النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ الجزء السادس وقال ابن جرير : كان العلماء يقولون: ما فى القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها (١). وقال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن جرير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مامن قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصى، هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا، إلا أصابهم أخذه منه بعذاب. وروى ابن أبى حاتم عن يحي بن يعمر قال : خطب على بن أبى طالب ، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس !! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصى ولم ينهم الربانيون والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذى نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا(٢). وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد وبخت اليهود على حدهم للمؤمنين على ما آناهم الله من فضله ، ووصفتهم بجملة من الصفات الذميمة حتى يحذرهم المؤمنون ، ويجعلوا ولاء هم لله ولرسوله ولإخوانهم فى العقيدة والدين. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من سوء معتقد اليهود، وخبث طويتهم ، وسوء أدبهم مع الله - تعالى - فقال: ((وقالتِ اليهودُ يدُ اللهِ مغلولةٌ، غُلَّتْ أَيديهم ولُعِنُوا بما قَالُوا ، بل يداهُ مبسوطتانٍ ينفِقُ. كيفَ يشاء، وليزيدَنَّ كثيراً منهم ما أُنزل إليكَ مِنْ رَبِّكَ طغياناً وكفراً، وأَلْقَيْاَ بينهم العداوة والبغضاء إلى يومِ القيامةِ. كلّا أَوْقدوا ناراً للحرب أطفأها اللهُ، ويسمَوْنَ فى الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين (٦٤)). قال ابن عباس: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: يا محمد إن ربك بخيل لا ينفق . فأنزل الله هذه الآية (٣). (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٢٩٨. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٤. (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٥. ٢٨٢ سورة المائدة وقد أضاف - سبحانه - المقالة إلى اليهود جميعا، لأنهم لم ينكروا على القائل ماقاله ورضوا به . وقال عكرمة: إنما قال هذا فنحاص بن عازورا. وأصحابه . فقد كانت لهم أموال فلما كفروا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - قل مالهم، فقالوا ماقالوا. وقيل: إنهم لما رأوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فى فقر وقلة مال وسمعوا (((من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا، و ... قالوا: إن إله محمد بخيل(!). وقوله - تعالى - حكاية عنهم: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة، إخبار من الله عن جراءة اليهود عليه - سبحانه - وسوء أدبهم .. ،، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التى لاتحصى . وأرادوا بقولهم: ((بد الله مغلولة،: أنه - سبحانه - بخيل عليهم، يمسك خيره عنهم ، مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذى لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. وأصل الغل - كما يقول الراغب - قدرع الشىء وتوسطه، ومنه الخلل الماء الجارى بين الشجر ... والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال ... ،(٢). وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم ، لأن الله - تعالى - منزه عن مشابهة الحوادث .. وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير والعطاء . والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لاسيما فى دفع المال وإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والكشف. فقيل للجواد فياض اليد، مبسوط الكف ، وقيل للبخيل : مقبوض اليد، كز الكف ... (١) تفسير القرطبى = ٦ ص ٠٢٣٨ (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٢٦٣ ٢٨٣ الجزء السادس وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: « غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله - تعالى - ((ولا تجعل بدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ، ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولاغل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه . لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة، حتى