول الشريعة . الثالث: أنه لا شىء على المخطئ. والناسى وبه قال الطبرى وأحمد - فى [حدی روایتیه -وطاووس وداود وأبو ثور .. .. (١) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٢٤ ٣٨٨ سورة المائدة الرابع: أنه يحكم عليه فى العمد والخطأ والنسيان، وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم ... قال الزهرى : وجب الجزاء فى العمد بالقرآن ، وفى الخطأ والنسيان بالسنة ... فقد سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الضمع فقال: «هى صيد، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ . الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه - وهو قول مجاهد -، لقوله - تعالى - بعد ذلك ,ومن عاد فينتقم الله منه، قال: ولو كان ذا كرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. قال: فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه ... ) (١) . ويبدو لنا أن القول الرابع الذى قال به الأئمة أبو حنيفة والشافعي ومالك أقرب إلى الصواب، لأن تخصيص العمد بالذكر فى الآية ، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود، لأن العمد هو الذى يترتب عليه ذلك دون الخطأ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التى قررت التسوية فى ضمان المتلفات ، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ فى غير الحرام فعليه جراؤه، فهذا حكم عام فى جميع المتلفات .. وما دام الأمر كذلك كان الجراء ثابتا على المحرم متى قتل الصيد سواء أ كان قتله له عمدا أم خطأ. وقد اختلف العلماء - أيضا فى المراد بالمثل فى قوله - تعالى ... ومن قتله منكم متعمدا فيزاء مثل ما قتل من النعم)). فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير . أى أن الجزاء يكون بالحمائلة بين الصيد المقتول وبين حيوان يقاربه فى الحجم والمنظر من النعم وهى الإبل والبقر والغنم . ومن حججهم أن الله أوجب مثل المصيد المقتول مقيدا بكونه من النعم، (١) تفسير القرطب ج ٦ ص ٣٠٨ ٣٨٩ الجزء السادس فلا بد أن يكون الجزاء مثلا من النعم ، وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم ... قال ابن كثير: وفى قوله - تعالى -: ((فجزاء مثل ما قتل من النعم، دليل لما ذهب إليه مالك والشافعى وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسى، خلافا لأبى حنيفة حيث أوجب القيمة سواء أ كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلى. قال: وهو مخير إن شاء تصدق ثمنه . وإن شاء اشترى به هدیا . والذى حكم به الصحابة فى المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا فى النعامة بدنه، وفى بقرة الوحش ببقرة، وفى الغزال بعنز .. وأما إذا لم يكن الصيد مثلذا فقد حكم ابن عباس فيه بثمن يحمل إلى مكة، (١). ثم بين -- سبحانه -- بعد ذلك طريق معرفة الجزاء، وما له، وأنواعه، فقال - تعالى ـ (( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة. أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ). والضمير فى قوله: به)) يعود على الجزاء المعائل الصيد المقتول . .. وقوله. ((هديا، حال من حزاء ، أو منصوب على المصدرية. أى .. بهد به هدياً . والهدى: إسم لما يذبح فى الحج لإهدائه إلى فقراء مكة. وقوله («بالغ الكعبة، صفة لقوله , هدياً، لأن إضافته لفظية. وقوله: ((أو كفارة)) معطوف على جراء. وأو للتخيير، وكذلك فى قوله .. / « أو عدل ذلك صيامها،! والعدل - بالفتح - ما عادل الشىء من غير جنسه. وأما بالكـ بر عا من جنسه. وقيل هما سيان ومعناهما المثل مطلقا. والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: بأيها الذين آمنوابالله إيماناحقا، لاتقتلوا (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٩ ٣٩٠ سورة المائدة الصيد وأنتم محرمون، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعليه جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول ومقارب له فى الخلفة والمنظر ، أو فى القيمة ، وهذا الجزاء المائل الصيد المقتول بحكم به رجلان منكم تتوافر فيهما العدالة والخبرة حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب، ويكون هذا الجزاء الواجب على قاتل الصيد(( هدياً بالغ الكعبة، أى: يصل إلى الجرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه، أو يكون على قائل "صيد (« كفارة، هى , طعام مساكين. بأن يطعمهم من غالب قوت البلد ما يساوى قيمة هذا الجزاء الممثل للصيد المقتول بحيث يعطى لكل مسكين نصف صاع مزبر أوصاعا من غيره، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صياما، بأن يصوم عن طعام كل مسكين يوما، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا . وإذا لم يوجد الصيد المقتول مماثل كمالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته ، إشترى بها طعاما لكل مسكين مد، أو يصوم عن كل مد يوم. وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم مائل للصيد المقتول فى الخلقة والمنظر أو عليه ما يساوي قيمة هذا الجزاء طعاما، أو عليه ما يعادل هذا الطعام صياما ... وهذا ما يقول به جمهور الفقهاء. ما أبو حنيفة. فيرى - كما سق أن أشرنا - أن المائلة إنما تعتبر ابتداء بحسب القيمة ، فيقوم الصيد المقتول من حيث هو، فإن بلغت قيمته قيمة هدى يخبر الجانى بين أن يشترى بها حديا يهدى إلى الكعبة و ذبح فى الحرم ويتصدق بلحمه على الفقراء، وبين أن يشترى بها طعاماً للمساكين ، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما ٦ والمراد من الكعبة هنا الحرم؛ وإنما خصت بالذكر تعظيما لها .. قال بعض العلماء: ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته، إنما هو ترتيب مراقب على حسب القدرة على كل رقبة، فالأصل بلاريب شراء هدى وذبحه فى الحزم ، فإن تعذر ذلك كان الطعام، فإن تعذر كان الصيام ... ٣٩١ الجزء السادس هذا هو الظاهر عند الحنفية. وروى عنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت القيمة بين الذبح عند الكعبة وبين إطعام المساكين ، وبين الصوم . وعندى أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر. والمذاهب الأخرى تلتقى فى الجملة مع المذهب الحنفى بيد أنها تعتبر المماثلة فى الأوصاف . وعندى أن المذهب الحنفى أوضح وأسهل تطبيقاً، وأدق فى تعرف المثل وقد إضطروا إليه عند إستبدال الطعام بالذبح ، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا بمعرفة القيمة، (١) . هذا، وقوله - تعالى - (ليذوق وبال أمره)) تعليل لأيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد . وقوله (( ليذوق)) من الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما فيها من حلاوة أو مرارة أو غير ذلك . والمراد به هنا: إدراك ألم العذاب على سبيل الاستعارة . والوبال فى الأصل: الثقل والشدة والوخامة. ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا على المعدة. ومرعى وبيل وهو الذى يتأذى به بعد أكله ... والمراد به هنا : سوء عاقبة فعله . والمعنى: شرعنا ماشرعنا من جزاء على المحرم فى حالة قتله للصيد، ليدرك سوء عاقبة قتله وقعله السىء، وليعلم أن مخالفته لأمر الله تؤدى إلى الخسارة فى الدنيا والآخرة . قال الإمام الرازى: وإنما سمى الله - تعالى - ذلك وبالا ، لأنه خيره بين ثلاثة أشياء: إثنان منها توجب تنقيص المال - وهو ثقيل على الطبع - وهما: الجزاء بالمثل والإطعام . والثالث: يوجب إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضا ثقيل على الطبع . (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجبة لواء الاسلام العدد السادس من السنة ٢٢. ٢٩٢ سورة المائدة والمعنى أنه - تعالى - أوجب على قائل الصيد أحد هذه الأشياء التى كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد فى الحرم وفى حال الإحرام ، (١) وقوله: ((عفا الله عما سلف، بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم ، لأنه - سبحانه - لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل تحريمها والنهى عنها . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتهديد شديد لمن تتكرر منه المخالفة لأوامر الله ونواهيه فقال: « ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو إنتقام)) أى. ومن عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهى عن ذلك فإن الله - تعالى - ينتقم منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغالب ولا يقاوم المنتقم الذى لا يدفع إنتقامه بأى وسيلة من الوسائل. هذا وجمهور العلماء على أن المحرم بتكرر الجزاء عليه فى قتل الصيد يتكرر القتل وأن عقوبة الآخرة - وهى إنتقام الله من الجانبى - لا تمنع وجوب الجزاء عليه فى الدنيا . قال ابن كثير . ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ولافرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ فى ذلك والعمد . وقال على بن طلحة عن ابن عباس قال : من قتل شيئاً من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله . فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له بنتقم الله منك .. ، (٢). وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد فى حالة إحرامهم، وبينت الجزاء المترتب على من يفعل ذلك ، وهددت من يستهين بحدود الله بالعذاب الشديد . (١) تفسير الدخر الرازى ج ١٣ ص ٩٦. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص١٠١ ٣٩٣ الجزء السادس ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق بالصيد قال - تعالى -: ((أُحِلّ لكم صيدُ البحرِ وطعامه متاءًلكم والسِّيَّرةِ، وحُرِّم عليكم صيدُ البِرِّ مَا دُمْتَ حُرُماً، واتقوا الله الذى إليه تحشَرُونَ (٩٦))». والمراد بصيد البحر: مانوالده ومثزاه فى الماء. والمراد بالبحر: ما يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما. والمراد بالصيد : الإصطياد أو ما يصاد منه. والمراد بطعامه: ما يطعم من صيده. وهو عطف على ((صيد)، من عطف الخاص عن العام، ويكون الحل الواقع على الصيد حل المقصود به حل الإنتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الإمتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل؛ فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل ، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه . ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدرى، وقدر مضافا فى صبد البحر، وجعل الضمير فى «طعامه، يعود إليه لا إلى البحر، فيكون المعنى : أحل لكم صید حیو ان البحر کما أحل لكم أن تأكلوا ماصد تموه منه . فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر . وقيل: بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو إنصر عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة. وقوله : « متاعاً ، مفعول لأجله. وقوله: ((وللسيارة ، متعلق بأحل. وهو جمع سيار باعتبار الجماعة. والمراد بالسيارة: القوم المسافرون. ٣٩٤ سورة المائدة والمعنى: أحل الله لكم أيها المحرمون. صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه، لأجل تمتعكم وإنتفاعكم بذلك فى حال إقامتكم وفى حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين، وذلك يقتضى منكم الشكر لله لکی یزیدکم من هذه النعم. قال ابن كثير ما ملخصه: وقد إستدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة - قال : وأنا فيهم- قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد ... قال: ثم إنتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير فأكل منه ذلك الجيش ثمانى عشرة ليلة .. فلما قدمنا المدينة أتينارسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه اله لكم. هل معكم من لحمه شىء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - منه فأ كله .. وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة : أن رجلاسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله !! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا أفتتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو الطهور ماؤه الحل ميقتة). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحلت لنا ميقتان ودمان؛ فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان ,فالكبد والطحال ». رواة الشافعى وأحمد وابن ماجة والدارقطنى والبيهقى وله شواهد. ؟ .. وقد إحتج بهذه الآية أيضامن ذهب من الفقهاء إلى أنه: ؤكل دواب البحر ولم يستثنى من ذلك شيئا ... وقد إستثنى بعضهم الضفادع وأباح ماسواها .. وقال أبو حنيفة لا يؤكل مامات فى البحر كما لا يؤكل مامات فى البرلعموم قوله - تعالى -: (حرمت عليكم الميتة .. )) (١) (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٠٢ ٣٩٥ الجزء السادس ثم أكد - سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال: ((وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ، والمراد بصيد البر : ما كان والده ومأواه فى البر مما هو متوحش بأصل خلقته . وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل ، وعليه فالآية إنما قدأ على حرمة الاصطياد فقط، وأما الأكل منه- أى من المصيد بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية . وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد. وعلية فتكون الآية تقتضى تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجة الدليل . وقد بسط القرطبى الكلام فى هذه المسألة فقال ما ملخصه: قوله -تعالى -: « وحرم عليكم صيد البر مادمتم حزما، التحريم ليس صفة الأعبان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله: ((وحرم عليكم صيد البر ... ، أى فعل الصيد، وهو المنع من الاصطياد . أو يكون الصيد بمعنى المصيد الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه، ولا اصطياده، ولا استحداث ملکا بوجه من الوجوه . وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد ، فقال مالك والشافعى وأحمد ... إنه لابأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله، لما رواه الترمذى والنسائى عن جار عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «صيد الھ لکم حلال مالم تصیدوہ أو یصد لكم، . وقال أبو حنيفة: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا امطاده الحلال - سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله - تعالى - .. لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، لحرم صيده وقتله على المجرمين ، دون ماصاده غيرهم .. وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أ خل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد ... لحديث الصعب بن جعامة الليثى، أنه أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ٣٩٦ سورة المائدة حمارا وحشيا وهو بالأبواء فرده عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فلما أن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مافى وجهى قال: « إنا لم ترده عليك إلا أنا حرم ، خرجه الأئمة واللفظ لمالك ... (١): ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال: ((واتقوا الله الذى إليه تحشرون)). أى: واتقوا الله فى كل أحوالكم، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده، وسيخازيكم على أعمالكم التى عملتموها فى دنياكم . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت المخرم صيد البحر. فضلا من الله ورحمته - ؛ لأن البحر بعيد عن الحرم ، والمحرم قد يحرم فى منطقة قد تكون فيا بحار. فتحريم صاد البحر عليه قد يؤدى إلى تعبه وإجهاده ... دون أن تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم، أما الحكم من وراء تحريم الصيد البرى على المحر مين فمنها: أن البيت الحرام بواد غير زرع, وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد، فلو أبيح الصيد للمحرمين القادمين زيارة البيت من كل فج عميق ... لأدى ذلك إلى قتل الكثير من الصيد البرى الذى هو مصدر انتفاع القاطنين فى تلك المناطق ... وفضلا عن كل ذلك ففى تحريم الصيد البرى الذى يعيش فىمنا الحرم، تكريم لهذه المناطق، وتشريف لها، وإعلاء لشأنها ومكانتها ... فهى أماكن الأمان والاطمئنان والسلام .. لا للبشر وحدهم، بل البشر ولغير البشر من مخلوقات الله التى نهت شريعته عن التعرض لها بسوء. وبعد هذا النهى الشديد للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة ... بين - سبحانه - المنزلة السامية للكعبة التى هى أشرف مكان، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم ... كما بين - سبحانه - مكانته الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم - فقال - تعالى - : (١) تفسر القرطبى = ٦ ص ٤٢١ ٣٩٧ الجزء السادس ((جَعلَ الله الكعبةَ البيت الحرامَ قياماً للناس، والشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ ، ذلكَ لَتَعْلَمُوا أن اللهَ يعلمُ مافى السمواتِ وما فى الأرضِ وأن اللّهَ بكل شىء عليمٌ (٩٧) اعلموا أنّ الله شديد العقابِ وأنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ (٩٨) ما على الرسول إلا البلاغُ واللهُ يعلم ما تبدونَ وما تكتمون (٩٩) فل لا يَسْتوى الحبيثُ والطيبُ ولو أعجمَك كثرةُ الخبيتِ فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون (١٠٠)» .. قال الفخر الرازى: « أعلم أن اتصال هذه الآية ــ((جعل الله الكعبة .. )) بما قبلها، هو أن الله - تعالى - حرم فى الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم، فبين أن المحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير. فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات فى الدنيا والآخرة ،(١). والكعبة فى الغة: البيت المكعب أى المربع . وقيل المرتفع . قال الفرطى: وقد سميت الكعبة كعبة ، لأنها مربعة .. وقيل: إنما سميت كعبة لنتوتها وبروزها، فكل ناتى بارز كعب .. ومنه كعب القدم و كعوب الفناة، وكعب ثدى المرأة إذا ظهر فى صدرها ... ، (٢). وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين أو لحما الكمية وثانيهما قياماويحتمل أن يكون بمعى خلق أو شرع فيتعدى لواحد وهو الكمية ويكون قوله: (((قياما)) حال من البيت الحرام. والبيت الحرام : بدل من الكعبة أو عطف بيان جىء به على سبيل المدح والتعظيم . ووصف بالحرام إيذاما بحرمته وإشعارا بشرفه ، حيث حرم - سبحانه - القتل والقتال فيه ، وجعله مكان أمان الناس واطمئنانهم. (١) تفسير الفخر الرازى : ١٣ ص ٩٩. : (٢) تفسير القرطبى : ٦ ص ٢٤م ٣٩٨ سورة المائدة : وقوله, قياما، أصله قواما فقلبت الواو ياء لافكار ما قبلها. والقيام والقوام ما به صلاح الشىء، كما يقال: الملك العادل قوام رعيته، لأنه يدبر أمرهم، ويردع ظالمهم، ويحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيتهم عن محنهم ... والمراد بالشهر الحرام: الأشهر الحرم على إرادة الجنس وهى: ذو القعدة، وذو الحجة ، والمحرم، ورجب . وقيل المراد به شهر ذى الحجة حسب، لأنه هو الذى تؤدى فيه فريضة الحج، فالتعريف للعهد وليس للجنس . والهدى: اسم لما يهدى إلى الحرم من حيوان، ليتقرب بذبحه إلى الله مالى - وهو