النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجزء السادس
وأغوصهم على لطائفه وحقائقه)،، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد
الإبل. فكم من آخذ عن غير متقن، قدضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير
أنا مله (١).
وقوله وفكاوا ما أمكن عليكم، جملة متفرعة على بيان حل صيد
الجوارح المعلمة ، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه الإباحة .
و)، من)) فى قوله (( ما أمسكن)) تبعيضية؛ إذ من الممسك ما لا يؤكل
كالجلد والعظم ونحوهما . ويحتمل أن تكون بيانية أى: فكلوا الصيد وهو
ما أمسكن عليكم .
و«ما، موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أى: أمكنه.
وقوله، أمكن، أى: حبسن وصدن، والضمير المؤنث يعود
للجوارح .
وقوله («عليكم، متعلق بأمسكن، وهو هنا بمعنى لكم، والاستعلاء
جازى .
والتقييد بذلك ، لإخراج ما أمكنه لأنفسهن لا لأصحابهن.
والمعنى: إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما قصيده، فكلوا
ما أمكنه محبوسا عليكم ولأجلكم.
والضمير فى (( عليه، من قوله: ((وأذكروا اسم الله عليه، يعود إلى
((ما علمتم من الجوارح)).
أى: عند إرسالكم الجوارح للصيدفسموا عليها، ويدل عليه قوله-صلى
الله عليه وسلم - لعدى ابن حاتم: ((وإذا أرسلت كابك المعلم وذكرت اسم
أنه تعالى - فكل ما أمسك عليك )).
(١) تفسير الكفاف جـ ١ ص ٦٠٦.

٦٢
سورة المائدة
٦
وقال بعضهم. إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل .
كأنه قيل: واذكروا اسم الله عند الأكل مما مدن لكم .
وقيل: يعود على قوله« ما أمكن، أى: اذكروا اسم الله على ما أدر كتم
كاتبه مما أمسكن عليكم الجوارح .
ولا بأس من عود الضمير إلى كل ماذكر ، بأن يذكر اسم عند إرسال
الجوارح، وعند الأكل ما صادته . وعند تذكية الحيوان الذى صادته
جوارح .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((واتقوا الله إن الله سريع الحساب)).
أى: واتقوا الله وراقبوه واخشوه فى كل شئونكم وأحذروا مخالفة
رد فيما شرع لكم وفيما كلفكم به ، فإنه - تعالى - لا يعجزه شىء، وسيجازى
، إنسان بما يستحقه من خير أو شر".
=
فالجملة الكريمة قديل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله , وانتهاك محارمه.
ـا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١ - إباحة التمتع بالطيبات التى أحلها الله - تعالى - لعباده، والتى تستطبيها
نفوس الكريمة، والعقول القويمة ، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك
ا أحله - سبحانه - لعباده. وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها، قوله
تعالى -: «قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده، والطيبات من الرزق،
، هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)) (١).
٢ - إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة، وعلامة كونها معلمة
، استرسل إذا أرسلت، وتزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل
»، وتعود إلى صاحبها متى دعاها .
(١) سورة الأعراف الآية ٣٢

٦٣
الجزء السادس
ويدخل فى الجوارح - عند جمهور الفقها . - كل حيوان يصنع صنيع
الكلب، وكل طير كذلك، لأن قوله - تعالى - ((من الجوارح، بعم كل
حيوان يصنع صفيع الكلب . وكان التعبير بمكلبين ، لأن الكلاب أكثر
الحيوانات استعمالا للصيد .
وقد جاء فى حديث عدى بن حاتم الذى رواه الإمام أحمد وأبو داود, أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته
وذكرت اسم الله عليه ، فكل ما أمسك عليك .....
ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة.
· قال القرطبى ما ملخصه: وقد ذكر بعض من صنف فى أحكام القرآن أن
الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب
وسائر جوارح الطبر. وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل
على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع
إلا ماخصه الدليل. وهو الأكل من الجوارح. أى: الكواسب من
الكلاب وسباع الطير ....
وليس فى قوله ((مكلبين، دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة،
وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة،(!).
٣ - استدل بعض الفقهاء بقوله - تعالى - ,فكلوا مما أمسكن عليكم،
على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد. الذى أمسكه،
فإنه فى هذه الحالة لا يحل الأكل منه، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك
لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة .
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٦٦

