النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء السادس قال الألوسى: والجملة عطف على قوله ((ولا يجر منكم ... )) من حيث المعنى، فكأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه، . وتعاونوا عن العفو والإغضاء . وقال بعضهم: هو استئناف، والوقف على (أن تعتدوا)) لازم(١). هذا ، وفى معنى هذه الجملة الكريمه وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن أبى مسعود الأنصارى قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : يارسول الله ، إنى أدع بی ۔ أی :ملکتدابتی التی ار کها - فاحملنى. فقال: «ما عندى .. فقال رجل: يارسول الله، أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من دل على خير فله مثل أجر فاعله(١) وروى الإمام مسلم ، أیضا - عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله. عليه وسلم - من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا تنقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلاله كان عليه من الإثم مثل آ ثام من تبعه . لا ينقص ذلك من آناءهم شيئا» (٢). وقوله - تعالى - ((واتقوا الله إن الله شديد العقاب، قذییل قصد به إنذار الذين يتعاونون على الإثم والعدوان . أى: اتقوا الله - أيها الناس - واخشوه فيما أمركم ونها كم، فإنه - سبحانه شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانحرف عن طريقه القويم. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال ما حرمه الله عليهم من محارم، وعن الإخلال بشىء من أحكامها، كمانهتهم عن أن بحملهم بغضهم لغيرهم على الاعتداء عليه. وأمرتهم بأن يتعاونوا على فعل الخير الذى ينفعهم وينفع غيرهم من الناس، وعلى ما يوصلهم إلى طاعته - سبحانه - وحسن مثوبته، ولا يتعاونوا على الأفعال التى يأثم فاعلها ، وعلى مجاوزة حدود الله (١) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - ج ٦ ص ٤١ - طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٨٠ هـ سنة ١٩٤٫٠. (٢) صحيح مسلم - كتاب العلم - جـ ٨ ص ٦٢ ٤٢ سورة السادس بالاعتداء على غيرهم . ثم حذرتمهم فى نها يتهامن العقاب الشديد الذى ينزله . سبحانه - بكل من عصاه، وانحرف عن هداه . ثم شرع - سبحانه - فى بيان المحرمات التى أشار إليها قبل ذلك بقوله : ((إلا ما يتلى عليكم، فبين ما يحرم ! كله من الحيوان لأسباب معينة فقال- تعالى -: ((حُرِّمَتْ عليكُم الميتَةُ والدُّ ولحُمُ الْزِير، وما أُهِلَّ لغيْرِ اللهِ به، والمنخنقةُ، والموقَوذَةُ، والمتردِّيّةُ، والنَّطيحةُ، وما أكلَ السَّبُعُ إلاَّ ما ذِكُْ، وما ذُبِحَ عَلَى النَّصُبِ، وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بالأزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِْقْ، اليومَ يْسَ الذينَ كَفَرُوا مِنْ دِينَكُمْ فَلا تَخْشَوْمُ واختَوْنٍ، اليومَ أكلتُ لكُم دينُكُمْ ، وَأَعْمتُ عليكُم نِعْعتى، ورضيتُ لكُم الإسلامَ دِيناً، فى اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتجانفٍ لانمِ، فإنَّ اللّهَ مُفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ) . ففى هذه المحرمات يتجلى فى قوله - تعالى - ((حرمت عليكم الميتة .. والميته كما يقول ابن جرير - كل ماله نفس - أى دم ونحوه - سائلة من دواب البر وطيره، ما أباح الله أكلها. أحليَّها ووحشيها. فارقتها روحها بغير تذكية. وقال: بعضهم: الميتة: هو كل مافارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية، مما أحل الله أكله ، (١): أى: حرم الله عليكم- أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها، بقاء بعض المواد الضارة فى جسمها . وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف بطهارتهما وبجواز الانتفاع بهما . وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز استعمالها . (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٦٧ ٤٣ الجزء السادس وقد إستثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد. فقد أخرج البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبى أو فى قال: « غزونا مع رسول الله - صلى لقه عليه وسلم - سبع غزوات نأكل الجراد.(١). وفيهما - أيضا - من حديث جابر، (( إن البحر ألقى حوتاً ميتاً فأكل منه الجيش. فلما قدمواقالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم -: فقال: كلوارزقاً أخرجه الله لكم. أطعمونا منه إن كان معكم. فأتاه بعضهم بشىء منه (٢). