النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الجزء السادس هذا، والآية الكريمة بعد كل ذلك ، تشير إلى شناعة الجريمة فى ذاتها من حيث الباعث عليها، إذ الباعث عليها هو الحسد، ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هى صلة أخوة تقتضى المحبة والمودة والتراحم ، ومن حيث ذات الفعل ، فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك بالله - تعالى - قال الآلوسى: أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا نقتل نفس ظدا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل،. وأخرج ابن جرير والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمر - رضى الله عنه - قال:« إنا لنجد ابن آدم القاتل، يقاسم أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم، (١) ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال: «فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوازى سوءة أخى فأصبح من النادمين » وقوله: ( فبعث)) من البعث بمعنى الإرسال. وهوهنا مستعمل فى الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل . والغراب: طائر معروف. قالوا: والحكمة فى كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان، لأنه يتشاءم به فى الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء. وقوله: (( يبحث فى الأرض، أى: ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض ، ليعمل ما يشبه الحفرة . والتعبير بالمضارع، للإشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا، وكان مجال إستمرار . وقوله: (( ليريه)، إما متعلق بقوله (( بعث)، فيكون الضمير فى الفعل فقه - تعالى - أو متعلق بقوله: «يبحث، فيكون الضمير للغراب. (١) تفسير الآلوسى = ٦ س ١:٥ (١١ - سورة المائدة) ١٦٢ سورة المائدة قال القرطبى : قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قل أحدهما الآخر ثم حفر فدفته - فتعلى قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل أن الغراب بحث الأرض على طعمه - أى: أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة اليه، لأنه عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل بذلك على حوارة أخيه ، (1) . ، والسورأة، ما تسوء رؤيته من الجسد، والمرادبها هنا: جميع جسه الميت وقيل: المراد بها. العورة، لأنها تسوء ناظرها. وحصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، لأن سترها آ كد. وهذه الآية الكريمة من نبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق . والتقدير: أن القائل بعدأن إرتكب جريمته، ورأى جثه أخيه أمامه ملقاة فى العراء .. تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. ((فبعث الله غرابا يبحث)، أى: يحفر ويتبش بمنقاره ورجليه متعمقا, فى الأرض ، (( ليريه، أى: ليعلم ذلك القائل ويعرفه ,كيف يوارى سوءة أخيه، أى: كيف يستر فى التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة، وأصتح عرضة للتغيير والتعفن . وقوله - تعالى -: ( قال ياويتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى ) بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم. وكلمة ( يا ويلتى) أصلها : يا ويلتى. وهى كلمة جزع وتحسر. تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة. كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها ، بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون ذلك إلا فى أشد الأحوال ألماوالويلة كالويل: ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك . (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ١١٥ ١٦٣ الجزء السادس أى: قال القائل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن أرى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - قال ((يا ويلتى)، أى: يا فضحيتى وبليتى أقبلى فهذا وقتك ، لأنى قد نزلت بى أسبابك . وقوله : « أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى، أى: أضعفت عن الحيلة التى تجعلنى مثل هذا الغراب فأستر جسد أخى فى التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه فى الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام فى « أعجزت .. )، للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما إهتدى إليه الغراب، مع أنه إنسان فيه عقل، والغراب طائر من أخس الطيور . وقوله: (( فأوارى، معطوف على قوله: (( أن أكون)). وقوله: ((فأصبح من النادمين ، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب. والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه . . قال الراغب: الندم والندامة التحسر من تغير رأى فى أمر خائت . قال - تعالى -: (((أصبح من النادمين)). وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياء -»(١) . ٤- والمعنى: فأصبح قابيل الذى قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما أقترف من فواحش تدل على جهله، و پنیه، وتمكن الحمد من نفسه . قال صاحب المنار : والندم الذى قدمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب مايصدر عنه من الخطأ فى فعل فعله إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله، والتألم من تعدى حدوده، وهذا هو المراد بحديث «الندم توبة» - رواه أحمد والبخارى فى تاريخه والحاكم والبيهقى . (١) مفردات القرآن الرافب الامنهانى = ٤٨٦ ١٦٤ سورة المائدة وأما الندم الطبيعى الذى أشرنا إليه فلا يعد وحده تو بة . وفی حدیث إبن مسعودفى الصحيحين مرفوعا: (( لا نقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أى نصيب - من دمها؛ لأنه أول من سن القتل، (١). ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ماجرى بين ابنى آدم - ماشر عه من شرائع تزدع المعتدى، وقبشر التقى فقال - تعالى -: (من أجل ذلك كتبنا على ينفى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكانما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .. ) . وأصل معنى الأجل: الجناية التى يخشى منها آجلا. يقال: أجل الرجل على أهله شراً بأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم أستعمل فى تعليل الجنايات كما فى قولهم: من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم أنسع فيه فاستعمل فى كل تعليل . والجار والمجرور ( من أجل) متعلق بالفعل ( كتبنا) واسم الإشارة (ذلك ) يعود إلى ما ذكر فى تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام . والمعنى : بسبب قتل قبيل لأخيهمابیل حسداً وظلما، ومن أجل ما يترقب على القتل بغير حق من مفاسد ( كتبنا) أى فرضنا وأوجبنا (على بنى إسرائيل). فى التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى . قال الجمل : قال بعضهم: إن قوله: ( من أجل ذلك ) من تمام السكلام الذى قبله - أى أنه متعلق بقوله: ( فأصبح من النادمين - والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك . يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره. ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله: من أجل ذلك يجعله من تمام الكلام. الأول، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعانى على أن قوله (من أجل ذلك). ابتداء كلام متعلق بقوله ( كتبنا) فلا يوقف عليه(٢). (١) تفسير المناره ج ٦ ص ٣٤٧ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٤٨٥ - بتصرف وتلخيص - ١٦٥ الجزء السادس و ((من)، هنا للسببية. أى: بسبب هذه الجنايه شرعنا ماشرعنا من أحكام فدفع الشر وإشاعة الخير . وعبر - سبحانه - عن السبببه. بمن لبيان الابتداء فى الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجريمة النكراء التى ستكون آثار ها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنها. وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو« كتبنا، لإفادة المصر أى: من ذلك ابتدىء الكتب ومنه فها لا من شىء آخر . وعبر - سبحانه - بقوله,كتبنا، للإشارة إلى أن الأحكام التى كتبها، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل ، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها . ولا يفرطوا فى شىء منها . ! وخص بنو إسرائيل بالذ کر مع أنالحكم عام ـ لأتهم أول أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفکا للدماء ، وقتلا للمصلحین ، فقد قتلوا کثیرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر المرشدين والنصحين ، ولأن الأسباب التى أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - على الكفر به أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى تجاه من شرورهم . وما أشبهم فى قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذى قتل أعام هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما يصلحه . وقوله - تعالى -: « أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض لكأ ما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها . " والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا فى التوراة على بنى إسرائيل ( أنه) أى: الحال والشأن (من قتل نفسا) واحدة من النفوس الإنسانية ( بغير نفس) .. ١٦٦ سورة المائدة أى: بغير قتل نفس يوجب الإقتصاص منه ((أوفساد فى الأرض، اى. أو بغير فساد فى الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - فكانت) قتل الناس جميعا، لأن الذى يقتل نفسا بغير حق، يكون قد إستباح دما. مصونا قد حماء الإسلام بشرائعه وأحكامه ، ومن إستباح هذا الدم فى نفس واحدة ، فكأنه قد إستباحه فى تقوس الناس جميعا، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنساني كله. «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، أى: ومن تسبب فى إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كان إستنقذما مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قائلها بغير حق، من فعل ذلك فكانما تسبب فى إحياء الناس جميعا . وفى هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب فى صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه - سبحانه - قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً ، وإحياءها بإحياء الناس جميعاً. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع ، وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلى به بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أمين ما كرم على اله وتكت حرمتا وعلى العكس . فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع فى ذلك . فإن قلت : فما الفائدة فى ذكر ذلك؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها فى القلوب , ليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا فى المحاماة على حرمتها لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظ ذلك عليه فشبطه - عن القتل - وكذلك الذى أراد إحياءها (١))). وقال الإمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة فى قوله - تعالى - (( إنه من فق نفسا ... الخ). هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم واقه وزرها وعظيم والله أجرها. وقيل الحسن: هذه الآية لناكما كانت لبن لإسرائيل (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦١٧ ١٠٧ الجزء السادس فقال: إى والذى لا إله غيره ــ هى لنا - كما كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دماتنا (١) .. وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المراد بالنفس فى قوله, أنه من قتل نفسا، العموم. أى : نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان. وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل، لأن القتل فى هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها . قال القرطبى: روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا رمن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا،(٢). ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذى عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الانسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام. وقوله . . بغير نفس)) متعلق بالفعل قبله وهو قتل)). وقوله , أوفساد)) مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافه غير إليها . . و((ما، فى قوله، فكأما، كافة مهيئة لوقوع الفعل: عدها . وقوله - تعالى -: ((ولقد جاءنهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم فى الأرض لمسرفون، بيان لموقف بنى إسرائيل القبيح بما جاءهم من هدايات على أیدی أنیائهم ومر شدهم . أى: ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات ، ، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك، أى: بعد الذى كتبناء عليهم من شرائع، وبعد مجى ء الرسل إليهم بالدينات ((فى الأرض لمرفون، أى: لتجاوزون الحد فى ارتكاب المعاصى والآثام، إذالاسراف مجاوزة حدودالحق (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥١ (٢) تفسير القرطبي ج ٦ ص ١٤٦ ١٩٨ سورة المائدة والعدل بدون مبالاة أو اهتمام هما. وأكد - سبحانه - جملة, ولقد جاءتهم رسلنا ، بالقسم ، لكمال العناية بمضمونها ، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام- ما قصروا فى إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم، فقد جاء وهم بالشرائع البيئة الواضحة التى تحمل فى نفسها دليل صلاحها. والتعبير، بجامتهم، يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم، وصاروا قريبين منهم ، بحيث. برونهم ويخاطبو فهم ولا يتر كون أمراً بهمهم إلا بينوه لهم . وجملة (« ثم إن كثيرامنهم ... ، معطوفة على جملة ((ولقد جاءتهم .. ،. وكان العطف ((بثم) المفيدة هنا للتراحى فى الرقبة، الإشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات ، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد فى الأرض . واسم الإشارة (« ذلك، يعود إلى المذكور من مجىء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم . وفى وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالاسراف احتراس فى الحكم , وإنصاف للقلة التى آمنت منهم، وهذا من عدالة القرآن الكريم فى أحكامه ، ودقته فى تعبير اته . وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم , فى الأرض، مع أنهـ لا يكون إلا فيها، للإيذان بأن فسادهم وإسرافهم فى القتل والمعاصى لم يكن فيما بينهم فحسب، بل افتشر شره فى الأرض ، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكمت لنا مادار بين ابنى آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحدا، إذ الحسد يا كل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار فى الخطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض، وبسببہ کانت أ کثر الجرائمفی کل زمان ومكان .. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل - مع علمهم بشناعة جريمة القتل . قد أسرفوا فى قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم، وفى كل ذلك 174 الجزء السادس تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من. اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى . وبعد أن ذكر سبحانه - تغليظ الإثم فى قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على أحيائها، أقيع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال - تعالى -: (( إنما جزاء الذينّ يحاربون الله ورسوله ويسَّوْنَ فى الأرضِ فساداً أنْ بَثَلُوا، أو يُصَلَّبُوا، أو تُقْطَّعَ أَيديهم وأَرْجُلُهم من خلافٍ، أَوْ يُتْقَوا من الأرضِ. ذلك لهم خِزْىٌ فى الدنيا، ولهم