النص المفهرس

صفحات 501-520

- ٥٠١ ٠
قال : أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثین در هما ، فدخل بيت عيسى
- عليه السلام - فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق ، فدخلوا عليه
فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى(١) .
الثانى: أن الله - تعالى - ألقى شبح المسيح على أحد تلاميذه المخلصين
حينما أجمعت اليهود على قتله، فأخبره اللّه بأنه سيرفعه إليه، فقال لأصحابه
أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل
منهم أنا . فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتز ذلك الرجل وصلب ...
وقد أطال الإمام ابن كثير فى ذكر الروايات التى تؤيد هذا الوجه ،
ومنها قوله : عن ابن عباس قال: لما أراد الله - تعالى - أن يرفع عيسى
إلى السماء، خرج على أصحابه وفى البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم
إن منكم من يكفر بعدى اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بى .
قال : ثم قال: أیکی یلقی علیه شبهی فیقتلمکانی، ویکون معى فىدرجتى؟
فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له: إجلس . ثم أعاد عليهم . فقام
ذلك الشاب . فقال له: اجلس . ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال:
أنا . فقال له عيسى، هو أنت ذلك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى
من روزنة فى البيت إلى السماء . قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه
فقتلوه ثم صلبوه ، فكفر به بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن ....
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس .. ورواه النسائي عن أبي كريب
عن أبى معاوية، وقال غير واحد من السلف: أنه قال لهم . أيكم يلقى عليه
شبهى فيقتل مكلفى وهو رفيقى فى الجنة ... ؟(٢)
(١) تفسير الآلوسي جـ ٦ ٠ ١٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٧٤

- ٥٠٢ -
والذى يجب إعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى - عليه السلام
لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليه، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذى
قتل وصلب فهو شخص سواه .
ثم قال - تعالى - : (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم
إلا اتباع الظن ... )
أى : وإن الذين اختلفوا فى شأن عيسى من أهل الكتاب افى شك دائم
من حقيقة أمره. أى : فى حيرة وتردد ، ليس عندهم على ثابت قطعى فىشأنه ،
أو فى شأن قتله ، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذى لا تثبت
به حجه . ولا يقوم عليه برهان.
ولقد اختلف أهل الكتاب فى شأن عيسى إختلافا كبيراً. فمنهم من زعم
أنه ابن الله. وادعى أن فى عيسى عنصرا إلهيا مع العنصر الإنسانى. وأن الذى
ولدقه مريم هو العنصر الإنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى .
ومنهم من قال: إن مريم ولدت العنصرين معا .
ولقد اختلفوا فى أمر قتله . فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه
فلا حقيقيا، وتردد آخرون فقالوا: إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا .
وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى ؟
وقال آخرون : الوجه و جه عيسى والبدن بدن صاحبتا .
إلى غير ذلك من خلافاتهم التى لا تنتهى حول حقيقة عيسى وحول مسألة
قتله وصلبه(١) .
فالمراد بالموصول فى قوله : ( وإن الذين اختلفوا٠٠) ما يعم اليهود
والنصارى جميعا. والضمير فى قوله (فيه) يعود إلى عيسى - عليه السلام -.
وقوله (منه) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة الشك .
(١) إذا أردت المزيد من معرفة هذه المسألة فراجع تفسير القاسى جـ٥ ٥ ١٦٢٩
إلى ٥ ١٧١٦. وتفسير المنار = ٦ من ٥ ٢٣ إلى ٥٩