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحل لنا ميقتان ودمان. فأما الميتتان السمك والجراد. وأما الذمان فالكبد والطحال ، (٣). وثانى هذه المحرمات ماذكره - سبحانه - فى قوله: ((والدم، أى: وحرم عليكم أكل الدم . والمراد به: الدم المسفوح. أى السائل من الحيوان عند التذكية. لقوله - تعالى - فى آية أخرى ((أو دماً مسفوحا)،(٤) وهى خاصة. والآية التى معنا عامة . والخاص مقدم على العام . 1 وكان أهل الجاهلية يجعلونه فى المباعر ويشوونه وبأكاونه ، فحر مه الله - تعالى - لأنه يضر الأجسام . أما الدم الذى يكون جاهدا بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء فى حديث ابن عمر الذى سقناه منذ قليل . وثالث هذه المحرمات ما جاء فى قوله - تعالى - ((ولحم الخنزير)) أى: (١) أخرجه البخارى فى باب غزوة سيف البحر من كتاب المغازى ج ٥ ص٢١١ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ س ٠٧ (٣) تفسير ابن کثیر ج ٢ ص ٧ (٤) الآية ١٤٥ من سورة الأنعام . ٤٤ سورة المائدة وحرم عليكم لحم الخنزيروكذلك شحمة وجلده وجميع أجزائه ، لأنه مستقذر تعافه الفطرة ، وتتضرر به الأجسام . وخص لحم الخنزير بالذكرمع أن جميع أجزائه محرمة ، لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله - تعالى -: ((ولحم الخنزير، يعنى إنسبه ووحشية، واللحم بعم جميع اجزائه حتى الشحم. كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد ... وفى الصحيحين أن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يارسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن , وتدهن بها الجلود، يستصبح بها الناس؟ فقال: لا. هو حرام: ثم قال: قاتل الله اليهود. إن اته لما حرم شحومها جملوه - أى أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه (١). ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله: (( وما أهل لغير الله به، الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال. ثم إستعمل لرفع الصوت مطلقاً . ومنه: إهلال الصبى أى: صراخه بعد ولادته . والإهلال بالحج . أى رفع الصوت بالتلبية . وكانوافى الجاهلية إذا أرادواذبح ماقربوه إلى آلهتهم ، سمو اعليها أسماء ها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا . ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح: مهل. سمى أو لم يسم. جهر بالتسمية أو لم يجهر . والمعنى: وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا ما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير إسم الله - تعالى -، سواء إقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان ، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم الله وإسم فلان . أما إذا جمع الذابح بين إسم الله وإسم غيره بدون عطف بأن قال: باسم الله المسيح فى الله، أو باسم الله محمد رسول الله، فالأحناف يحوزون الأكل (١) ابن كثير جـ ٢ ص ٧ . ٤٠ الجزء السادس . = من الذبيحة ، ويعتبرور ذكر غير الله كلاما مبتدأ بخلاف العطف فإنه يكون نصا فى ذكر غير الله . وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع إسم الله إسما آخر سواء أكان ذلك بالعطف أمّ بدونه . وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً. والتحريم هنا ليس لذات الحيوان، بلى لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى - ثم ذكر - سبحانه - أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال: والمنخنقة والموقوذة، والمتردية ، والنطيحة)). والمنخنقة: هى التى تموت خفقاً إما قصدا بأن يخنقها آدمى. وإما إتفاقا بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها . والموقوذة: هى التى تضرب مثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا فى الجاهلية بضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماقت أكلوها. والوقد : شدة الضرب. وفلان وقيذ أى: مثخن ضربا. ويقال: وقذه يقذه وقذا ضربا حتى إسترخى وأشرف على الموت . قال القرطبي: وفى صحيح مسلم عن عدى بن عدى بن حاتم قال قلبه يارسول الله فإنى أرمى بالمعراض الصيد فأصيب؟ - والمعراض: وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - (( إذا رميت بالعراض نفزق - أى نفذ وأسال الدم . فكله . وإن أصاب بعرضه فلا تأ كله)). والمتردية: هى التى تتردى أى: تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردى مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك . -وأ. تردت بنفسها أم رداها غيرها . . ٤٦ سورة المائدة والنطيحة : هى التى تنطحها أخرى فتموت من القطاح. يقال : نطحه ینطحه و ینطحه أی أصابه بقر نه ، : والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل من المنخفقة، والموقوذة، والمتردية ، والنطيحة، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية، لأن الأكل منها فى هذه الحالة يعود عليكم بالضرر. وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - فى قوله: وما أكل السبع إلا ما ذكيتم». المراد بالسبع كل ذو ناب وأظهار من الحيوان. كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات المفترسة . . وقوله (( ذكيتم)) من التذكية وهى الإتمام. يقال: ذكيت النار إذا أتممت. إشتعالها . والمراد هنا: إسالة الدم، وفرى الأوداج فى المذبوح، والنحر فى المنحور والمعنى: وحرم عليكم - أيضا - الأكل ما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل ، إلا ما أدر كتموه من هذه الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضطرب معها إضطراب المذبوح وذكيتموه أى ذبحتموه ذبحاشرعيا: فإنه فى هذه الحالة يحل لكم الأكل منه . فقوله ، إلا ماذكيتم، الإستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة . وقيل: إن الإستثناء منا بختص بقوله: (( وما أكل السبع)). أى : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسديب جرحه ، إلا ما أدركتموه حيافذ كيتموه ذكاة شرعية فانه فى هذه الحالة بحل لأ كل منه والأول أولى ، لأن هذه الأنواع الخمسة تشترك فى أنها تعلقت بها أحوال قد تفضى بها إلى الهلاك، فان ملكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة ، وإذا أدركت بالذكاة فى وقت تنفع فيه الد كاة لها جاز الأكل منها . ٤٧ الجزء السادس أما النوع العاشر من هذه المحرمات فيتجلى فى قوله - تعالى -((وماذبح على النصب ، والنصب: جمع نصاب. كمكتب وكتاب. أو جمع نصب كقف وسقف. ويصح أن يكون لفظ النصب واحدا وجمعه أنصاب مثل: طنب أطناب وعلى كل فهى حجارة كان لجاهليون ينصبونها حول الكعبة ، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجرا، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم الى بتقربون بها إلى أصنامهم. ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبر دائهم متى تم على هذه النصب . وليست هذه النصب هى الأوثان ، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فيها حجارة مصرره منقوشة . والمعنى: وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا بما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله، وإنما تقرب به إلى الأصنام، وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه . هذه عشرة أنواع من المأكولات حرمت الآية الكريمة الأكل منها، لما إشتملت عليه من مضرة وأذى، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله . ويكفى لتجنب الأكل من هذه المعلومات أن أقه - تعانى - قد حرمها، لأنه - سبحانه - لا يحرم إلا الخبائث. ومن شأن المؤمن الصادق فى إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحره . . ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة، بعد ذكره لمشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال: « وأن تستقموا بالأزلام ذلكم فسق)). وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة، لأنه ما لإبتدعه أهل الجاهلية ؛ كما إبتدعوا ما ابتدعوه فى شأن المطاعم. والإستقسام: طلب معرفة ما قسم الإنسان من خير أو شر. والأزلام: قداح الميسر وأحدها زلم - بفتح اللام يفتح الزاى أو صمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام، لأنها زلمت أى سويت ((ويقال: رجل مؤلم وأمرأة مزلمة، إذا كان جيد القد، جميل القوام . ٤٨ سورة المائدة وكان لأهل الجاهلية شرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها: أنهم كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها: أمرنى ربى . وعلى الآخر : نهانى ربى. والثالث غفل من الكتابة، فإذا أرادوا سفراً أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها، فإن خرج الآمر أقدمواعلى مايريدونه وإن خرج الناهى أمسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الن هى . والمعنى: وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ماقسم لكم فى سفر أو غزو أو زواج أو مايشبه ذلك بواسطة الأزلام، لأن هذا الفعل فسق، أى: خروج عن أمراقه وطاعته . فاسم الإشارة ((ذلكم)) يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة . ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم . قال ابن كثير : وقد ثبت فى الصحيحين أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها. وفى أيديهما الأزلام. فقال: قائلهم الله. لقد علموا أنهما لم يستقسما بها إبداء. وثبت فى الصحيحين أيضا أن سراقة بن مالك بن جعثم لما خرج فى طلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مها جرين قال فاستقسمت بالأزلام . هل أضرم أو لا؟ فخرج الذى أكره: لا تضرم، قال: فعصيت الأزلام واقبتهم. ثم استقسم بها ثانية وثالثة. كل ذلك يخرج الذى يكره: لا تضرهم. وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك. ثم أسلم [ بعد ذلك ، (١) . فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل، وكان - صلى الله عليه وسلم - يجب الفأل الحسن فلم صار فقا ؟ فالجواب أن هناك فرقا شاسعا بين الاستقسام والأزلام وبين الفأل؛ فإن (١) ابن كثير جـ ٢ ص ١١ ٤٩ الجزء السادس الفأل أمرا إنفاقى تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فان القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمروالنهى على تلك الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله. وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام صلب لمعرفة علم الغيب الذى إستأثر الله به، وذلك حرام وافتراء على الله - تعالى- وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد ذكرت أحد عشر نوعا من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات ، وواحد يتعلق بالأفعال . وهناك مطعومات أخرى جاء تحرمها عن طريق السنة النبوية، كتحريمه - صلى الله عليه وسلم - للأكل من لحوم الحمر الأهلية. وبعد أن بين - سبحانه - هذه الأنواع من المحرمات التى حرمها على المؤمنين رحمة بهم، ورعاية لهم، أنبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم ، وأمرهم بأن يجعلوا خضبتهم منه وحدة، فقال - تعالى -: « اليوم يقس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون .. )). وقوله ((اليوم)) ظرف منصوب على الظرفية بقوله ((يئس)). والألف واللام فيه للعهد الحضورى، فيكون المراد به يوما معينا وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع . ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدافيه من الأزمنة الماضية والآتية . وقد حكى الإمام الرازى هذين الوجهير فقال ما ملخصه: وقوله: ((اليوم يئس الذين كفروا من دينكم .. ، فيه قولان . الأول : أنه ليس المراد به ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يمسواقبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان أى لاحاجة بكم (٤ - سورة المائدة ) ٥٠ سورة المائدة الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائکم فی تو ھین أمرکم و نظيرة قوله: کنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا . ولا يريد بالأمس اليوم الذى قبل قومك ، ولا باليوم يومك الذى انت فیه الثانى: أن المراد به يوم نزول هذه الآية. وقد نزلت يوم الجمعة من يوم عرفه بعد المصر فى عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، والنبى - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفات على ناقته العضباء، (١). وقوله: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم أى انقطع رجاؤهم فى التغلب عليكم، وفى إبطال أمر دينكم ، وفى صرف الناس عنه بعد أن دخلوا فيه أفواجا ، وبعد أن صار المشر كون مقهورين لكم، أذلة أمام قوتكم .. ومادام الأمر كذلك ((فلا تخشوم وأخشون) أى: فلا تجعلوا مكانالخشبة المشركين فى قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا ، بل إجعلوا خشبتكم وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذى جعل لكم الغلبة والنصر عليهم. ثم عقب ذلك - سبحانه - ببيان أكبرنعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإسلامية فقال: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى ، ورضيت لكم الإسلام ديناً ، . أى . اليوم أكملت لكم حدودى وفرائضى وحلالى وحرامى، ونصرى لكم على أعدائكم، وتمكينفى إيا كم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم فى الطواف بالبيت أحد من المشركين . وأتممت عليكم فعمتى، بأن أزلت دولة الشرك من مكة، وجعلت كلمتكم هى العليا وكلمة أعدائكم هى السفلى، ورضيت لكم الإسلام دينا، بأن اخترته لكم من بين الأديان . وجعلته الدين المقبول عندى، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال - تعالى -: ((ومن يبتغ غير الإسلام (١) تفسير الفخر الرازى : ١١ ص ١٣٧ ٠١ الجزء السادس دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين ، وليس المراد بإ كمال الدين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكله، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتا فى علم الله قابلا للنسخ ، ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للنسخ ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإمام الرازى: قال القفال: إن الدين ما كان ناقصا ألبتة ، بل كان أبداً كاملا . يعنى: كانت الشرائع النازلة من عند الله فى كل وقت كافية فى ذلك الوقت إلا أنه - تعالى - كان عالماً فى أول وقت المعث بأن ما هو كامل فى هذا اليوم ليس بكامل الغد ولا صلاح فيه. فلا جرم كأن يفسخ بعد الثبوت . وكان يزيد بعد العدم. وأما فى آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كامله. وحكم ببقائها إلى القيامة . فالشرع أبدا كان كاملا. إلا إن الأول کمال إلى زمان مخصوص. والثانى كمال إلى يوم القيامة. فلأجل هذا قال: ((اليوم أكلت لكم دينكم)،(!). وقال القرطی ما ملخصه: لهل قائلا يقول: ((الیوم أكلت لكم دينكم، يدل على أن الدين كان غير كامل فى وقت من الأوقات . وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار ... قبل نزول هذه الآية ت ماتوا على دين ناقص ... ومعلوم أن النقص عيب ... ؟. فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه ؟ ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها ... ؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب ... وقوله: «اليوم أكملت لكم دينكم، يخرج على وجهين: أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذى كان له عندى فيماقضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له: إنه كان فاقصا عما كان عند الله أنه ملحتمه (١) تفسير الاخر الرازى : ١١ ص ١٣٨٪ ٥٢ سورة المائدة 4، وضامه إليه .. وهكذا شرائع الإسلام شرعها الله شيئا فشيئا إلى أن أنهى - سبحانه - الدين منتهاه الذى كان له عنده . وثانيهما: أنه أراد بقوله، اليوم أكملت لكم دينكم، انه وفقهم للحج لذى لم يكن بقى عليهم من أركان الدين غيره، فجوا، فاستجمع لهم الدين داء لأركانه، وقياما بفرائضه وفى الحديث: «بني الإسلام على خمس .. ، قد كانوا نشهدوا، وصلوا، وزكوا، وصاموا، وجاهدوا، واعتمروا، لم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع الفـ ـ صلى الله عليه وسلم - نزل الله وم بالموقف عشية عرفة ((اليوم أكملت لكم دينكم.)). أى: كمل وضعه لهم. وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهودو إلى عمر قال: يا أمير المؤمنين آية فى كتابكم تقر ونها لو علينا أنزلت معشر اليهود اتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأى آية؟ قال: (( اليوم أكملت لكم دينكم.)) قال عمر: إنى لأعلم اليوم الذى أنزلت فيه والمكان الذى أنزلت فيه نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فى يوم جمعة)). وروى أنها لما نزلت فى يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله - على اللّه عليه وسلم - بكى عمر، فقال له ما يبكيك؟ فقال: أبكاني أنا كنا ، زبادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شىء إلا نقص فقال له النبى صلى الله عليه وسلم - صدق))(١). وبعد أن ذكر - سبحانه - فى صدر الآية أجد عشر نوعا من المحرمات ، أتبع ذلك ببيان إكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين .. جاء ختام الآية بيان حكم المضطر إلى أكل شىء من هذه المحرمات فقال - تعالى -: ((فمن . نطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم)). (١) تفسير القرطبي ج ٦ ص ٦١ - بتصرف وتلخيص -. ٠٣ الجزء السادس وقوله ( اضطر، من الاضطرار بمعنى الوقوع فى الضرورة. والمخصصة : خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد. يقال خمصه الجوع. خمصا ومخصة. إذا اشتد به. وفى الحديث: « إن الطير تغدو خماصا - أى جياعا عنامرات البطون - وتروح بطانا - أى مشبعات). وقال الأعشى: يبيتون فى المشتى ملاءً بطونهم وجاراتهم غرفى يبتن خمائصاً أى : وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهم من شدة الجوع . وقوله «متجانف، من الجنف وهو الميل، يقال: جنف عن الحق - كفرح - إذامال عند وجنف عن طريفه - كفرح وضرب - جنفا وجغونا إذا مال عنه . والمعنى : فمن الجانه الضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات فى مجاعة شديدة حالة كونه غير ما قل إلى ارتكاب إثم من الآثام ، فلا ذنب عليه فى ذلك لأن الله - تعالى - واسع المغفرة. فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا إلى