النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الجزء السادس
ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة التى هذا شأنها ، لا بد أن
تضطرب كلمتها، ويهون أمرها ، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فها،
لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل
من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم ، حتى يعيشوا آمنين
مطمئنين ، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج.
وقد قال القرطبى فى هذا المعنى: ((وإذا أخاف المجاربون السبيل،
وقطعوا الطريق ، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على
المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يقبع
منهم مدبراً إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ
ويقام عليه ماوجب جنايته .. (١).
وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المحار بين له ولرسوله -صلى الله عليه وسلم
وأخرج منهم من تاب إليه - سبحانه - قبل القدرة عليه ... بعد كل
ذلك وجه - سبحانه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه ، وبالتقرب إليه
بالعمل الصالح فقال - تعالى - :
(يأيها الذينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إليه الوسيلةَ، وجاهِدوا فى
سبيلهٍ لعلكم تفلحون (٣٥))).
. وقوله: ((اتقوا)) من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه
الله - تعالى -.
وقوله: ((وابتغوا، من الابتغاء وهو الاجتهاد فى طلب الشىء،
و(«الوسيلة)، على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى الله
- تعالى -، من فعل الطاعات، واجتناب المعاصى، مأخوذة من وسل إلى
كذا، أى. تقرب إليه بشىء. وقيل: الوسيلة الحاجة.
قال الراغب: الوسيلة: التوصل إلى الشىء برغبة، وهى أخص من
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ١٥٥.

١٨٢
سورة الماوحده
الوصيلة ، لتضمنها معنى الرغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله
بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة، وهى كالقربة . والواسل: الراغب
إلى الله - تعالى . .(١).
والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم.
((اتقوا الله، أى: خافوه وصوفوا أنفسكم عن كل مالا يرضيه, وابتغو
إليه الوسيلة)): أى: أطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق
مداومتكم على فعل الطاعات، والفزود من الأعمال الصالحات ، واجتنار
المعاصى والمنكرات .
((( وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون)، أى: وجاهدوا أنفسكم بكفها عن
الأهواء، و کذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هی العلیا، رجا
أن تفوزوا بالفلاح والسعادة فى الدنيا والآخرة .
١
وقد ناداه - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة فى قلويه
وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة وإخلاص.
وقوله: (( إليه)) متعلق بالفعل قبله وهو ((ابتغواء. أو بلفظ ,الوسيد
لأنها بمعنى المتوسل به ، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص.
أى . أطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة
ولا تتقربوا إلى غيره إلا فى ظل طلب رضاه - سبحانه -.
أو: أطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم، فإن بيده مقا!
السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره .
وقد جاء لفظ الوسيلة فى الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجا
فى الجنة ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى، وهو التقرب إلى الله والتو.
إليه وحده بالطاعات ، لأن من يفعل ذلك ينال من الله - تعالى
أسمى الدرجات .
(١) المردات فى غريب القرآن ص ٥٢٣

١٨٣
الجزء السادس
وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى فقال ما ملخصه
والوسيلة: القربة . كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة .
وغير واحد .
قال قتادة: أى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه .
والوسيلة أيضاً: علتم على أعلى منزلة فى الجنة وهى منزلة رسول الله صلى
الله عليه وسلم - وداره فى الجنة، وهى أقرب أمكنة الجنة إلى العرش . وقد
ثبت فى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم - : من قال حين سمع النداء - أى الأذان - : اللهم رب هذه
الدعوة التامة ، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا
الذى وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة .
. وثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبى - صلى الله
عليه وسلم - يقول: (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على،
فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لى الوسيلة فإنها منزلة
فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو .. فمن سأل
الوسيلة حلت له شفاعتي ،(١) .
1
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعده
بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية ، أو ثلاث مقدمات وفتيجة .
أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهى: تقوى الله، والتقرب إليه
بما يرضيه ، والجهاد فى سبيله .
وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهى الفلاح والفوز والنجاح ..
ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم
فى دنيام وفى آخر تهم .
١
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ من ٥٣.