- ٥٠٣ -
قال الآلوسي : وأصل الشك أن يستعمل فى تساوى الطرفين ، وقد
يستعمل فى لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو
المراد هنا . ولذا أكده بنفى العلم الشامل لذلك أيضا بقوله - سبحانه - :
( ما لهم به من علم إلا أتباع الظن) (١)
وقوله ( إلا أتباع الظن ) الراجح أن الإستثناء فيه منقطع ، أى مالهم به
من علم لكنهم يتبعون الظن .
وقيل : هو متصل ، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح
أحد الجائزين . ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فكيف يكونون
شاكرين ظافين ؟ قلت : أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط ، ولكن إن
لاحت لهم أمارة ظنوا).
ولم يرتض هذا الجواب صاحب الإنتصاف فقال: وليس فى هذا الجواب شفاء
الغليل . والظاهر - والله أعلم - أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك فى أمره
والتردد ، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم ، ثم كانوالايخلون من
ظن فى بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة . وكيف
يعلم الشىء على خلاف ماهو به ؟ بجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة فى
الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن ) (١١)
وقوله: ( وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاحكيما)
تأكد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له ، وبيان لما أكرمه الله به من
رعايا وتشريف .
(١) تفسير الألوسى ج ٦ ٥ ١١
(٢) تفسير الكشاف وحاشيتين جـ١ ص ٨٥٧

- ٥٠٤ ٠
واليقين : هو العلم الجازم الذى لا يحمل الشك. والضمير فى قوله ( وما
قتلوه ) لعيسى .
وقوله ( يقينا) ذكر النجاة فى إعرابه وجوها من أشهرها: أنه نعت
المصدر محذرف مأخوذ من لفظ قتلوه. أى: ما قتلوه قتلا بقينا ( أى متيقنين
معه من أن المقتول عيسى عليه السلام - وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك
الذى إعتراهم .
أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى إفتفى قتلهم إياه إنتقاء يقينا. فاليقين
منصب على النفى . أى : أن : ففى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به ،
وليس ظنا كظنكم أو وهما كو همكم يامعشر أهل الكتاب
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله: قوله : ( وما قتلوه يقينا )
أى: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك فى قولهم (إنا قتلنا
المسيح) أو يجعل (يقينا) تأكيدا لقوله: ( وما قتلوه) كقولك : ما قتلوه
حقا . أى حق إنتقاء قتله حقا .. )
والمعنى : أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى - عليه السلام. وزعمهم
هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن فى هذه المسألة أنهم لم
يقتلوه ، فقد نجا الله من مكرهم، ورفع عيسى إليه، وكان الله (عزيزا). أى
منيع الجناب ، لا يلجأ إليه أحد إلا اعزه وحماه. ( حكيما) فى جميع ما يقدره
• يقضين من الأمور.
هذا، وجمهور العلماء على أن الله - تعالى- رفع عيسى إليه بجسده وروحه
لابروحه فقط
قال بعض العلماء: والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولاغفوة
بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له -عليه السلام- هى فى رفعه بجسده
وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له. (١)
(١) تفسير صفوة البيان صـ ١٠٩ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف

- ٥٠٥ -
وفى بعضهم الرفع فى قوله - تعالى - ( بل رفعه الله إليه) بأنه رفع
بالروح فقط .
وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسير نالسورة آل عمران فى قوله
تعالى -: (إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ... )(١)
و (إن) هنا نافية بمعنى ما الغافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه.
أى: وما أحد من أهل الكتاب . وحذف أحد لأنه ملحوظ فى كل نفى يدخله
الاستثناء . نحو: ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد.
وللفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان . الأول : أن الضمير فى قوله
( قبل موته) يعود إلى عيسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى:
وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى - عند نزوله فى آخر
الزمان - حق الإيمان، (قبل موته) أى: قبل موت عيسى، (ويوم القيامة
يكون) عيسى - عليه السلام - (عليهم) أى: على أهل الكتاب (شهيدا)
فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعبادة الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإشراك معه
آلهة أخرى .
وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير،
فقد قال - بعد سرد الأقوال فى الآية -: وأولى الأقوال بالصحة والصواب
قول من قال . تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل
موت عيسى .... (٢)
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله : ولاشك أن الذى قاله
ابن جرير هو الصحيح . لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ماز عمته اليهود
من قتل عيسى وصلبه ، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك .
(١) راجع تفسير الآية الكريمة فى سورة آل عمران.
(٢) تفسير ابن جرير حـ ٢ ص ٢٣

