النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الجزء السادس قال القرطبى: والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستروجها. وكل شىء غطى شيئا فقد خمره. ومنه: خروا آنيتكم أى: غطوها ... وقيل: إنما سميت الخمر خمرا، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر العجين , أى: بلغ إدراكه. وخمر الرأى، أى ترك حتى يتبين فيه الوجه . وقيل: إنما سميت الخمر خمراً ، لأنها تخالط العقل. من المخامرة وهى المخالطة. ومنه قولهم: دخلت فى خمار الناس - يفتح الخاء وضعها - أى: اختلطت بهم: فالمعانى الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت ختى أدركت ، ثم خالطت العقل (( ثم خمرته والأصل الستر,(١). والميسر: القمار - بكسر لقاف - وهو فى االأصل مصدر ميمى من يسر كالموعد من وعد. وهو مشتق من اليسر بمعنى السهوله («لأن المال يحى .. للكاسب من غير جهد. أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ، ثم أصبح علما على كل ما يتقامر عليها كالجزور ونحوه . قال القرطبى: الميسر: الجزور الذى كانوا يتقامرون عليه ، سمى ميسرا. لأنه يجزا أجزاء. فكأنه موضوع التجزئة. وكل شىء جزأته فقد يسرته. والياسر : الجازز، لأنه يجزى. لحم الجزور ... ويقال للضاربين بالقداخ والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك،(٢). والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجىء بطريق الحظ المبنى على المصادفة فاللعب بالفرد على مال يسمى قارا، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قارا وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى على المصادفة . (١) تفسير القرطبي = ٣ س ٥١ (٢) تفسير القرشي ج ٣ ص ٥٣ ٣٦٢ سورة المائدة وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل . فالفعل فى ذاته حرام، والكسب من طريقه حرام . والأنصاب: جمع نصب ، وتطلق على الأصنام التى كانت تنصب للعبادة لها أو على الحجارة التى كانت تخصص الذبح عليها تقرباً للأصنام . والأزلام : جمع زلم . وهى السهام التى كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت . فهم عليه واحد، وسهم إثنان وهكذا إلى عشرة . أوهى السهام التى کانوا یکتبون على أحدهما : أمرنى ببی وعلى الآخر نهائی ربی، ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجاً أو غیر ذلك ، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها ، فإن خرج أمرنی ربی أقدموا على ما يريدونه، وإن خرج نهانى رمى أمسكوا عنه، وإن خرج الففل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهى . وقد نهى الله - تعالى - فى أوائل ذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال ((وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق .. ، (!). وقوله: «رجس، أى قدر تأباه النفوس الكريمة، والعقول السليمة لتذارته ومجاسته . قال الفخر الرازى: والرجس فى اللغة كل ما إستقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا إذا عملا عملا قبيحا. وأصله من الرجس - بفتح الراء - وهو شدة الصوت . إ يقال: سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرغد. فكان الرجس هو العمل الذى يكون قوى الدرجة كامل الرتبة فى القبح ، (٢) . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ماجاء فى (١) الآية ٣ من سورة المائدة. (٢) تفسير الفخر الرازى + ١٢ ص ٧٩ ٠ ٣٦٣ الجزء السادس صحيح مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه قال : نزات فى آيات من القرآن ، وفيه قال . وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسفيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر - قال فأتبتهم فى حش - أى بستان - فإذا رأس جزور مشوى عندهم رزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم . قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال. فأخذ رجل - من الأنصار - لحى جمل فضرنى به جرح أنفى ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فأنزل الله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ... الآيات)، (١). "ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : نزل تحريم الخمر فى قبيلتين من قبائل الأنصار . شربوا حتى ثملوا، فعيث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا، جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول : فعل هذا بی أُخی فلان - و كانوا إخوة ليس فىقلوبهم ضغائن ـ، والله لو