النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
توجيها من التوجيهات ؛ مما يدل على أن هذه السورة قد اهتمت اهتماما ملحوظا
بتربية المؤمنين على المنهج الذى اختاره اللهلهم (( لاسيما بعد أن أكمل - سبحانه-
لهم دينهم ، وأتم عليهم نعمته .
وهذه هى النداءات التى وجهها الله - تعالى - إلى المؤمنين، نسوقها
مر قبة كما وردت فى السورة .
١ - قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، الآية ١
٢ - وقال- تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، الآية ٢
: (( يأيها الذين آمنواإذا قتم إلى الصلاةفاغسلوا، الآ ية٦
د
٣ -١
: ((بأيها الذين آمنوا كونواقوامين لله شهداء بالقسط)،
٤ - ١
الآية ٨
: ((يأيها الذين آمنوااذكروا نعمة الله عليكم)) الآية١١
A
٥-
: ((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)»
٦ -
الآية ٣٥
: ((يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه)) الآية ٥٤
A
A
٧ -
: ((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم،
A
٨ - "
الآ ية ٥٧
هزوا ولعبا
: ((يأيها الذين آمنوا لاتحر موا طيبات ما أحل
٩ -
الآية ٠٨٧
اله لكم))
: ((يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب)»
٨
١٠ -
الآية ٩٠
: ((يأيها الذين ليبلونكم الله بشىء من الصيد) الآية﴾﴾
A
١١-
: ((بأيها الذين آمنوالا تقتاو الصيد وأنتم حرم، الآ ية ٩٥
١٢ -
: (( يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم
١٣ -
الآية ٢٠١
توك »
٨

- ٢٢ -
: (( يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم، الآ يةه.
١٥-
: (( يأيها الذين آمنوا شهادة بنتكم إذا حضر أحدٌ
٨
١٦ -
الآية ٦.
الموت »
هذه هى النداءات التى وجهها - سبحانه - إلى المؤمنين فى سورة المائدة
وأنت إذا تأملت فيها ترى كل نداء منها يعتبر قانونا منظما لناحية من نواحي
الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم ، أو فيما يختص بعلاقتهم بغيرهم .
وسنفصل القول فى هذه الآيات المشتملة على تلك النداءات عند تفسيرا
لها - إن شاء الله -.
٣ - أن السورة الكريمة حافلة بالحديث عن أحوال أهل الكتاب
فقد تحدثت عن بعقائدهم الفاسدة، وردت عليهم بما يبطل معتقداتهم بأسلوب
منطق وصين: ولم تكتف بهذا بل أرشدتهم فى كثير من آياتها إلى طريق الحق
حتى يسلكوه، وحتى لا يكون لهم عذر يوم القيامة. وأمرت النى - صلى أوذ
عليه وسلم - فى كثير من آبائها - أيضا - أن يكشف لهم عن ضلالهم وفسوقه.
هن أُمر ربهم .
ومن ذلك قوله - تعالى -: ((قل يا أهل الكتاب هل تثقمون منا إلا أو
آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل».
وقوله - تعالى -: ((قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التورا
والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم» .
وقوله - تعالى -: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوفى دينكم غير الحق، ولا تتبعو
أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل)).
وقد ذكرت السورة الكريمة - كما سبق أن أشرنا - ألوانا من مسالل
اليهود الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، كتحاكمهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم
لا يقصد الوصول إلى الحق، وإنما بقصد إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التورا