:٦
سورة المائدة
ويرى المالكية أن الخارح ما دام قد عاد بالصيد ولو ما كولا منه،
يجوز الأكل مته ، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه .
أما الأحناف فقالوا: إن عاد بأكثره جاز الأكل منه ، لانه فى هذه
لة يكون قد أمسك لصاحبه، وإن عاد بأقله لا يجوز الاكل منه ، لانه
ن قد أمسك لنفسه. وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة فى كتب الفقه
بعض كتب التفسير (!).
٤ - أستدل بعض العلماء بقوله - تعالى - ((وأذكروا اسم الله عليه»
وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد، ولقوله- تعالى - فى
أخرى: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)) (١).
ويرى بعضهم أن الامر للندب، ويرى فريق ثالث أن القسمية إن تركت
.الايحل الأكل من الصيد.
قال القرطى: وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التصمية لا يد منها
قول عند الإرسال. لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعدى ين حاتم:
إذا أرسات كليك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، فلو لم توجد
سمية على أى وجه كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة
ل الحديث .
وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه
.ن ترك التسمية عمداً، وحملوا الامر بالتسميه على الندب .
وذهب مالك فى المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال
تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو، وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد
إلى الشافعى ،(٣).
(١) راجع تفسير القرطى ج ٦ ص ٠٦٩ وتفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦
(٢) سورة الأنعام الآية ١٢١.
(٠) تفسير القرطبي ح ٦ ص ٦٨.

٦٥
الجزء السادس
ثم حكى - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده، ورجمته بهم
وتيسيره عليهم فى أمور دينهم ودنياهم فقال :
((اليومَ أُحِلْ لكم الطيباتُ، وطعامُ الذين أُوتُوا الكتابَ حِلٌّ
لكُم وطعامكم حلٌّلهم. والمُحْصَنَاتُ من المؤمناتِ. والمحصناتُ
من الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِنْ قبلكُم، إذَا آتَيْموهُنَّ أجورُهُنَّ
مُخْصِنِينَ غيرَ مُسَفِحِين ولاَ مُتَّخِذِى أَخْدانٍ. ومَنْ يكفُرْ بالإيمانِ .
فقد حَبِط عملُه وهو فى الآخرةِ من الخاسرين (٥))).
وقوله , اليوم أحل لكم ... يصح أن يراد به اليوم الذى نزلت فيه.
فإنه بحوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله - تعالى - «اليرم بيس
الذين كفروا من دينكم ... اليوم أكملت لكم دينكم ... ، قد نزات جميعها
فى يوم واحد وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع .
ويصح أن يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضى والمستقبل.
والمراد بالطيبات: ما يستطاب ويشتهى مما أحله الشرع.
والمراد بطعام الذين أوتوا الكتاب: ذباتحهم خاصة . وهذا مذهب
جمهور العلماء .
قالوا: لأن ماسوى الذبائح فهى محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب،
وبعد أن صارت لهم: فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. ولأن ما قبل
هذه الآية فى بيان حكم الصيد والذبائع. حمل هذه الآية عليه أولى، لأن
سائر الطعام لا يختلف من قولاه من كتابى أو غيره. وإنما تختلف الذكاة.
فلما خص أهل الكتاب بالذكر ، دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم.
(٥ - سورة المائدة )