تناوله لدفع الضرورة بدون بغى أو تعد، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما . قال الآلوسي: وقوله: (( غير متجانف الإثم، أى غير مائل ومنحرف إليه ومختار له. بأن يأكل منها زائدا على ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام . وقيل: يجوز أن يشبع عند الضرورة. وقيل: المراد غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجا فى معصية (١))). وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم فى حالة الاختيار، وما يحل فى حالة الاضطرار. وجاءت بين ذلك بحمل معترضة - وهى قوله ((اليوم يئس الذين كفروا من دينكم .... إلى قوله: ورضيت لكم الإسلام دينا. لتأكيد تحريم هذه الأشياء، لأن تحريمها من جملة الدين الكامل، والنعمة التامة ، والإسلام المرضى عند الله. (١) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ٦١. ٥٤ سورة المائدة هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى : ١ - حرمة هذه الأنواع الأحد عشر التى ذكرها الله - تعالى - فى هذه الآية ووجوب الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق، ولأن استحلال شیء منها يكون خروجا عن تعاليم دين الله ، وانتها كالحرماتة . ٢ - حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، متى ذبحت ذبها شرعيا وكانت بها بقية حياة تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب المذبوح . وللفقها، كلام طويل فى ذلك يؤخذ منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الزكاة محللة له. أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له بسبب الخفق أو الوقذ أو التردى أو النطح أو أكل السبع منه، فقد أفتى كثير من العلماء بعمل الزكاة فيه ، وقد أخذ بذلك الأحناف . فقد قالوا: متى كانت حينه أو ذفبه يتحرك أو رجله تركض ثم ذكى فهو حلال . وقال قوم لا تعمل الذ كاة ومحرم أكله . ومنشأ اختلافهم فى أن الذكاة تعمل أو لا تعمل يعود إلى هل الاستثناء هنا متصل أو منقطع ؟ فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل حرف الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه فيكون حلالا . ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء فى الجملة المتقدمة ، وكأنه قال : ماذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتعبه . أما هذه الحيوانات التى حرمها الله فى الآية فلا يجوز لكم ،الأكل منها مطلقا. وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل ، وقالوا : يؤيد القول: بأن الاستثناء متصل الإجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه، فيكون الاستثناء فيه متصلا . هذا ملخص لما قاله العلماء فى هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفروع. ٥٥ الجزء السادس ٣ - إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر، وأن هذه الاباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان. الأول: أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط. الثانى: ألا يتجاوز ما يسد الحاجة. أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة، أو تجاوز المقدار الذى يدفع الضرر فإنه فى هذه الأحوال يكون واقعا فى المحرم الذي نهى الله عنه. وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال: قوله - تعالى - ,فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم،. أى: فمن احتاج إلى تناول شىء من هذه المحرمات التى ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله والله غفور له رحيم به، لأنه - تعالى - به لم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك ، فيتجاوز عنه ويغفر له. وفى المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعا - قال: قال رسول اقه - صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)). ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجبا فى بعض الأحيان ، وهو إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال .. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أو له أن يشبع ويتزود على أقوال، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضى عليه ثلاثة أيام لا بحد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى أضطر إلى ذلك جاز له . وقد روى الامام أحمد عن أبي واقد الليى أنهم قالوا : يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخصصة، فتى تحل لنا بها الميتة ؟ فقال: إذا لم تصطحبوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها». والاصطحاب شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة، وما كان منه بالعشى فهو . الاغتباق ومعنى لم تحتفئوا : أى تقتلعوا. وقوله: (( غير متجانف لائم، أى متعاط لمعصية الله . - ٥٦ سورة المائدة وقـ استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصى بسفره لا يترخص بشىء من رخص السفر، لأن الرخص لا تغال بالعاصى(١) .. ٤ - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ((وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق) ، الاستقام بالأزلام محرم. ومحرم أيضا كل ما يشبهه من القمار والتنجيم الرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء: ومن عمل بالايام فى السعد والنحس تقدا أن لها تأثيرا كفر. وإن لم يعتقد أثم. وقد روى أبو داود والنسائى وابن حبان عن قطن بن قبيصة ، عن أبيه ، سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: «العيافة والطرق والطيرة ، الجبت)). والعيافة: زجر الطير. والطرق : الخط يخط فى الارض. وقيل: الطرق ضرب بالحصى الذى تفعله النساء . وفى القاموس: عفت الطير عيافة زجرتها. وهو أن تعتبر بأسمائها مساقطها، فنتسعد ونتشام . وهو من عادة العرب كثيرا. والجبت : كل ماعبد من دون الله . وقد روى مسلم فى صحيحه عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ه قال: (( من أتى عرافا فسأله عن شىء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما)). وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله ليه وسلم - قال: من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل لى محمد - صلى الله عليه وسلم - . وعن عمران بن حصين مرفوعا : ليس منا من تطير أو تطيرله، أو تكهن - تكون له، أو سحر أو سحر له)، (٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٤ - بتصرف وتلخيص - (٢) تفسير القاحمى ج ٦ ص ١٨٣١، ٥٧ الجزء السادس ٥ - إستدل بعضهم بقوله - تعالى -،اليوم أكملت لكم دينكم ... ) على قفى القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضى أنهنص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقى بعض لم يمين حكمه لم يكن الدين، كاملا. وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون الله - تعالى. قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقـ اراقه بالقياس، وتعبد المكلفين به بمثل قوله - تعالى -, فاعتبروايا اول الأبصار)). فكان هذامع النصوص الصريحة بیانا لکل أحکام الوقائع ،غاية الأمر أن الوقائع صارت قمین : قسما اص الله على حكمه. وقسما أرشد الله - تعالى - إلى أنه يمكن إستنباط الحكم فيه من القسم الأول. فلم تصلح الآية متمسكا لهم (٢) ٦ - الآية الكريمة قد إشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإسلامية فقد بشرتهم - أولا - بأن أعداءهم قد إنقطع رجاؤهم فى إطال أمر الإسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التى كتب الله لها البقاء. وها نحن أولاء راجع التاريخ فترى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم فى معارك حربية ، ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ومبادئه، بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد روى الإمام مسلم فى صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع:« إن الشيطان قد يفس أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب ولكنه رضى بالتحريش بينهم،. وبشرهم - ثانيا - با كمال هذا الدين، فأنت ترى نصوصه وافية بكل ما يحتاج إليه البشر، إما بالغص على كل مسألة يحتاجون البها، أو باندراج هذه المسألة أو المسائل تحت العمومات الشاملة والمبادىء المكلية التى جاء بها دين الاسلام المكتمل فى عقائده وفى تشريعاته وفى آدابه ، وفى غير ذلك مما يسعد الانسان . (١) قصير آيات الأحكام ج ٢ ص ١٦٤ للأستاذ الشيخ محمد على السايس سورة المائدة وبشرتهم - ثالثا - بإتمام نعمة الله عليهم. وأى نعمة أتم على المؤمنين من راج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية، ومن تمكينه لهم فى رض وإستخلافهم فيها، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا فى ضعف من هم، وفساد فى أحوالهم . وبشرتهم - رابعا - بأن الله قد اختار لهم الإسلام دينا، وجهله هو الدين. .