- ٢٣٠ -
ولكن الله - تعالى - خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وكاستهزائهم بالدين الإسلامى
وشعائره :
قال - تعالى -: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا، ذلك بأنهم
قوم لا يفقهون ،
كماذكرت - أيضا - أنواعا من رذائلهم التى من أشنعها: نقضهم للعهود
والمواثيق، ومسارعتهم فى الإثم والعدوان، وأكلهم أموال الناس بالباطل ،
وتكذيهم للرسل تارة، وقتلهم لهم تارة أخرى ...
أما فيما يتعلق بالنصارى فقد تميزت سورة المائدة بالإضافة فى الحديث
عنهم بصورة لاتكاد توجد فى غيرها بهذه السعة .
فقد تحدثت عن عقائدهم الباطلة ، وعن أقوالهم الكاذبة فى شأن عيسى -
عليه السلام - وفى شأن أمه مريم ، وردت عليهم بمايد حض حجتهم، وبما
يرشدهم إلى الصراط المستقيم ...
١
وقد أنصفت السورة من يستحق الإنصاف منهم، وبشرت أولئك الذين
اتبعوا الحق منهم بالثواب الجزيل من الله - تعالى -.
٤ - أن الذى ينظر فى الأحكام والتشريعات والتوجيهات التى اشتملت
عليها سورة المائدة، يراها تمتاز بأنها أحكام نهائية لا تقبل النسخ .
وخذ على سبيل المثال ماورد فى هذه السورة بشأن تحريم الخمر، فإنك تراه
قاطعا وحاسما فى التحريم .
فلقدمر تحريم الخمر بمراحل كان أولها قوله - تعالى - فى سورة البقرة:
((يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ... ، (الآية ٢١٩).
وكان ثانيها قوله - تعالى - فى سورة النساء: ((يأيها الذين آمنوا لا تقربوا
الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون ... )، ( الآية ٤٣).
وكان آخر ها قوله - تعالى - هنا فى سورة المائدة: ((يأيها الذين آمنوا

- ٢٤ -
إنما الخز الميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم
تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر
ويعدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)).
والسر فى أن الأحكام الشرعية التى وردت فى هذه السورة تعتبر نهائية
ولا تقبل النسخ، أن معظم آياتها - كما سبق أن ذكرنا - كان من آخر مانزل
على النبى - صلى الله عليه وسلم - من قرآن، وكان نزول كثير من آياتها بعد
أن انزوى الشرك فى مخابته، وصار المسلمون فى قوة ومنعة، كانوا بهما أصحاب
السلطان فى مكة وفى بيت الله الحرام، دون أن يتعرض لهم متعرض لهم ، أو
ينازعهم منازع، فقد تم فتح مكة ودخل الناس فى دين الله أفواجا .
ولهذا فأنت لاترى السورة الكريمة تتحدث عن الشرك أو عن المشركين،
أو عن الجهاد فى سبيل الله وما يتعلق به من حض عليه ومن أحكام تختص به,
وإنما سورة المائدة تتحدث عن قضايا أخرى كان المسلمون فى حاجة إليها
عند نزولها . ومن أهم هذه القضايا: حث المؤمنين على التزام العهود والمواثيق
وتحذيرهم من الإخلال بشىء منها، وإنزال التشريعات التى هم فى حاجة إليها
بعد أن تم لهم النصر على أعدائهم، وإرشادهم إلى طرق الحاجة والمناقشة التى
يردون بها على ما يثيره أهل الكتاب من شبهات حول تعاليم الإسلام وآدابه
وتشريعاته . وبيان وجه الحق فيما حكمته السورة عن أهل الكتاب من أقوال
٠٠
باطله ، ومن معتقدات فاسدة
أما فيما يتعلق بالشرك والمشركين أو بالجهاد فى سبيل أته، فلم يكن مقتضى
حال المسلمين يستدعى الكلام فى ذلك، لأن نزول معظمها كان بعد أن تم
للمسلمين النصر على أعدائهم، وبعد أن أصبحت كلمتهم هى العليا، وكلة
المشركين هى السفلى ...
وقد تكفلت السور المدنية الأخرى التى نزلت قبل سورة المائدة، بالحديث

- ٢٥ -
المستفيض عن الشرك وعن المشركين ، وعن الحض على الجهاد فى سبيل الله ،
وعن غير ذلك من القضايا التى تقتضيها حالة المسلمين .
وبعد : فإذا تمهيد بين يدى السورة الكريمة تعرضنا خلاله لمكان نزولها
ولزمانه، ولوجه تسميتها بسورة المائدة، وللمقاصد الإجمالية التى اشتملت
عليها ، والأمور البارزة فيها ...
وقد قصدنا بهذا التمهيد إعطاء القارئ الكريم فكرة واضحة عن هذه
السورة، قبل البدء فى تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل. واقه الهادى إلى
سواء السبيل ؟
-
ء

