النص المفهرس

صفحات 521-540

- ٥٢١ -
إنسانى، لايزال العقلاء يجهدون أنفسهم فى حله إلى اليوم ... ، (١).
وقوله - سبحانه -: « لكن اته يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة
شهدون، وكفى بالله شهيداً، استدراك قصد به الرد على جحود أهل الكتاب
حق الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - فقد أخرح ابن جرير عن
بن عباس قال : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من اليهود
قال لهم: إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أتى رسول الله. فقالوا: ما نعلم ذلك.
نزل الله قوله: « لكن الله يشهد .. الآية))(٢).
والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب
ثير من الناس له ، وإدخال الطمأنينة على قلبه، فكأنه - سبحانه- يقول له :
لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه
لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أى : لمكن الله يشهد بأن الذى أنزله إليك
ن قرآن هو الحق الذى لا ريب فيه .
وقوله: ( أنزله بعلمه) أى: أنزله بعلم تام ، وحكمة بالغة ، أو بما عله
ن مصاخ عباده فى إنزاله عليك .
وقوله : ( والملائكة يشهدون ) أى: والملائكة يشهدون بأنك صادق
، رسالتك، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذى لا تحوم حوله شبهة.
وقوله. (وكفى بالله شهيدا) أى: وكفى بشهادة اللّه شهادة بأنك على الحق
إن لم يشهد غيره لك . فإنه لا عبرة لإنكار المنكرين لنبوتك ، ولا قيمة
جود الجاحدين لأ نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله، لتخرج
اس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
(١) رسالة التوحيد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ص ١١٧ وما بعدها.
(٢) تفسير ابن جرير ج٦ ص ٣١

-- ٥٢٢ -
وقد أجاد صاحب الكشاف فى توضين تلك المعانى حيث قال : فإن قلت
الاستدراك لابد له من مستدرك فما هو فى قوله: ( لكن الله يشهد ٠٠ )!
قلت : لما يمأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء، واحتج عليهم بقوله
(إنا أوحينا إليك) قال: لكن الله يشهد. بمعنى: أنهم لا يشهدون الكن
الله يشهد ٠ ..
ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما ثبت
الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة : شهادة بأنه حق وصدق ...
فإن قلت: ما معنى قوله: ( أنزله بعلمه) ! قلت : معناه أنزله متلبسا
بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره . وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه
كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه بما قبله: موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان
للشهادة. وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه ...
ويحتمل : أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد،
من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك .. ) (١)
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد أثبتت صدق النبى - صلى الله
عليه وسلم - فى رسالته بالأدلة الساطعة . والحجج الواضحة ؛ وبينت وظيفة
الرسل - عليهم السلام - وحكمة الله فى إرسالهم، وزادت للنبي - صلى الله
عليه وسلم - طمأنينة بأنه على الحق، لأن الله قد شهد له بذلك، وكفى بشهادة الله
شهادة، مهما خالفها المخالفون ، وأعرض عنها المعرضون
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران،
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٩٢

-- ٥٢٣ --
وما سيصير إليه حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة، ووجه إلى الناس جميعا نداء
أمرهم فيه بالإيمان وترك الكفر والعصيان فقال - تعالى -:
(((إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وصتُّوا عَنْ سبيلِ اللهِ قد ضَلُّوا ضلالاً
بعيداً (١٦٧) إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وظلَمُوا لم يُكُنِ اللهُ ليغفِرَ لهم
ولا ليهدِيَهَم طريقاً (١٦٨) إلاَّ طريقَ جَهََّ خالدين فيها أبداً وكانَ ذلك
عَلَى اللهِ يسيراً (١٦٩) يأيُّها الناسُ قد جاءكم الرَّسولُ بالحقِّ مِنْ رِبُّكم
فَآَمِنُوا خيراً لكمُ، وإنْ تَكْفرُوا فإنَّ شُهِ ما فى السمواتِ والأرضِ
وكانَ اللهُ عَلِيماً حكيماً (١٧٠))).
وقوله: ((وصدوا)) من الصد بمعنى المنع والانصراف عن الشىء.
قال الراغب: والصد قد يكون انصرافا عن الشىء وأ،تناعا نحو:«يصدون
عنك صدوداً)، وقد يكون صرفا ومنها نحو: ((وزين لهم الشيطان أعمالهم
قصدهم عن السبيل ... ».
والمعنى: إن الذين كفروا بالحق الذى جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم-
((وصدوا عن سبيل الله، أى: وأعرضوا عن الطريق الذى أمر الله بسلوكه
وهو طريق الإسلام ولم يكتفوا بذلك بل منعوا غيرهم أيضا عن سلوكه .
إنهم بفعلهم هذا (( قد ضلوا ضلالا بعيدا) أى: قد ضلوا - بسبب كفرهم
وصدهم أنفسهم والناس عن الحق - ضلالا بلغ الغاية فى الشدة والشناعة.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: ((إن الذين كفروا ) بما يجب
الإيمان به (( وظلموا)) أنفسهم بإيرادها موارد التهلكة، وظديا غيرهم بأنه
حببوا إليه الفسوق والعصيان وكرهوا إليه الطاعة والإيمان.