كان برءوفا رحيما ما فعل بى هذا، حتى وقعت فى قلوبهم الضغائن فأنزل الله: ( بأيها الذين آمنوا إنما الخمر .. إلى قوله: فهل أنتم منتهون)) (٢). والمعنى: يأيها الذين آمنوا، إيمانا حقا، إنما تعاطى , الخمر، أى : الشراب الذى يخامر العقل ومخالطة ويمنعه من التفكير السليم ((والميسر، أى القمار الذى عن طريقه يكون تمليك المال بالحظ المبنى على المصادفة والمخاطرة ((والأنصاب)، أى: الحجارة التى تذبح عليها الحيوانات تقربا للأصنام .. والازلام، أى : السهام التى عن طريقها يطلب الشخص معرفة ما قسم له من ٠ خير أو شر ... هذه الأنواع الأربعة ((رجس من عمل الشيطان)) أى: (١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ٢٨٦ (٢) تفسير ابن جرير ج ٧ س ٣٤. ٣٦٤ سورة المائدة مستقذرة تجافها النفوس الكريمة ، وتأباها العقول السليمة، لأنها من تزيين الشيطان الذى هو عدو الإنسان، ولا يريد له إلا ما كان شيئا قبيحا. قال - تعالى -: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء .. ،. والفاء فى قوله ((فاجتنبوه)، الإفصاح. والضمير فيه يعود على الرجس الذى هو خبر عن تلك الأمور الأربعة وهى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. أى: إذا كان تعاطى هذه الأشياء الأربعة رجسا وقدرا ينأى عنه العقلاء فاجتنبوه لعلكم بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون الفلاح. والظفر فى دنياكم وآخر تكم . والنداء بقوله: ( يأيها الذين آمنوا ... ، عام لجميع المؤمنين. وقد نادام. - سبحانه - بهذه الصيغة لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم، حتى يستجيبوا لما فودوا من أجله، وهو إجتناب تلك الرذائل وتركها تر كا تاما. وقوله: ((رجس)) خبر عن هذه الرذائل الأربعة. وصحَ الإخبار به- مع أنه مفرد - عن متعدد هو هذه الأربعة، لأنه مصدر يستوى فيه القليل والكثير، وشبيه بذلك قوله - تعالى -، إنما المشركون تجس). وقيل: لأنه خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور ١ وقيل : لأن فى الكلام مضافا إلى تلك الأشياء، وهو خبر عنه . أى: إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس. وقوله: (( من عمل الشيطان)) فى محل رفع على أنه صفة لقوله: ((رجس)) أی : رجس کائن من عمل الشيطان، لأنه ناجم عن تزیینه و تسو یله ، إذ هو خبيث والخبيث لا بدءو إلا إلى الخبيث فالمراد من إضافة العمل إلى الشيطان المبالغة فى كمال قبح ذلك العمل . وعبر بقوله: (( فاجتفيوه، للمبالغة فى الأمر بترك هذه الرذائل، فكأنه سبحانه يقول لا أمركم فقط بترك الرذائل « بل أمركم أيضا بأن تكونوا ٣٦٥ الجزء السادس أتم فى جانب وهذه المنكرات فى جانب آخر. فالأمر هنا منصب على الترك وعلى كل ما يؤدى إلى اقتراف هذه المنكرات كمخالطة المرتكبين لها، وغثيان مجالسبها .. إلخ. ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر بيان مفادهما الدنيوية والدينية فقال تعالى ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويعدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)) . أى: «إنما يريد الشيطان) بتزبينه المفتكرات لكم, أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء، بأن يقطع ما بينكم من صلات ، ويثير فىنفوسكم الأحقاد والضغائن بسبب تعاطيكم الخمر والميسر، وذلك لأن شارب الخمر إذا ما استوات أخر على عقله: أزالت رشده، وأفقدته وعيه، وتجعله قد يسىء إلى من أحسن إليه، ويعتدى على صديقه وجليسه ... وذلك يورث أشد ألوان العداوة والبغضاء بين الناس . ولأن متعاطى الميسر كثيرا ما يخسر ماله على مائدة الميسر . والمال كما نعه شقيق الروح، فإذا ما خسره هذا المقامر صَار عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة، وأصبح يضمر له السوء ... وقد يؤدى به الحال إلى قتله حتى اشفى غيظه منه، لأنه قد جعله فقيرا بائسا مجردا من أمواله بعد أن كان مالكها ... وفى ذلك ما فيه من قولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس . فقوله تعالى: ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فىالخمر " والميسر، إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية. أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله : . ويصد كم عن ذكر الله وعن الصلاة ... » . أى: ويريد الشيطان أيضا بسبب تعاطيكم الخمر والميسر - أى يصدكم، ٣٦٦ سورة المائدة أى يشغلكم ويمنعكم ((عن ذكر الله، أى: عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه ، (( وعن الصلاة ، التى هى الركن الثانى من أركان الإسلام ... وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة، ومن فقدان لرشده ... عن طاعة الله وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها ... ولأن متعاطى الميسر بسبب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث، ويسبب فقدانه العاطفة الدينية السليمة ... صار لا يفكر فى القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات. .