١٨٤
سورة المائدة
هذا، والعلماء كلام طويل فى التوصل والوسيلة ، نرى أنه لا بأس من ذكر
جانب منه .
قال الامام ابن تيمية: إن لفظ الوسيلة والتوسل ، فيه إجمال واشتباه،
يجب أن تعرف معافيه ويعطى كل ذى حق حقه . فيعرف ما ورد به الكتاب
والسنة من ذلك ومعناه : وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك .
ويعرف ما أحدثه المحدثون فى هذا اللفظ ومعناه فإن كثيراً من إضطراب
الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك فى الألفاظ
ومعافيها ، حتى تجد أكرم لا يعرف فى هذا الباب فصل الخطاب .
إن لفظ الوسيلة ورد فى القرآن ومن ذلك قوله - تعالى - ((يأيها الذين
آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ... ).
والوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه. هى ما يتقرب به إليه من الواجبات
والمستحبات .
نجماع الوسيلة التى أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء
به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.
ولفظ الوسيلة ورد - أيضا - فى الأحاديث الصحيحة كقوله - صلى
الله عليه وسلم - : سلوا أقه لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد
من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد .
ثم قال: والتوسل بالنبى - صلى الله عليه وسلم - والتوجه به فى كلام
الصحابة ، بریدون به التوسل به وشفاعته . والتوسل به فى عرف كثير من
المتأخرين يراد به الأقسام به والسؤال به .
وحينئذ فلفظ التوسل به - صلى الله علية وسلم - يراد به معنيان صحيحان
باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة .
أما المعنيان الصحيحان فأحدهما التوسل بالإيمان به وبطاعته ، والثانى :

P
١
الجزء السادس
١٨٥
دعاؤه وشفاعته ... ومن هذا قول عمربن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجد بنا
توصلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا - العباس - فاسقنا
أى بدعائه و شفاعته .
والتوسل بدعائه وشفاعته كماقال عمر - هو توسل بدعائه لا بذاته ،
ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس .
فلما عدلوا عن التوصل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل فى حياته.
قد تعذر بموته .
.وأما المعنى الثالث الذى لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الأقسام على الله
بذاته والسؤال بذاته . فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا فى حياته ولا بعد ماته
ولا عند قبره ولا غير قبره. ولا يعرف فى شىء من الأدعية المشهورة بينهم.
وإنما ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عن من
ليس قوله حجة . (١).
قال الألوسى ما ملخصه: وإستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية
الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله - تعالى- وبين العباد والقسم
« على أنه - تعالى - بهم، بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا
كذا . ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين : يا فلان أدع
الله أن يرزقنى كذاو كذا. ويزعمون أن ذلك من إبتغاء الوسيلة ... وكل ذلك
بعيد عن الحق بمراحل .
وتحقيق الكلام فى هذا المقام أن الاستغائة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى
طلب الدعاء منه لا شك فى جوازه إن كان المطلوب منه حيا ، ولا يتوقف
على أفضليته من الطالب ، بل قد يطلب الفاضل من المفضول ، فقد صح أنه
(١) من كتاب الوسيلة ((للامام ابن قيمبة)) نقلا عن تفسير القاسمى ج٦ ص ١٩٦٨

١٨٦
سورة المائدة
صلى الله عليه وسلم - قال لعمر لما استأذنه فى العمرة: لاتنسنا يا أخى من
دعائك ..
ولم يرد عن أحد من الصحابة - وهم أحرص الناس على كل خير - أنه
طلب من ميت شيئا.
وأما القسم على الله - تعالى - بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى
أقسم عليك أو أسألك بقلان إلا ما قضيت لى حاجئ، فعن ابن عبد السلام
جواز ذلك فى النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنه سيد ولد آدم. ولا يجوز
أن يقسم على الله بغيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء، لأنهم ايوا
فى درجته .
ومن الناس من منع التوصل بالذات ، والقسم على الله بأحد من خلقه
مطلقا، وهو الذى رشح به كلام ابن تيمية ، وفقله عن أبى حنيفة وأبى
يوسف ، وغيرهما من العلماء الأعلام !. ثم قال بعد كلام طويل:
وبعد هذا كله وأنا لا أرى بأسا فى التوسل إلى الله - تعالى - بجاه النبى
- صلى الله عليه وسلم - حيا وميتا، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من
صفاته - تعالى - مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته
فيكون معنى القائل: إلهى أتوسل بجاه نبيك - صلى الله عليه وسلم - أن تقضى
لى حاجتى، أى: إلهى أجمل محبتك له وسيلة فى قضاء حاجتى .. بل لا أرى
بأسا - أيضا - فى الأقسام على الله - تعالى - بجاهه - صلى الله عليه وسلم -
بهذا المعنى .
ثم قال: وأن الناس قد أكثر وا من دعاء غير الله - تعالى - من الأولياء،
الأحياء منهم والأموات وغيرهم. مثل يا سيدى فلان أغثنى. وابس ذلك
من التوسل المباح فى شىء. واللائق بمنال المؤمن عدم التفوه بذلك، وأن
لا يحوم حول حماه، وقد عدد بعض العلماء شركا، وان لا يكنه فهو قريب منه.