٢٦
سورة المائدة
تفسير سورة المائدة
قال تعالى: ((يأيّا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالعقودِ أُحِلْتْ لِكُمْبِيَةً
الأنْشَاءِ إلَّ ما يُلَى عليكُم غيرَ خُلِّى الصَّدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ، إذَّاللهَ
تحكم مَا يُرِيد (١))).
وقوله: ((أوفوا)) من الإيفاء. ومعناه: الإتيان بالشىء وافياً تاما لا نقص
فيه ، ولا نقض معه. يقال وفى بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به.
قال صاحب الانتصاف : ورد فى الكتاب العزيز (« وفى، بالتضيف فى
قوله - تعالى -: ((وإبراهيم الذى وفى)). وورد ((أوفى، كثيرا. ومعه
«أوفوا بالعقود)). وأما ((وفى، ثلاثياً فلم يرد إلا فى قوله - تعالى -: ((ومن
أو فى بعده من الله)). لأنه بنى أفعل التفضيل من ((وفى)): إذ لا يبنى إلا من
ثلاثى »(١) .
والعقود: جمع عقد - بفتح العين .. وهو العهد الموثق :
قال الراغب : العقد: الجمع بين أطراف الشىء. ويستعمل ذلك فى الأجسام
الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء . ثم يستعار ذلك للمعانى نحو عقد البيع والعهد
وغيرهما : فيقال: عاقدته ، وعقدته ، وتعاقدنا ...
وهو مصدر استعمل أسماً فجمع محو .. أوفوا بالعقود)،(٢). ١
(١) حاشية ابن المنبر على الكشاف جـ ١ ص ٦٠٠
(٢) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهافى جـ ٢٤١

٢٧
الجزء السادس
وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال: « والعقود جمع عقد وهو بمعنى
العقود، وهو أوكد العهود. والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى
الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين . والعهد قد ينفرد ، الواحد.
فكل عمد عقد ولا يكون كل عقد عهدا ... ،(١).
والمراد بالعقودهنا : ما يشمل العقود التى عقدها الله علينا وألزمنا بها من
الفرائض والواجبات والمندوبات، وما يشمل العقود التى تقع بين الناس
بعضهم مع بعض فى معاملاتهم المتنوعة ، وما يشمل العهود التى يقطعها الإنسان
على نفسه ، والتى لاتتنافى مع شريعة الله - تعالى -.
وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا: ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم كعقود
البيع ، وعقود النكاح ...
وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: العهود التى كانت تؤخذ فى الجاهلية على
النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى يتال حقه ..
والأول أولى لأنه أليق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة الجنس
وأوفى بعموم الفائدة.
قال القرطبى: والمعنى: أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض.
وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح فى الباب. قال - صلى الله
عليه وسلم - ((المؤمنون عند شروطهم)). وقال: «كل شرط ليس فى كتاب
الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ».
فبين أن الشرط أو العقد الذى يجب الوفاء به ماوافق كتاب انه. أى:
دين الله. فإن ظهر فيها مايخالف رد، كما قال - صلى الله عليه وسم -: «من عمل
عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )(٢) ...
(١) تفسير الطبريسى ج ٦ ص ٧ طبعة دار مكتبة الحياة سنة ١٣٨٠ه.
(٢) تفسير القرطبى : ٦ ص ٠٣٣

٢٨
سورة المائدة
والبهيمة: اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر .
قال الفخر الرازى : قالوا كل حى لاعقل له فهو بهيمة. من قولهم:
إستبهم الأمر على فلان إذا أشكل عليه . وهذا باب مبهم أى: مسدود الطريق.
ثم أختص هذا الإسم بكل ذات أربع فى البر والبحر)).
والأنعام جمع نعم - بفتحتين .. واكثر ما يطلق على الإبل، لأنها أعظم
نعمة عند العرب. والمراد بالأنعام هنا: ما يشمل الإبل والبقر والغنم. ويلحق
بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات ، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبى
وحمار الوحش وغيرهما من آكلات العشب ، كما تدخل الطيور غير الجارحة
وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافه بيانيه من إضافة الجنس إلى ماهو أخص منه
كشجر الاراك ، وثوب الخز .
أى: أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع بهيمة الأنعام. وهذا الانتفاع
بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها .
قال الآلوسى ما ملخصه : وقال غير واحد: البهيمة اسم لكل ذى أربع من
دواب البر والبحر. وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز. أى: أحل لكم
أكل البهيمة من الأنعام . وهى الأزواج الثمانية المذكورة فى سورتها ..
وأفردت البهيمة لإرادة الجنس: وجمع الأنعام ليشمل أنواعها . وألحق
بها الظباء وبقر الوحش. وقيل: هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام
فى الاجترار وعدم الأنياب .. وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة
بينهما ....
وقيل : المراد ببهيمة الأنعام : ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها
وهى ميتة، فيكون مفاد الآية صريحاً حل أ كلها. وبه قال الشافعى ... ))(١).
(١) تفسير الألوسى ج ٦ ص ٤٩