إنه يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال ، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتين البخل والجود . وقد استعملوهما حيث لا تصح البد كفول القائل : جاء الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده ويقال: بسط اليأس كفيه فى صدرى ، جعلت لليأس الذى هو من المعانى لا من الأعيان كفان .. ،. وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف . غل اليد وبسطها مجاز .. ، فقال: والنكتة فى استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية تلزمها غالبا، ولا شىء أثبت من الصور الحسية فى الذهن، فلما كان الجود والبخل معنيين لا يدر كان بالحس وهو بسط اليد الجود وقبضها للبخل. عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإيضاح والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات(١). وقوله: «غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشفيع بأن يخلق - سبحانه - فيهم الشح الذى يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - بسبب سوء أدبهم معه - سبحانه - وجحودهم لنعمه. (١) تفسير الكشاف وحاشيته جـ ١ ص ٦٥٥: ٢٨٤ سورة المائدة وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم ، وأساءوا الأدب مع خالقهم ورازقهم، فقالو فى شأنه ما هو منزه عنه - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا)). قال الألوسى ما ملخصه: ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدى الحقيقة، بأن يغلوا فى الدنيا أسارى - وفى الآخرة معذبين فى أغلال جهنم، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيا. وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقوله : سبنى سب الله دابره أى قطعه، لأن السب أصله القطع ... ، (١) . . وقوله: (( بل يداه مبسوطتان، معطوف على مقدر يقتضيه المقام ، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل . والمعنى: كلا - أيها اليهود - ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل، بل هو - سبحانه - الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذى ما من شيء إلا عنده خزائنه . فبسط اليد هنا كناية عن الجود والفضل والأنعام منه - سبحانه - على خلقه . وعبر بالمثنى فقال: (( بل يداه ... للإشارة إلى كثرة الفيض والأنعام، لأن الجواد السخى إذا أراد أن يبالغ فى العطاء أعطى بكلتا يديه. قال ابن كثير قوله: ((بل يداه مبسوطتان ... )) أى: بل هو الواسع الفضل ... التى ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له ... كما قال: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)، والآيات فى هذا كثيرة . وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن يمين الله ملآى لا يغيضها نفقة - أى لا ينقصها (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٠٨ ٢٨٥ الجزء السادس الإنفاق -. سحاء - أى مليئة - الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما فى يمينه. وكان عرشه على الماء، وفى يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض وقال : يقول اقه - تعالى -: أنفق أنفق عليك»(١). وقوله: (( ينفق كيف يشاء، جملة مستأنفة واردة لتأ كيد کال جوده، والدلالة على أنه ينفق على مقتضى حكمته ومشيئته، فهو - سبحانه - يبسط الرزق لمن يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه، وقبضه الرزق عن من يشاء من خلقه لا ينافى سعة كرمه ، لأنه يعطى ويمنع على حسب مشيئته التي أقام بها نظام خلقه . ثم بين - سبحانه - موقفهم الجحودى ما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم- فقال: (( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا)، .. أى: إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم ، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء اليهود ، ومن أحوال سلفهم .. كل ذلك ليزيدن الكثير من منهم كفرا على كفرهم، وطغيانا على طفيانهم، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم ، واستولى الحسد على نفوسهم . وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين ، فإنه بالنسبة لهؤلاء اليهود يزيدهم بغيا وظلما كفرا. قال - تعالى -: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)،(٢). فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التى