ضى عنده وهو الذى يجب على الناس أن يدخلوا فيه ، وأن يعملوا بأوامره داهيه ، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذى اختاره الله . قضاه، ليختاره لنفسه طريقا من نزعات نفسه وهواه . وهذه بعض الأحكام والآداب التى إستلهمها العلماء من الآية الكريمة . ناك أحكام أخرى ذكر ناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة . وبعد أن بين - سبحانه - أنواعا من: محرمات. شرع فى بيان ما أحله لهم. طيبات فقال - تعالى - (( يسألونَكَ ماذَا أُحِلٍ لَهُمْ، قُلْ أُحِلّ لكُم الطيباتُ وما عُدْتُم من أبوارِحِ مكلِِّيزَ تُعلّوهُنَّ مَمَا عَلَّكم اللهُ فَكُلُوا مِمَا أَمْسَكْنَ عَلِيكُم اذكروا امنمَ اللهِ عليه، واتقوا اللهَ إنَّ اللهَ سريعُ الحسابِ (٤))). أورد المفسرون فی سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن ، حاتم عن سعيد بن جبير عن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائبين أنهما الا رسول الله - صلى اله عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله ، قد حرم الله مئة فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت هذه الآيه (!))). والمعنى: يسأك أصحابك يا محمد ما الذى أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا حرم منها؟ قل لهم أحل الله لكم الطيبات. والطيبات: جمع طيب وهو الشىء المستلف . وفسره بعضهم بالخلال . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ش ١٥ ٠٩ الجزء السادس أى: قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التى تستلذها النفوس المستقيمة وتستطيبها ولا تستقررها، والتى لم يرد فى الشرع ما يحرمها ويمنع من تناولها وفى قوله (( يسألونك ماذا أحل لهم، التفات من الحاضر إلى الغائب، لأن فى السياق حكاية عنهم كما يقال: أقسم فلان ليفعلن كذا، ولأن هذا الالتفات أُدعى إلى تنبيه الأذمان ، وتوجيهها إلى ما يراد منها. وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى الجواب عن -ؤالهم، لأنه هو المبلغ للرسالة، وهو المبين لهم ما خفى عليهم من أمور دينهم ودنياهم . رقوله (( ماذا)) إسم إستفهام مبتدأ، وقوله , أحل لهم، خبره كقولك: أی شیء أحل لهم. ٠٠.، معطوف على الطيبات وقوله: ((وما علمْم من الجوارح مكلبين. بتقدير مضاف و«ما، موصولة . والعائد محذوف. و «الجوارح، جمع جارحة. وهى - كما يقول ابن جرير - الكواسب من سياع البهائم والطير . سميت جوارح لجرحها لأربابها، وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد. يقال منه: جرح فلان لأهله خيرا. إذا أكسبهم خيرا وفلان جارحة أهله. يعنى بذلك: كاسبهم لا جارحة لغلاقه إذا لم يكن لها كاسب، (١). ومنه قوله - تعالى - ((وهو الذى يتوفا كم بالليل ويعلم ماجر حتم بالنهار. أى: كسبتم بالنهار . وقيل : سميت جوارح، لأنها تجرح الصيد عند إمسا كه . وقوله: «مكلبين، أى: مؤدبين ومعودين لهاعلى الصيد. فالتكليب: تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد . فهو إسم فاعل مشتق من إسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون فى الكلاب. أو هو مشتق من الكلب بمعنى (١) سورة الأنعام. الآية ٦٠ ٦ سورة المائدة أوة . يقال : كلب الكلب يكلب واستكلب أى: ضرى وتعود نهش غيره حال من فاعل علمتم . المعنى: أحل الله لكم الطيبات، وأحل لكم صيد أو أخذ ما علقموه الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد . وقوله: (( تعلموهن مما علمكم الله، فى محل نصب على أنه حال ثانية من ،((علمتم، أو من الضمير المستقر فى ((مكلبين)) أى: تعلمون هذه الجوارح بعض ماءلمكرالله إياه من فنون العلم والمعرفة تدربو من على وسائل التحابل وعلى الطرق المتنوعة الإصطياد وعلى الإنقياد كم عند الإرسال وعند الطلب ، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد ميده. فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان مض مظاهر فضل الله على الناس)) منحهم "علم الذى عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه، وسخروا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: قوله: ـا علمتم من الجوارح، عطف الطيبات : أى: أحل لكم الطيبات وصيد لمتم من الجوارح، فدف المضاف أو تجعل، ما، شرطية وجوايها لوا، والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد ر والعقاب والصقر والبازى والمكلب: مؤدب الجوارح ومغربها بالصيد حبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب . وإنتصاب(، مكلبين، على الحال من (( علمتم)). فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد إستغنى عنها بعلمتم ؟ قلت : فائدتها أن ن من يعلم الجوارح تحريرا فى علمه ، مدربا فيه ، موصوفاً بالتكليب . قوله - تعالى - ((تعلموهن، حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علماً، وأكثرهم دراية