٢٩
الجزء السادس
وقوله: (( إلا ما يتلى عليكم) إستثناء م) أحله - سبحانه - لهم من بهيمة
الأنعام. أى: أحل الله لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم بعد ذلك فى
كتابه أو على لسان رسوله فإنه محرم عليكم .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((إلا مايتلى عليكم، أى يقرأ عليكم فى
القرآن والسنة من قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من السورة نفسها - ((حرمت
عليكم الميتة والدم ... ألخ، وقوله - صلى الله عليه وسلم- (( كل ذى ناب
من السباع ما كله حرام، .
فإن قيل: الذى يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا : كل سنة الرسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فهى كتاب الله. والدليل عليه أمران: أحدهما:
حديث العسيف (( لأقضین بینكما بكتاب الله ، والرجم ليس منصوصاً عليه فى
كتاب الله. الثانى: حديث عبد الله بن مسعود: ، ومالى لا ألعن من لعن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى كتاب الله ...
ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن . أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل
الزمان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون فيه دليل على جواز
تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة ».
وقوله: «غير محلى تصيد وأنتم حرم، بيان لما حرم عليهم فى أحوال
معينة ، وبسبب أمور أفترنت به .
وقوله: (( حرم) جمع حرام. يقال. أحرم الرجل فهو محرم وحرام
وم حرم .
وقوله: ((محلى)) جمع محل بمعنى مستحل. والصيد مصدر بمعنى الإصطياد.
أو اسم للحيوان المصيد .
وقوله : غير محلى الصيد ، حال من الضمير فى (( لكم)).
وقوله: ((وأنتم حرم)، حال من الضمير فى ((محلى).

٣٠
سورة المائدة
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ومع
غيركم، فقد أحل الله - تعالى- بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما، إلا
أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها، كما حرم عليكم الاصطياد
أو الانتفاع بالمصيد وأقم محرمون بحج أو عمرة، سواء أكنتم فى الحل أم
كنتم فى الحرم ويدخل فى حكم المحرم من كان فى الحرم وليس محرما .
وذلك لأن المحرم أو من كان فى أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا
بما يرضى الله ، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التى جعلها الله أماكن أمان،
واطمئنان، وعبادة لله رب العالمين .
وقد دعا الله - تعالى - المؤمنين إلى الوفاء بالعقود،وناداهم بوصف الا يمان،
ليحتهم على امتثال ما كلفهم به، لأن الشأن فى المؤمن أن يمتثل لما أمره الله به.
أو لما نهاه عنه .
روى ابن أبى حاتم ، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: أعهد إلى.
فقال له: إذا سمعت الله يقول (( يأيها الذين آمنوا ... ) فأرعها سمعك فإنه خير
بأمر به، أو شر ینهى عنه وقوله : (( إن الله يحكم مایرید، تذييل قصد بهبیان
مشيئة لقه النافذة، وإرادته الشاملة، وحكمه الذى لا يعقب عليه معقب .
أى: إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التى تتعلق بالحلال
وبالحرام وبغيرهما، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة، دون أن ينازعه
منازع، أو يعارضه معارض، فاستجيبوا - أيها المؤمنون - لحكمه لتنالوا
السعادة فى الدنيا والآخرة .
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود
التى شرعها الله - تعالى -، وهذا المعنى نرى سورة المائدة زاخرة به فی کثیر
من آياتها .
فأنت ترى فى مطلعها هذه الآية الكريمة التى تحض على الوفاء بالعقود،
ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الاخلال بشى ءمن شعائر الله، ثم تراها بعد
٠