١٨٧
الجزء السادس
فالخزم التجغب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله - تعالى - القوى الغنى
الفعال لما يريد (١)،.
وبعد أن حض - سبحانه - عباده المؤمنين على تقواه والتقرب إليه بصالح
الأعمال لكى ينالوا الفلاح والنجاح .. عقب ذلك ببيان ما أعده للكافرين
٠
من عذاب أليم فقال - تعالى -:
((إِنَّ الذينَ كفروا لو أنّ لهم ما فى الأرضِ جميعاً وَمِثْلَهُ معهُ
لَيَفْتَّدوا به من عذابٍ يومِ القيامةِ ما تَقَبِّل منهم ولهم عذابٌ
أليمٌ (٣٦) يريدونَ أنْ يخرجوا من النارِ وما ◌ُمْ بِخَارِجيزَ منها، ولهم
عذابٌ مُقِيمٌ (٣٧))).
والمعنى: ((إن الذين كفروا، بآياتنا، وجحدوا الحق الذى جامتهم به
رسلنا (لو أن لهم ما فى الأرض جميعا، أى: لو أن لهم جميع ما فى الأرض من
. أموال وخيرات ومنافع (( ومثله معه)، أى: وضعفه معه، وقدموا كل ذلك
((ليفتدوا به، أى: ليخلصوا به أنفسهم ((من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم))
أى : ما قبله الله منهم، لأن سنته قد إقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب
يوم القيامة متوقفة على الإيمان والعمل الصالح ، لا على الأموال وما يشبها من
حطام الدنيا مهما عظم شأنها ، وكثر عددها .. . ولهم عذاب أليم أى : شديد
فى آلامه وأوجاعه .
فالآية الكريمة تبين ما أعده الله - تعالى - يوم القيامة للكافرين بآياته من
عذاب أليم، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ثمن، أو بذلوامن أموال
وقوله («لو أن لهم .. إلخ)، هذه الجملة الشرطية وجوابها خبر إن فى قوله:
٠٠ ...
.( ف الذ بن كفروا
(١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٢٤

١٨٨
سورة المائدة
وصدرت الآية الكريمة بأداة التوكيد (إن) الرد على ما ينكره الكافرون
من وقوع عذاب عليهم يوم القيامة ، فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: «نحن
أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)).
والمراد بقوله: ((لو أن لهم.،)) أى: لو أن لكل واحد منهم منفردا،
ما فى الأرض جميعا ومثلة معه، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب،
ما قبل منه ذلك الذى قدمه. وفى ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم. ووقوعه
بهم لا محالة. وقوله: ((جميعا، توكيد للوصول وهو ((ما)، فى قوله :
((ما فى الأرض، أو حال منه. وقوله: ((ومثله، معطوف على إسم أن وهو
«ماء الموصولة .
وقوله: (( معه، ظرف واقع موقع الحال من المعطوف، والضمير يعود.
إلى الموصول. وجاء الضمير المجرور فى قوله , ليفتدوا به)) بصيغة الإفراد،
مع أن الذى تقدمه شيئان وهما: ما فى الأرض جميعا ومثله. الإشارة إلى أنهما
لتلازمهما قد صارا بمنزلة شىء واحد. أو لإجراء الضمير مجرى إسم الإشارة.
, بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور أى ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب
يوم القيامة ما تقبل منهم .
ونفى - سبحانه - قبول الفديه منهم بقوله: «ما تقبل منهم، الإفادة تأكيد "
. هذا النفى وإستبعاده، إذ أن صيغة («التقبل» تدل على تكاف القبول. أى:
أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهماقدموا من أموال، ومهما بذلوا من محاولات
فى سبيل الوصول لفرضهم.
قال الفخر الرازى: والمقصود من هذا الكلام التمثيل المزوم العذراب لهم،
فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه (١).
ر، ى البخارى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له : بابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول:
شر مضجع . فيقال له. أرأيت لو كان لك مل. الأرض ذهبا أكنت تفتدى به؟
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٢٢١