٦٦
سورة المائدة
وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا: الخبز والحبوب والفاكهة وغير
ذلك مما لا يحتاج فيه إلى تذكية. وينسب هذا القول إلى بعض
طوائف الشيعة .
وقيل المراد به: مايتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة . وقد روى هذا
القول عن ابن عباس ، وأبى الدرداء، وقتادة، ومجاهد وغيرهم .
والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى .
قالوا الألوسى: وحكم الصابتين كحكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة . وقال
صاحباه الصابئة صنفان: صنف يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف
لا يقرءون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما الموس
فقد سن بهم سنة أهل الكتاب فى أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم
ونكاح نسائم .
فقد روى عبد الرزاق، وابن أبى شيبة، والبيهقى، من طريق الحسن
ابن محمد بن على قال: ((كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجوس
هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسهم قبل، ومن أصر ضربت عليه الجزية
غير فاكحى نسائهم .
٠
واختلف العلماء فى حل ذبيحة اليهودى والنصراني إذا ذكر عليها اسم
غير الله - كعزير وعيسى - فقال ابن عمر: لا تحل. وذهب أكثر أهل العلم
إلى أنها تحل . وهو قول الشعبى وعطاء قالا: فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو
يعلم ما يقولون))(١) .
والمعنى: إن الله أسبغ عليكم نعمه - أيها المؤمنون - وأكمل لكم
دينه، ويسر لكم شرعه، ومن مظاهر ذلك أنه - سبحانه - احل لكم
(١) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ٦٥.

٦٧
الجزء السادس
التمتع بالطيبات، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائج أهل الكتاب . وأن
تطعموهم من طعامكم .
قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، أن ذبائحهم حلال
للمسلمين ، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا بذ كرون على ذبائحهم
إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ما هو مزه عنه - تعالى وتقدس-)(١).
وإنما قال: ((وطعامكم حل لهم، أى يحل لكم ان تطعموم من طعامكم
للتنبيه على أن الحكم مختلف فى الذبائح عن المناكحة . فإن إباحة الذبائح
حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المناكحات فإنها فى جانب واحد، إذ
لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن
الكفار ولاية شرعية عليهن، والله - تعالى - لم يجعل للكافرين على المؤمنين
سبيلا شرعيا، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظور.
قال بعض العلماء : والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق
الدم ، وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح، والخلاف عندهم فيما عدا
الذبائح التى ثبت حلها بالنص، وأما غير الذباتج فهو قسمان :
القسم الأول: ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو إحلال بالإنفاق.
والقسم الثانى: ما لهم فيه عمل وهو قسمان - أيضاً - أحدهما، ما يحتمل-
دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيونات ((وهذا
قد اختلف فيه الفقهاء. فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة ، ومن هؤلاء: ابن
عباس، لأن احتمال النجاسة ثابت، وهو يمنع الحل. وقد تبع هذا الرأى
بعض المالكيه، ومن هؤلاء الطرطوسى، وقدصنف فى تحريم جبن النصارى
ويجرى مجرى الجبن الزيت . وعلى هذا الرأى يجرى مجراها السمن الهولاندى
(١) ا كد =٩ ١٩٫٥

٦٨
سورة المائدة
وما شابهه . ولكن الجمهور على جواز ذلك مادام لم يثبت أنه اختلط بهذا
النوع من الطعام نجاسة والمحرم ما ثبت أنه قد دخله نجاسة ، بأن دخله أجراء
من الخمر أو الميتة، أو الخنزير، أو غير ذلك من المحرمات، (١).
ثم بیں ۔ سبحانه ۔ حکم نکاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبانتحهم
فقال: ((والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
ص قبلكم ، إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى
أخدان ....
٠
وقوله: ((المحصنات، عطف على ( الطيبات، وهو جمع محصفة.
والإحصان يطلق على معان منها الإسلام. ولا موضع له هنا لأن الكلام
فى غير المسلمات، ويطلق على التزوج، ولا موضع له هنا - أيضا - لأنه
لايحل تزوج ذات الزوج. ويطلق على العفة وعلى الحرية . وهذا المعنيان هما
المختاران هنا.
فمن الفقهاء من قال . المراد بالمحصفات من أهل الكتاب هنا المفيفات
ويكون الوصف للترغيب فى طلب العفة، والعمل على اختيار من هذه صفتها.
وعلى هذا الرأى يصح الزواج من الكتابيات سواءاكن حرائر أم إماء.
ومنهم من قال : المراد بالمحصفات من أهل الكتاب هنا : الحرائر ، أى
أنه لا يحل الزواج بنساء أهل الكتاب إلا إذا کن حرائر ..
والمراد بقوله (( أجورهن، أى مهورهن. وعبر عن المهر بالأجر
تأكيد وجوبه . وعدم الاستهانة بأى حق من حقوقهن .
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام
العدد الرابع من السنة التاسعة عشرة ..

