النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الجزء السادس ترك الواجب . ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب، ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما ، فنبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح .. ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يغسل رجليه فى وضوئه مرة واثنتين وثلاثًا حتى ينقيهما، وحسبك :هذا حجة فى الغسل مع ما بيناه فقـ دوضع وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل فى قوله ((وأرجلكم، قوله (( فاغسلوا، والعرب قد تعطف الشىء على الشىء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول: أكلت الخبز واللبن . أى: وشربت اللبن(١)) وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أوردفية - عند تفسيره لهذه الآية - كثيرا من الأحاديث التى وردت فى غسل الرجلين، وجعل عنوانه: ((ذكر الأحاديث الواردة فى غسل الرجلين وأنه لا بد مه)). ومن هذه الأحاديث ما جاء فى الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس .. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسل الرجلين فى وضوئه إمامزة، وإما مرتين أو ثلاثا. على اختلاف رواياتهم. وفى حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل قدميه ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلابه. وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى وجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال: ((ويل للأعقاب من النار)). ١٠ ثم قال ابن كثير : ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، او أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه ، لأن (١) تفسيرج ٦ ص ٩١ : س ٩٦ (٦ - سورة المائدة ) ٨٢ سورة المائدة المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى فى مسح الخف (١)). ويرى الزمخشرى أن قراءة الجر فى قوله «وأرجلكم، محمولة فى المعنى على النصب ويكون السبب فى عطفها على الرءوس المجرورة ، للاشارة إلى وجوب عدم الإسراف فى الماء . فقد قال : فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجرودخولها فى حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: ف.كافت مظنة للإسراف المذموم المنهى عنه، فعطفت على الثالث. المسموح لا تمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد فى صب الماء عليها. · وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشرى قراءة الجر بما يشفى الغليل . والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو ، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم. كقوله: متقلدا سيفا ورمحا. وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة. ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بحلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منها الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال : فائدته الإيجاز والاختصار . وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا: واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لأإسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذى لا يكون إلا فى الفعل الواحد أو الفعاين المتقاربين جدا - على أن الغسل المطلوب فى الأرجل غسل خفيف يقارب المسح . وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحرة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود (٢). هذا ، ومن كل ما تقدم رى وجوب غسل الرجلين فى الوضوء ، سواء أ كانت القراءة بالنصب أم بالجر. وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء(٣). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢٦ (٢) تفسير الكشاف وحاشيته ج ١ ص ٠٦١٠ (٣) راجع تفسير الآلوسي : ٦ ص ٦١٠ ٨٣ الجزء السادس سادسا : أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أر كان الوضوء هى هذه الأربعة لحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين . وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية - كما سبق أن أشرنا - كما أضافوا الترتيب بين الأر كان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم اليد ان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين ؛ لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا الترتيب فى القرآن فيجب التزامه. ولأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة، فوجب اتباع ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -. وقال الأحناف : الترتيب ليس فرضا، لأن العطف بين الأركان بالواو، وهى لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا . لذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة، بمعنى أن يواصل للتوضىء الاشتغال بوضوءه ولا ينقطع عنه. وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة. والذى تطمئن إليه النفس أن المتوضىء إذا انقطع وضوءه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدأ بأوله . أما إذا قطع المتوضى وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه فى هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه . .. تلك هى بعض المسائل التى رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثناعن هذه الآية الكريمة، وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكملت كتب الفروع بتفصيلها . وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبه فقال - تعالى - ((وإن كنتم جنباً فاطهروا)). والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما ما تتحقق معه الجنابة. وكلمة جنب من الألفاظ التى يستوى فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال: رجل جنب ، وامرأة ٨٤ سورة المائدة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب .. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابه معنى شرعى يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد إلى أن يتطهر . وقوله («فاظهروا، أصله فتطهروا. فأدغمت التاء فى الطاء فسكنت ٠ فأتى بالهمزة . والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول فى الصلاة فعليكم أن تتوضوا قبل دخولکم فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برؤسكم، وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كتم محدثين حدثا أصغر وأردقم الصلاة، أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو إلتقاء ختانين وأردتم الدخول فى الصلاة فعليكم فى هذه الحالة أن تتطهروا. أى: تغسلوا بالماء جميع بدفكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو ، كان أمرأ شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله - تعالى - فى الآية به على تلك الأعضاء التى أوجب غسلها . ٠ وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - «وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به(١)، ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده. والتعبير بقوله «فاطهروا، فيه إشارة إلى وجوب العناية فى تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ، ولاشك أن الاغتسال بعد الجنابة أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك ، وفيه كذلك طهارة نفسية ، لأنه يبعث فى الإنسان حسن الاستعداد لذكر انه، ولأداء تكاليفه . (١) سورة الأنفال الآية ١١ ٨٥ الجزء السادس قال الفخر الرازى: والدلك غير واجب فى الغسل. وقال مالك: الدلك واجب وحجة غيره أن قوله (( فاطهروا، أمر بتطهير البدن وتطهير البدن لا يعتبر فيه الذلك ... ثم قال والشافعى قال: المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الغسل - ومثله فى ذلك الإمام مالك . وقال أبو حنيفة - والحنابلة - هما: واجبان لأن الآية تقول ((فاطهر وا) وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم . وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ما عدا الأجزاء الباطنة التى لا يمكن تطهيرها . وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما. فوجب بقاء هما تحت النص. ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة، فقوله .((بلوا الشعر)» يدخل فيه الانف. لان داخله شعر. وقوله (,وأنقوا البشرة)، يدخل فيه الجلدة التى داخل الفم. وحجة الشافعى - ومالك قوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فاحتی علی رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا قد ظهرت ، وقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه فى أمر الغسل ، وكل يبين ما يعمله(١). ثم شرع - سبحانه - فى بيان الاعذار التى تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال - تعالى -: «وإن كنتم مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من الغائط ، أو لا مستم النساء : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً ((محرابوجوهكم وأيديكم منه». والمراد بالمرضى فى قوله - تعالى - ((وإن كنتم مرضى)، المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا كان يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ. البر .. وقوله، أو على سفر ، فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى (١) تفسير الفخر الرازى : ١١ ص ١٦٥ ٨٦ سورة المائدة وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمر ان سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه فى قوله - تعالى - فى سورة البقرة: ((فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، فان المراد به هناك سفر القصر ،إنما قيد الأمرهنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء، لأن الصفر هو الذى يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء فى الحضر وجب التيهم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية . وقوله (( أو جاء أحد منكم من الغائط)، معطوف على ماقبله والغائط: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض . وهو هنا كناية عن الحدث ، لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتو ازسى من أعين الناس . وفى إسناد المجىء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى التعبير. حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به . وفى ذلك مافيه من تعليم الناس الادب فى الخطاب ، والبعد عن الالفاظ التى تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم . والمراد بالملامسة فى قوله تعالى (( أولا مستم النساء، الجماع: فهو هنا كناية هما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال : وهى كناية قرآنية أراد . - سبحانه - أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الالفاظ التى تتنافى مع ٠ ٦ داب الإسلام وتعاليمه