١٨٩
الجزء السادس
فيقول: نعم فيقال له: قد كنت سئلت ماهو أيسر من ذلك: أن لا تشرك
بالله شيئا. فيؤمر به إلى النار (١))).
وقوله - تعالى -: ((يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها
ولهم عذاب مقيم، بيان لدوام نزول العذاب بهم بعد بيان شدة آلامه وأوجاعه
أی : برید هؤلاء الكافرون، أن يخر جو امن الغار » بعد أن ذ قوا عذابها
وآلامها، (( وما هم بخارجين منها، أبدا، بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من
قبائح ومنكرات: (( ولهم عذاب مقيم، أى: دائم ثابت لا ينقطع.
فأنت ترى هاتين الآيتين قد بينتا سوء عاقبة الكافرين، بعد أن رغب
- سبحانه - المؤمنين فى التقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح ، وذلك لكى يزداد
المؤمنون إيمانا ، ولكى ينصرف الناس عن الكفر والفسوق والعصيان، إلى
الإيمان والطاعة والاستجابة لتعاليم الله الواحد القهار.
وبعد أن بين - سبحانه - عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله، ودعا
المؤمنين إلى التقرب إليه بالعمل الصالح . وبين سوء عاقبة المكافرين ... بعد
أن بين كل ذلك، أعقبه ببيان عقوبة السرقة فقال - تعالى -:
((والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فاقطعُوا أَيدِيَهُما جزاء بما كسباً نكالاً من
اللهِ، والّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَنْ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظَلْمِهِ وأصلحَ فإنَّاللهَ
يتوبُ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ (٣٩) ألمْ تَعلَمٍ أَنَّ اللهَ له مُلْكٌ
السموات والأرضِ يعذِّبُ مَنْ يشاءٍ، ويغفِرُ لمن يشاء واللهَ على كل
شىء قديرٌ (٤٠))».
قال الجمل ما ملخصه: قوله - تعالى -: «والسارق والسارقة ... إلخ))
شروع فى بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى .
(١) رواه البخارى فى باب ((من نوقش الحساب عذب، ومن كتاب الرقاق)
=٨ س ١٣٩

١٩٠
سورة المائدة .
وقرأ الجمهور: والسارق والسارقة بالرفع وفيها وجهان: أحدهما - وهو
مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين - أن السارق مبتدأ محذوف
الخبر. والتقدير: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى:
حكم السارق، ويكون قوله ((فاقطعوا، بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء
مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء
لتوهم أنه أجنبى, والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية والثانية أمرية،
والثانى، وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ -أيضا - والخبر
الجملة الأمرية من قوله ((فاقطعوا .. ، وإنما دخلت الفاء فى الخبر، لأنه يشبه
الشرط ، إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذى والتى والصفة علمتها ، فهى
فى قوة قولك والذى يسرق والتى تسرق فاقطعوا.، (١)
والمعنى: ((والسارق، أى: من الرجال , والسارقة، أى: من النساء
(((فاقطعوا، أيديهما، أى فاقطعوا بد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده.
والأنثى إذا سرقت قطعت يدها
والخطاب فى قوله: «فاقطعوا، لولاة الأمر الدين اليهم يرجع تنفيذ
الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال («أيديهما، ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن
فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية.
وقوله (( جزاء بما كسبا نكالا من الله)) بيان السبب هذه العقوبة، والحكمة.
التی من أجلها شرعت
أى: اقطعوا أيديهما جزاء لهم) بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السىء،
وخيانتهما القبيحة، ولكى يكون هذا القطع لأيديهما(( فكالا، أى: عبرة
وزجرا من الله - تعالى - لغير هما حتى يكف الناس عن إرتكاب
هذه الجريمة .
يقال: فكل فلان بفلان تنكيلا أى: صنع به صنيعا يحذر غيره .
(١) حاشية الجمل على الجلااین ج ١ ص ٤٨٨
٠