أنزلها الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم- وهى فى الوقت ذاته تسلية له - صلى الله عليه وسلم- عما بلقاء منهم . (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٧٥ (٢) - ورة الإسراء . الاية ٨٢. ٢٨٦ سورة المائدة وقد أكد - سبحانه - هذه الجملة بالقسم المطوى، وباللام الموطئة له، وبنون التوكيد الثقيلة لكى ينتفى الرجاء فى إيمانهم، وليعاملهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة، وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع . وقوله، كثيرا، هو المفعول الأول لقوله «وليزيدن، وفاعله ما الموصولة فى قوله (( ما أنزل، وقوله « طغيانا، هو المفعول الثانى. ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأصدر حكمه فيهم بدوام العدواة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم فقال: (( وألقينا بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة، فالضمير فى قوله (( بينهم)) يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين، وصدوقيين وقرائين، وكتبه ... وغير ذلك من فرقهم المتعددة . وقيل : الضمير يعود إلى طائفتى اليهود والنصارى . والأول أرجح لأن الحديث فى هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله - تعالى - بما هو منزه عنه. ١ والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما أسمان لمعنى واحد . ويرى آخرون أن معناهما مختلف . فالعدولة معناها المناوأة الظاهرة، والبغضاء هى الكراهية التى تكون فى القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا . فلا عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعدواة . قال أبو حيان : والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يغض من ليس بعدو. وقال ابن عطيه . وكأن العدوة شىء يشهد يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس (١). (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٢ ص ٠٥٢٤ ٢٨٧ الجزء السادس والمعنى: وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة العداوة الدائمة، والبغضاء المستمرة، فأنت تراهم كلمتهم مختلفة ، وقلوبهم شتى وكل فرقة منهم تلصق النقائص بالأخرى، وهم على هذه الحال إلى يوم القيامة . وما أظهره اليهود فى هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم بنشئون دولة لهم بفلسطين، هو أمر مؤقت، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا، بل ستعود إلى أهلها المسلمين متى صدقوا فى جهادهم ، وإقبعوا تعاليم دينهم ... قال الفخر الرازى: واعلم أن إتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه - تعالى .. بين أن هؤلاء اليهود إنما يفكرون نبوته - صلى الله عليه وسلم - بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد. ولأجل حب الجاه والمال ... ثم إنه - تعالى - بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة ، لاجرم أنه - تعالى - كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا . لأن كل فريق منهم بقى مصرا على مذهبه ومقالته .. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وإنتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا، ويحارب بعضهم بعضاً ... فإن قلت : فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله عيبا على الكتابيين حتى يذموا عليه؟ قلنا : بدعة التفرق التى حصلت فى المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبوة وعصر الصحابة والتابعين . أما فى الصدر الأول فلم يكن شىء من ذلك حاصلا بينهم لحسن جعل ذلك عيبا على الكتابيين فى ذلك العصر الذى نزل فيه القرآن)) (١) . وقوله: «كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أى: كلما أرادوا حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وهيئوا الأسباب لذلك، وحاولوا (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص ٤٥ ٢٨٨ سورة المائدة تفريق كلمتهم، وإثارة العداوة بينهم ... كلما فعلوا ذلك أفد الله عليهم خطتهم، وأحيط مكرهم، وألقى الرعب فى قلوبهم. والتعبير بهذه الجملة الكريمة جرى عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيره أو قدوا فارا يسمونها نار الحرب . والتعبيرهنا لذلك على سبيل الحجاز، إذ عبر - سبحانه - عن إثارة الحروب بإيقاد نارها، باعتبار