السامية. وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على ابن أبى طالب وابن عباس و أبو موسى . وقبعهم فى ذلك کثیر من الفقها. کأبىحنيفة وآبی یوسف وزفر والثورى فقد قالوا : لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المسر بشهوة أو بدونها. واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه ثم يصلى ويتوضنا وكان يقبلهن وهو صائم . ٥ ٠٠ ٨٧ الجزء السادس وإستدلوا - أيضا - بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون فى الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك إنما يتأنى فى الجماع دون اللمس باليد. وأيضا فإن اللمس وإن كان حقيقة فى اللمس باليد إلا أنه قد عهد فى القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما فى قوله - تعالى -: ((وإن طلقتموهن من قبل أن تمسومن وقد فرضتم لهن فريضة (١))) ... ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس أمرأة الوضوء. وقد سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال: إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أ كان المس بشهوة أم بغير شهوة. ومن أدلته أن اللمس حقيقة فى المس باليد ، وهو فى الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة. ويرى الإمام مالك أن المس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وقلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما . وقد إقتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك فى كتب الفروع . والذى نراة أولى بالصواب فى هذه المسألة ما قاله الإمام مالك - رحمه أنه - لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها. والفاء فى قوله: (( فلم تجدوا ماء، عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله. ((وإن كنتم مرضى ... )). والضمير فى قوله: «فلم تجدوا ... ، يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة . وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله: (( أوجاء أحد منكم من الغائط، بينما تقدم ضمير المخاطب فی قوله: (( كنتم، ولا مستم)). والمراد بعدم الوجدان فى قوله هناه فلم تجدوا ما.، ماهو أعم من الوجود (١) سورة البقرة الآية ٢٣٧ ٨٨ سورة المائدة الحسنى أى أن قوله: فلم تجدوا ماء كناية عن عدم التمكن من إستعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر إستعماله هو والمعدوم سواء. وقوله: « فتيمموا صعيدا طيبا، جواب الشرط وهو قوله: « وإن كنتم مرضى ٢٠٠ والمعنى: وإن كنتم - أيها المؤمنون - فى حالة مرض يحول بينكم و ين إستعمال الماء، أو كنتم مستقرين على سفر؛ أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر، أو لا مستم النساء، فلم تجدوا ما، تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف ، أو وجدتموه ولكن منحكم مانع من إستعماله، أو كنتم فى حاجة ماسة اليه، فعليكم فى هذه الأحوال أن تقيمموا صعيدا ز طيبا بدلا من الماء ، فإن الله - تعالى - ما جعل عليكم فى الدين من حرج. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله: ((فلم تجدوا ماء)» يعود إلى الجميع ما عدا المرضى ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروامن إستعماله . وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجد ان، عدم الوجدان الحسى والتيمم لغة القصد . يقال تيممت الشىء إذا قصدته . ويطلق فى الشرع على القصد إلى الثراب لمسح الوجه واليدين به . وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره ، وقيل يطلق على التراب فحسب . والطيب : الطاهر الذى لم تلوثه نجاسه ولا قذر. وقوله: ((فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، بيان لكيفية التيمم. أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجد تموه ولكنكم عجزتم من إستعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم. وقد إستدل بعض الفقهاء بقوله: ((فتيمموا صعيدا طيبا، على أن التيمم لايجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب. : ويرى بعض أخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ما ثله من كل ٨٩ الجزء السادس ما كان من جنس الأرض متى كان طاهرا. قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض . وهذه الصفة لاتختص بالتراب. قال تقرطى - بعد أن ذكر آراء الفقهاء فى ذلك -«واذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكر ناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب ، ومكان الإجماع فى المنع أن يقيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبزواللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف فى غير هذا كالمعادن ، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره (١) ) . كما إستدل الأحناف والشافعية بقوله - تعالى- فاصحوا بوجوهكم وأيديكم منه «على أن التيمم المطلوب شرعا هو إستعمال الصعيد فى عضوين مخصوصين على قصد التطهير. والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين ، فقد جاء فى الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: ' ((التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين)). ويرى الأحناف والمالكيه أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النساء: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من الغائط أو لامتم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيدیکم، (٢) . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وايتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) . أى؛ ما يريد الله - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة (١) تفسير القران = ٥ ص ٢٣٧ (٢) أنظر تفسيرنا لسورة النساء الآية ٤٣ ٩٠ سورة المائدة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجوب أسبابه، ما يريد - سبحانه - بذلك ((ليجعل عليكم من حرج، أى ضيق ومشقة وعسر, ولكن يريد بذلك ليطهركم ،. أى : ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية، وليزيل عنها ماعلق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضاء ايتم نعمته عليكم، بما شرع لكم من أحكام ميسرة ((ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لمكى تشكروه على نعمه وإحسانه وآشريعاته ، لأنکم متی شکر نموه ز ادکم من فضله ومنله .. وعبر - سبحانه - عن نفى الحرج بنفى إرادته، مبالغة فى بيان رأفته - سبحانه - بعباده، ورعايته لمصالحهم. فكأنه - سبحانه - يقول: ما كان من شأن الله - فعالى - مع عباده أن يشرع لهم مافيه مشقة أو حرج. وقوله (( ليجعل)) يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى الواحد وهو قوله: ((من حرج، وتمكون ((من)) زائدة لتأكيد النفى وقوله «عليكم متعلق بالجعل. ويحتمل أن يكون بمعنى التصبير فيكون قوله ((عليكم، هو المفعول الثانى. وقوله: ((ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لملكم تشكرون: إستدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم، وتطهير هامن الذنوب والأدران كما قصد به حفهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله. وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى - بريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (١). وقوله - تعالى -: ((وما جعل عليكم فى الدين من خرج(٢))) وقوله - تعالى - « يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢))). (١) سورة البقرة . الآية ١٨٥ (٢) سورة الحج الآية ٧٨ (٣) سورة النساء الآية ٢٨ ٩١ الجزء السادس وبذلك زى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا الدخول فى الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله. وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله فى تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى بشكروه على نعمه فيزيدم منها. ثم بعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم، أتبع ذلك بأمرهم بمداومة شكره، وبالوفاء بعهده فقال: ((واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى وانقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا،. أى: تنبهوا أيها المؤمنون - بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه الله عليكم من -منن فداوموا على شكرها «واذكروا نعمة الله عليكم، بدين الإسلام الذى - هديتم به إلى الصراط المستقيم، واذكروا كذلك، ميثاقه الذى وانقكم به، أى : عهده الوثيق الذى أخذه عليكم ، وامركم بالتزامه بكل قوة . وقوله: (( إذ قلتم سمعنا وأطعنا، ظرف لقوله ((وائقتكم به، أى: إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد المونق سمعنا قولك وأطعنا أمرك. فأنت ترى أن الآية الكريمة أو جيت على المؤمنين أمرين. أولها : التنبه إلى نعم الله وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين الإسلام، ومداومة شكره - سبحانه - على ذلك. ونافيهما: الوفاء بعهوده التى أخذها عليهم، وتقبلوه بالسمع والطاعة . لأنهم متى شكروه على نعمه ، وكانوا أوفياء بعمودهم ، زادهم - سبحانه - من فضله وعطائه. قال الفخر الرازى: وإنما قال: ((وإذكروا نعمة الله عليكم، ولم يقل نعمه عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل فى أعداد نعم الله ، بل المقصود منه التأمل فى جنس النعم . كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير ، والصون عن الآفات والعاهات ... لجن هذه النعم لا يقدر عليه سوى الله - تعالى - فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل . ٩٢ سورة المائدة وإنما قال: ((واذكروا نعمة الله عليكم)) وهو يشعر بنسيانها مع أن مثلها فى تواترها لا ينسى، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها ، صارت كالأمر المعتاد الذى لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء .... (!) والمراد بالميثاق الذى أخذه عليهم ماجرى بين النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبين المؤمنين من عهود على أن يسمعوا له ويطيعوا فى العسر واليسر ، والمنشط والمكره .... كما حدى مع الأنصار ليلة العقبة ، وكما حدث مع المؤمنين جميعا فى بيعة الرضوان ... وإنما أضيف الميثاق إلى الله. تأكيدا لوجوب الوفاء به ولأنه - سبحانه- هو الذى شرعه، وهو الذى سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به. وقال مجاهد: المراد به الميثاق الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم، وضعف هذاً القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين ولي البشر جميعاً. قال ابن جرير ما ملخصة: وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك: قول ابن عباس ، وو أن معناه: واذكروا أيها المؤمنون - نعمة الله التى أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى الإسلام، ومشاقه الذى والقكم به . يعنى: وعهده الذى عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا من المواثيق ، وأطعناك فيما أمرتنا به، وتهيتنا عنه ... فاوفوا - أيها المؤمنون - بميثاقه الذى وانقكم به، ونعمته التى أنعم عليكم بها ... . يف لكم بما ضمن لكم الوفاء به، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته، وإنعامكم بالخلود فى دار كرامته، وإنقاذهم من عقايه ..... وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم فى صلب آدم، لأن الله بعد أن ذكر المؤمنين بمثياقه الذى وانقهم به، ذكر (١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ١٧٨ - بتصرف وتلخيص - . ٩٣ الجزء السادس بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذى أخذه الله عليهم فى قوله: ولقد أخذ انه ميثاق بنى إسرائيل ... ، منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظهم من الوفاء قه بما عاهدهم عليه ، ويعرفهم عاقبة سوء عاقبة أهل الكتاب فى تضييعهم ماضيعوا من مبثاقه ... (١) وبعد أن ذكر الله - تعالى - المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقة الذى رائقهم به وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به. ختم - سبحانه - الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه فقال: ( واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور). أى: اشكروا الله - أيها المؤمنون - على نعمته، وكونوا أو فياء بعهودكم وإتقوا الله وراقبوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وصو نوا أنفسكم عن كل ما يكرمه لكم، فإنه - سبحانه - عليم علما تاماً بخفيات الأمور اليكامنة فى الصدور . وبكل ما يظهره الإنسان ويبطنه، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته و (ذات الصدور) هى الأمور المستقرة فى الصدور ، فهى بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذى يلازمه ولا يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية. والجملة الكريمة ( إن اقه عليم ذات الصدور) تعليل لقوله (وإنقوا الله) وكرر - سبحانه - إسمه الجليل. لاشعار المؤمنين برقابته التامة عليهم، وإطلاعه على أحو الهم المختلفة، وأعمالهم المتنوعة ، والإشارة إلى أنه إذا كان - سبحانه. يعلم خلفيات الأمور، فمن باب أولى يعلم جلياتها. وبعد أن أمر الله - تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه، أقبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق فى كل أقوالهم وأعمالهم، وذكرهم بما أفاء عليهم من نعم فقال - سبحانه - : (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ١٤٠ ٩٤ سورة المائدة (يأْيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّمينَ قُرِشهداءبالقِسْطِ، ولا يُجْرِ مَنْكُم شناذُ قومٍ على أنْ لا تعدِّلُوا. اعِدِلُوا هُوَ أَقْربُ للتقوى، واتقُوا الهَ إنَّ اللهَ خبير بما تعملونَ (٨) وعدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصالحاتِ لهم مغفرةٌ وَأَجْرٌ عظيمٌ (٩) والذينَ كفرُوا وكذّبوا بآياتنا أولئكَ أصحابُ الجحيم (١٠) يَأيُّها الذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نسمةَ الهِ عليكُم، إذْ عَمَّ قومٌ أَنْ يبسُّطُوا إليكَمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيديهم عنْكُم، واتقوا الله وعلى الله فَلَيْتوَكَّلِ المؤمنونَ (١١))). وقوله: (( قوامين. جمع قوام. وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام: هو المبالغ فى القيام بالشىء. وفى الإتيان به على أتم وجه وأحسنه. وقوله: « شهداء) جمع شهيد - بوزن فعيل - والأصل فى هذه الصيغة، دلالتها على الصفات الراسخة فى النفس ككريم وحكيم . والقسط: العدل . يقال أقسط فلان يقسط إذا عدلَ فى أقواله وأحكامه. وقوله، ولا يجر منكم)، أى: ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حله عليه . أو معناه: ولا يكسبفكم من جرم بمعنى كسب غير أنه فى كسب مالا خير فيه . ومنه الجريمة . وأصل الجرم. قطع الثمرة من الشهرة، وأطلن على الكسب: لأن الكاسب يتقطع لكسبه . والشنآن : البغض الشديد. يقال: شئت الرجل أشتؤه شنأوشنأة وشنآ نا، إذا أبغضته بغضا شديدا . ٩٥ الجزء السادس والمعنى. يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا ، كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، أى. ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أن تقوموا له وحده بالحق فى كل ما يلزمكم القيام به ، ومن العمل بطاعته ، واجتناب منهياته، وليكن من دأبكم وشأنكم - أيضا - أن تلتزموا العدل فى شهادتكم، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على عدم العدل معهم، فإن عدم العدل فى الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإسلام . الذی آمنتم به ، ورضیه الله لكم دينا . وفى فداته - سبحانه - لهم بصفة الإيمان، تنبيه إلى الأمر الخطير الذى فاذاهم من أجله، ودعاهم إلى تنفيذه، من العمل بطاعته وإجتناب منهيانه. وعبر - سبحانه - بقوله: ( كونوا قوامين)) بصفة الكينونة الدالة على .. الدوام، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. لتمكين صفة الطاعبة له من نفوسهم ، وترسيخها فى قلوبهم ... فكانه - سبحانه - يقول لهم: روضوا أنفسكم على طاعة خالفكم، وعودوها على التزام الحق والعدل . واجعلوا ذلك شأنكم فى جميع الظروف والأحوال ، فلا