١٩١
الجزء السادس
والإسم الثكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من الننكل - بالكر-
وهو "قيد الشديد، وحديدة اللجام، لكونهما ما فعين وجمعه انكال.
وسميت هذه العقوبة فكالا ، لأنها تجعل غیر من نزلت به يخاف من. إرتكابها
حتى لا ينزل به ما نزل بمر تكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره.
وقوله: ((والله عزيز حكيم، أى: والله - تعالى - غالب على أمره، حكيم
فى شرائعه وتكاليفه .
قال صاحب المنار ما ملخصه . وقد كانت العرب بدوها وحضر ها تفهم
الكثير من وضع أسماء الله - تعالى - فى الآيات بحسب المناسبة.
ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال : كنت أقرأسورة المائدة ، ومعى
أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت ((والله غفور رحيم)) سهوا. فقال الأعرابى
كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله . قال: أعد فأعدت ((والله غفور رحيم، ثم
( قلبهت فقلت: ((والله عزيز حكيم ,فقال: الآن أصبت. فقلت له. كيف
عرفت؟ فقال: يا هذا (, عزيز حكيم ، فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما
أمر بالقطع .
فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضى المغفرة
والرحمة، وأن الله - تعالى - يضع كل إسم موضعه من كتابه.) (١)
ثم فتح - سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى -: «فمن تاب من بعد
ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ،.
أى: فمن تاب إلى الله - تعالى - قوبة صادقة من بعد المه لنفسه بسبب
إيقاعها فى المعاصى التى من أكبرها السرقة «وأصلح عمله بالطاعات التى تمحو
السيئات (( فإن الله بتوب عليه، أى: يقبل قوبته، ويغسل حوبته، إن الله
واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب
التوبة والإنابة.
(١) تفسير المنار = ٦ ص ٢٨٤.

١٩٢
سورة المائدة
فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم فى التوبة إلى الله ، وفى
الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته .
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته، بصيغة
الاستفهام التقريرى فقال - تعالى -: ((ألم تعلم أن الفقه له ملك السموات والأرض
يعذر من يشاء، ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير،
أى: ألم تعلم أيها العاقل أن الله - تعالى - له ملك السموات والأرض،
بحيث يتصرف فيهما وفى غيرهما من خلاله تصرع المالك فى ملكه بدون
مدافع أو منازع .
فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما
متيقنا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا لخالتك فى كل ما أمرونهى
وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة .
وقوله : « يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، تأكيد لشمول قدرته ونفاذ
إرادته، أى: هو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء وهو
صاحب السلطان المطلق فى خلقه ، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه .
وله أن يرحم من يشاء رحمته
قال الآلوسى: (( وكان الظاهر لحديث سبقت رحمتى غضبى، تقديم المنفرة
على التعذيب وإنما عكس منا ، لأن التعذيب المصر على السرقة ، والمغفرة
للتائب منها . وقد قدمت السرقت فى الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء
هذا اللاحق على ترتيب السابق .
أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى -
والأول فى الدنيا والثانى فى الآخرة، جىء به على ترتيب الوجود . أو لأن
المقام مقام الوعيد .
أو لأن المقصود وصفه - سبحانه بالقدرة؛ فى تعذيب من يشاء أظهر من
القدرة فى مغفرته. لأنه لا إباء فى المغفرةمن المغفور، وفى التعذيب إباء بين(١)
(١) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ١٢٥