أن الحروب فى ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية. قشبه النار المستعرة فى أحطارها ومصائبها وقوله: ((ويسعون فى الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين)، تذييل مقرر لما قبله الن الصفات الذميمة التى دمغ الله - تعالى - بها اليهود. أى: أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون فى الكيد للإسلام وأهله، وأنهم يسعون سعيا حثيثا للافساد فى الأرض عن طريق إثارة الفتن، وإيقاظ الأحقاد بين الناس ... والله - تعالى - لايحب المفسدين بل يبغضهم وبمقتهم، الإيثارهم الضلالة على الهدى ، والشر على الخير . وبهذا نرى الآية الكريمة قدردت على اليهود فى نسبتهم البخل إلى الله - تعالى -، وبينت أنه - سبحانه - هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه - سبحانه - بينضهم لأنهم يفدون فى الأرض ولا يصلحون . ولقد بطنا القول فى مظاهر فسادهم فى الأرض فى غير هذا الموطن فرجع إليه إن شقت (١). وبعد أن حكى - سبحانه - ما حكى من رذائل أهل الكتاب وخصوصا اليهود. عقب ذلك بفتح باب الخير لهم منى آمنوا وانقوا فقال - تعالى -: (( ولو أن أهلَ الكتابِ آمنوا واتقَوْا لكَفَّرنا عنهم سيئاتِهِم (١) راجع كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن و"سنة)) ٢٠ من ص ٢٨٨ إلى س ٣٢٠. ٢٨٩ الجزء السادس ولْأدخلنام جناتِ النعيم (٦٥) وَلَوْ أنَّهم أَقَامُوا التوراة والإنجيل وما أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهم، لأكلُوا مِنْ فوقِم ومِنْ تحت أرجُلهم، مِنْهُمْ أَمَّةٌ مقتَصِدةٌ وكثيرٌ منهُم ساء ما يعملون (٦٦))). والمعنى: ولو أن أهل الكتاب، من اليهود والنصارى, آمنوا)، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من حق وفور ((وانقوا)، الله - تعالى - بأن صافوا أنفسهم عن كل مالا يرضاه. لو أنهم فعلوا ذلك «لكفرنا عنهم سيئاتهم، بأن رفعنا عنهم العقاب، وسترنا عليهم معاصيهم فلم تحاسبهم عليها، , ولأدحلناهم جنات النعيم: فى الآخرة . قال الفخر الرازى: وأعلم أنه - سبحانه - لما بالغ فى ذمهم وفى نهجين طريقتهم عقب ذلك ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا . أما سعادات الآخرة فهي محصورة فى نوعين : أحدهما رفع العقاب ، والثانى: إيصال الثواب . أما رفع العقاب فهو المراد بقوله: ((لكفرنا عنهم سيئاتهم)). وأما إيصال الثواب فهو المراد بقوله: (( ولأدخلناهم جنات النعيم،. وأما سعادات الدنيا فقد ذكرها فى قوله بعد ذلك :. ولو أنهم أقاموا التوراة ... )(١). وكرر - سبحانه - اللام فى قوله: ((لكفرنا ... ولأدخلناهم، لتأكيد الوعد. وفيه تنبيه إلى كثرة ذنوبهم ومعاصيهم ، وإلى أن الإسلام يجب ما قبله من ذنوب مهما کثرت . وفى إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويمقوا . (١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٤٦ - بتصريف وتلخيص - (١٩ - سورة المائدة) عبر ٢٩٠ سورة المائدة وجمع - سبحانه - بين الإيمان والتقوى، للإيذان بأن الإيمان الذى ينجى صاحبه، ويرفع درجاته، هو ما كان نابما عن يقين وإخلاص وخشية من الله، لا إيمان المنافقين الذين يدعون الإيمان وهو منهم برىء. والضمير فى قوله: ((ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل .. )) يعود إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإيمان ليدخلو فیه کی ینالوا رضاه. والمراد بإقامة التوراة والإنجيل: العمل بما فيهما من بشارات بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضهم على الإيمان به عند ظهوره، وتنفيذ ما اشتملا عليه من أحكام أيدتها تعاليم الإسلام، وأصل الإقامة الثبات في المكان . ثم استعير إقامة الشىء لتوفية حقه . والمراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم ، لأنهم مخاطيون به وليسوا خارجين عن دائرة التكاليف التى دعا إليها . قال - تعالى - ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ،١ أى: لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به أيضا جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم . وقيل: المراد بما أنزل إليهم من ربهم. كتب أنبيائهم السابقين : كتاب شعياء، وكُتاب حزقيل، وكتاب دانيال ... فإنها مشتملة أيضاء البشارة بالنبى - صلى الله عليه وسلم - . والمراد بقوله: ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، المبالغة