- ٥٢٤ ٠
إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم ولم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم
طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا ... )).
أى: لم يكن الله ليغفر لهم، لأنه - سبحانه - لا يغفر أن يشرك به
ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم طريقا من
طرق الخير، لكنه - سبحانه - يهديهم إلى طريق تؤدى بهم إلى جهنم
خالدين فيها أبدا ، بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية،
وبسبب فساد استعداده ، وسوء اختيارهم .
والتعبير بالهداية فى جانب طريق الغار من باب التهكم بهم .
وقوله (( خالدين فيها، حال مقدرة من الضمير المنصوب فى ((يهديهم))،
لأن المراد بالهداية هدايتهم فى الدنيا إلى طريق جهنم . أى: إلى ما يؤدى بهم
إلى الدخول فيها .
وقوله (( أبدا، منصوب على الظرفية، وهو مؤكد للخلود فى النار؛ رافع
لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل.
أى: خالدين فيها خلودا أبديا بحيث لا يخرجون منها .
وقوله: ((وكان ذلك على الله يسيرا، قدييل قصد به تحقير شأنهم، وبيان
أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم.
والمراد: وكان ذلك - أى: انتفاء غفر ان ذنوبهم، وانتفاء هدايتهم إلى
طريق أخير، وقدفهم فى جهنم وبئس المهاد - كان كل ذلك على الله يسيرا.
أى: هينا سهلا لأنه - سبحانه - لا يستعصى على قدرته شىء.
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا يأمرهم فيه بالإيمان وينهاهم
عن الكفر فقال: (( يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا
خيرا لكم ... ..

- ٥٢٥ -
أى: يأيها المكلفون من الناس جميعا، قد جاءكم الرسول المشهودله بالصدق
فى رسالته ، بالهدى ودين الحق من ربكم ، فآمنوا به وصدقوه وأطيعوه. يكن
إيمانكم خيرا لكم فى الدنيا والآخرة .
فالخطاب فى الآية الكريمة للناس أجمعين، سواء أكان عربيا أم غير عربى
أبيضا أم أسود، بعيدا أم قريبا ... لأن رسالته - صلى الله عليه وسلم -
عامة وشاملة للناس جميعا .
والمراد بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأل فيه المعهد: وإيراده
بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته .
وقوله: (( بالحق ، متعلق بمحذوف على أنه حال من الرسول. أى : جاءكم
الرسول ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .
وقوله: (( من ربكم ) متعلق بمحذوف على أنه حال أيضامن الحق. أو متعلق
بماء. أى: جاءكم من عند الله - تعالى - وليس متقولا.
ويرى بعضهم أن قوله ((خيرا)) خبر لكان المحذوفة مع اسمها، أى :
فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا لكم.
ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف. أى: فآمنوا إيمانا خيرا لكم.
وهى صفة مؤكدة على حسد أمس الدابر لا يعود، لأن الإيمان لا يكون
إلا خيراً .
فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإيمان بالرسول
- صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يجتهم بشىء باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت
الموافق لفطرة البشر أجمعين. ولأنه لم يحثهم بما جاءهم به من عند نفسه
وإنما جاءهم بما جاءهم به من عند الله - تعالى - . ولأنه لم يجتهم بما يفضى بهم
إلى الشرور والآثام، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا وإلى الفوز
برضا الله فى الآخرة .