٦٩
الجزء السادس
وقوله. محصنين - بكسر الصاد - ، أى متعففين بالزواج عن اقتراب
الفواحش .
يقال أحصن الرجل فهو محصن أى: تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج
الرجل فهو محصن - بفتح الصاد - أى: أعفه الزواج عن الوقوع فى الفاحشة .
وقوله ((مساخين، جمع مسافح. والسفاح . الزنا. يقال. سافح الرجل
المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا. وسمى الزانى مساءحا. لأنه سفح ماء.
أى : صبه ضائها.
وقوله: « أخدان، جمع خدن - بكسر الخاء وسكون الدال ـ بمعنى الصديق.
ويطلق على الذكر والأنثى.
والمراد بالخدن منا . المرأة البغى التى يخادها الرجل أى يصادقها ليرتكاب
معها فاحشة الزنا . وغالبا ما تكون خاصة به .
والمعنى: وكما أحل الله لكم - أيها المؤمنون - الطيبات من الرزق،
وأحل لكم ذبائح أهل الكتاب ، وأحل لكم أن تطعموم من طعامكم. فقد
أحل لكم - أيضا - نكاح المحصنات من المؤمنات. أى العفيفات الحرائر
لأنهن أصون لعرضكم. وأنقى لنطفكم، وأحل لكم نكاح النساء المحصنات
أى: الحرائر العفيفات ((من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، أى: من
اليهود والنصارى .
قال الآلوسى: وتخصيص المحصنات بالذكر فى الموضعين ، للحث على ما هو
الأول والأليق، لا لنفى ما عدلهن، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه،
صحيح بالاتفاق . وكذا نكاح غير العفائف منهن. وأما الإماء الكتابيات
فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم))(١).
(١) تفسير الآلوسى = ٦ ص ٦٥ - بتصرف بشير.

٧٠
سورة المابده
و قوله: «إذا آ تهتموهن أجورهن ، أی : مهورهن، وهی عوض عن.
لاستمتاع بهن.
قالوا: وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد، إذ لا تتوقف
محة العقد على دفع المهر ، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول .
وقوله: ((محصنين غير مسالحين. ولا متخذى أخدان)، أمر لحم بالعفة
والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن .
وقوله (( محصنين) حال من فاعل ((٢قيتموهن)).
وقوله: ((غير مسالحين)) صفة لمحصنين، أو حال من الضمير المستتر
فى محصنین .
وقوله: « ولا متخذى أخدان، يحتمل أن يكون مجرورا على أنه عطف
على مساحين، وزيدت فيه ((لا)، لتأكيد النفى المستفاد من لفظ غير ويحتمل
أن يكون منصوبا على أنه عصف على (( غير مسالخين)).
والمعنى: أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات، لتشكروا الله - تعالى-
على تيسيره لكم فيما شرع ، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن
الفواحش، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات الله
فى السر أو العلن .
وقدم - سبحانه - المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين:
أوتوا الكتاب ، للتنبيه على المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج
بهن من غيرهن ، وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من
الزواج بالمحصنة الكتابية .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((ومن يكفر بالإيمان فقد حيط
عمله، وهو فى الآخرة من الخاسرين، .
٢.٠
t.