٣
الجزء السادس
ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به: ((واذكروا
نعمة الله علیکم ومیشاقه الذی واثقكم به ،. ثم نحکی أن من الأسباب التى أدت
إلى طرد بنى إسرائيل من رحمة الله ، نقضهم لمواثيقهم .. «فيما نقضهم ميثاقهم
لعنام .....
وهكذا نرى السورة الكريمة حافظه بالتوجيهات التى تحض المؤمنين على
التزام العهود والمواثيق التى شرعها الله، وتحذرهم عاقبة إهمالها، أو الإخلال
بشىء منها .
٠
كما اخذ العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها
وأصوافها .. وحرمة ما حرم انه - قالى - منها فى مواطن أخرى.
كما أخذوا منها حرمم الأصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما
بحج أو عمرة، وعلى من كان فى أرض الحرم ولو لم يكن محرما.
1
قال القرطبى: وهذه الآية تلوح فصاحتها. وكثرة معانيها على قلة ألفاظها
لكل ذى بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام :
الأول: الأمر بالوفاء بالعقود. الثانى: تحليل بهيمة الأنعام. الثالث:
استثناء ما يلى بعد ذلك. الرابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. الخامس:
ما تقتضيه الآبة من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش أن أصحاب الكندى قالوا له: أيها الحكيم أعمل لنا شيئاً
مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياما كثيرة ثم
خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطبق هذا أحد. أبى فتحت المصحف فرجت
سورة المائدة. فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا
عاماً ، ثم استثنى استغناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته فى سطرين،
ولا يقدر أحد أن يأتى بهذا (١).
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٣١

٣٢
سورة المائدة
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعبساده من طيبات، وما حظره
عليهم من أفعال، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء
معينة فقال - تعالى - :
((يأيُّها أَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ، ولاَ الشَّهرَ الحَرَمَ
وَلَا الْهَدْىّ ولا القَلَائِدَ ولا آمِينَ البَيتَ الحَرَامَ يبْتَغُونَ فِضْلاً مِنَ
ريِهِم، ورِضِوَانً، وإذَا حَلُمْ فَاصْطَادُوا، ولا يُجْرِمِنُكُم شَنَاذَ نومٍ أَنْ
صدُّوهُمْ عنِ المَسْجدِ الحَرَامِ أَنْ تعتدُوا، وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى
ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والعُدْوَانِ، واتَّقُوا الهَ إنَّ الهَ شَدِيدُ
الَعِقَابِ (٢) ».
وقوله: (( لا تحلوا، من الإحلال الذى هو عند التحريم. ومعنى عدم
إحلالهم لشعائر الله: تقرير حرمتها عملا واعتقادا، والالتزام بها بالطريقة
التى قررتها شريعة الله .
والشعائر : جمع شعيرة - على وزن فعيلة - وهى فى الأصل ما جعلت شعاراً
على الشىء وعلامة عليه من الإشعار بمعنى الاعلام. وكل شىء اشتهر فقد أعلم.
يقال : شعرت بكذا . أى علمته .
والمراد بشعائر الله هنا : حدوده التى حدما، وفرائضه التى فرضها ،
وأحكامه التى أوجبها على عباده .
ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا: مناسك الحج وما حرمه فيه
من لبس الثياب فى أثناء الاحرام . ومن غير ذلك من الأفعال التى نهى الله
فعلها فى ذلك الوقت فيكون المعنى . لانحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم.
والقول الأول أولى لشموله لجميع التكاليف التى كلف الله بها عباده.
وقد رجحه ابن جرير بقوله: وأولى التأويلات بقوله: ((لاتحلوا شعائرانه،