٠٠ ٥٢٦ -
تلك هى عاقبة المؤمنين ، أما عاقبة الكافرين فقد حذر - سبحانه - منها
نوله: «وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض، وكان الله عليما حكماء.
أى: وإن تكفروا - أيها الناس .. فلن يضر الله كفركم، فإنه
- سبحانه - له ما فى السموات والأرض خلقا وملكا وقصرفا، وكان الله
- تعالى - عليما علما تاما بأحوال خلقه، حكما فى جميع أفعاله وتدبيراته .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير،
حضت الناس على الدخول فى زمرة المؤمنين ، وحذرتهم من الكفر حتى
نجوا يوم القيامة من عذاب السعير .
ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه
من المغالاة فى شأن عيسى - عليه السلام - وبينت لهم وللناس أن عيسى
إنما هو عبد الله ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت
المستكبرين بالعذاب الأليم . استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل
ذلك فيقول :
((يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغَلُوا فى دِينكمُ ولاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ
إلاَّ الحقَّ، إنما المسيحُ عِيسَى ابْنُ مريتَمَ رسولُ اللهِ وَكلّتُهُ القَاهَا إِلى
مرَمَ وروحٌ مِنْهُ، فَآَمِنُوا باللهِ ورُسلِهِ، ولا تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ، انتهُوا
خَيراً لكُم، إنما الله إلهٌ واحِدٌ، سبحانهُ أنْ يكونَ لهُ ولدٌ، لَهُ ما فى
السموَاتِ وما فى الأرضِ، وكفَى باللهِ وكيلاً (١٧١) لَنْ يستنكِفَِ
المسيحُ أنْ يُكُونَ عبداً للَّهِ، ولا الملائكةُ المقرَّبُونَ، وَمَنْ يَسْتَنَكِفِْ

-٥٢٧٠ .
منْ عبادتِهِ ويستكْبِرِ فَسَيَحْشُرُ إليهِ جَميعً (١٧٢) فَأَمَّا الذِينَ آمَنُوا
وعملُوا الصّالحاتِ فَيُوَفِّهِمْ أُجُورَهُ وِيرِ يدُهُ مِنْ فَضْلِهِ، وأَمَّا الذِينَ
استنكِفُوا واستكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عذابا أليماً، ولا يجِدُونَ لهم مِنْ
دُونِ اللهِ وَلِيَّ ولا نَصِيراً (١٧٣) يَأْيَُّ الناسُ قَدْ جاءَكُمْ بَرْهانٌ مِنْ
رَبَّكُمْ وَأَنْزلنَا إِليكُم نوراً مَبينَا (١٧٤) فأمَّا الذِينَ آمَنُوا باللهِ واعتصُوا
بهٍ فَسَيُدْخِلَهم فى رحمةٍ مِنْهُ وفضلٍ ويهديهم إليه صِرَاطَاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)».
وقوله: (( لا تغلوا)، أى: لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من
الغلو، وهو - كما يقول القرطى - التجاوز فى الحد ومنه: غلا السعر يغلو
غلاء . وغلا الرجل فى الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت
الشباب جاوزت لداتها - أى: أترابها - .. (١))).
وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا فى شأن عيسى . أما اليهود فقد
أفكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هى منه بريئه ...
وأما النصارى فقد رفعوا عيسى - عليه السلام - إلى مرتبة فوق مرتبة
البشرية ، واعتبره بعضهم إلها ، واعتبره بعض آخر منهم ابنالله ، تعالى اقه عما
يقولون علوا كبيرا .
والمعنى: يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول فى شأن
دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذى شرعه الله - تعالى - ،
وارقضته العقول السليمة .
وقد فاداهم - سبحانه - بعنوان أهل الكتاب . للتعريض بهم ، حيث إنهم
خالفوا کتبهم التی بين أيديهم .
(١) تفسير القرطبي ج ٦ ٥ ٢١.