٧١
الجزء السادس
أى: ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه التى أنزلها على نبيه - صلى الله
عليه وسلم - فقد حبط عمله .
أى: خاب سعيه. وفسد عمله الذى عمله. وهو فى الآخرة من الهالكين
الذين ضيعوا ما عملوه فى الدنيا من أعمال بسبب انتها كهم لحرمات الله.
وأحكام دينه .
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة: الترهيب من مخالفة أوامر الله ،
والترغيب فى طاعته - سبحانه . .
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من الآية الكريمة:
١ - إباحة التمتع بالطيبات التى أنعم بها - سبحانه - على عباده، ولم يرد
خص بحرمتها .
٢ - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وإباحة إطعامهم من طعامنا.
٣ - الترغيب فى نكاح المرأة المحصنة أى التى أحصفت نفسها عن الفواحش
وصاتتها عن كل ريبة، واعتصمت بالغفاف والشرف، وكان سلوكها المستقيم
دليلا على أنها متمسكة بتعاليم دينها . وبالآداب الحميدة التى جاءت بها شريعة
الإسلام .
. وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه الشيخان
وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تنكح
المرأة لأربع: لمالها ، ولحسبها . وبجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين
تربت يداك)) .
. ومعنى (تربت يداك): افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين،
ونجعلها محط طلبك للزواج بها .
وروى أبو داود والنسائى عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي- صلى
الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتى لا تمنع يد لامس. قال: غربها - أى طلقها -

٧٢
سورة المائدة
قال: أخاف أن تتبعها نفسى - أى: ارتكب معها مانهى الله عنه بعد طلاقها-
قال - صلى الله عليه وسلم - فاستمتع بها). أى: أبقها مع المحافظة عليها (!).
. ٤ - إباحة نكاح النساء الكتابات - وهذا مذهب أكثر الفقهاء، لأن
هذا هو الظاهر من معنى قوله - تعالى -:. والمحصنات من الذين أوتواالكتاب
من قبلكم)).
قال ابن كثير : وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية
-يقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول؛ إن ربها عيسى، وقد قال الله
. فعالى -، ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن):
١
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية (ولا تنكحوا المشركات حتى
ؤمن، فيجز تناسى عنهن حتى نزلت: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
ن قبلكم، فنكح الناس نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم زوا بذلك بأما
خذا بهذه الآية، وجعلوها مخصصة للتى فى سورة البقرة وهى قوله - تعالى -:
ولا تنكحوا المشركات حتى بؤمن)). إن قيلبدخول الكتابيات فىعو بها
إلا فلا معارضة بينها وبينها ؛ لأن أهل الكتاب انفصلوا فى ذكرهم عن
المشركين فى غير موضع كقوله - تعالى - (لم يكن الذين كفروا من أهل
كتاب والمشركين منفكين حتى تأنيهم البيئة، (٢).
وقال بعض العلماء ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((والمحصفات من الذين
.قوا الكتاب من قبلكم .... أخذه الجمهور على عمومه، فأباحوا التزوج
ـ، أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا، ذميين كانوا أو حرببين. وقيده جماعة
لذميين دون الحربيين .
(١) التاج الجامع الأصول فى أحاديث الرسول ٢٠ ص٢٧٧ الشيخ منصور على ناصف
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠

٧٣
الجزء السادس
وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أن بدلواوعبديا
المسيح. وقالوا: إن اللّه:الث ثلاثة، فهم بذلك والمشركون فى العقيدة سواء
وقد حرم الله التزوج من المشركين ونسب هذا الرأى إلى عبد الله بن عمر،
وغيره من الصحابة .
وتأولوا الآية بوجوه أقر بها أنها رخصة خاصة فى الوقت الذى نزلت فيه.
قال عطاء : إبما رخص الله فى التزوج بالكتابية فى ذلك الوقت؛ لأنه كان
فى المسلمات قلة . أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم
زات الرخصة .
والذى نراه فى المسألة أنه ليس فى الآية ما يدل على أنه رخصة ، ولا نعلم
فى الشريعة ما يدل على أنه رخصة . والآية دالة على الإباحة المطلقة، ولم
تقيد بوقت خاص ، ولا بحالة خاصة .
نعم إن ما نراه اليوم فى بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإفريج
لا لغاية سوى أنها (فرنجية ... ثم يضع نفسه وأولاده تحت قصرفها ...
فتشتهم على تقاليدها وعاداتها التى تأباها تعاليم الإسلام.
فتم إن ما نراه من كل ذلك بجعلنا نوجب على الحكومات التى قدين
بالإسلام، وتغار على قوميتها وشعائرها ... أن نمنع من الزوج بالكتابيات،
وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينلحون عن قوامتهم على المرأة، حفاظا على
مبادىء الدين والقومية فى البلاد .
وإن العمل على تقييد هذا الحكم فى التشريع الإسلامى أو منعه، لألزم
وأوجب ما تقوم به بعض الحكومات الإسلامية ، أو تحاول أن تقوم به،
من تحديد سن الزواج للفتاة. وتقييد تعدد الزوجات ، وتقييد الطلاق ، وما.
إلى ذلك من التشريعات التى ينشط لها كثير من رجال الحكم، سيراً وراء
مدنية الغرب المظلة .