فى الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ (٣٣) إلا الذينَ تابُوا مِنْ قبلٍ أَنْ تَقدِرُوا عليهم فاعلموا أن اللهَ غفورٌ رحيم (٣٤))). قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم : نزلت فى قوم من أهل الكتاب كافوا أهل موادعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقضوا العهد، وأفسدوا فى الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم ... وقال آخرون : نزلت فى قوم من المشركين .. وقال آخرون : بل نزلت فى قوم من عربية وعكل - بضم العين وسكون القاف - ارتدوا عن الإسلام ، وحاربوا اله ورسوله ، فعن أنس أن رحطا من كل وعرينه أقوا النبى - صلى الله علية وسلم - فقالوا : يارسول الله إنا أهل ضرع، ولم تكن أهل ريف، وإذا استوخمنا المدينة - أى: وجدة ها رديئة المناخ - فأمرهم النبى - صلى الله عليه وسلم - بذود وراع - أى: بعدد من الإبل ومعهم راع -، وأمرهم أن يخرجوا فيها. فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعى، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتى بهم ١٧٠ سورة المائدة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم فى الحرة حتى ما و!، فذكر لنا أن هذه الآية يزات فيهم ... ثم قال ابن جرير : وأولى الأقوال فى ذلك عندى أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه - صلى الله عليه وسلم ... لمعرفه حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض فسادا، بعد الذى كان من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحر فيين ... )) (١). والذى يراه ابن جـ ير أولى هو الذى تطمئن إليه النفس، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القاتم للأمة، وير تكبون جر ثم القتل والنهب والسلب والسرقة ... سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم ؟ إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: سبحانه (« يحاربون) من المحاربه. والمحاربة: مفاعلة من الحرب وهى عند السلم، والأصل فى معنى كلمة الحرب: الأخذ والسلب. يقال : حربه، إذا سلبه ماله، والمراد بالمحاربة هنا: قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من الجرائم التى حرمها الله - تعالى - : ومحاربة الناس لقه - تعالى - على وجه الحقيقة غير مکنه ، لتنزهه-سبحانه- عن أن يكون من الجواهر والأجسام التى تُقَاِلُ أو تُقَالَ؛ لأن، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين فى وجهة ومكان والله منزه عن ذلك ، فيكون التعبير بجازاً عن المخالفة لشرع الله، وإرتكاب ما يغضبه أو المعنى: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسدون؛ فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف. : وصدر - سبحانه - الآية بلفظ ((إنما) المفيد للقصر، لتأكيد العقاب، (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٠٢٠٨ ١٧١ الجزء السادس ولبيان أنه عقاب لاهوادة فيه، لأنه حد من حدود الله - تعالى -، على تلك الجريمة النكراء التى تقوض بنيان الجماعة، وتهدم أمنها، وتزازل كيانها ، وتبعث الرعب والخوف فى نفوس أفرادما. وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم ، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم . يكون محاربا ته ولرسوله ومستحقاً لغضبه - سبحانه - وعقوبته . وقوله: ((ويسعون فى الأرض فسادا)، معطوف على قوله : ( بجاربون ... )). وقوله: (( ويسعون)) من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة. والفساد: عند الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذى يكون به صالحا نافعاً ، يقال إنه قد فسد . والسعى فى الأرض بالفساد المراد به هنا: قطع الطريق على الناس، وتهديد أمنهم، والتعرض لهم بالأذى فى أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم .. وقوله: « فساداً)) مفعول لأجله أى: يحاربون ويسعون لأجل الفساد. ، أو هو حال من فاعل ((يسعون)) بتأويله بمفسدين، أو ذوى فساد: وقوله: (( أن يقتلوا أو يصلبوا. ألخ)) خبر عن المتدأ الذى هو((جزاء) والمعنى: «إنما جزاء)، أى: عقاب ((الذين يحاربون لله ورسوله) أى: يخالفونهما ويعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما (ويسعون فى الأرض فساداً)) أى: يعملون بسرعة ونشاط فى الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس (( والاعتداء على أموالهم وأنفسهم .. جزاء مؤلاء ((أن يقتلوا، والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة فى القتل وعدم التهاون فى إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار فى قتلهم ما داموا مستمرين فى الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا . ١٧٢ سورة المائدة (( أو يصلبوا، والتصليب: وضع الجانى الذى يراد قتله مشدوداعلى مكان رتفع بحيث يرى بعد "قتل ليكون عبرة لغيره، ورد عاله عن إرتكاب المعاصى والجرائم . قالوا: ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام. وقيل: لمدة يوم واحد . وجىء هنا أيضا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد فى تنفيذ هذه العقوبة. إثبات أنه لاهو اده فيها . ((أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أى: تقطع مختلفة، فقوله