٣٣
الجزء السادس
قول من قال : لا تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه ... فيدخل
فى ذلك مناسك الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه ...
وإنما قلنا ذلك القول أولى ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم
، حدوده وإحلالها، نهياً عاماً من غير اختصاص شىء من ذلك دون شىء. فلم
يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها.
ولا حجة بذلك .. ،(١).
وأضاف - سبحانه - الشعائر إليه . تشريفا لها، وتهو يلا للعقوبة التى
ترقب على التهاون بحرمتها ، وعلى مخالفة ما أمر الله ٠ه فى شأنها.
وقوله. (( ولا الشهر الحرام، معطوف على شعائر الله. والمراد به الجنس.
فيدخل فى ذلك جميع الأشهر الحرم. وهى أربعه: ذو القعدة، وذو الحجة ،
والمحرم، ورجب وسمى الشهر حر ما: باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام.
أى : لا تحلوا - أيها المؤمنون - القتال فى الشهر الحرام، ولا تبدؤا
أعداءكم فيه بقتال :
قال ابن كثير: يعنى بقوله: ((ولا الشهر الحرام)) تحريمه، والاعتراف
بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال كما قال -
تعالى -: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير،. وقال
- تعالى - ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا)). وفى صحيح البخارى عن
أبى بكرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فى حجة الوداع: إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر
شهراً. منها أربعة حرم ... وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت.
كما هو مذهب طائفة من السلف ...
وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه يجوز إبتداء القتال فى الأشهر
(١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٥٥ - وتلخيص -.
( ٣ - سورة المائدة)

٣٤
سورة المائدة
الحرم. واحتجوا بقوله - تعالى -، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشرّ
حيث وحد تموهم ..
والمراد أشهر التسيير الأربعة. قالوا : فلم يستثن شهرا حراما مر.
غيره.، (١) والمقصود بالهدى فى قوله ((ولا الهدى)) ما يتغرب به الان
إلى الله من النعم ليذبح فى الحرم . وهو جمع هدية - بتسكين الدال ..
- أى: ولا تحلوا حرمة ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى
- تعالى -، بأن تتعرضوا له بنحو غصب أو سرقة أو حبس عن بلوغه إلىء
وخيص ذلك بالذكر مع دخوله فى الشعائر، لأن فيه نفعا للناس ، ولا
قد يتساهل فيه أكثر من غيره، ولأن فى ذكره تعظيما لهأنه.
وقوله: (( ولا القلائد، جمع قلادة، وهى ما يقلد به الهدى ليعلم أنهمم
إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء.
وقد كانوا يضعون فى أعناق الهدى ضفائر من صوف ، ويربط بعا
فعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه
والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوالها بسوء
وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفا لها واعتناءً بشأنها ،!
التواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. فكان قيل: لا تحلوا الهـ
و خصوصا ذوات القلائد منه.
ويجوز أن يراد النهى عن التعرض لنفس القلائد مبالغة فى النهى
التعرض لنواتها أى : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته .
وقد أشار صاحب الكشاى إلى هذين الوجهين بقوله: وأما القـ
ففيها وجهان : أحدهما: أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهى البد
وتعطف على الهدى للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كن
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤.

٣٠
الجزء السادس
· وجبريل وميكال، كأنه قيل: والقلائد منها خصوصا. والثانى: أن ينهى
عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة فى النهى عن التعرض للهدى. على معنى:
ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها. كما قال ((ولا يبدين زينتهن، فهى
عن إبداء الزينة مبالغة فى النهى عن إبداء مواقعها»(١).
وقوله: ((ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا)،
معطوف على قوله : (( لا تحلوا شعائر القه .
وقوله: «آمين، جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم. يقال: أمت كذا
أى : قصدته أى: ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن تصدوهم
عن دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثوابا. رضوانا لتعبدهم فى بيته المجرم
ولكن ما المرادبه ؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلامن ربهم ورضونا؟
قال بعضهم: المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله الحج والزيارة.
فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام، لأن بيت الله - تعالى-
مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى
غيرهم فى قوله : من ربهم، للتشريف والتكريم.
وجملة (« يبتغون فضلا من ربهم ورضواناً)) حال من الضمير المستكن
فى قوله (( آمين)). وقد جىء بها لبيان مقصدهم الشريف، ومسمام الجليل.
أى : قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو نوابا من ربهم ، ويبتغون
ما هو أكبر من كل ذلك وهو رضاه - سبحانه - عنهم.
وعلى هذا القول تكون الآية الكريمة محكمة ولانسخ فيها ، وتكون
توجيها عاما من الله - تعالى - لعباده بعدم التعرض بأذى لمن يقصد زيارة المسجد
الحرام من إخوانهم المؤمنين، مهما حدث بينهم من نزاع أو خلاف ..
وقال آخرون: المراد بهم المشركون. واستدلوا بما رواه ابن جرير عن
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٠٢ :

٣٦
سورة المائدة
السيدى من أن الآية نزلت فى رجل من منى ربيعة يقال له الحطيم بن هند
وذلك أنه أتى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فسأله إلام تدعو ؟ فقال له النبي
- صلى الله عليه وسلم: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وأتى رسول الله،
فقال له : حسن ما تدعو إليه إلا أن لى أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلى
أسلم وآتى بهم .. فلما خرج مر بسرح من سرح المدينة فسافه وانطلق به ..
ثم أقبل من العام القادم حاجا ومعه تجارة عظيمه . فسأل المسلمون التى
- صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم فى التعرض له. فأبى النبى - صلى الله
عليه وسلم - ثم نزلت الآية(١).
وعلى هذا القول يفسر إبتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة .
وإبتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم، وأن الحج
يقربهم من الله، فوصفهم - سبحانه - على حسب ظنهم وزعمهم. ثم نسخ
ذلك بقوله - تعالى -- ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام
بعد عامهمهذا ، .
وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الد نيوي والأخروى ولو فى
زعم المشركين .
٠,
والذى نراه أولى هو القول الأول، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان ما يجب
على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التى هى حدوده وفرائضه ومعالم دينه ،
ولأن قوله - تعالى -: ((يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا)، هذا الوصف
إنما يليق بالمسلم دون الكافر، إذ المسلمون وحدهم هم الذين يقصدون بحجهم
وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان منه - سبحانه -.
قال الفخر الرازى: «أمرنا الله فى هذه الآية أن لانخلف من يقصد بيته
من المسلمين، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين . والدليل
عليه أول الآيه وآخرها .
(١) تفسير ابن جرير = ٦ من ٥٧ - بتصرف وتلخيص

٣٧
الجزء السادس
أما أول الآية فهو: (( لا محلوا شعائر الله)). وشعائر الله إنما تليق بنك
المسلمين وطاعتهم لا بنك الكفار .
وأما آخر الآية فهو قوله: يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا)، وهذا إنما
يليق بالمسلم لا بالكافر »(١).
وبذلك نرى الآية الكريمة قدنهت المؤمنين عن استحلال أى شىء من
الشعائر التى حرم الله - تعالى - إستحلالها، وخصت بالذكر هذه الأمور
الأربعة التى عطفت عليها إهتماما بشأنها، وهجرا للنفوس عن إنتهاك حرمتها،
لأن هذه الأمور الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع شهوة الانتقام، ومنها
ما ترغب فيه النفوس بدافع المتعة والميل القلبى ، ومنها ماترغب فيه النفوس
بدافع الطمع وحب التملك ...
ثم أتبع - سبحانه - هذا النهى ببيان جانب من مظاهر فضله. حيث أباح.
ـم الصيد بعد الانتهاء من إحرامهم فقال: وإذا حللم فاصطادوا)).
أى: وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد، وأبيح لكم أيضا
كل ما كان مباحا لكم قبل الإحرام.
وإنما خص الصيد بالذكر ، لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيرا . كبيرهم
وصغيرهم ، وغنيهم وفقيرهم . والإشارة إلى أن الذى ينبغى الحرص عليه
هو ما يعد قوتا تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ولا ما يكون
إرضاء للشهوات .
والأمر فى قوله: «فأصطادوا، للإباحة، لأنه ليس من الواجب على المحرم
إذا حل من إحرامه أن يصطاد. بل يباح له ذلك كما كان الشأن قبل الإحرام
ومثله قوله - تعالى - ((إذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض، أى: أبيح
لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٣٠