١٩٣
الجزء السادس
وقوله: ((وأبته على كل شىء قدير، تذييل مؤ كد لما قبله، ومقرر لشمول
قدرته - سبحانه - على كل شىء .
هذا، وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة ، وعن شروط إقامة حدما، وعن
طريقة إثباتها ... وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها، تكلموا عن كل
ذلك باستفاضة فى كتب الفقه وفى بعض كتب التفسير .
وزى أنه لا بأس مزذكر خلاصة لبعض المسائل التى تحدثوا عنها فيقول:
١ - عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصا
من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة .
٢ - وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا
قطعت يده به ، سوام أ كان قليلا أم كثيراً ، لعموم هذه الآية.
ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق
قدراً معينا من المال ، وقد تفاوتت أنظارهم فى هذا القدر.
فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا فى عشرة دراهم فصاعدا ، أو فيما قيمته
عشرة دراهم . ومن حججهم مارواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
قال رسول أقه - صلى الله عليه وسلم -: ((لا قطع فيما دون عشرة درام)).
والمالمكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا فى ربع دينار أوقيمته ذلك.
. ومن حججهم ماروى عن عائشة أنها قالت: « تقطع يد السارق فى ربع
دينار فصاعدا ،.
قال القرطی: وظاهر الآ يةالعموم فی کل سارق و ليس كدلك لقوله - صلى
الله عليه وسلم -«لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا، فبين أنه إنما
أراد بقوله « والسارق والسارقة » بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد
السارق فى أقل من ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو فى ثلاثة دراهم ...
وقال أحمد: إن سرق ذهبا فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة
فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق ...
(١٣ - سورة المائدة)

١٩٤
سورة المائدة
وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى : لاتقطع يد السارق إلا فى عشرة
دراهم كيلا، أو فى دينار ذهبا عينا أو وزنا. ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع
من ملك صاحبه .. ثم قال: وتقطع اليد من الرسغ ... ولا خلاف فى أن
الينى هى التى تقطع أولا »(١).
٣ - وقد اشترط لفقهاء فى المال المسروق الذى تقطع فيه يد السارق أن
يكون مالا محرزا، أى مصونا محفوظا معنيا بحفظه لعناية اللائقة بمثله:
قال القرطى: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف
فى كل شىء بحسب حاله . قال ابن المنذر: ليس فى هذا الباب خبر ثابت لامقال
فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل
الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفى الموطأ لمالك أن رسول الله - صلى الله عليه.
وسلم - قال: (( لا قطع فى ثمر معلق - أى فى نمر على الأشجار - ولا حرية"
جبل - أى لما يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ
ثمن المجن».
كذلك اشتر طواعدم الشبهة فى المال المسروق. لقوله - صلى الله عليه وسلم-
, ادر وا الحدود بالشبهات ما استطعتم»،
فلا یقطع من سرق مالا له فیه شر کة ، أو سرق من مدينه مثل دينه ،
ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده . ولا الأب إذا سرق من مال ابنه
وما أشبه ذلك لوجود الشبهة .
كذلك اشترطوا فى المسروق الذى يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما.
أى، مما يتمو له الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة ، فلا نقطع يد السارق إذا
سرق شيئا نافها، أو سرق شيئا مما لا يتمول كالتراب والطين والماء
وما يشبه ذلك .
(١) تفسير القرطبي ج ٦ ص ١٦٠ بتصريف وتلخيص

١٩٥
الجزء السادس
كذلك إشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله . فإذا كان مما
يحرم تناوله أو إستعماله كاخر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه فى
تلك الأحوال لا تقطع يد السارق .
وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات.
الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين ... إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات
إلا على الذين يستحقونها، وفى أضيق الحدود، وبأدق الشروط ، عملا بقول
الرسول - صلى الله عليه وسلم -«ادر. وا الحدود بالشبهات ما إستطعتم».
ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان فى
دنياهم، والفوز والرضا من الله - تعالى - فى أخرام .
٤ - كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى -: ((فمن تاب
من بعد ظلّه وأصلح فإن الله يتوب عليه، أن التوبة تمنع إقامة الحد.
قالوا: لأن هذه الآية قد إقترنت بقوله - تعالى -: ((والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديما ... (( فكانت مخصصة للعموم فى الأمر بالقطع،
وإلا ما إِفترقت به ولأنه قد ورد فى الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ماقبلها
ومن ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (التائب من الذنب كمن لاذنبله،
ويرى الأحناف والمالكيه أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع
عام يشمل التائب وغير التائب ، والتوبة المنصوص عليها فى هذه الآية هى
ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبويه.
قال ابن کثیر : قوله - تعالى - «فمن تاب من بعد ظله .. إلخ » أى: من
تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه .. ماما أموال.
الناس فلابد من ردها اليهم أو رد بدلها . وهذا عند الجمهور .
وقال أبو حنيفة: مته قطع وقد تلفت فى يده فإنه لا يرد دلها.