ومن غلاف ، حال من أيديهم وأرجلهم أى : لا تكون اليد والرجل المقطوعتان ن جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين . (( أو ينفوا من الأرض)) أى، يطردوا من الأرض التى إتفقوا فيها على / لإجرام إلى أرض أخرى لينشقت شملهم، ويتفرق جمعهم ، مع مراقبتهم التضييق عليهم . وفسر بعضهم النفى بالحبس فى السجون، لأن فيه إبعادا لهم تفريقا لجمعهم . وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - , ذلك لهم خزى فى الدنيا، يعود إلى عقاب المذكور فى الآية من القتل والصلب .. الخ والخزى: الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور لهم خزى فى الدنيا، ـى: ذل وفضيحة وعار عليهم ، لأنه كشف أمرهم ، وهتك سترم ، وجعلهم برة اغيرهم . هذا هو عقاب الدنيا، أما عقاب الآخرة فقد بينه - سحانه - بقوله : وهم فى الآخرة عذاب عظيم، أى : لهم فى الآخرة عذاب عظيم فى شدته الامه جزاء ما أقترفوا من جرائم . وقوله: ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن أقله غفور حيم، بيان لحكم هؤلاء المحار بين إذا ما قابوا قبل القدرة عليهم . أى نفذوا - أيها المسلمون - هذه العقوبات على هؤلاء المحار بين لأولياء الله أولياء رسوله، والساعين فى الأرض بالفساد ، ماداموا مستمرين فى غيهم ١٧٣ الجزء السادس وعدوانهم ، إلا الذين تابوا)، منهم ((من قبل أن تقدروا عليهم)، أى: من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أقوكم صائمين نادمير ، فأعلموا أن لقه غفور رحيم، أى واسع المغفرة والرحمة بعباده. هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى : ١ - احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء فى أن المحاربة فى الأمصار وفى القرى وفى الصحراء على السواء، حيثما تحققت إخافة المسدين، كان الفاعلون لتلك الإخافة محاربين لله ولرسوله، ويجب إنزال العقاب بهم ، لقوله -تعالى- (((ويسعون فى الأرض فسادا)»: كل هذه الأماكن من الأرض. وعلى هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم . ١٠٠ ويرى الإمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور فى داخل المصر، إإذ يمكن الإغاثة عند الإستغاثة ويد السلطان مبسوطة فى داخل الأمصار والقرى وإنما بتصور قطع الطريق فى الصحراء وخارج المدن والقرى. والذى تراه متفقامع الآية الكريمة أنه حينما تحقق الوصف - وهو محاربة الآمنين، واستلاب أموالهم، والاعتداء على أرواحهم - كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التى تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم. قال القرطبى: واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة. فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس فى مصر أو فى بريه وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون ناثرة (١) قال ابن المنذر: إختلف عن مالك فى هذه المسألة فأثبت المحاربة فى المصر مرة وذفى ذلك مرة . وقالت طائفة حكم ذلك فى المصر أو فى المنازل والطرق، : وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة. (١) نائمرة: أى حاتجة يقال: نارت ناثره فى الناس بمعنى: هاجت هائجة. " ١٧٤ سورة المائدة قال ابن المنذر: كذلك هو، لأن كلا يقع عليه إسم المحاربة. والكتاب على العموم. وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة . وقالت طائفة: لا تكون المجاربة فى المصر إنما تكون خارجة عن المصر .. (١))). وقال ابن العربى: والذى تختاره أن الحرابة عامة فى المصر والفقر، وإن كان بعضها أفحش من بعض. ولكن إسم الحرابة يتناولها ومعنى الحرابة موجودفيها .. لوخرج بعض من فى المصر لقتل بالسيف، ويؤخذ فيه بأشدذلك لا بأسره، فأنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة، ولذلك دخل العفو فى فتز المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل فى قتل الغيلة وكان حداء (٢) ٢ إختلف الفقهاء فى معنى التخيير فى قوله - تعالى -, أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض .. ، فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية . فتى خرج المحاربون لقطع الطريق، وقدر الإمام عليهم ، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة: القتل ، الصلب ، التقطيع النفى، حتى ولو بقتلوا ولم يأخذوا مالا، ماداموا قد إجتمعوا وقصدواتهديد أمن الناس ، فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع بع ما يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر فى الأمة . قال ابن كثير : قال ابن أبى صلحة عن ابن عباس فى شهر السلاح فى قبة الإسلام. وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال: سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصرى ، وإبراهيم النخعى، والضحاك، كما رواه ابن جرير عن أنس - وهو مذهب المالكية -. (١) تفسير القرطبى: ٦ س ١٥١ (٢) أحكام القرآن لابن العربى ج ٢ ص ١٥٩٥ .. ١٧٥ الجزء السادس ومتند هذا القول أن ظاهر، أو، للتخيير كما فى نظ قر ذلك من القرآن، كما فى قوله - تعالى - فى كفارة الفدية: ، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك ... ، فأوهنا للتخيير، وكذلك فى الآبه التى معنا،(١). وقال قوم آخرون من السلف : الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات. إلى: أن( أو)) لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم . فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا. صلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخروا المال حسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإذا تجمعوا واتفقوا على إرتكاب الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض . وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى ، وهو مذهب الشافعية ، . والأحناف، والحنابلة . قال ابن كثير: وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال . فعن ابن عباس أنه قال فى قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قلوا ولم يصلوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض ... ثم قال ابن كثير : ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذى رواه ابن جرير فى تفسيره أن عبدالله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه مخبره أنها نزلت فى أولئك النفر العرفيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعى؛ واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل .. قال أنس: فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل: من سرق . مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإضافته ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف النبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه،(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٩ - بتلخيص يسبر- ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥١ ٠ ١٧٦ سورة المائدة وقال الفخر الرازى: والذى يدل على ضعف القول الأول وجهان: الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخبير . ? والثانى: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصى، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر فى كل فعل على حدة فعلاعلى حدة، فصار التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض أن أخافوا السبيل،.،(١). والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثانی يستدلون بادلة تقلیه - سق بيانها. كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكره الإمام الرازى ، ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب ... إذاً فالعدالة توجب تنويع العقوبة . ٠ ومنها أن التخيير الوارد فى الأحكام المختلفة بحرف التخبير إنما يجرى على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما فى كفارة المن وكفارة الفدية أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره - كاهنا -، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد فى نفسة , وذلك لأن قطع الطريق متنوع، وبين أنواعه تفاوت الجريمة ، فقد يكون باستلاب المال فقط، وقد يكون بالقتل فقط، وقد يكون بهما ... ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفا، ووجب أن يحمل ظاهر النص على غيره التخبير، بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٢١٦ ١٧٧ الجزء السادس قالوا: ونظير ذلك قوله - تعالى - ,قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ، فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض : أمكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والاحسان إلى من آمن وعمل صالحا. وإنما قلنا: ليس الغرض التخيير ، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق فى أى الأمرين من غير مرجح لأحدهما فى الاعتبار ، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن فسق وجحد ، وأن يكون الإحسان لمن آمن واستقام . قال بعض العلماء : . وإن الفقه فى التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثانى يحدد جرائم معينة، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهى القتل والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك ، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمه تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا. . إن كان الشروع بالتجمع وإتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفى من الأرض، ولذلك كان التنويع، وكان تخريج حرف ((أو، على ذلك الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة ، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية . أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى فى الأرض بالفساد ، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التى هى التخويف والإرهاب ، ولا ينظر إلى الجرائم التى ارتكبوها فعلاء، ولدلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالر أى الثانى . ويرى أن العقوبات فى جملتها هى لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يدولى الأمر واعتبار تلك العقوبات فى يده كالدواء بين يدى الطبيب ، يختار من أصنافه ما يراه أنجح فى علاج الآفة التى صابت الجسم الاجتماعى . وإنا نرى الر أى الثانى بالنسبة لتنويع العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة (١٢ - سورة المائدة) ١٧٨ سورة المائدة لتعميم الجرائم