-. ورحم الله الآلوسى، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: ((ووجه صد الشيطان. لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب تعاطيهم الخمر والميسر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس، والاستغراق فى الملاذ الجسمانية، تلهى عن ذكر الله تعالى - وعن الصلاة. وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبا، أنشرحت نفسه، ومنه حب الغلب والقهر والكسب عما ذكر, وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك . وقد شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجرى بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبوا له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسرد رقعة الأعمال(١). وجمع - سبحانه - الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام فى الآية الأولى ثم أفردهما بالذكر فى هذه الآية، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر ، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة فى القبح والمفسدة ، أى (١) تفسير الآاوسى ج ٧ س ١٦ ٣٦٧ الجزء السادس أن مجىء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح تعاطيهما، وتأكيد حرمتهما، حتى لكأن متعاطى الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية، وأهل الشرك بالله - تعالى - وكأنه - كما يقول الزمخشرى -: لامباينة بين من عبد صنها وأشرك بالله فى علم الغيب ، وبين من شرب خمرا أو قامر . وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله ، تعظيما لشأنها، كما هو الحال فى ذكر الخاص بعد العام ، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان، لما أنها عماد الدين، والفارق بين المسلم وبين الكافر. والاستفهام فى قوله (( فهل أنتم منتهون)) لإشكار استمرارهم على الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ، ولحضهم على ترك تعاطيهفا فورا، أى : انتهوا سريعا عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك . ولقد لى الصحابة - رضى الله عنهم - هذا الأمر فقالوا : : انتهينا يارب؛ انتهينا يارب، وألقوا ما عندهم من خمر فى طرقات المدينة ... ثم أكد - سبحانه - وجوب هذا الانتهاء بأن أمر بطاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا.)) أى: اجتنبوا - أيها المؤمنون - هذه الرذائل، وانتهوا عنها فقد بينت لكم مضارها، ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)» فى جميع ما أمرا بهونهيا عنه (((وأحذروا، مخالفتهما. لأن مخالفة أوامرهما تؤدى إلى الحسرة والخسران وأمر - سبحانه - بطاعته وبطاعة رسوله مع أن طاعة رسوله طاعة له - سبحانه - لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم - حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله - تعالى - . وقوله: «فإن توليتم فاعلموا أنما على رسوانا البلاغ المبين، تأكيد التحذير السابق، وتنبيه إلى سوء عاقبة العاصين لأمر الله ورسوله. ٣٦٨ سورة المائدة وجواب الشرط محذوف والتقدير: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول - أيها المؤمنون - واحذروا مخالفة أمرهما، فإن قوليتم وأعرضتم عن طاعتهما، فقد وقعتم فى الخطيئة، وستعاقبون عليها عقابا شديدا، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - سوى التبليغ الواضح البين عن الله - تعالى- أما الحساب والجزاء ، والثواب والعقاب فمن الله وحده . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات ، وألوانا من التهديدات التى تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتمابا قاما ، وتر کهما تركا لا عودة بعده إليهما . وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله: (( أكد - سبحلة))- تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد : منها : قصدير الجملة بانما . ومنها : قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله- صلى الله عليه وسلم-«شارب الخمر كعابد الوثن». ومنها: أنه جعلهما رجسا كما قال - تعالى -: ((فاجتنبوا الرجس من الأوثان» . ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان ، لا يأتى منه إلا الشر البحث . ومنها: أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب. ومنها :: أنه جعل الاجتناب من الفلاح , وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة وخسرانا . ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال -وهو وقوع التعادى والتباغض- وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. ومنها : قوله « فهل أنتم منتهون، فهو من أبلغ ما ینهی به، کأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والمواقع ، فهل أنتم مع هذه الصوارف ٣٦٩ الجزء السادس منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم نزجروا، (١). هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١ - أن هذه الآيات الكريمة هى آخر ما نزل فى القرآن لتحريم اخر تحريما قاطعا، لأن التعبير بالإنتهاء والأمر به فيه إشارة إن تمهيدات سابقة للتحريم. قال القرطبى: تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة ، فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل فى شأن الخمر قوله - تعالى -, يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس .... (٢) أى: فى تجارتهم. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لاحاجة فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس. وقالوا: فأخذ منفعتها ونترك إنمها فنزلت هذه الآية ( يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ... )،(٣) فتركها بعض الناس وقالوا : لاحاجة فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس فى غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: ، يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر .... الآية، فصارت حراما عليهم حتى صار بعضهم يقول: ما حرم الله شيئا أشد من الخر .... (٤). وأخرج عبد بن حميد عن الربيع أنه قال : لما نزلت آية البقرة , يسألونك عن الخمر والميسر ... )، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ربكم يقدم فى تحريم الخمر. ثم نزلت آية النساء: ((لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.)) فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن ربكم يقدم فى تحريم الخمر. ثم نزلت آية المائدة ((يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر٠٠.، خرمت عند ذلك ... (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٧٥ - بتصرف إير- (٢) سورة البقرة الآية ٢١٩ (٤) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٨٦ :* (٣) سورة النساء الآية ٤٣ (٢٤ - سورة المائدة) ٣٧٠ سورة المائدة ولما سمع عمر قوله - تعالى - ((فهل أنتم منتهون)) قال: إنتهينا يارب !! ولا شك فى أن تدرج القرآن فى تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين ، وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودور بسهولة ويسر .. ، وذلك لأن شرب الخمر كان من العادات المتأصلة فى النفوس ويكفى للدلالة على حب العرب لها قول أنس بن مالك: حرمت الخمر وا يكن للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شىء أشد عليهم من الخمر)). ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يحبونة ويشتهونه، يمثل أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأمر الله - تعالى -، فعندما بلغهم تجريم الخمر أراقوا ما عندهم منها فى الطرقات ، بل وحطموا الأوانى التى كانت توضع فيها الخر . أخرج البخارى عن أنس قال : كنت ساقى القوم فى منزل أبي طلحة وكان خمرم يومئذ الفضيخ - أى: فقيع البسر ... فأمر رسول الله صلى أو عليه وسلم مناويا ينادى (( ألا إن الخر قد خرمت)). قال : فقال لى أبو طلحة: أخرج فأحرقها. قال: خرجت فهرقتها نجرة فى سكك المدينة (٢). وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس علی أبن طلحة ، وایی عبيدة بن الجراح ، و معاذ بن جبل، وسهيل بن بيضا وأبى دجانة حتى مالت رءوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا منادياً ينادى إن الخر قد حرمت . قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج، حتى أهرة الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، وإغتمل بعضنا، ثم خرجنا !! المسجد، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ"يأيها الذين آمنوا !! (١) تفسير الآلومى = ٧ س ٠١٧ (٢) البخارى فى باب: صب الخمر من كتاب («المظالم والغضب ج ٣ ص ١٧٣ ٣٧١ الجزء السادس الخمر والميسر ... إلى قوله , فهل أقم منتهون ٠ فقال رجل لفتادة: سمعته من أنس بن مالك ؟ قال: نعم. وقال رجل لأفس أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. وحدثنى من لم يكذب: واقه ما كنا فكذب ، ولا ندرى ما الكذب(١). وأخرج ابن جرير - أيضا - عن أبى بريدة عن أبيه قال: بينما تحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حلا، إذا قمت حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فأسلم عليه، وقد نزل تحريم اخر ( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... الآيات، فجئت إلى أصحابى، فقرأنها عليهم، إلى قوله: (( فهل أنتم منتهون)) قال: وبعض القوم شربته فى يده قد شرب بعضاً، وبقى بعض الإناء، فقال بالإناء تحت شفته(٢) العليا، كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما فى باطينهم، فقالوا: انتهينا ربنا ، انتهينا ربنا ، (٣). وهكذا نرى أن قوة الإيمان التى غرسها الإسلام فى نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه الحكيمة، وتربيته السامية ... قد تغلبت على ما أحبته النفوس "وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع إلفا شديدا ... ٢ - أن كلمة خمر اسم خامس العقل وغطاء من الأشربة المسكرة، سواء أكانت من عصير العنب، أم من الشعير، أم من التمر، أم من غير ذلك وكلها سواء فى التحریم قل المشروب منها أو کثر ، سکر شاربها أو لم یسکر، وأن على الشارب حد الشرب فى الجميع . (١) تفسير ابن جرير جـ ٧ س ٣٧. (٢) قوله: ((فقال بالإناء)) الفعل قال هنا بمعنى أخذ أو فعل: والمعنى أنه أخذ الإداء الذى يشرب فيه الحمر فضرب به تحت علته العليا حتى جرحها كما يجرج الحجام من يريد حجامته . والقصد من ذلك قهر نفسه والتصميم على الكف عن شرب الخمر كفا يانا. والباطبة: إناء يوضع فيه الخمر. (٣) تفسير ابن جرير =٧ ص ٠٣٤ ١ ٣٧٢ سورة المائدة وبهذا القول قال جمهور العلماء: ومن أدلتهم النقلية ما أخرجه البخارى عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهى خمسة أشياء: «العنب والتمر والحنطة والشعير والعمل، والحخر ما خامر العقل ... )). وأخرج أيضا عن عائشة قالت: « سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البتع - وهو نبيذ العسل - وكان أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ما أسكر فهو حرام)). وأخرج كذلك عن أنس قال: ((حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد - يعنى بالمدينة - خمر الأعتاب إلا قليلا. وعامة خمرفا البسر والنمر،(١). فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من التمر أو الحنطة أو الشعير أو العنب ... يسمى خمراً. ومن أدلتهم العقلية أصل الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره. ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعى ، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى: أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما المسكر من غيره كالشراب الذى من التمر أو الشعير فلا یسمی خمرا بل يسمى نيذا . ومن حججهم أن الخر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر فى غير المأخوة من ماء العنب ، فاخر عندهم اسم لهذا النوع فقط. وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا؛ لأن اللغة لاتثبت من طريق القياس. وقد ورد عن ابن عمر أنه قال: ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء)). (١) صحيح البخارى كتاب الأشربة = ٧ ص ١٣٦ ٠ ٣٧٣ الجزء السادس ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر ، فدل ذلك على أن ابن عمر - وهو عربى - ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين. ويقول الأحناف ومن وافقهم: إن الأحاديث التى استشهد بها الجمهور على أن الخمر اسم لكل مسكر من عصير العنب أو غيره .. ، هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعى، والخرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة وهى الإسكار فى القدر المسكر من هذه الأشياء. وقد ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة هذه الأشياء، وبوجوب إقامة الحد على شاربها ... الخ. وتفصيل هذه الأحكام يرجع فيه إلى كتب الفقه وأصوله . هذا ، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب إليه الجمهور ، وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم . قال ابن العربى: وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها. والصحيح مارواه الأئمة أن أنسا قال: (( حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا القليل، وعلمة خمرها البسر والنمر »، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ، فكروا دنانهم - أى: أوانى الخمر -، وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر، (١) - أى: وأقرثم رسول الله- صلى الله عليه وسلم - على ذلك. وقال الآلوسى: وعندى أن الحق الذى لا ينبعى العدول عنه، أن الشراب المتخذ ما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده فهو حرام، وقليله ككثيرة، ويحد شاربه، ويقع طلاقه ، ونجاسته غليظة. وفى الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن النقيع - وهو نبيذ العسل . فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)). (١) أحكام القرآن لابن العربي ج ١ ص ١٤٩ ٣٧٤ سورة المائدة وروى أبو داود : «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ممكر ومفتر ). وصح عنه - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). والأحاديث متضافرة على ذلك. واممرى إن اجتماع الفساق فى زماننا على شرب المسكرات ما عدا الخمر، ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير. وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية والاكسير - ونحوهما، ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة، وقبيح شربها الأمة - وهيهات هيهات - فالأمر وراء ما يظنون، وإنا لله وإنا إليه راجعون .... ، (١) . ٣ - قال القرطبى عاملة صه: « فهم الجمهور من تحريم الخمر، وأستخبات الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم فى ذلك - ربيعة والليث بن سعد والمزنى صاحب الشافعى ، وبعضر المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها ظاهرة وأن المحرم إنما هو شربها ... والصحيح ما عليه الجمهور لأن وصفها بأنها ((رجس» يدل على نجاستها، فإن الرجس فى اللسان النجاسة ... وقوله: ((فاجتنبوه)، يقتضى الاجتناب المطلق الذى لا ينتفع معه بشىء بوجه من الوجوه ... وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة فى هذا الباب. روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم راوية خمز ، - أى قربة خمر - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((هل علمت أن القه حرمها، قال: لا. قال: فسار" رجلا فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (دبم صاررته،؟ قال: أمرته أن يبيعها، فقال: ((إن الذى حرم شربها حرم بيعها، ... (١) تفسير الآلوسى = ٢ من ١١٣ ٣٧٥ الجزء السادس ثم قال القرطى: وهذه الآيات تدل على أن كل لهو دعا قليله إلى كثير ، وأوقع العداوة والبغضاء بين الما كفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة. فهو كشرب الخمر، ووجب أن يكون حراما مثله ... (١) . ٤ - هذه الآيات الكريمة تدل على تأكيد تحريم الخمر وماذكر معها من رذائل ، كما تدل على ما تؤدى إليه من مفاسد ومضار، وما يحيق بمر تكبها من سوء عاقبة ... وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، ومن هذه الأحاديث مارواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمقت الخمر على عشرة أوجه: ( لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآ كل ثمنها)). وقال ابن وهب ... قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: «العاق لوالديه، والمدمن الخمر ، وكلمنان بما أعطى)). وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: , كل محمر خمز ، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل وماطينة الخبال يارسول الله؟ قال: ((صديد أهل النار .... (٢). هذا جانب من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن الأحاديث التى وردت فى حرمة الخمر وفى سوء مصیر شاربها . (١) تفسير القرطى ج ٦ ص ٢٨٨ - بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٩٢ ٣٧٦ سورة المائدة وقد أتبع - سبحانه - ذلك بيان حكم من شربها ومات قبل أن ينزل تحريمها فقال - تعالى -: ((ليس على الذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ جناحٌ فيا طَعِمُوا، إذا ما اتَّقَوْا وآمنُوا وعملوا الصالحاتِ، ثم اتقَوْا وآمنوا، ثم اتقَوْا وَأَحَسَنُوا، واللّهُ يُحِبُّ المحسنين (٩٣))) . روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة فى معناها، ومن ذلك مارواه الترمذى عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب التى - صلى الله عليه وسلم - وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال قاس من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربوتها قال: فلزات: (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... الآية). وعن ابن عباس قال: قالوا يارسول الله، أرأيت الذين مانوا وهم يشربون الخمر (( لما نزل تحريم الخمر، فنزلت: ليس على الذين آمنوا ... الآية). وروى الإمام أحمد من حديث أبى هريرة ... أنه بعد أن نزل قوله. - تعالى -((يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... الآيات، قال الناس: يارسول الله، ناس قتلوا فى سبيل الله أو ماقوا على فرشهم، كانوا يشربون الخر ويأكلون الميسر؛ وقد جعله الله رجساً ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله - تعالى -: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ... الآية)) (١). قال القرطى: وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فلزات ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)). ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله ولم يكن له ولا عليه شىء، لا إثم (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٥. ٣٧٧ الجزء السادس ولامؤ اخدة ولا ذم ولا أجر ولا مدح، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرغ، وعلى هذا فما كان ينبغى أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر فى بطنه وقت إباحنها، فإما أن يكون ذك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله - تعالى -، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخدة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع اله الثوم يقول: ((ليس على الذين آمنواوعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ... الآية،(١). وقال الآلوسي: وقيل إن هذه الآية نزلت فى القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق "ترهب كمنمان بن مظعون وغيره ... والأول هو المختار،(٢) . وقوله - تعالى - «فيما طعموا، أى: ذاقوا، مأخوذ من الطعم - بالفتح - : وهو قذوق الشىء والتلذذ به، سواء أ كان مأكولاأم مشروبا وهو المرادهنا. قال القرطبى: وأصل هذه الكلمة فى الأكل . يقال: طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد تجوز فى ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولاماء ولا نوما.،(٣) . والمعنى: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح، أى: حرج أو إثم ، فيما طعموا، أى فيما تناولوه من خمر أو مايشبها من محرمات قبل أن يحرمها الله - تعالى - وكذلك لا إثم ولا حرج على من مات قبل التحريم. وقوله: (( إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات , تحريض للمؤمنين على الازدياد من الإيمان والتقوى والعمل الصالح . أى: إذا ما اتقوا الله وخافوه وتلقوا أوامره بالقبول، وثبتوا على الإيمان ، وأكثروا من الأعمال الصالحات .. وقوله: « ثم اتقوا وآمنوا، معطوف على ما قبله. (٢) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ٠٢١١ (١) تفسير القرطبى : ٦ ص ٢٩٣ (٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٩٦ ٣٧٨ سورة المائدة أى: ثم استمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله ,والإيمان الحق به - سبحانه - فتكرير التقوى والإيمان هنا لبيان أنه يجب استمرارهم ومواظبتهم على ذلك، مع تمسكهم بما يقتضيه الإيمان والتقوى من فعل الخير وابتعاد من الشر . وقوله: (( ثم اتقوا وأحسنوا)، معطوف على ما قبله - أيضا - لتأكيد معنى الاستمرار على هذه التقوى طول مدة حياتهم مع إحسانهم إلى أنفسهم بالإكثار من العمل الصالح، وإلى غيرهم بما يستطيعونه من إسداء الخير إليه. ورقوله: ((والله يحب المحسنين، تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الحض على الإيمان والتقوى والإحسان، ومدح المتمسكين بتلك الصفات الحميدة . أى: والله - تعالى - يحب المحسنين إلى أنفسهم بإلزامها بالوقوف عند حدود الله، والاستجابة له فيما أمر أو نهى أو أحل أو حرم ... برغبة ومسارعة ، وإلى غيرهم بمد يد العون إليهم . فالآية الكريمة من مقاصدها بيان جانب من مظاهر رحمة الله بعباده، ورأفته بهم؛ حيث بين لهم: أن من شرب الخمر أو لعب الميسر أو فعل ما يشنههما من محرمات، ثم مات قبل أن ينزل الأمر بتحريم هذه الأشياء ... فإن الله - تعالى - لا يؤاخذه على ذلك. لأن المؤاخذة على الفعل قبدأ من وقت تحريمه لا من قبل تحرمه . وكذلك الحال بالنسبة لمن وقع فى هذه الأشياء قبل أن تحرم فإن الله لا يؤاخذه عليها، وإنما يؤاخذه عليها بعد نزول تحريمها ... وهذا من فضل الله على عباده، ورحمته بهم . هذا، وقد تعددت أقوال المفسرين حول مسألتين نتعلقان بهذه الآية الكريمة . أما المسألة الأولى فهى : كيف شرط الله فى رفع الجناح أى الإثم عن المطعومات والمشروبات الإيمان والتقوى ، مع أن الجناح مرفوع عن المباح من هذه الأشياء حتى عن الكافرين؟ ۔۔ الجزء السادس . ٣٧٩ وقد فالوا فى الإجابة على ذلك : إن تعليق فى الجناح أىالإثم بهذه الأحوال ليس على سبيل إشتراطها ؛ فإن نفى الإثم عن الذى يتناول المباخ قبل أن يحرم لا يشترط بشرط، وإنما تعليق :فى الجناح بهذه الأحوال - وهى التقوى والإيمان ... . وارد على سبيل المدج لهم، وأثناء عليهم؛ والدلالة على. أنهم جديرون بهذه الصفات، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم حتى يوقفوا بأن من تعاطى شيئا من المحرمات قبل تحريمها فلا يؤاخذه الله على ذلك، وإنما يؤاخذه إذا تعاطاها بعد تحريمها . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: « قيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يارسول الله !! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟ فنزلت الآية « ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ... إلخ)، يعنى أن المؤمنين لاجناح عليهم فى أى شىء طعموه من المباحات إذا ما إتقوا المحارم، ثم إتقوا وآمنوا وأحسنوا، على ٠٠ نى: أن أولئك كانوا على هذه الصفة تناء عليهم وحمدا لأحوالهم فى الإيمان والتقوى والإحسان . ومثاله أن يقال لك: هل على زيد جناح فيما فعل ؟ فتقول: وقد علمت أن ذلك أمر مباح: ليس على أحد جماح فى المباح إذا إنقى المحارم ، وكان مؤمناً محسناً. تريد: أن زيدا تقى مؤمن محسن، وأنه غير مؤاخذ بما فىل ، (١) . وقال أبو السعود ما ملخصه: ما عدا إتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة، لادخل لها فى إنتفاء الجناح. وإنما ذكرت فى حيز( إذا، شهادة باتصاف الذين سئلوا عن حالهم بها، ومدحالهم بذلك، وحمدا لأحوالهم .. فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذ كانوا فى طاعته تعالى: مع مالهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشىء تلقوه بالامتثال، وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر فى حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك، ولوحرما فى عصرم لاتقوهما بالمرة ، (٢). تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٧٦ (١) (٢) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ٥٧ ١ ٣٨٠ سورة المائدة وأما المسألة الثانية التى كثرت أقوال المفسرين فيها فهى: تكرار التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح. ومرة مع الإيمان، ومرة مع الإحسان؟ وقد ذكر القرطبى فى ذلك أربعة أقوال فقال : الأول : أنه ليس فى ذكر التقوى تكرار، والمعنى: إنقوا شربها وآمنوا بتحريمها ، أو دام إتفاؤهم وإيمانهم ، أو على معنى إضافة الإحسان إلى الإنقاء. والثانى: إنقوا قبل التحريم فى غيرها من المحرمات، ثم إنقوا بعد تحربها شربها، ثم إتقوا فيما بقى من أعمالهم وأحسنوا العمل. الثالث: إنقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثانى ثم إتقوا الكبائر، وإزدادوا إيمانا، والمعنى الثالث، ثم إنقوا الصغائر وأحسنوا أى تنفلوا . ٠ الرابع: قال ابن جرير: الإتقاء الأول: هو الإتقاء بتلقى أمر الله بالقبول والتصديق ، والدينونه به العمل. والإتقاء الثانى: الإتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الإنقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل)) (١). والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب إلى الصواب، وأن تكرير التقوى إنماهو لتأكيد وجوب إمتلاء قلب المؤمن بها، وإستمراره على ذلك حتى يلقى الله. فإن المؤمن بعداومته على خشيته - سبحانه - يتدرج من " الكمال إلى الأكمل حتى يصل فى إيمانه وتقواه إلى مرتبة الإحسان والتى مر. إلى أعلى عليين ، والتى عرفها النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). ولقد بين لنا القرآن فى مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد ، بكثرة تدبره لما أنزله الله من شرائع وهدايات ... ومن ذلك قوله - تعالى - (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٠٢٩٦