شرح ما ينعم الله به عليهم من خيرات وأرزاق تعمهم من كل جهة . الجهات لا أن هناك فوق وتحتا . أى: لأكلوا أكلا متصلا وفيرا، ولعمهم الخير والرزق من كل جها (١) سورة الأنعام الآية ١٩ ٢٩١ الجزء السادس بأن تعطيهم السماء مطرها وبركتها ، وتعطيهم الأرض نباتها وخيرها، فيعيشوا فى رغد من العيش ؛ وفى بسطة من الرزق .... وفى ذلك دلالة على أن الاستقامة على شرع الله، تأتى بالرزق الرغيد، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: ((( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا، (١). وقال - تعالی - حكاية عن هود أنه قال لقومه: «ویاقوم استغفرواربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم.(٢). والمعنى: «ولو أنهم، أى اليهود والنصارى ((أقاموا التوراة والإنجيل، بأن عملوا بما فيهما من أقوال تدعوهم إلى الإيمان بالدين الحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وتركوا تحريف الكلم عن مواضعه. ولو أنهم - أيضا - آمنوا بما (أنزل إليهم من ربهم) من قرآن مجيد فيه هدايتهم وسعادتهم لو أنهم فعلو ذلك لأناهم الرزق الواسع من كل ناحية، ولعمهم الخير من كل جهة، ولعاشوا آمنين مطمئنين .... والمرأة بالأكل الانتفاع مطلقا. وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الاقتفاعات ويستتبع سائرها . ومفعول «أكلوا، محذوف لقصد التعميم. أو القصد إلى نفس الفعل كما فى قولهم : فلان يعطى ويمنع، وقوله: (( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) مدح للقلة التى تستحق المدح من أهل الكتاب، وذم الكثيرين منهم الذين قبح عملهم ، وفسدت نفوسهم . والأمة : الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد ، أو جنس واحد، (١) سورة الجن الآية ١٦ (٢) سورة هود الآية ٥٢ ٢٩٢ سورة المائدة أو مكان واحد .. ومقتصده من الاقتصاد وهو الاعتدال فى كل شى. والمراد به هنا: السير على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير، وهو طريق الإسلام. ٠١ والمعنى: من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق، وهم قله آمنت بالغبى - صلى الله عليه وسلم - وإلى جوار هذه الجماعة القليلة المستقيمة عدد كبير من أهل الكتاب ساء عملهم ، وأعوج سلوكهم. وكان من سالهم ما يثير العجب والدهشه . والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب من دخل منهم فى الإسلام واتبع ما جاء به النبي - عليه الصلاة والسلام وبذلك زى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية متى آمنوا بالله تعالى - واتبعوا ما جاء به رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ما كان عليه أعداء الإسلام . وخصوصا اليهود - من محاولات لفتنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن دسائس حاكوها لعرقلة سير الدعوة الإسلامية ، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ، ومن حقد على المؤمنين لإيمانهم رسل الله وكتبه، ومن سوء أدب مع خالقهم ورازقهم .... بعد أن حكى - سبحانه - كل ذلك، أتبعه بتوجيه نداء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره فيه بأن يمضى فى تبليغ رسالته إلى الناس دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين، أو حقد الحاقدين. فإنه - سبحانه - قد حماء وعصمه منهم فقال :. (يأيها الرسولُ بَّعْ مَا أُنزِلَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ وإنْ لَمَّ تفعَلْ فابلّغْتَ رسالتَه واللّهُ يَعْصِمُكُ مِنَّ الناسِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى القوم الكافرين (٦٧)). ٢٩٣ الجزء السادس دوى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى مخل. فبيناعو جالس على رأس بر قد دل رجليه، فقال الحارث من بنى النجار: لأقتلن محمدا فقال له أصحابه: كيف تقتله ؟ قال : أقول له أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: «أناه. فقال يا محمد. أعطنى سيفك أشيمه - أى أراه - فأعطاه إياه. فرعدت يده حتى سقط السيف من يده: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حال الله بينك وبين ما تريد . فأنزل الله - تعالى - يا أيها الرسول بلغ ما أزل إليك من ربك ... الآية (١). قال الفخر الرازى - بعد أن ذكر عشرة أقوال فى سبب نزولها - واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله - تعالى - آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها ، .. .