- ٥٢٨ -
والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعاً من يهود ونصارى .
إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا ، بدليل سياق الآية الكريمة،
فقدذكرت حججا تبطل مازعمه النصارى فى شأن عيسى ، ولذا قال ابن كثير
ماملخصه: ((قوله - تعالى - يا أهل الكتاب لا تغلوا ... )): ينهى - سبحانه-
أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير فى النصارى، فإنهم تجاوزوا
الحد فى عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التى أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز
النبوة إلى أن اتخذوه إهامن دون الله يعبدونه كما يعبدونه . بل قد غلوافى أتباعه
وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة وأتبعوهم فى كل ما قالوه
سواء أ كان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال - تعالى - واتخذوا
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله .. )).
وفى الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: ((لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا:
عبد الله ورسوله ... )(١)
وقوله: « ولا تقولوا على الله إلا الحق ((من باب عطف الخاص على العام،
للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشفيع الذى افتروه على الله .
أى: لا تصفوه - سبحانه - بما يستحيل أقصافه به من الحلول والإتحاد
واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه - سبحانه - إلا القول الحق الثابت
القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح .
وعدى - سبحانه - قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب،
فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة ممازعموه
وافتروه .
ثم بين - سبحانه - القول الفصل فى شأن عيسى فقال. (( إنما المسيح عيسى
ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه».
(١) تفسير ابن كثير ١ ص ٩٠٥.

- ٥٢٩ -
أى: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله - سبحانه - لهداية
الناس إلى الحق، ((وكلته ألقاها إلى مريم، أى: أن عيسى مكون ومخلوق
بكلمة من الله وهى كلمة (كن ) من غير واسطة أب ولا نطفة . وهذه الكلمة
ألقاها - سبحانه - إلى مريم، أى: أوصلها إليها ينفخ جبريل فيها فكان عيسى
باذن الله بشراً سوبا .
وقوله: (وروح منه) أى: ونفخة منه. لأن عيسى حدث بسبب نفخة
جبريل فى درع مربم فكان عيسى بإذن الله . فنسب إلى أنه روح من الله ،
لأنه بأمره كان. وسمى النفخ روحاً لأنه ريح تخرج من الروح. قال -تعالى -:
« والتى أحصنت فرجها فنفخنافيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين(١).
وقيل المزاد بقوله: ( وروح منه) أى: وذو روح من أمر الله، لأنه
- سبحانه - خلقه كما يخلق سائر الأرواح .
وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة . كما فى قوله - تعالى - (وأيدهم بروح منه)
أى: برحمة منه. وصدر - سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما ) للتنبيه
على أن عيسى - عليه السلام - ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق.
وذكره - سبحانه - بلقبه وباسه ويبنوته لمريم، للإشارة إلى أنه إنسان
كبائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود خرج من رحم أتى كما يخرج
الأولاد من أمهاتهم . وإذا كان لم يخرج من صلب أب ، فيكفى أنه قد خرج
من رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته .
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: ( وكلمته ألقاها إلى مريم) أى :
خلقه بكلمة منه وهى (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه
خلقه بها، فقد خلق من غير بذر بيذر فى رحم أمه، فما كان تكوينه نماء
(١) سورة الأنبياء الآية (٩
( ٣٤ - سورة النساء )

- ٥٢٠ -
لبذر وجد، والأسباب التى تجرى بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله
وجده وكلمته (كن وبذلك حمى كلمة الله .
وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته - تعلق باطل،
ذا كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى
من الرجل يمنى ... وقوله: (وروح منه) أى أنه - سبحانه - أنشأه بروح
مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال: إنه نشأ بروح منه - سبحانه -
أى: أنه أفاض بروحه فى جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كماقال -تعالى -:
( الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين . ثم جعل نسله
من سلالة من ماء مهين . ثم سواه وففح فيه من روحه وجعل لكم السمع
والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون)(١).
والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله: (وروح منه) أى:
أنه نشأ بنفع الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل
إنسانا، وذلك بالملك الذى أرسله وهو جبريل ...
وسمى الله - تعالى - عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة،
ولأنه غلبت عليه الروحانية ..
وبهذا يزول الوهم الذى سيطر على عقول من غالوا فى شأن عيسى فنحلوه
ما ليس له، وما ليس من شأنه، إذ جعلوه إلها، أو ابن إله ... )(٢)
وقوله (المسيح) مبتدأ، و ( عيسى) عطف بيان له أوبدل منه . وقوله
ابن دريم) صفة له. وقوله (رسول الله) خبر للمبتدأ. وقوله (وكلمته)
معطوف على ماقبله وهو رسول الله . أو قوله (ألقاها إلى مريم) جملة حالية
من الضمير المجرور فى ( كلمته) بتقدير قد، والعامل فيها معنى الإضافة.
والتقدير : وكلمته ملقيا إياها إلى مريم .
(١) -وره السجده الآيات من ٧ - ٩
(٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبوزهرة، بمجلة لواء الإسلام
السنة ١٨ المدد ٩