٧٤
سورة المائدة
الإوإن انحلال الكثرة الغالبة من يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعافى
أشرنا إليها لما يوجب الوقوف أمام هذه الإباحة التى أصبحت حالتنا
نفق والغرض المقصود منها .
وهذا معنى تشهد به كليات الذين وقواعده التى يتجلى بها شدة حرصة على
ظ شخصية الأمة الإسلامية، وعدم انحلالها وفناتها فى غيرها، (١) ..
وبعد أن بين - سبحاته - بعض مظاهر نعمه على عباده فيما يتعلق بمطاعمهم.
ما يتعلق بما يحل لهم من النساء. أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم فيما
لق بعبادتهم التى من أهمها الوضوء، والغسل. والصلاة. وأمرهم بالمحافظة
ما شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال - تعالى - :
( يأيُّها الّذينَ آمَنُوا إذَا قَتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُومُم
يديّكُم إلى المرافقٍ، وامسحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الكْبَين.
نْ كَنْتُم ◌ُّ فاطّهِرُوا. وإنْ كنتم مَرْضَى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ
كم من الغائطِ، أولاَ مَسْتَم النساء فَ تجدُوا ماءٍ فتيمَّمُوا صعيداً
◌َّ، فامسحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم منه. ما يريدُ اللهُ لِيَجْعَل عليكُم
◌ْحَرَجٍ، ولكِنْ يُرِيدُ لِطَهُرْلُم، ولايُتِمَّ نعمته عليكِ لَعَلْكُم
كرونَ (٦) واذكُرُوا نِعمةَ اللهِ عليكُم وميثاقَه الذى وانقكم بهِ،
قُلْتَم ◌َمِنَا وَأَطَعْنَاَ، وَانْقُوا اللهَ إنَّ اللهَ عليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ (٧)».
قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله: ((يأيها الذين
واأوفوا بالعقود,وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية
بد العبودية .
(١) تفسير القرآن الكريم ص؛٣٠ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت.

٧٥
الجزء السادس
فقوله: ( أوفوا بألمقود، صلب - تعالى - من عباده أن يفوا بعمد
العبودية . فكأنأ قيل: يا إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك، وعهد العبودية
منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال - تعالى -:
نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
. معلوم أن منافع الدنيا محصورة فى نوعين: لذات المطعم، ولذات المتكح
فاستقصى - سبحانه - فى بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ... وعند
تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب فى الدنيا من
المنافع واللذات ، فاشتغل أنت فى الدنيا بالوفاء بعهد العبودية .
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها
إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر شرائط الوضوء فقال: « يأبها
الذين آمنوا إذا قتم إلى الصلاة فاغسلواوجوهكم وأيديكم إلى المرافق .. (!)
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام اليها ، والتهيؤ للدخول فيها من
باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، الايجاز، والتنبيه على أن الشأن فى
المؤمنين أن يكونوا دائماً على ذكر من إرادتها، وعدم الإهمال فى أدائها .
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقى الكلام على حقيقته
للزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وهذا باطل بالإجماع .
وليس المراد بالقيام إنتصاب القامة أو ما يشبه ذلك ، بل المراد به
الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها .
قال الألوسى ما ملخصه: وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم
إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم ((الذين آمنوا .. ، من غير
إختصاص بالمحدثين ... لكن الاجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم
وغيره أن النبى - صلى الله عليه وسلم -. على الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء
واحد. فقال له عمر: يارسول، صنعت شيئا لم تكن تصنعه، فقال - صلى
أنّه عليه وسلم -: عمداً فعلته يا عمر ، .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٥٠

