النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الجزء السادس وفى ندائهم لنبيهم باسمه مجردا ( قالوا يا موسى .. ) سوء أدب منهم، حيث استهافوا بمقام النبوة فنادره بإسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاز وفى قولهم (وإذا لن ندخلها حتى يخرجوا منها .. ) إمتناع عن القتال بإص شديد ، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفى ( لن ) وجعلوا غاية النفى يخرج الجبارون منها، مع أن أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد ، لا يريدون قتالا ، بل يريدون دخولامن غير معاقاة ومجاهدة . ثم بين القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكروا إح قومهم عن الجهاد، وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال: (قال رجلان من الذ يخافون أنعم الله عليهما ، أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فانكم غالبوا وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ). والمراد بالرجلين: يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، وكانا من الأ عشر نقيبا . ٠ وقد وصف الله - تعالى - هذين الرجلين بوصفين . أو لهما قوله: (٠ الذين يخافون ) أى: من الذين يخافون الله وحده ويتقوله ولا يخافون سو وفى وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه - تعالى- يخافون العدو . - وقيل المعنى: من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم ، إلا أن! - تعالى - ربط على قلبيهما بطاعته، فجعلهما يقولان ما قالا أما الوصف الثا فهو قوله: ( أنعم الله عليهما) فهذه الجملة صفة ثانية للرجلين. أى: قال رجلا موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله - تعالى - ولا يخافون سواه، وبأنها من الذين أنعم الله عليهما بالإيمان والتثبيت والثقة بوعده، والطاعة لأمره قا! لقومها . أدخلوا عليهم الباب هذا، وقد ذكر صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال: وبحوز أ، تكون الواو وفى قوله: ( يخافون) - لبنى إسرائيل، والراجع إلى الموصوا ١٤٢ سورة المائدة محذوف. والتقدير: قال رجلان من الذين يخافون من بنى إسرائيل وهم الجبارون وهما رجلان منهم(( أنعم الله عليهما، بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لاقلوب فيها فلا تخافوم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم ، يشجعانهم على قتالهم. وقراءة من قرأ: يخافون)) - بضم الياء - شاهدة له. وكذلك. أنعم الله عليهما (١) ) . والذى تراه أن الرأى الأول أرجح وهو أن الرجلين من بنى إسرائيل، وأن قوله - تعالى - ((من الذين يحافون أنعم الله عليهما، صفتان للرجلين وأن . مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو الله - تعالى - أى: يخافون الله ويخشونه لأن هذا هو الظاهر من معنى الآية، وهو الذى صدر به المفسرون تفسيرم للآية , ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه فى أن أحد الجبارين قد آمن وحرض بنى إسرائيل على قتال قومه ، بينما وردت الآثار فى بيان أسمى الرجلين وأنهما کانا من الإثنى عشر نقيبا ۔ کما سبق أن ذ کرنا ۔ وقوله - تعالى - ,ادخلوا عليهم الباب فاذًا دخلتموه فانكم غالبون، تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا عنهم الحوف من قتال الجبارين . أى : قال الرجلان اللذان يخافان الله لقومهما: أدخلوا على أعدائكم باب مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم، وباغتوم بقتالكم إيام ، فإذا فعلتم ذلك أحرزتم النصر عليهم، وأدركتم الفوز، فإنه «ما غزى قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا)). قال صاحب الكشاف: فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون ؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك. ومن جهة قوله - تعالى - (( كتب الله لكم)). وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله فى نصرة رسله، وما عبدا من صنع ألله لموسى فى قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة، (٢) و قوله - تعالى -: « وعلى الله فتو کلوا إن كنتممؤمنين ، دعوةمن الرجلين ذ (١) تفسير الكشاف ج١ ص ٠٦٣٠ (٢) تفسير المكشاف ج ١ ص ١٢٦ ١٤٣ اجزء السادس المؤمنين لقومهما، بأن يكلوا أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب ، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب على أعدائهم، إن كانوا مؤمنين حقا، فاز النصر يحتاج إلى تأييد من الله - تعالى - لعياده، وإلى توكل عليه وحده، وإلى عزيمة صادقة، ومباشرة للأسباب التى توصل اليه . ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين، لم تصادف من بنى إسرائيل قلو باواعية، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد، وكررو لنبيهم موسى عليه السلام - نفيهم القاطع الإقدام على دخول الأرض المقدس ما دام الجبارون فيها فقالوا - كما حكى الفرأن عنهم .: ((يا موسى إنا لز ندخلها أبداً ما داموا فيها ... . أى: قالوا غير عابئين بالنصيحة، بل معلنين العصيان والمخالفة: يا موس إنا لن ندخل هذه الأرض التى أمرتنا بدخولها فى أى وقت من الاوقات ما دام أولئك الجبارون يقيمون فيها , لأننا لاقدرة لنا على مواجهتهم. وقد أكدوا إمتناعهم عن دخول هذه الأرض فى هذه المرة بثلا مؤ کدات ، می : إن ، ولن ، وكلمة أبدا . أى: لن ندخلها بأى حال من الأحوال ما دام الجبارون على قيد الحـ ويسكنون فيها . ثم أضافوا إلى هذا القول الذى يدل على جبنهم وخورهم، سلاطة الان، وسوء أدب التعبير، وتطاولا على فييهم فقالوا: «فاذهب أنت ور! فقاتلا إنا ما هنا قاعدون، أى: إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره، فاذهب أنت وربك لقة سكانها الجبابرة، وأخر جام منها. لأنه - سبحانه - ليس ربا لهم - فى زعم، إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض. وقولهم: ، إنا ما هنا قاعدون، تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأر. المقدسة . ١ ١٤٤ سورة المائدة أى: إذا ماهنا قاعدون فى مكاننا أن نبرحه، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجمد وخير بأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن فى غنى عنه، ولا رغبة لنا فيه . وإن هذا الوصف الذى وصفوا به أنفسهم، ليدل على الخسة وسقوط. الهمة ، لأن القعود فى وقت وحوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة والمذلة، قال - تعالى - ذا ما لأمثالهم: ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاتهم فشبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين،١(). قال الآلوسي ما ملخصه: وقوله - تعالى - حكاية عنهم: « فاذهب. أنت وربك فقاتلا ، قالوا ذلك استهانة واستهزاء به - سبحانه - وبرسوله موسى وعدم مبالاة. وقصدوا ذهابهما حقيقة كما يفيء عنه غاية جهلهم، وقسوة قلوبهم والمقابلة: « إنا ها هنا قاعدون)، ... ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم ، أو يعبأوا بقتالهم، وأرادوا بالقعود عدم التقدم لاعدم التأخير (١) ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجين ... ، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم ، ويلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم ، فقال: ((رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ، . أى: قال موسى بانا شكواه وحزنه إلى الله، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم وجبنهم : رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسى، وأمر أخى هارون، ولا ثقة لى فى غيرنا أن يطيعك فى العسر واليسر والمنشط والمكره. ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ((ادخلوا عليهم الباب .... (١) سورة التوبة . الآية ٤٦ ١٤٠ الجزء السادس لعدم ثقتة الكاملة فى دخولهما معه أرض الجبارين، وفى وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه، فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير ، ولكنه قد بحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل، ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وامر أخيه. وصرح موسى - عليه السلام - بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه، لمؤازرته التامة له فى كفاحه ظلم فرعون ، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة فى كل موطن من مواطن الشدة ، وليقيته بأنه مؤيد بروح من الله - تعالى .. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم يتق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه ، وتلونهم وقسوة قلوبهم ، فلم يذكر إلا النبى المعصوم الذى لا شبهة فى أمره. ويجوزأن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه . ويجوز أن يريد ومن يؤ اخينى علی دینی ،(١) . هذا، وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله ((وأخى، منها: أنه منصوب عطفا على قوله: «نفسى، أى: ولا أملك إلا أخى مع ملكى دون غيرهما . .. وقوله - تعالى -: ((فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، بيان لما يرجوه موسى من ربه - عز وجل - بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته . والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيتين . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٢٢ (١٠ - سورة المائدة) ١٤٦ سورة المائد والمعنى: قال موسى مخاطبا ربه: لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصر قد ية إلا أمرنفسى وأمر أخى، أما قومى فقد خرجوا عن تناحتى وفقوا عن أمر وما دام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل ، بأن تحكم لنا : نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون ، فإنك أنت الحكم العدل بين العباد. وهذا الرجاء من موسى لربه فى معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيا وقد أجاب انته - تعالى - دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلواباطنا، و. الحكم الفاصل من يملكه فقال - تعالى -: «قال فإنها محرمة عليهم أربعين. يقيمون فى الأرض ، فلا تأس على القوم الفاسقين. وقوله: (( يتيهون)) من التيه وهو الحيرة. يقال: تاه ينيه ويتوه إذاتم وضل الطريق . ووقع فلان فى التيه. أى: فى مواضع الحيرة. ١ وقوله: (( فلا بأس، أى: فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن: بقا أسى - كتعب - أى: حزن. فهو أسين مثل حزين. وأنا على مصد - من باب عدا - أى : حزن . قال امرؤ القيس: يقولون لا تهلك أسى وتجمل وقوفا بها صحبى على معطيهم أى : يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر . والمعنى : قال الله - تعالى - لنبيه موسى مجيبا لدعاته: ياموسى إنالأر. المقدمة محربة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلاا فى الصحرا. تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقرلهم قرار، فلا ته عليهم بسبب هذه العقوبة؛ فإننا ماعاقياهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروج عن طاعتنا. وتمردهم على أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أد مع أنبيائنا . قال الألوسى. قوله: (( محرمة عليهم، أى: لا يدخلونها ولا يملكون والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أ. وقوله : أربعين سنة، متعلق بقوله: حرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبا ١٤٧. الجزء السادس فلا يكون مخالفا لظاهر قوله - تعالى - ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لمكم،. والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل بعضهم ممن بقى - يجوز له دخولها - فقد روى أن موسى سار بمن بقى من بنى إسرائيل - بعد انقضاء هذه المدة - إلى الأرض المقدسة . و قوله : « یتیهون فى الأرض ، استئاف لبیان کیفیة حرمانهم .وقیل حال من ضمير ( عليهم). وقيل: الظرف متعلق بقوله: (( يتيهون)) فيكون التيا مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه(١)». وقال الفخرى الرازى :. اختلف الناس فى أن موسى وهارون - عليهم السلام - هل بقيا فى التيه أو لا ؟ فقال قوم: إنهما ما كانا فى التيه؛ لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابه، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون . وقال آخرون : إنهما کانا مع القوم فىذلك التیه ، إلا أنالله -تعالى- سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم تجعلها بردا وسلاما ... وإنهه قد ماتا فی التیه وبقی یوشع بن نون - و کان ابن أخت موسى ووصيه بعا موته - وهو الذى فتح الأرض المقدسة - بعد انقضاء مدة التيه. وقيل بل بقى موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهره وأخذ الأرض المقدسة (٢)). هذا ، وزى من المناسب فى هذا المقام أن تتعرض بشىء من التفصيل المسائل الآتية : أولا: الرد على اليهودفى دعواهم أن الأرض المقدسة - فلسطين - ملك لهه (١) تفسير الآلوسى - بتصرف تلخيص بـ ٥ ٦ س ١٠٩. (٢) تفسير الفخر الرازى = ١١ ص ١٩٩ . ١٤٨ سورة المائدة . مستندين إلى قوله - تعالى -: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب أه لكم)). ثانيا: الحسكة فى كون عقابهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض .. ثالثا : ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات . وللإجابة على المسألة الأولى نقول: المفسرين أقوال فى المراد من الكتابة فى قوله - تعالى- ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم، أشهرها قولان: أولهما: أن معنى (( كتب الله لكم)): أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والز كاة فالكتب هنا مثله فى قوله - تعالى -، كتب عليكم ! الصيام، أى: فرض عليكم. وهذا قول قتادة والسدى. والثاني: أن معنى « كتب الله لكم، قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين، وهذا القضاء مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد فى سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين فى الأرض المقدسة . ولذا بعد أن أغرام نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها ، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: ((ولا تر تدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)» . قال الآلوسي :. ((وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطع!(١)). وقال ابن عباس : كانت هبة من الله لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم،. وقال الفخرى الرازى: إن الوعدبقوله (( كتب الله لكم ، مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط (٢)). والخلاصة أن الكتابة فى قوله - تعالى -((كتب اله لكم»: إما أن (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٠٦ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٩٧ ١٤٩ الجزء السادس تكون تكليفية على معنى: أن الله - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم ، فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة . وإما أن تكون كتابة قدرية . أى : قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم منى آمنتم وأطعم ... وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاءوا، بل كفروا وعصوا تحرمها - سبحانه - عليهم. وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله - تعالى ((كتب الله لكم، لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل٪ أو نقل . والإجابة على المسألة الثانية نقول: اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام ، وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل وإستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية . وضعف عندهم الشعور بالعزة. وأصبحت حياة الذلة مع القعود، أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عندما أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام- بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية، وأكدوا له عدم قتر أبهم منها مادام الجبارون فيها. وقالوا : : إنا هاهنا قاعدون)). فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن يحرمهم منها جزءا جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود ، بأن يحكم عليهم بالتيهان فى بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذى استمرأ الذل والهوان . قال ابن خلدون فى مقدمته ... و یظهرمن مساق قوله - تعالى- ,قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يقيمون فى الأرض ... ، ومن مفهومه: أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهى فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ،. وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ فى ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ١٥٠ سورة المائدة ولا يسام بالمذلة . فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ، ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فنا جيل ونشأة جيل آخر. فسبحان الحكيم العليم ... )، (١). هذا، ولصاحب المنار كلام حسن فى حكمة هذه العقوبة، نرى من المناسب إثباته هنا، فقد قال - رحمه الله - فى ختام تفسيره لهذه الآيات : (( إن الشعوب التى تنشأ فى مهد الاستبداد، وقساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها .. وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية ، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته غيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليتقحم فيها، وهذا شأن البشر فى كل ما بألفونه، ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر ... أفسد ظلم فرعون فطرة بنى إسرائيل فى مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل. وقد أراهم الله - تعالى - من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى - عليه السلام -، وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذه من الذل إلى الحرية ... ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إليها ... وكان الله - تعالى - يعلم أنهم لاتطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده - تعالى - لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته فى طبيعة الاجتماع البشرى، إذا ملك ذلك الجيل الذى نشأ فى الوثنية والعبودية ... ونشأ بعدهجيل جديد فى حرية البداوة، وعدل الشريعة، ونور الآيات الإلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلوا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم. (١) مقدمة ابن خلدون، نقلا عن تفسير الناجمى ج ٦ ص ٠١٩٤٢. ١٥١ الجزء السادس وعلى هذه السنة العادلة أمر الله - تعالى - بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، فأبوا وإستكبروا، فأخذهم اله شعوبهم وأنشأ من بعدهم قوما آخرين .. فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد وإنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة وإستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمال بها (١) والإجابة على المسألة الثالثة - وهى ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر - نقول: إن هذه الآيات الكريمة قد إشتملت على لون حكيم فى أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى -، فقد بدأت بتذكير بنى إسرائيل بأمجادهم، وبعثم نعم الله عليهم، لتغرس فيهم الشعور بالعزة؛ ولتغريهم بالاستجاءبه لما أمر به -- سبحانه - : كما اشتملك على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة، لأن ذلك يؤدى إلى الخسران . وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن خور عزيمتهم، وسقوط همتهم. وسوء إختيارهم لأنفسهم .. ما جعلهم أهلا العقوبات الرادعة وفى كل ذلك تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم عما لحقه من اليهود المعاصرين له من أذى ، وتحذير لهم من السير على طريقة آبائهم المعوجة، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التى حلت بأسلافهم. :. قال الإمام ابن جرير: عند تفسير الآيات الكريمة -: وهذا - أيضا - من الله - تعالى تعريف - لنبيه صلى الله عليه وسلم - بتمادى هؤلاء اليهود فى الغى ، وبعدهم عن الحق، وسو. إختيارهم لأنفسهم ، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبط. إثابتهم إلى الرشاد، مع كثر نعم الله عندهم، وتتابع آياته وآلائه (١) تفسير المنار = ٦ س ٣٣٧ - تصريف تلخيص -. ١٠٢ سورة المائدة عليهم ، مسليا بذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم - عما ينزل به من مجادلاتهم فى ذات الله، بقول الله -. له: لا قأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله، والبعد عن الحق، ومافيه لهم من الحظ فى الدنياوالآخرة ، من عاداتهم وعادات أسلافهم، وأوائلهم , وتعز بما لاقى منهم أخوك موسى - عليه السلام. (١) وقال الإمام ابن كثير : وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقالدتهم ومقالتهم، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفه من خلقه فى ذلك الزمان . وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. هذا، مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوم فرعون من الغرق له ولجنوده فى أليم وهم ينظرون، لتقر به أعينهم - وما بالعهد من قدم .. ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هى بالنسبة إلى ديار مصر لاتوازن عشر المعشار فى عدة أهلها وعددهم . وظهرت قبائح صنيعهم الخاص والعام وإفتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل . وقال - رحمه الله - قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضى الله عنهم - يوم بدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين إستشارهم فى قتال قريش . فقد قالوا فأحسنوا .. لقد قال المقداد: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول لك: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ... )، (٢) كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية الله ورسله تؤدى إلى الخسران ، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة، وعصوا أمر نبيهم، (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٠١٦٨ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٩ بتصرف وتلخيص. ١٥٣ الجزء السادس عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة، وصارت قصتهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين . وبعد أن ساق - سبحانه - جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب، وماجبلوا عليه من أخلاق سيئة ... أقبع ذلك بقصة ابنى آدم، فقال - تعالى - : ، ((واتلُ عليهم نبأ أبنى آدمَ بالحقُ، إِذْ قَرَّبًا قُرباناً فتُقُبُل من أحدِهماً ولم يَتَقَبَّلْ من الآخَرِ. قَالَ لأُفتَلَنَّكَ ، قال: إنما يتقبلُ اللهَ مِنَ المتقينَ (٢٧) لِئِنْ بَسَطْتَ إلىَّ يَدِكُ لِتَقْتَنِىِ ما أنا باسطٍ يَدِىَ إليكَ الْأَفْتُلَكَ، إِنّى أخافُ اللهَ ربَّ العالَمِينَ (٢٨) إنّى أُريدُ أنْ تُبُوء بإِى وإنمكَ فتكونَ من أصحابِ النار وذلكَ جزاء الظالمينَ (٢٩) فطوَّعتْ له نَفْسُهُ قَتْلَ أخيهٍ فقتْلَهُ فَأَصبحَ من الخاسرينَ (٣٠) فبعثَ اللهُ غراباً يبحثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَةٌ كَيفَ يُوارِى سَوْءَةَ أخيه ، قالَ يا ويلَتى أعجزتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ فأوارِى سوءةً أُخى فأصبحَ من النادمين (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلك كتبْنَاً على بنى إسرائيلَ أنه مَنْ قَتلَ نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنّما قَتَلَ الناس جميعاً، ومَنْ أحياها فكأنَّا أَحْيَا الناسَ جميعًا، ولقد جاءتْهُم رُسلُنْاَ بالبيناتِ ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك فى الأرْضِ المسْرِفون (٣٢)». قال أبو خيان فى البحر« مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هو أن اللّه لما ذكر تود ى إسرائيل وعصيانهم أمره فى النهوض لقتال الجبارين، أتبع ذلك بذكر ١٥٤ سورة المائدة قصة ابنى آدم وعصيان قابيل أمر الله، وأنهم اقتفوا فى العصيان أول عاصرفه. وأنهم انتهوا فى خور الطبيعة، ومفع النفوس والجبن والفزع إلى غايه بحيث قالوا لنههم الذى ظهرت على يديه حوارق عظيمة .... اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصى بعد الشرك وهو قتل النفس التى حرم الله قتلها ، بحيث كان أول من من القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة . فاشتبهت القصمان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما وأيضا فتقدم قوله فى أوائل الآيات : ((إذهم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ... )) وتبين أن عدم إتباع بنى إسرائيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - إنما سبه الحسد ... وقصة بنى آدم انطوت على الحسد : وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض (١). وقوله: ((واقل)، من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الوافخة فى مخارج حروفها ، وفى النطق بها . والمراد بانى آدم ولداه وهما قابيل وهابيل. قال القرطى: واختلف فى أى آدم. فقال الحسن البصرى: ايا من صلبه كانا رجلين من بنى إسرائيل - ضرب الله هما المثل فى إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقر بانين، ولم تكن القرابين إلا فى بنى إسرائيل قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل يقتدى بالغراب؟ والصحيح أنهما أبناء الصلبة. هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل(٢). (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ص ٤٦٠. (٢) تفسير القرطب ج ٦ ص ١٢٣. ١٥٥ الجزء السادس والضمير فى قوله: ((عليهم، يعود على بنى إسرائيل الذين سبق هم الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أولياً، لإعلامهم بما ه. فى كتهم، حيث وردت هذه القصة فى التوراة . وقوله: ((بالحق، متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ((اقل، أى: أقل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق . والقربان: إسم لما يتقرب به إلى الله - تعالى - من صدقة أو غيرها، ويطلق فی أ کثر الأحوال على الذبائح التی یتقرب إلى الله - تعالى - بذبحها . قال أبو حيان: وقد طول المفسرون فى سب تقريب هذا القربان - من قبيل وهابيل - وملخصه: أن حواء كانت تلد فى كل بطن ذكرا وأنى، وكان آدم بزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر، ولا يحل الذكر نكاح قوامته: فولد مع قبيل أخت جميلة ، وولد مع مابيل أخت دون ذلك . فأبى قابيل إلا أن ينزج توأمته لا توأمة هابيل، وأن يخالف سنة النكاح ونازع .قابيل. هابيل في ذلك، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل قربانه تزوجها - ، والقربان الذى قرباء هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع -، وكبش لها بيل - وكان صاحب غنم ـ ، فتقبل من أحدهما وهو مابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل . وكانت علامة التقبل أن تأكل فار قازلة من السماء القربان المتقبل، وتترك غير المتقبل(١). والمعنى: واقل ـ يا محمد - على هؤلا البغاة الحسدة من اليهود، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل، وقت أن قر باقر باقا لله - تعالى - ، فتقبل اقه - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل-، لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل من الآخر - وهو - قابيل - بسوء نيته وعدم تقواه . (١) تفسير القرطبي : ٦ ص ١٢٠ ١٥٦ سورة المائدة ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال: « قال لأتلنك أى قال قابيل متوعدا أخاه ها يل: لأقتلنك بسبب قبول قربانك، دون قرباقى فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - وهو من أكبر الكبائر دون أن يقيم الأخوة التى بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره فى الحياة والذى حمله على ذلك الحسد له على مزيه لقبول . وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى فى الكلام والذى، تدل عليه "لام، وفون التوكيد الثقيلة أو واقه لأقتلنك بسبب قبول قربانك. وهنا يحكى القرآن الكريم مارد به الأخ البار النقى مابيل على أخية الظالم الحاسد قابيل: فيقول (( إنما يتقبل من الله المتقين)) أى: قال هابيل لقابيل ناصحاو مرشدا: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه فى السر والعلن ؛ وليس من سواهممن الظالمين الحاسدين لغير هم على ٢١٠ فاهم الله من نعم، فعليك أن تكون من المتقين لكى يقبل منك إنه .. ٦٠ قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف كان قوله: (( إنما يتقبل الله من المتقين، جوابا لقوله: ((لأقتلك))؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذى حمله على توعده بالقتل قال له ؟ إنما أتيت من قبل نفسك الانسلاخها من لباس التقوى، لامن قبلى ، فلم تقتلنى؟ ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التى هى السبب فى القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق ، (١)) . ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بروتسامح فقال - كما حكى القرآن عنه -: لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا يباسط يدى إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين. وبسط اليد : مدها والمراد هنا : مدها بالإعتداء (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٦١/٢) ١٥٧ الجزء السادس والمعنى: لئن مددت إلى - يا أخى - بدك لتقتلى ظلما وحسدا « ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك ، فإن القتل - وخصوصا بين الأخوة - جريمة منكرة، تأباها شرائح الله - تعالى -، وتنفر منها العقول السليمة. وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه ها بيل بحملة قسمية وهى ((لأقتلنك.، فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسيمة - أيضا وهى، لئن بسطت يدك إلى لتقتفنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك)). فأنت ترى ان الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد . قال الألوسى: قيل: كان ها يل أقوى من قبيل، ولكنه تخرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله - تعالى - ، لأن المدافعة لم تكن جائزة فى ذلك الوقت ، وفى تلك الشريعة ... أو تحرباً لما هو الأفضل والأكثر ثواباوهو كونه مقتولا، لا قائلا ... ،(!) وقوله: ((إنى أخاف الله رب العالمين، جملة تعليلية مسوقة لبيان سبب إمتناع ما بيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل . أى: إني أخاف الله رب العالمين أن يرانى باسطاً يدى إليك بالقتل. وقد أكد خوفه من الله - تعالى - بأن المؤكدة للقول، وبذكره له - سبحانه بلفظ الجلالة، المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان ، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين ، أى: منشيء الكون ومن وما فيه، وصاحب النعم التى لاتحصى على خلقه . وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه ، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله . ثم أنتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه، وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١١٢. ١٥٨ سورة المائدة من بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال: ( إنى أريد أن قيوه بانمى وإنمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين)»: وقوله: (( أن تبوء بانمى وإنمك ,، أى ترجع. وتقر: من البوه وهو الرجوع واللزوم، يقال: باء إليه: أى: رجع، وبؤت به إليه أى رجعت والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ولم تعطف: على ما قبلها، للإيذان باستقلالها فى العلية ، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة قامة والمعنى: « إنى أريد، بامتناعى عن التعرض لك ببط يدى , أن قبو. بإنمى وإنمك ، أ ..: ترجع إلى الله بإنم قتلك إياى، وبإنمك الذى قد كان منك قبل قتلى، والذى بسببه لم يتقبل قربانك (( فتكون)) بسبب الإثمين ، من أصحاب الغار، فى الآخرة ((وذلك، أى: كيفونتك من أصحاب النار, جزاء الظالمين» الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم . سے قال الإمام الرازى : فإن قيل: كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصى الله، فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصى الله، فلم قال: ((إنى أربد أن قوة بإنمى وإنمك،؟ : * فالجواب: أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على طن المقتول أنه يريد قتله، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما وعظة. ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصحية فلا بد وأن نتردد قتلى فى وقت أ کون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك، حينئذ لا يمكننى أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلك ابتداء بمجرد الظن والحسبان. وهذا منى كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية. أنا ، وبين أن يكون أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لى. ومن المعلوم أن إرادة صدور الذقب من الغير فى هذه الحالة ، وعلى هذا الشرط لا يكون حراما ... ١٥٩ الجزء السادس ويحوز أن يكون المراد: إني أريد أن قبور بعقوبة قتلى. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من اله عقاب ظالمه،١٠). وقال صاحب الانتصاف: فأما إرادته - أى إرادته هابيل - لإنب أخيه وعقوبته - فى قوله .. تعالى ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإنمك، - فمعناه: إنى لا أريد أن أقتلك ما عاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إنمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إنم أخيه بنقدير أن يستسلم، وكان غير مر؛ الأول . اضطر إلى الثانى. فهو لم يرد إذاً إثم أخيه لحينه، وإنما أراد أن الإتم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكر حينئذ مشروعة. فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه . وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة. ومعناه أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه فى ذلك من الإنم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه، وإنما أراد أن يبذل نفسه فی سبیل الله،(٢) . وإلى هنا نرى أن هابيل قد استعمل فى صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل متنوعة، فهو أولا أرشده إلى أن الله - تعالى - إنما يتقبل الأعمال من المتقين، فإذا أراد أن يتقبل قربانه فعليه أن يكون منهم، وأرشده ثانياً إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح . وأرشده ثالثا إلى انه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا الخوف من الله رب العالمين . وأرشده رابعا إلى ان ارتكابه جريمة القتل سيؤدى به إلى عذاب النار يوم القيامة ، بسبب قتله لأخيه ظلما وحدا . فاذا كان وَقْعُ هذا لنصح الحكيم ، والإرشاد القويم فى نفس ذلك الإنسان الحاسد الظالم؟ (١) تفسير الفخر أرازى ج ١١ ص ٢٠٧ - بتصريف وتلخيص - (٣) حائية تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٢٥ ١٦٠ سورة المائدة لقد بين الله ذلك بقوله: «فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)». قال القرطبى: قوله ((فطوعت له نفسه .. )، أى: سولت وسهلت نفسه له الأمر. وشجعته وصورت له أن قتل أخيه نوع سول. بقال: طاع الشىء يطوع أى: سهل وانقاد .. وطوعه فلان له أى سهله،(١). والمعنى: أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له - بعد هذه المواءط -,قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) فى دنياه وفى أخراه . أصبح من الخاسرين فى دنياه لأنه قتل أخاه، والآ خ سندلأخيه وعون له، لما بينهما من رحم قوية ، ورابطة متينة . وأصبح من الخاسرين فى آخرته، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها ، وقد توعد الله مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم . والتعبير بقوله - تعالى - (( قطوعت)) تعبير دقيق بليغ، فإن هذه الصيغة - صيغة التفعيل - تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه، كانت هناك بواعث الشر التى تدعوه إلى الاقدام على قتله وأخيرا تغلبت دوافع الشبر على دوافع الخير فقتل أخاه. وقد صور الإمام الرازى هذا المعنى تصويرا حسنا فقال: قال المفسرون: فطوعت، أى: سهلت له فته قتل أخيه، وتحقيق. الكلام أن الإنسان إذا قصور من القتل العمد العدوان وكونه من اعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله ، فيكون هذا الفعل كالشىء العاصى المتمرد عليه الذى لا يطيعه بوجه البته . فإذا أوردت النفس انواع وساوسها، صارهذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له ، بعد ان كان كالعاصى المتمرد عليه ، فهذا هو المراد بقوله : ((فطوعت له نفسه قتل أخيه )،(٢) (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ١٣٨ (٢) تفسير الفخر الرازى : ٦٦ ص٢٠٧ ٠