- ٥٣١ -
وقوله ( وروح منه) معطوف على (كلمته) والجار والمجرور متعلق
بمحذوف صفة لروح . ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية . أى أن
الروح كائن من عند الله - تعالى - ونافع بإذنه.
وبعد أن بين - سبحانه - القول الحق فى شأن عيسى ، دعا أهل الكتاب
إلى الإيمان به وبجميع رسله . ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال
- تعالى -: فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة. انتهواخيرا لكم: إنما الله
إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد له مافى السموات ومافى الأرض
و کفی بالله و کیلا ، .
والفاء فى قوله: ( فآمنوا .. ) للأفصاح عن جواب شرط مقدر.
أى: إذا كان ذلك هو الحق فى شأن عيسى، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن
تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنو برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا
فى أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته ..
وقوله: ( ولا تقولوا ثلاثة) نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل.
أى: ولاتقولوا الآلهة ثلاثة، أو المعبودات ثلاثة. فثلاثة خبر لمبتدأ
محذوف وعبر - سبحانه - بقوله: ) ولا تقولوا ثلاثة ) بدل قوله - مثلا -:
ولا تؤمن بثلاثة ؛ لأن أمر الثلاثة قول بقولونه ، فإن سألتهم عن معناه قالوا
قارة معناه: الأب والإبن والروح القدس ، أى أنهم ثلاثة متفرقون . وتارة
يقولون معناه: أن الأقانيم (١) ثلاثة والذات واحدة .. إلى غير ذلك من الأقوال
التى ما أنزل الله بها من سطان .
قال صاحب الكشاف: والذى يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله
الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولدا الله من مريم. ألا ترى
إلى قوله - تعالى -: ( أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله .. )
(وقالت النصارى المسيح ابن الله).
(١) الأقانيم جمع أفنون - بضم الهمزة وسكون القاف ـ بمعنى الأصل أو الصفه

- ٥٢٢ -
والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون : فى المسيح لاهويته وناسونيه
من جهة الأب والأم ... )(١).
هذا، وقد أفاض بعض العلماء فى الردعلى مزاعم أهل الكتاب فى عقائدهم .. (٢)
وقوله : (انتهوا خيرا لكم) أمرلهم بسلوك الطريق الحق، والإقلاع
عن الضلالات والأوهام .
أى: انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب، واتر كو القول
بالتثليث ، يكن إنتهاؤكم خيرا لكم بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم
من ظلمات الشرك إلى فور الوحدانية .
وقوله: (إنما الله إله واحد) إثبات لوحدانية الله - تعالى - بأقوى طريق.
أى: إن المعبود بحق ليس إلا واحد، وهو الله - تعالى - ذو الجلال
والإكرام، الخالق لهذا الكون، والمدير لأمره.
وقوله: ( سبحانه أن يكون له ولد) تنزيه له - جل وعلا - عن صفات
المخلوقين ، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لاقليق به .
وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظة: أى: أسبحه تسبيحا وأنزهه
تنزيها عن أن يكون له ولد، لأن الأبوة والنبوة من صفات المخلوقين ،
وهو - سبحانه - منزه عن صفات المخلوقين، قال - تعالى -: ( ليس كمثله شىء
وهو السميع البصير ).
وقوله ( له مافى السموات وما في الأرض ) جملة مستأنفة مسوقة لتعليل
التغزية أى أنه - سبحانه - مالك الجميع الموجودات علويها وسفليها ،
ولا يخرج عن ملكه منها شىء .
قال - تعالى - (إن كل من فى السموات والأرض إلا آت الرحمن
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٩٤
(٢) راجع تفسير الآلوسى = ٦ من ص ٢٦ إلى ٣٦، وتفسير القاسمى : ٥ص ١٧٦٥