٧٦
سورة المائدة
يعنى: بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا
ـم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه إشترط الحدث فى البدل وهو التيمم ، فلو لم يكن له مدخل فى
ضوء مع المدخلية فى التيمم لم يكن البدل بدلا. وقوله - تعالى - ,فلم
دوا ماء ، صريح فى البدلية ...
ويحكى عن داود الظاهرى أنه أوجب الوضوء لكل صلاة، لأن النبى ..
فى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة ... ورد
، فعل الخلفاء لا يدل على أكثر من الغدب والاستحباب ، وقد ورد ، من
منأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات، (١).
وقوله: ((فاغسلوا، من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه
اد بعضهم : مع الذلك .
وقوله: ( وجوهكم، جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ مطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا. ومن الأذن
الأذن عرضاً .
والمرافق: جمع مرفق - كمنبر ومجلس ـ وهو ملتقى عظم العضد بعظم
ـاع .
والكعبين : تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان فى أعلى القدم.
والمعنى: يأيها الذين آمنوا إذا أردثم القيام إلى الصلاة وأنتم حدثون
نا أصغر، فأغسلوا وجوهكم، أى : فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسبلوه
ما على أيديكم إلى المرافق، وأمسحوا بأيديكم المبللة بالماءوممكم وأغلوا
بلكم إلى الكعبين
وهنا توسع الفقها. وبعض المفسرين فى ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية،
من الواجب الالمام بأهمها فنقول:
(١) تفسير الآلوس ى ج ٦ ص ٦٩

٧٧
الجزء السادس
أولا: أخذ جمهور الفقها. من قوله - تعالى - (إذاقام إلى الصلاة فاغسلوا. إلخ))
أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة، لا لأجل أى شى.
آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها ، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التى
يقصد بها المسلم الطاعة لله، والتى - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنما الأعمال
بالنيات ... )، وعليه تكون النية ركن من أركان الوضوء ، فإذا لم يقصد
بوضوته إرادة الصلاة وابتغاء رضا الله، لم تمكن صلاته يهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف. إن النية فى الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء
ليس عبادة مقصودة لذاتها . وإما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة ، والنية إنما
هى شرط فى العبادة نفسها وهى الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطا فى
الوسيلة وهى الوضوء .
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح
ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض
والنوافل . قالوا: ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى -
« إذا قام إلى الصلاة، فإنه يدل على أن الصلاة هى المقصودة وهى الغاية.
أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا: قولة ( فاغلوا وجوهكم)) اتفق الفقها. على وجوب غسل الوجه
إلا أهم اختلفوا فى دخول المضمضة والاستنشاق فيه
جمهور الفقهاء اتفقا على أنهما لا يدخلان فى غسل الوجه ، بل هما سنتان
كان يفعلها النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء: المضمضة والاستنشاق داخلان فى الغسل .
ثالثاً: أخد كثير من الفقهاء من قوله - تعالى - ،إلى المرافق ... وإلى
الكعبين، أن المرافق داخلة مع اليدين فى وجوب الغسل ، وأن الكعبين
داخلین مع الرجلين فى وجوب الغسل ,
قالوا: لأن (( إلى)) هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم
سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دحل فى الحد،