جمع هدية - بسكون الدال - . والقلائد جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء . فالمراد بالفلائد هنا الحيوانات ذوات القلائد التى تساق إلى الحرم الذيحها فيه، فيكون ذكر القلائد بعد الهدى من باب التخصيص بالذكر عن سبيل الاهتمام بشأنها ، لأن الثواب فيها أكثر . وقيل المراد بها : ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من غيره فى أعناقهم عندما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء . وقوله: ((والشهر الحرام والهدى والقلائد، معطوف على ماقبله وهو الكعبة. والمعنى: اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعيادة أن يصير الكمية التى می البيت الحرام (( قیاما للناس ، أی به قوامهم فى إصلاح أمورهم ديناودنيا، وكذلك جعل الأشهر الحرم والهدى وخصوصا ما يقلد منه قياما للناس أيضا. وذلك لأن البيت الحرام الذى يأتى الناس إليه من كل فج عميق ؛ مجدون فى رحابه ما يقوى إيمانهم ، ويرفع درجاتهم ، ويغسل سيئاتهم، ويصلح من شئون دنياهم عن طريق تبادل المنافع ، وبذل الأموال ، والشعور بالأمان ٣٩٩ الجزء السادس . والاطمئنان ، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التى ترضى الله - تعالى -، وتجعلهم أهلا لفضله ورحمته . ولأن الأشهر الحرم تأتى للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها ، فتهدأ نفوسهم، ويحصل النألف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادى ولأن الهدى والقلائد التى يسوقها لمحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء. وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء. ورحم الله الإمام القرطى حيث يقول: ((والحكمة فى جعل الله - تعالى - هذه الأشياء قياما الناس، أن الله - سبحانه - خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب والغارة ... فلم يكن بد فى الحكمة الإلهية من وازع يزعجهم - أى يزجرم - عن التنازع، ويحملهم على التآلف، ويرد الظالم عن المظلوم، فقدروى مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: مايزع الإمام اكثر ما يزع القرآن ، . تجعل - سبحانه - الخليفة فى الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم فى قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع فى نفوسهم هيبته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه . ولما كان لهذا البيتموضما مخصوصا - ومكانامعينا- لا يدر كه كل مظلوم، فقد جعل - سبحانه - الأشهر الحرام ملجأ آخر ... وقرر فى قلوبهم حرمتها، فكانوا لايروعون فيها سربا - أى نفسا-ولا يطلبون فيهادما ، حتى كان الرجل بیلقی قاتل أبيه و ابنه وأخيه فلا يؤذيه ... ثم شرع لهم اهدیوالقلائد،فكانوا إذا أخذوا بعيرا وأشعروه دما، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه ... لم يروعه أحد حيث لقيه ... ,(١). واسم الإشارة فى قوله: « ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ... ». (١) تفسير القرطبى ج ٦ س ٣٢٥ :تصرف وبتلخيص ٤٠٠ سورة المائدة يعود على الجعل المذكور الذى هو تصمير البيت الحرام وما عطف عليه للناس ، أى: صلاحا لأحوالهم الدينية والدنيوية . . والمعنى: فعل الله - تعالى - ذلك لتعلموا أنه - سبحانه- يعلم علماتا ماشاءلا مافى السموات وما فى الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم، وهتاف أرواحهم .. لأن تشريع هذه الشرائع المستبعة. الدفع المضار ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه - سبحانه - يحلى مافى السموات وما فى الأرض . وعلى أنه بكل شىء عليم دون أن تخفى عليه خافية ما هذا الكون: وكرر - سبحانه - «ما وفى)) فى المعطوف والمعطوف عليه الإشارة إلى دقة العلم وشموله، وأنه - سبحانه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . وقوله (,وأن الله بكل شيء عليم) تعميم إثر تخصيص. للتأكيد وقدم . الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام . ١ قال الجمل: واسم الإشارة , ذلك «فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: الحكم الذى حكمناه ذلك لاغير. والثانى: أنه مبتدأ وخبره محذوف أى: ذلك الحكم هو الحق لا غيره. والثالث: أنه منصوب بفعل مقدر بدل علية السياق. أى: شرع الله ذلك ... وهذا أقواها، لتعلق لام العلة به. وقوله (( تعلموا)) منصوب بإضمار أن بعد لام كى. وقوله: «وأن الله بكل شىء عليم ، معطوف على ما قبله وهو , أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ،(١). ثم رهب الله - تعالى - عباده من عقابه؛ ورغبهم فى ثوابه فقال: «اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم)). أى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن انتهك حرمانه)) (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥٢٨