- ٥٣٣ -
عبدا) ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك
فی ملکه.
وقوله : ( وكفى بالله وكيلا ) تذييل قصد به بيان سعة قدرته - سبحانه
وهيمنته على هذا الكون. والوكيل: هو الحافظ والمدير لامر غيره.
أى: وكفى باله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم
الفقراء إليه.
ومفعول كفى محذوف للعموم . أى: كفى كل أحد وكالة الله وحفظه
وتدبيره، فتوكلوا عليه وحده، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له.
ثم بين - سبحانه - أن المسيح عيسى-عليه السلام - عبد من عباد الله - تعالى-،
وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال: (لن يستنكف
المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون٠٠)
وأصل ( يستنكف) - كما يقول القرطبى: نكف، فالياء والسين والتاء
زوائد. يقال: نكفت من الشىء واستنكفت منه وأنكفته أى: نزهته
عما يستنكف منه . ومنه الحديث: سئل - رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
عن ( سبحان الله) فقال: ( إنكاف الله من كل سوء).
يعنى : تنزيه وتقديه عن الانداد والأولاد .
قال الزجاج: استنكف أى : أنه مأخوذ من فكفت الدمع إذا نحيته
يإصبعك عن خدك . ومنه الحديث (ما ينكف العرق عن جبينه) أى: ما ينقطع.
وقيل: هو من التكف وهو العيب . يقال: ما عليه فى هذا الأمر من نكف
ولاوكف، أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية
لله - تعالى - ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبد الله - تعالى -)(١).
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٦ - بتصرف يسير -.

- ٥٣٤ -
والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ماسبقها من تنزيه لله - تعالى - عن أن
يكون له ولد ، وإثبات لوحدانيته - عز وجل - وإفراده بالعبادة ..
وقد روى المفسرون فى سبب نزولها أن وفد بخران قالوا لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال: ومن صاحبكم ؟قالوا:
عيسى: وأى شىء قلت ؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله. قال: إنه ليس
بعار أن يكون عبد الله)(١).
والمعنى: لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبد الله، وكذلك
الملائكة المقربون لن يأنفوا وأن يمتنعوا عن ذلك ، فإن خضوع المخلوقات.
لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله - تعالى- ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته.
قال - تعالى - ( وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم
من رزق وما أريد أن يطعمون .. ).
وصدر - سبحانه - الجملة بحرف (لن ) المفيدة للنفى المؤكد، لبيان
أن عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضوع له
أمر مستمر وثابت ثبوتا لاشك فيه، لأنه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق
ورزقهم ... ومن حقه عليهم أن يعبدوه، ويذعنوا لأمره ، بل ويشعروا
باللذه والأنس والشرف لعبادتهم له - سبحانه - كما قال الشاعر الحكيم:
وما زادنى عجباً وثبها وكدت بإخمصى أطأ الثربا
وجعلك خير خلقك لى نبياً
دخولی تحت قولك باعبادی
وهذا، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء
ومن فهم هذا الفهم الإمام الزمخشرى فقد قال :
وقوله: (لن يستنكف المسيح) أبى: لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة،
(١) تفسير الفخر الرازى = ١١ ص ٠١١٧

- ٥٣٥ -
من تكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بإصبعك (ولا الملائكة المقربون )
أى: ولا من هو أعلى منه قدرا، وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول
العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن فى طبقتهم.
ثم قال : فإن قلت: من أين دل قوله ( ولا الملائكة المقربون) على أن
المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث إن علم المعانى لا يقتضى غير ذلك .
وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم فى رفع عيسى عن
منزلة العبودية . فوجب أن يقال لهم: أن يترفع عيسى عن العبودية ولامن
هو أعلى منه درجة . فكأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية
فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقربين لكونهم
أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة)(١).
وهذا الفهم الذى اتجه إليه الزمخشرى من أن الملائكة أفضل من الأنبياء،
لم يوافقه عليه أكثر العلماء ، فقد قال الإمام ابن كثير :
( وقد استدل بعض مز ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية
حيث قال: ( ولا الملائكة المقربون). وليس له فى ذلك دلالة، لأنه إنما
عطف الملائكه على المسيح ، لأن الاستنكاف هو الامتناع. والملائكة أقدر
على ذلك من المسيح ، فلهذا قال: (ولا الملائكة المقربون) ولا يلزم من كونهم
أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل . وقيل إنما ذكروا لأن بعض
الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر
- سبحانه - أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه (٢)).
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٥٩٥
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٩١