٧٨
سورة المائدة
إذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب
خوله فى الحد .
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على
لك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل
لرفقين والكعبين .
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبى - صلى الله عليه وسلم -
له كان يغسل المرفقين والكعبين .
قال القرطبى: وهذا هو الصحيح لما رواه الدار قطنى عن جابر أن النبى
صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه)).
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب ، لأن الغاية
ن قوله: إلى المرافق، وإلى الكعبين تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين
، الوجوب، وتحتمل عدم الدخول ، ولا وجوب مع الاحتمال .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله: قوله. إلى المرافق)
فيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها فى الحكم وخروجها ، فأمر يدور مع
الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله: «فنظرة إلى ميسرة، لأن الإعسار
سلة الإنذار . وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت الميسرة فيه لكان
نظرا فى كلتا الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك. ثم أنموا الصيام إلى الليل.
و دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت
قرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه
وله - تعالى -: ((من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)) لوقوع العلم بأنه
! يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. وقوله , إلى المرافق))
-((إلى الكعبين، لا دليل فيه على أحد الأمرين، «أخذ كافة العلماء بالاحتياط
فكوا بدخولها فى الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقين فلم يدخلاها . وعن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدير الماء على مرفقيه(١)).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٦٠

٧٩
الجزء السادس
رابعا : أجمع الفقها. على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله
- تعالى -، وأمسحوا برءوسكم ,الا أنهم إختلفوا فى مقدار المسح.
فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط ، وتبعهم فى
ذلك الحنابلة .
وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه إسم المسح أخذا باليقين .
وقال الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس .
ومنشأ الخلاف هنا إعتبار الماء زائدة أو أصلية . فقال المالكية والحنابلة
إن الباء كما تكون أصلية تتكون - أيضا - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول
وإعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع
الرأس ، ويكون البعض داخلا فى ذلك .
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره
: الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث
المغيرة ابن شعبة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان فى سفرفنزل لحاجته ثم
جاء فتوضأ ومسح على ناصيته)) قالوا: والناصبة تساوى ربع الرأس .
قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان . وفيها ما يفيد جواز
الاقتصار على مسح البعض فى بعض الحالات كما فى صحيح مسلم وغيره من
حديث المغيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - أدخل يده من تحت العمامة فمسح
مقدم رأسه ولم ينقض العمامة . وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أنه مسح
رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هى التى إستمر عليها - صلى الله عليه وسلم - فاقتضى
هذا أفضلية الهيئة التى كان يداوم عليها. وهى مسح الرأس مقبلا ومديرا.
واجزاء غيرها فى بعض الأحوال (١).،
خامسا : قوله تعالى ((وأرجلكم، وردت فيه قراءتان متواتر تان احداهما
(١) تفسير التامى ج ١٨٨٦٦

٨٠
سورة المائدة
ح اللام وهى قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائى ويعقوب. والثانية
مر اللام وهى قراءة الباقين.
أما قراءة النصبُ فعلى أن قوله ((وأرجلكم، معطوف قوله ((وجوهكم)»
هو منصوب بفعل مقدر أى: وأمسحو برءوسكم وإغسلوا أرجلكم
الكمين .
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله (( وأرجلكم)) معطوف على ( برءوسكم))
قال القرطبى ما ملحصة: فمن قرأ بالنصب جعل العامل ((أغسلوا، وبنى على
، أن الفرض فى الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة
العلماء وهو الثابت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - واللازم من قوله
غير ما حديث . وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى
.ته : ( وبل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء) ثم إن الله حدهما فقال:
لى المكعبين ) كما قال فى اليدبن ( إلى المرافق) فدل على وجوب غسلهما.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء . فقال ابن العربى: إتفقت علماء على
وب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبرى من فقهاء المسلمين ،
أفضة من غيرهم . وتعلق الطبرى بقراءة الخفض - أى قال بمسح الرجلين.
ثم قال: وقد قيل: إن قرة (وأرجلكم ) - بقراءة الخفض - معطوف
اللفظ دون المعنى - أى لفظ الرءوس - وهذا أيضاً يدل على الغل، فإن
اعى المعنى لا اللفظ، وإما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا
القرآن وغيره قال - تعالى - زيرسل عليكما شواظ من نار ونحاس)
ر لأن النحاس هو الدخان .
ثم قال : والقاطع فى الباب من أن فرض الرجلين الغسل ماقد مناه، وما ثبت
قوله - صلى الله عليه وسلم - (وبل للأعقاب وبطون الأقدام من النار
فنا بذكر النار على مخالفة مراد الله . ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من