يكفي أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن يكون التزامكم لذلك فى كل أوقاتكم وأعمالكم. وقوله: ((أعدلوا هو أقرب للتقوى، تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهى عن تركه فى قوله ((ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا)) للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم - سبحانه - به وما نهاهم عنه، ولبيان العلة فى تكليفهم بذلك . والضمير «هو ، يعود إلى المصدر المفهوم من قوله: «اعدلوا،. أى: التزموا - أيها المؤمنون - العدل فى كل أحوالكم، فإن تعدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصى، وإلى صياغة النفس عن الوقوع فى المهالك . ٩٦ سورة المائدة وقال - سبحانه - «أعدلوا هو أقرب للتقوى، مع أن العدل دليل التقوى ولبابها، لأن المؤمن فى حال حربه وقعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ماله «وأن يأخذ منه ما يمكن أخذه، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن معاملة عدوه، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه . قال صاحب الكشاف، قوله: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى، نها هم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العمل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأ کیدا وتشديدا ، ثم استأنف فذکر لهم وجهالأمر بالعدل وهو قوله,أقرب للتقوى أى : العدل أقرب للتقوى، وأدخل فى مناسبتها.، وفيه تنيبه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان هذه الصفة من القوة ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه،(١). ثم ختم - سبحانه - الآبه بقوله: ((واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ). أى: واتقوا الله أيها المؤمنون - فى كل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عما لا يرضيه، وأفعلوا ما أمركم به، إن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافيه من أعمالكم، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم . فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر الله ، ومن انتهاك حرماته . ١ وبذلك ترى الآية الكريمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على ضاعة الله فى جميع الأوقات والأحوال، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباه. ولا ظلم، وبوجوب العمل فى معاملة الأعداء والأصدقاء ، ومراقبة الله - تعالى - وخشيته فى السر والعلانية . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠١٣٦ ٩٧ الجزء السادس قال الألوسى : وقد تقدم نظير هذه الآية فى سورة النساء(1) - يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء قه ... . ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة فى إطفاء ثائرة الغيظ . وقيل: لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت فى المشركين، وهذه فى البهود . وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جىء بها فى معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه. فبدأ فيها بالقسط الذى هو العدل من غير محاباة نفس، ولا والد ولا قرابة. والتى منا جيء بها فى معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله - تعالى - لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثى بالشهادة بالعدل نجى. فى كل معرض بما يناسبه(٢))). ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين ، فقال - تعالى -،وعد الله، بفضله وإحسانه «الذين آمنوا، إيمانا حقا (وعملوا) الأعمال ( الصالحات) التى قالوا بها رضا الله، وعدهم بأن (لهم مغفرة) عظيمة ولهم ( أجر عظيم ) لا يعرف مقداره إلا هو - سبحانه -. (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) التى جاء بها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ( أولئك أصحاب الجحيم) أى: أولئك الموصفون بما ذكر من الكفر والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة الشديدة الأجج ، بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان والتكذيب على التصديق . ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه الجز بلة ، حتى يزدادوا شكرا له، ووفاء بعهده، والتزاماً لطاعته فقال - تعالى -: ( يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذهم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ... ) وقد أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها (١) الآية ١٣٥ من سورة النساء. (٢) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ٨٣ (٧ - سورة المائدة ) ٩٨ سورة المائدة مارواه عبد الرزاق عن معمر الزهرى عن أبى أسامة عن جابر: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نزل منزلا وتفرق الناس فى العضاة يستظلون تحتها، وعلق النبى - صلى الله عليه وسلم - سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه فسله . ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: الله - عز وجل - فسقط السيف من يد الأعراب .. فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه •أخبرهم خبر الأعرابى، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه . قال ابن كثير: وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت فى شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم - الرحى لما جاءهم يستعينهم فى دية العامر بين، ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. وأمروه إن جلس النبي - صلى الله عليه وسلم- تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه. فأطلع الله النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما تمالؤا عليه. فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه . فأنزل الله فى ذلك هذه الآية (١))). وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله - تعالى-,اذكروا نعمة الله عليكم، تدكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم - صلى الله عليه وسلم - مما أضمره له أعداؤه وأعداؤه . وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. رومى أن المشركين رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان فى غزوة ذات أثمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون صلاة العصر. وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها . فنزل جبريل بصلاة الخوف(١). وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله - تعالى - ((واذكروا نعمة الله عليكم، تذكير م برعاية الله لهم ولنبيهم - صلى الله عليه وسلم - من كيد أعدائهم. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣١ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦.٢ ٩٩ الجزء السادس وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء للنبى وأصحابه فقال: وأولى الأقوال بالصحة فى تأويل ذلك قول من قال: عنى الله بالنعمة التى ذكر فى هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التى أنعم بها عليهم فى استنقاذه نبيهم - صلى الله عليه وسلم- مما كانت يهود بنى النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم فى الدية التى كان تحملها عن قتيلى عمرو ابن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة فى تأويل ذلك، لأن الله عقب ذكر ذلك برمى اليهود بسوء صنائعها، وقبيح أفعالها ، وخيانتها ربها وأنبياتها(١). -٠ والمعنى: يأيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم، وقابلوها بدوام الشكر والطاعة له - سبحانه - حيث أراد قوم من اعدائكم «أن يبسطوا إليكم أيديهم. أى: أن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك، ولكنه - سبحانه - رحمة بكم، ودفاعا عنكم ، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء . فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجام من كيد أعدائهم , ومن محاولتهم إهلاكهم إثر ند كيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإ كمال الدين، وهدايتهم إلى الإسلام، وغير ذلك من الآلاء والمئن. وفى تكرار هذا التفكير مافيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره . وقوله ، إذ هم قوم، ظرف لقوله: «نعمة اللّه، والهم: إقبال النفس على فعل الشئ . . أى. اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والإهلاك . وبسبط اليد هنا كناية عن البطش والإهلاك. يقال: بسط يده إليه، إذا يطش به . وبسط إليه لسانه: إذا شتمه. والبسط فى الأصل: مطلق المد. وإذا استعمل فى اليد واللسان كان كناية عما ذكر. وقوله: ((فكف أيديهم عنكم، معطوف على قوله: ((ثَمّ قوم)) وهذا (١) تفسير الآلوسى ابن جرير ج ٦ ص ١٤٧ م ١٠٠ سورة المائدة. الكف هو النعمة التى قصد قد كيرهم بها حتى يداوموا على شكر الله وطاعته . وعبر - سبحانه - بقوله ((إذاهم قوم , الإبذان بأن نعمة كف أيدى الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها . والفاء فى قوله , فكف، للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها. فهو - سبحانه -. قب حال بين الأعداء وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين . وقال - سبحانه -. فكف أيديهم عنكم، بإظهار الأيدى، ولم يقل فكفها عنكم ؛ لزيادة التقرير، وللإشارة إلى أنه - سبحانه - هو الذى قضى على موضع قوة أعدائهم، ومناط شدتهم (( إذ الأيدى هى من أهم وسائل البطش والقتل. أى: أنه - سبحانه - قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم- بذلك دفاعا عنكم - أيها المؤمنون - وحماية لكم من الضرور، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم. وقوله: ((واتقوا الله، معطوف على قوله: ((اذكروا ... وقوله: (( وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أمر لهم بالاعتماد على الله وحده. أى: داوموا على شكر نعم الله عليكم، وصوفوا أنفسكم عن كل مانهاكم عنه، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا، فإنه - سبحانه - هو الفعال لما يريد، وهو الذى يدفع الشر عمن توكل عليه ، ويعطى الخير لمن شكره وأطاعه . فالجملة الكريمه تذييل مقرر لما قبله، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه . ٠ وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمس نداءات، أمرتهم فى أول نداء منها بالوفاء بالعقود، ونهتهم فى الثانى عن إحلال شعائراته وأرشدتهم فى النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول فى الصلاة، وأمرتهم فى النداء الرابع بالمداومة على القيام بالتكاليف التى كلفهم - سبحانه - بها، وبالتزام العدل فى أقوالهم وأحكامهم ، ثم أمرتهم فى النداء الخامس بالتنبيه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها ، حيث نجاهم - سبحانه - م) أراده لهم أعداؤهم من شرور واستثضال.