- ٥٣٦ -
فقال: ( وعندى أن الترقى قائم ، ولكن فى المعنى الذى سبق له الكلام . وذلك
أن النصارى غلوا غلواً كبيرا فى المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنهجرت
على يديه معجزت كثيرة ، ولأنه روحانى المعانى، فيبين الله - تعالى - أنه مع
كل هذا لن يستنكف أن يكون عبدا لله، ولا يستنكف من هو أعلى منه فى
هذه المعانى أن يكون عبد الله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم.
وأجرى على أيديهم ماهو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح
الذى نفخ فى مريم ، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقى فى هذه المعانى،
وهم فيها يفضلون عيسى وغيره . وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية
المطلقة ، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل فى المنزلة عند الله . وتكون
الآية بعيدة عن موطن الخلاف والترقى دائما يكون فى المعانى التى سيق لها
الكلام دون غيرها . وليس المتأخر أعلى فى ذاته من المتقدم وأفضل ،
ولكنه أعلى فى الفعل الذى كان فيه كقول القائل : لاتضرب حرا ولاعبدا.
فالتدرج هنا فى النهى عن الضرب، لأنه إذا كان ضرب العبد غير جائز فأولى
أن يكون ضرب الحر غير جائز.
وذكر وصف المقربين ، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك
غيرهم (١)).
ثم هدد - سبحانه - كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال: (ومن
يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا).
أى: ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله،
ويستكم عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب
استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه - سبحانه - وسيجازى
المحسن بإحسانه ، والمسىء بإساءته.
فالضمير فى قوله (فسيحشرهم) يعود إلى المستنكفين والمستكبرين وإلى
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمدأبوزهرة. مجله لواء الإسلام العدد العاشر

- ٥٣٧ ٠-
غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وبدايل
التفصيل المفرع على هذا الحشر فى قوله - تعالى - بعد ذلك:
(( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله،
أى: أن مرجع العباد جميعا إلى الله من استكبر عن عبادته وامتشع ومن لم
يفعل ذلك بل آمن وأطاع. فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، ولم
يستنكفوا ولم يستكبروا، فسيعطيهم - سبحانه - ثواب أعمالهم كاملة غير
منقوصة ، ويزيدهم على ذلك شيئا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر.
((وأما الذين استنكفوا واستكبروا، عن عبادة الله وطاعته , فيعذبهم عذابا
أليما، لا يحيط به الوصف ((ولا يجدون لهم من دون الله وليا، أى أحدا
يدافع عنهم ويلى أمورهم، ولا يجدون كذلك , نصيرا، ينصرهم وينجيهم
من عذاب الله وبأسه .
وبعد هذا الوعد والوعيد والتيشير والإنذار، والترغيب والترهيب، وجه
- سبحانه - نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال - تعالى -
يأبها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم فوراً مبينا)».
والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبى - صلى الله
عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه. ويصح أن يكون المراد به النبى - صلى الله عليه
وسلم - وسماه - سبحانه - بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التى شهدت
بصدقه - صلى الله عليه وسلم - والمراد بالنور المبين: القرآن الكريم.
قال المخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما أورد الحجة على جميع الفرق
من المنافقين والكفار واليهود والنصارى ، وأجاب عرب جميع شبهاتهم عمم
الخطاب . ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -
فقال: يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ... ،.

٠٠٠ ٥٢٨ -
والبرهان: هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما سماه برهانا، لأن جر فته
إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل ، والنور المبين هو القرآن
الكريم . وسماه فورا، لأنه سبب لوقوع نور الإيمان فى القلب .. (١))).
و((من)) فى قوله: ((من ربكم، لابتداء الغاية مجازا، والجار والمجرور
متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى: قد جاءكم برهان كائن من ربكم .
وفى وصف البرهان بأنه من الله - تعالى -، تقوية وتشريف لمعنى البرهان،
لأنه مادام قد جاء من عند من له الخلق والأمر - سبحانه - فلا بد أن يكون
برهانا صادقا مقنعا لمن يريد أن يتبع الحق .
وقال - سبحانه ـ ((وأنزلنا إليكم، بإسناد الإنزال إلى ذاته - تعالى -،
للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال.
وقال (( إليكم، مع أن المنزل عليه هو النبى - صلى الله عليه وسلم - الإشعار
بكال اللطف بهم ، وللمبالغة فى إزالة أعذارهم .
ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحمكم التى اشتمل عليها القرآن
الكريم بالنور المبين أى الواضح الظاهر، لأن هذه الشرائع والآداب ... لا يخفى
صدقها واشتمالها على الحق إلا على من انطمست بصيرته ، وفدت مدار كه .
ثم بين - سبجانه - حسن عاقبة المستجيبين الحق ، السالكين الطريق
المستقيم، فقال: (( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه
وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما،.
أى: أن الله - تعالى - قد أرسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته.
قرآنه، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من كفر وغوى، فأما الذين آمنوا
بالله - تعالى - حق الإيمان ، واعتصموا به - سبحانه - مما يضرهم ويؤذيهم،
فلم يستجيروا إلا به ، ولم يخضعوا إلا له ، ولم يعتمدوا إلا عليه.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ١١٩ - طبعة عبد الرحمن محمد ،٠