التى تفسد المجتمع. فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقافونا تناولها، فإنهم يكونون كقطاع الطريق، ويدخلون فى باب الحرابة(١))) .. ٣ - تدل الآية بظاهرها على أن المحار بين يعاقبون فى الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب الدنيوى طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله - تعالى - «ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم» . قال القرطبى: لقوله: ( ذلك لهم خزى فى الدنيا ... ، لشناعه المحاربة، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمه الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس ... لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطت أكسابهم ، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزى فى الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا اباب التجارة التى أباحها لعباده، وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصى ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت فى قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة له )). ويحتمل أن يكون الخزى لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم فى الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره . ولا خلود لمؤمن فى النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه أعظم ذنبه، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله - تعالى -,أن يغفر هذا الذنب .. )) (٢). (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد السابع. السنة العشرون . (٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٠١٥٧ ١٧٩ الجزء السادس ٤ - دل قوله - تعالى -: ((إلا الذين قابوا من قبل أن تقدروا عليهم)، على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم ، تسقط عنهم حد المحار بين المذكور فى الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذى يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله ، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم. قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم،: استثنى - جل شأنه - التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: ((فاعلموا أن الله غفور رحيم)). أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من قاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم ... ، (١). وقال الألوسى: قوله: (( إلا الذين قابوا من قبل أن تقدروا عليهم ... ، استثناء مخصوص بما هو من حقوق اتمه - تعالى - كما ينبى. عنه قوله ,فاعلموا أن الله غفور رحيم)). وأما ما هو من حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حداً، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا؛ فإنهم إن شاؤا عفوا، ((وإن أحبوا استوفوا. (٢) .. . ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود . فقد قال ابن جرير - بعد أن ساق الأقوال فى ذلك -: ((وأولى هذه الأقوال بالصواب عندى، قول من قال: قوبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه ، قبل القدرة عليه، قضع عنه تبعات الدنيا التى كانت أزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما فى يده من (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ١٨٥. (٢) تفسر الآوس = ٩ ص ١٢٠. ١٨٠ سورة المائدة أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله،(١). وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ... )، أما على قول من قال إنها فى أهل الشرك، فظاهر . - أى: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة .. وأما المحاربون المسلمون فإذا قابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل. " وهل يسقط قطع اليد ؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة . ثم ساق آ نارا فى هذا المعنى منها : مارواه ابن أبى حاتم عن الشعبى قال: كان حارثة بن بدر التميمى من أهل البصرة - وكان قد أفسد فى الأرض ، حارب - فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى خلفه فى داره ثم أتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين : أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى فى الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ (( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ... ، فقال على: اكتب له أمانا ... ، (٢). وبعد، فهذه بعض الأحكام التى تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله - تعالى - محار بين لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة . وقد رأينا أن الله - تعالى - قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة فى الدنيا. وأعد لهم العذاب العظيم فى الآخرة ، ماداموا مستمرين فى عدوانهم وتمديدم لأمن الناس ، واستلابهم لأموالهم. وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس فى حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأمراضهم ، فإن الأمة التی ترتکب فيها الجرائم بدون خوف أو رجل ، (١) تفسير ابن جرير : ٩ ص ٢٢٥ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٢