٣٨
سورة المائدة
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يحملهم البغض السابق لقوم لأنهـ
صدوم عن المسجد الحرام على أن يمنعوهممن دخوله كما منعهم من دخوله أولئك
القوم فقال - تعالى -: ((ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد
الحرام أن تعتدوا)).
والجملة الكريمة معطوفة على قوله: (لا تحلواشعائر الله، لزيادة تقرير مضمونه
.ومعنى ((ولا يجر منكم، ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا حمله عليا
أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه فى كسب مالا خير
فيه . ومنه الجريمة .
وأصل الجرم: قطع الثمرة من الشجرة، أطلق على الكسب، لأن المكاسب
ينقطع لكسبه .
قال صاحب الكشاف: جرم بحرى مجرى («كسب، فى تعديه إلى مفعول
واحد واثنين .
تقول: جرم ذنبا نحو كسبه . وجرمته ذنيا، نحو كسبته إياه . ويقال:
أجرمته ذنبا، على نقل المتعدى إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين . كقولهم:
١
أكسبته ذنبا .. ) .
والشنآن: البغض الشديد. يقال: شئت الرجل أشنؤه شنا وشناة وشفاً:
إذا أبغضته بغضا شديداً .
والمعنى: ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - بعضكم الشديد لقوم بسبب
أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام ، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدو
عليهم ، فإن الشرك إذا كان يبرر هذا العمل، فإن الإسلام - وهو دين العدل
والتسامح - لا يبرره ولا قبله، ولكن الذى يقبله الإسلام هو إحترام المسجد
الحرام، وفتح الطريق إليه أمام الناس حتى يزداد المؤمن إيمانا ، ويفىء العاصو
إلى رشده وصوابه .
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٠٢.

٣٩
الجزء السادس
قال ابن كثير: وقوله:((ولا يجر منكم شنآنأ.م .. ، أى: ولا يحملنكم
بغض قوم «قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية - ،
على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما
أمركم الله به من العدل فى حق كل أحد ... فإن العدل واجب على كل أحد ،
فى كل أحد، وفى كل حال. والعدل، به قامت السموات والأرض .
وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه،
وعن زيد ابن أسلم، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وأصحابه بالحديبية ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم،
فمر بهم قاس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة. فقال الصحابة:
نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية،(١).
وقوله: ((شنآن قوم)) مصدر مضاف لمفعوله. أى: لا يحملنكم بغضكم
قوما ...
وقوله: (( أن صدوكم)) - بفتح همزة أن - مفعول لأجله بتقدير اللام.
أى: لأن صدوكم. فهو متعلق بالشنآن .
وقوله (( أن تعتدوا)) فى موضع نصب على أنه مفعول به .
أى: لا يحملنكم بغضكم قومالصدم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم.
وقراءة (( أن صدوكم، بفتح الهمزة - هى قراءة الجمهور، وهى تشير إلى
أن الصد كان فى الماضى ، وهى واضحة ولا إشكال عليها.
قال الجمل: وفى قراءة لأبى عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية
وجواب الشرط دل عليه ما قبله . وفيها إشكال من حيث إن الشرط يقتضى
أن الأمر المشروط لم يقع. مع أن الصد كان قدوقع، لأنه كان فى عام الحديبية
وهى سنة ست والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكافت مكة عام الفتح
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥

٤٠
سورة المائدة
. فى أيدى المدين فكيف يصدون عنها؟ وأجيب؛ بوجهين: أولهما لا نسلم أن
الصد كان قبل نزول الآية، فإن نزولها عام الفتح غير مجمع عليه. والثانى:
أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها فيكون المعنى: إن وقع صد
مثل ذلك الصد الذى وقع عام الحديبية - فلا تعتدوا -،(١).
٠
قال بعضهم: وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل ، لأن النهى عن
استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فإن من يحمله البغض والعداوة على
الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق. وحينئذ لا يراعى المائلة
ولا يقف عند حدود العدل)،(٢) ..
ثم أمر الله - تعالى- عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المذكرات
فقال: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)).
والبر معناه: التوسع فى فعل الخير ، وإسداء المعروف إلى الناس .
والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى الله عنه.
١
قال القرطى: قال الماوردى: ندب الله - تعالى- إلى التعاون بالبر، وقرنه
بالتقوى له، لأن فى التقوى رضا الله ,وفى البر رضا الناس. ومن جمع بين
رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته،.
والإثم - كما يقول الراغب - اسم الأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آ ثام
والإثم هو المتحمل الإثم ... ثم أطلق على كل ذنب ومعصية .
---
والعدوان : تجاوز الحدود التى أمر الشارع الناس بالوقوف عندها.
أى: وتعاونوا - أيها المؤمنون- على كل ماهو خير وبر وساعة لله -تعالى-،
ولا تتعاونوا على ارتكاب الآثام ولا على الاعتداء على حدوده، فإن التعاون
على الطاعات والخيرات إلى السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله - تعالى-
فيؤدى إلى الشقاء .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٤٥٩
(٢) تفسير المنار ج ٦ ص ١٢٦