- ٥٣٩ -
هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله - تعالى فى رحمة منه وفضل أى
سيدخلهم فى جنته ورضوانه ، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح
صدورهم، ويبهج نفوسهم، ويصلح بالهم .
وقوله ( ويديهم إليه صراطا مستقيما) أى : ويوفقهم فى دنياهم إلى سلوك
الطريق الحق وهو طريق الإسلام، الذى تفضى بهم فى آخرتهم إلى السعادة
والأمان والفوز برضا الله - عز وجل -.
وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به ، ولم تذكر
عقاب الذين كفروا إهمالا لهم، لأنهم فى حين الطرد والطرح، أو لأن عاقبتهم
السيئة معروفة لمكل عاقل بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمر الله .
والسين فى قوله (فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ) للتأكيد . أى فسيدخلهم
فى رحمة كائنة منه وفى فضل عظيم من عنده إدخالا لاشك فى حصوله ووقوعه .
وقوله ( صراطا) مفعول ثان ايهدى لتضمنه معنى يعر فهم .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فيت أهل الكتاب عن المغالاة
فى شأن عيسى - عليه السلام-، وعرفتهم حقيقته، ودعتهم إلى الإيمان
بواحدانية الله، وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين
لن يستنكفوا عن عبادة الله، وان من امتنع عن عبادة الله فسيحاسبه -
سبحانه - حسابا عسيراً، ويجازيه بما يستحقه من عقاب. أما من آمن باله
- تعالى - واتبع الحق الذى أنزله على رسله، فسينال منه - سبحانه-الرحمة
الواسعة ، والفضل العظيم ، والسعادة التى ليست بعدها سعادةٍ .
٠٠٠
هذا ، وكما اشتملت سورة النساء فى مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة
وأحكام الزواج والمواريث ... فقد اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض
أحكام المواريث وهى قوله - تعالى - :

- ٥٤٠ -
((يَسْتَفْتُونِكَ، قُل اللهُ يَفْتِيكُم فى الكَلاَةِ، إنِ امْرُؤْ هلكَ
ليسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فلها نِصْفُ مَا تَرَكَ، وَهُو يَرِثُهاَ إنْ لم يُكُن
لها وَلَدِ ، فإنْ كانَتَ اثْنَشَيْنِ فلهما التُّلْثَانِ مما تركَ، وإنْ كانُوا إخوةً
رِجَالاً وَنِسَاءَ فلذَّ كَرِمِثلُ حظِ الْأنتَيْنِ، يُبَّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُوا
وَاللهُ بِكُلٌّ شىءٍ عليمٌ (١٧٦))).
أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان
وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: دخل على النبى - صلى الله عليه وسلم -.
وأنا مريض لا أعقل. فتوضأ فصب على أو قال: صبوا عليه. فعفلت فقلت:
إنه لا يرثنى إلا كلالة . فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض . وفى بعض
الألفاظ فأنزل الله آية الميراث ((يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ... ،
الآية. وفى رواية قال جابر: نزلت فى: ((يستفتونك قل الله يفتيكم فى
الكلالة .... (١).
ويبدو أن عدداً من الصحابة قد سألوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فى
شأن ميراث الكلالة فى أزمنة متفرقة فنزلت هذه الآية للأجابة عن أسئلتهم
المتعلقة بها. وقد سمى النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية بآية الصيف،
لأنها نزلت فى هذه الوقت .
قال القرطبى: قال عمر: إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة.
وقد سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فما أغلظ لى فى شىء
ما أغلظ لى فيها ، حتى طعن بإصبعه فى جنبى أو فى صدرى ثم قال : ياعمر ،
ألا تكفيك آية الصيف التى أنزلت فى آخر سورة النساء ... ، (٢) .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٩٢
(٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٩