(٢) . وهذا الذى قاله الإمام الرازى هو الذى تسكن إليه النفس ، أى أن الآية الكريمة ساقها الله - تعالى - لتثبيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقوية قلبه وأمره بالمضى فى تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرتم به وكرامتهم له ... حديثا مستفيضا، وقد بشره - سبحانه - فى هذه الآية بأنه حافظه من مكرم ، وعاصمه من كدم. وقوله: (( بلغ، من التبليغ بمعنى إيصاله الشىء إلى المطلوب إيصاله إليه. (١) تفسيرابن كثير جـ ٢ ص ٧٩٪ (٢) تفسير الألوسى ج ١٢ ص ٠٧٩ ٢٩٤ سورة المائدة والمعنى: « يأيها الرسول، الكريم المرسل إلى الناس جميعا . بلغ، أی: أوصل إليهم , ما أنزل إليك من ربك ، أى: كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهى والأحكام والآداب والأخبار .. . دون أن تخشى أحداً إلا الله. ((وإن لم تفعل)) ما أمرت به من إيصال وقبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك إلى الناس (( فما بلغت رسالته، أى: وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئا ما أو حاه الله إليه، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركالها كلها . وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: قوله: ((وإن لم تفعل، أى: وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك، فما بلغت رسالته، أى: فلم تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة، ولم تؤد منها شيئا قط ، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، الإدلاء كل منها بما يدلى به غيرها ، وكونها لذلك فى حكم شىء واحد. والشىء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ؛ مؤمنا به غير مؤمن به ... )(١) . وفى نداته - صلى الله عليه وسلم - بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما يأمره به الله من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحدا سواء . لأن الله - تعالى - هو الذى خلقه ورباء وتعبده بالرعاية والحماية، وهو الذى اختاره لحل هذه الرسالة دون غيره، فمن الواجب عليه - صلى الله عليه وسلم۔ أن يبلغ جميع ما أنزل إليه منه - سبحانه -. قال الجمل: وقوله: ((وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، ظاهر هذا التركيب (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٩٥٦ ٢٩٥ الجزء السادس اتحاد الشرط والجزاء، لأنه يؤول ظاهراً إلى وإن لم تفعل فما فعلت ، مع أنه لا بد وأن يكون الجواب مغايراً للشرط لتحصل الفائدة، ومنى اتحدا اختل الكلام . وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أى : وإن تركت شيئاً فقد تركت الكل، وصار ما بلغته غير معتد به فصار المعنى: وإن لم تستوف ما أمرت بقبليغه لحكمك فى العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئاً أصلا.،.)،(١) وقال صاحب الانتصاف ما ملخصه : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمراً معلوما عند الناس أنه عظيم شنيع، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من السالم أمر فظيع، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول: لما كان الأمر كذلك استنى عن ذكر الزيادات التى يتفاوت بها الشرط والجزاء ، للصوقها بالجزاء فى الأفهام وإن كان من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد. وحسن هذا الأسلوب فى الكتاب العزيز يذكر الشرط عاما بقوله: ((وإن لم تفعل، ولم يقل: فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة، حتى يكون اللفظ مغايراً، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحداً - أحسن رونقاً، وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد فى الشرط والجزاء، وهذا الفصل كاللباب من علم البيان،(٢). هذا، ومن المعلوم الذى لا خفاء فيه عند كل مسلم ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ ما أمره به ربه البلاغ التام، وقام به أتم القيام دون أن يزيد شيئا على ما كلفه به ر به أو ينقص شيئا . وقد ساق ابن كثير عند تفسير، لهذه الآية جملة من النصوص التى تشهد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد امتثل أمر اته فى تبليغ رسالته، ومن (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥١٠. (٢) ساهية الكشاف ج ١ ص ٠٦٥٨ ٢٩٦ وسورة المائدة ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت المسروق : من حدثك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا ما أنزل الله عليه فقد كذب. والله يقول: بأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ... الآية). . ثم قال ابن كثير: وقد شهدت له - صلى الله عليه وسلم - أمته بإبلاغ الرسالة، واستنطقهم بذلك فى أعظم المحافل فى خطبته يوم حجة الوداع ... فقد قال فى خطبته يومئذ: أيها الناس، إنكم مسؤولون عنى فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ... ))(١). وقوله: (( والله يعصمك من الناس، وعد منه - سبحانه - بحفظ نبيه كيد أعدائه . وقوله: « يعصمك، من العصم بمعنى الإمساك والمفع. وأصله - كما يقول ابن جرير - من عصام القربة، وهو ماتربط به من سير وخيط ومنه قول الشاعر: وقلت عليكم مالك إن مالكا سيعصمكم إن كان فى الناس عاصم أى: سيمنعكم(!) والمعنى: عليك با محمد أن تبلغ رسالة الله دون أن تخشى أحدا سواه، وأقه - تعالى - بحفظك من كيد أعدائك ، ويمنعك من أن تعلق نفسك بشىء من شبهاتهم واعتراضاتهم، ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك : فالمراد بالعصمة هنا: عصمة نفسه وجسمه - صلى الله عليه وسلم - من القتل أو الإهلاك، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل ... وهذا لا ينافى ما تعرض له - صلى الله عليه وسلم - من بأساء وضراء وأذى بدنى، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه، وشج وجهه وكسرت رباعيته فى غزوة أحد . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٧. (٢) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٣٩. ٢٩٧ الجزء السادس والمراد بالناس هنا: المشر كون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال والعناد، إذ ليس فى المؤمنين الصادقين إلا كل محب قه ولرسوله ." ولقد تضمنت هذه الجمله الكريمة معجزة كبرى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد عصم الله - تعالى - حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أبدى الناس مهما دبروا له من مكر و كيد ..... لقد تجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله فى دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة ... ونجاه من کید اليهود عندما هموا بالقاء حجر علیه وهو جالس تحت دار من دورم .. ونجاه من مكرهم عندما وضعت إحدى نسائهم السم فى طعام قدم إليه - صلى الله عليه وسلم - ... إلى غير ذلك من الأحداث التى تعرض لها النبى - صلى الله عليه وسلم - من أعدائه، ولكن الله - تعالى - نجاه منهم (١) ... وهناك آثار تشهد بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يحرس من بعض أصحابه، فلما نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته فقد أخرج الترمذي والحاكم وابن أبى حاتم وابن جرير عن عائشة قالت: ' كان رسول الله يحرس ليلا حتى نزلت ,وافقه يعصمك من الناس، فأخرج رسول الله - صلى عليه وسلم - رأسه من القبة فقال لهم: أيها الناس، انصرفوا لقد عصمنى الله»(٢). وقوله: ((إن الله لا يهدي القوم الكافرين)) تذييل قصدبه تعليل عصمته - صلى الله عليه وسلم - وتثبيت قلبه أى: إن الله - تعالى - لايهدي القوم (١) إذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى كتاب ((أعلام النبوة)) الماوردى. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٧٨ ٢٩٨ سورة المائدة الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم العى على الرشد ... ولا يوصلهم إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك، بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك . وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه. أمره - سبحانه - أن يصارح أهل الكتاب بما هم عليه من باطل، وأن يدعوهم إلى إتباع الحق الذى جاء به فقال - تعالى - : (( قُلْ يَاَ أهلَ الكتاب لستُم على شىءٍ حتى تقيمُوا التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزِل إليُكُم مِنْ ربكم، وليزيدَنَّ كثيراً منهم ما أُنزِل إليكَ من ربِّك طفيانًا وكفراً، فلا تأسَ على القوم الكافرين (٦٨))). قال الألوسى: أخرج ابن إسحاق وابن جريروغيرهما عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وفؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها . من الله حق ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها ما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمركم أن تبينوه للناس فيرئت من أحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ بما فى أيدينا، فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن بك ولانتبعك . فأنزل اقه: قل يا أهل الكتاب استم على شى ..... الآية )) (9). والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين إمتدت أيديهم إلى كتبهم. بالتغيير والتبديل ... قل لهم ((يا أهل الكتاب لستم على شىء )) يعتد به من الدين أو العلم أو المروءة ، حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم. من ربكم ) . (١) تفسير الآلوسى =٦ ص ٢٠٠ ٢٩٩ الجز الثالث أى: لستم على شىء يقام له وزن من أمر الدين حتى تعملوا بماجاء فى التوراة والإنجيل، من أقوال تبشر برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحتى تؤمنوابما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهدى إلى الرشد : لأنكم مخاطبون به ، ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه ، ومحاسبون حسابا عسيراً على الكفربه، وعدم الإذعان لما اشتمل عليه . والتعبير بقوله - تعالى -. لستم على شىء)) فيه ما فيه من الاستخفاف بهم، والتهوين من شأنهم ، أى: لستم على شىء يعتد به ألبتة من أمر الدين . وذلك كما يقول القائل عن أمر من الأمور: هذا الأمر ليس بشى ءٍ يريد تحقيره وتصغير شأنه. وفى الأمثال ، أقل من لاشىء. فالجملة الكريمة تنفى عنهم أن يكون فى أيديهم شىء من الحق والصواب ما داموا لم يؤمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - الذى بشرت به التوراة والإنجيل وأنزل الله القرآن وهو الكتاب المهيمن على الكتب السماوية السابقة. وقوله : « ولیزیدن کثیراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا و كفراً ، ، جملة مستأنفة. مبينة لغلوهم فى العناد والجحود، وناعية عليهم عدم انتفاعهم بما يشفى النفوس، ويصلح القلوب ... والضمير فى قوله ((منهم، يعود إلى أهل الكتاب . أى : وإن ما أنزلناه إليك با محمد من هدايات وخيرات ليزيدن هؤلاء الضالين من أهل الكتاب طغيانا على طغيانهم، وكفراً على كفرهم؛ لأن نفوسهم لانميل إلى الحق والخير وإنما تنحدر نحو الباطل والشر. وقوله: (( فلا تأس على القوم الكافرين ، تذييل قصد به تسلية الرسول- صلى الله عليه وسلم - والفاء للإفصاح. والأسى. الحزن. يقال: أى فلان علی کذا يأسى أمى إذا حزن . أى: إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلاتحزن عليهم ، ولا تتأسف على ٣٠٠ سورة المائدة القوم الكافرين ؛ فإنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وفى المؤمنين غنى لك عنهم. وليس المراد نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحزن والأسى، لأنهما أمران طبيعيان لاقدرة الإنسان عن صرفها، وإنما المراد نهيه على لوازمهما، كالإيثار من محاولة تجديد شأن المصائب , وتعظيم أمرها. وبذلك تتجدد الآلام ، ويحزن القلب ... ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الناس أمامه سواء، وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالإيمان والعمل الصالح ، وأن الإيمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة ، وأفعال سيئة فقال - تعالى - : إن الذين آمنوا والذين صادوا، والصابئون والنصارى ، من آمن وأفقه واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون (٦٩). فالآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإيمان باقه واليوم الآخر ، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة ، وأعمال صالحة ... وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الآية أربع فرق من الناس : أما الفرقة الأولى فهى فرقة المؤمنين ، وهم الذين عبر عنهم - سبحانه - بقوله: ((إن الذين آمنوا .. )) أى: آمنوا إيمانا صادقا، بأن أذعنو اللحق الذى جاء به محمد - صلى أقه عليه وسلم - واتبعوه فی کل ما جاء به . وقد أبتدأ القرآن بهم لشرفهم وعلى منزلتهم، والإشعار بأن دين الإسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، ولافضل لأمة على أمة إلا بذلك . والفرقة الثانية فرقة الذين هادوا. أى اليهود. يقال: هاد وترودإذادخل فى اليهودية . وسموا يهودا نسبة إلى يهوذاً أكبر أولاد يعقوب - عليه السلام-