١٩٦
سورة المائدة
.. وقد روى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله أتى بسارق قد سرق
شملة فقال :ما إخاله قد سرق). فقال السارق: بلى يا رسول الله. فقال
- صلى الله عليه وسلم -: " إذهبوا به فقطعوه ثم احسموه ثم أنتونى به».
فقطع فأتى به فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله. فقال: « تاب الله
عليك ، - أى : قبل توبتك ..
وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصارى : أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول
أنه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، إنى سرقت جملاً لبنى فلان
فطهر فى . فأرسل إليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا افتقد ناجملا
لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول الحمد لله الذى ظهرفى منك . أردت
ان تدخلی جسدی النار ».
وروى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو أن أمر أة سرقت على عهد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لجاء بها الذين سرقتهم فقالوا: يارسول الله: إن
هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل لى
من قوبة يا رسول الله ؟ قال: نعم . أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك
أمك، فأنزل الله - تعالى -: ((فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب
علیه . الآ ية » . (١)
هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات
الكريمة ، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء فی کتبهم ،
وإلى ما كتبه بعض المفسرين فى تفاسيرهم (٢)
وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة ، وشرائع حكيمة،
تهدى من اتبعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .. أتبع ذلك بالحديث عن بعض
الوسائل الخبيثة التى أتبعها اليهود وأشباه لكيد الدعوة الإسلامية ، فذكر
(١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٥٦.
(٢) تفسير القرطبى ٦٠ ص ١٥٩ وما بعدها

١٩٧
الجزء السادس
تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ومحاولتهم فتنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عند تقاضيهم أمامه، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه
ويشرح صدره ، فقال - تعالى - :
((يأيها الرسولُ لا يَحزُنكَ الذين يسارعونَ فى الكُفرِ من الذينَ
قالُوا آمنًا بأفواههم ولم تؤمِنْ قلوبُهم. ومِنَ الذين مادُوا ممّعونَ
للكذب، سمّاعُون لقومٍ آخرينَ لم يأتوكَ، يحرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ
مواضِه، يقولُونَ إِنْ أُوتيتم هذا فَخُذُوهُ ، وإنْ لم تُؤْتَوْهُ فاحذرُوا،
ومَن يُرِدِ اللّهُ فِنَتَ فَنْ تَلِكَ لهُ من اللهِ شيئاً، أولئكَ الذينَ لم يُرِدِالْهُ
أَن يُطُهُرَ قلوبَهُمْ، لَهُم فى الدنيا خزىٌ ولَهُم فى الآخرةِ عذابٌ
حَظِيمٌ (٤١) سَمَّادُونَ للِكَذِبِ أَكَأَلونَ السُّحتِ فإنْ جاء وكَ فاحكم
بينَهُم أو أَعرِضْ عنهم، وإنْ تُعرِضْ عنْهُمْ فِلَنْ يضروكَ شيئاً، ونْ
حكمتَ فاعُكُمْ بِنَهُم بالقسط إن الله يحب المُقْسِطين (٤٢) وكيفَ
يُحكمونكَ وعندَم التوراةُ فيها حُكْم القُهِ، ثم يتولَّوْنَ مِنْ بَعْدِ
ذلكَ وما أولئكَ بالمؤمنينَ (٤٣))).
1:
وردت أحاديث متعددة فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة ، ومن
ذلك: ما أخرجه البخارى عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن اليهود جاءوا
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة
قد زنيا . فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: ما تجدون فى التوراة فى شأن
الرجم؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن
فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها .

١٩٨
سورة المائدة
فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له
عبد الله بن سلام : ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم ، فقالوا:
صدق يا محمد؛ فيها آية الرجم . فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فرجما
فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يميل نحو المرأة بقبها الحجارة (١).
وروى مسلم فى صحيحه عن البراء بن عازب قال : مر على رسول انه
- صلى الله عليه وسلم - بيهودى محمم مجلود - أى قد وضع الفحم الأسود على
وجهه للتنكيل به . .
فدعاهم فقال . هكذا تجدون حد الزانى فى كتابكم ؟ فقالوا: نعم . فدها
رجلا من علمائهم فقال : انشدك بالذى أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون
حد الزانى فى كتابكم؟ فقال: لا والله ولولا أنك تشدتنى بهذا لم أخبرك،
نجد حد الزانى فى كتابنا الرجم ، ولكنه كثر فى أشرافنا، فكنا إذا أخذنا
الشريف تركناه . وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد . فقلنا: تعالوا حتى
نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان
الرجم - .
فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: اللهم إنى أول من أحيا أمرك إذا ماتوه
قال: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله - تعالى -: (يأيها الرسول
لا يحزنك ،(٢) .
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: ومن لم يحكمبما أنزل
الله فأولئك هم الكافرون. وأولئك هم الظالمون . وأولئك هم الفاسقون)،
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الحدود ج ٨ ص ٢١٣ طبعة مصطفى الحلي
سنة ١٣٤٥ ٥
(٢) صحيح مسلم - كتاب الحدود ج ٥ ص ١٢٢ طبعة مصطفى الحلي سنة ١٣٨٠ ه

١٩٩
الجزء السادس
قال ابن عباس : أنزلها الله فى الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد
قهرت الأخرى فى الجاهلية، حتى ارتصوا واصطلحوا على أن كل قتيل فتلته
العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا . وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة
فديته مائة وسق . فكانوا على ذلك حتى قدم النبى - صلى الله عليه وسلم -.
فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوالنا
بمائة و سق .فقالت الذلیلة : وهل کانفی حییز دینهمها واحد،و نسبهما واحد،
وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطينا كم هذا خوفا منكم،
فأما إذ قدم محمد - صلى الله عليه وسلم - هلا نعطيكم. فكادت الحرب تهيج
بينهما. ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكما
بينهم . ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم
منكم. ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر
لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا نحكموه.
قدسوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسا من المنافقين ليخبروا لهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلمسا جاءوه أخبر الله رسوله بأمره كله
وما أرادو. فأنزل الله - تعالى -: ((يأيها الرسول لا يحزنك ... )) إلى قوله:
((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)،(١)
قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث
دالة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم بما يوافق حكم التوراة.
وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته ، لأنهم مأمورون باتباع
الشرع المحمدى لا محالة، ولكن هذا بوحى خاص من الله - تعالى- إليه بذلك
وسؤ الهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم ما تواطؤا على كتمانه وجعوده
وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة . فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه ،
ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذى بأيديهم،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٠.

٢٠٠
سورة المائدة
وعدولهم إلى تحكيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما كان عن هوى عنهم
وشهوه لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: « إن أوتيتم
هذا تخذوه، أى: إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلواحكمه, وإن لمتؤ قومفاحذروا»
أى: وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله وأتباعه.(١).
وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التى وردت فى سبب نزول الآيات ، نراها
جميعها قد وردت بأسانيد صحيحة وفى كتب السنة المعتمدة، وأن بعضها قد حكى
أن الآيات نزلت فى شأن القضية التى تحاكم فيها اليهود إلى النبي - صلى الله عليه
وسلم - وبعضها قد حكى أنها نزلت فى قضية دماء. ولا تعارض بين هذه
الأحاديث ، فقد يكون هذان السببان قد حصلافى وقت واحد، أومتقارب ،
فنزلت هذه الآيات فيهما معا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تسدد أسباب
النزول للآية الواحدة أو الطائفة من الآيات .
هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله - تعالى - لرسوله
- صلى الله عليه وسلم - فقال - سبحانه -: (( يأيها الرسول لا يحزنك الذين
يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن
الذين هادوا ..
قال القرطبى: قوله - تعالى -. لا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاى
وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاى . والحزن خلاف السرور . ويقال:
حزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين ،(٢) .
والمعنى: يأيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك: لاتهتم ولاتبال بهؤلاء
المنافقين ، وبأولئك اليهود الذين بقعون فى الكفر بسرعة ورغبه ، ويقولون
بأفواهم آمنا بك وصدقناك، مع أن قوبهم خالية من الإيمان ، ومليئة بالنفاق
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٩
. (٢) تفسير القرطبى = ٦ ص ١٨١