- ٥٠٦ -
فف أخبر الله - تعالى أن الأمر لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه
وهم لا یتبینون ذلك، ثم إن الله - تعالى - رفع إليه عيسى، وإنه باق حى ،
وإنه سيتزل قبل يوم القيامة ....
ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله: ذكر الأحاديث الواردة فى نزول
عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء فى آخر الزمان قبل يوم القيامة, وأنه يدعو
إلى عبادة الله وحده لا شريك له).
ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الشيخان
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذى نفسى
بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكر الصليب ، ويقتل
الخنزير، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون
السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها ).
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به
قبل موته .... )(١١
أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الضمير فى قوله ( قبل موته) يعود إلى
الكتابى المدلول عليه بقوله: (وإن من أهل للكتاب ). وعليه يكون المعنى:
وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت
هذا الكتابى ، لأنه عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق، ويتبين له صحة ما كان
ينكره ويححده فيؤمن بعيسى - عليه السلام - ويشهد بأنه عبد الله ورسوله،
وأن الله واجد لا شريك له، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه، لأنهجاء فىوقت
الغرغرة، وهو وقت لا ينفع فيه الإيمان، لانقطاع التكليف فيه .
قالوا: ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى: (إلا ليؤمنن به قبل موتهم).
- بضم النون وبميم الجمع -.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٧٧ - بتصرف يسير - .
جـ

- ٥٠٧ ٠
وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه:
والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى . وبأنه
عبد الله ورسوله. يعنى، إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه ...
فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته لوعيد،
وليكون عليهم بانهم لا بدلهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك
لا ينفسهم، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإيمان به فى وقت الانتفاع به، وايكونه
إلزاما للحجة لهم ... )
وقيل : الضميران لعيسى بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل
هوت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون فى زمان نزوله .... )(١)
والذى نراه أولى أنه لا تعارض بين التاويلين. فان كلا منهما حق فى ذاته.
فكل كتابى عندما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا فى نبوته، وأنه
عبد الله, وأنه قد دعالناس إلى عبادة الله وحده. و کذلك کل کتا بى يشهدنزول
عيسى فى آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بانه صادق فيما بلغه عن ربه.
ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائم اليهود، وحكى بعض
العقوبات التى حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى ( فبظلم من الذين
هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم
الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم
عذابا عظيما) .
والفاء فى قوله ( فيظم ) للتشريع على جرائمهم السابقة ، والباء للسبية،
والتنكير للتهويل والتعظيم . والجار والمجرورمتعلق بحمنا. وقدم الجار
والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم .
(١) تفسير الكشاف « ١ ص ٥٨٩

٥٠٨٠٠ -
والمعنى. فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حر منا عليهم طيبات
أحلت لهم، ولو أنهم لم يقعوا فى هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات
التى هم فى حاجة إليها .
والآبة الكريمة تعليل لبعض العقوبات التى تزات بهم بسبب ظلهم وبغيهم،
ومن ضروب هذا الظلم والبغى ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقل للمواثيق ،
ومن كفر بآيات أقه ....
وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من صد عن سبيل الله، ومن أخذللربا
وقد نهاهم الله عن أخذه ....
وهذه الطيبات التى حرمها الله عليهم منها ما حكاه -سبحانه - فى سورة
الأنعام بقوله: ( وعلى الذين هادوا حر منا كل ذى ظفر ، ومن البقر والغتم
حرمنا عليهم شحومهما إلا ما جملت ظهورهما؛ أو الحوابا، أو ما اختلط بعظم
ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون).
والتعبير عنهم بقوله: (فبظلم من الذين هادوا ) إيذان بشفاعة ظلمهم،
حيث إنهم وقعوا فى هذا الظلم الشديد بحد قو بتهم ورجوعهم عن عبادة العجل.
وقولهم: ( إنا حدنا إليك ) أى: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.
وقوله ( أحلت لهم) هذه الجملة صفة للطيبات فهى فى محل نصب .
والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا
ما ارتكبوا من بوبقات. أى: حرمنا عليهم طيبات كانت حلالالهم، ثم حرمت
عليهم بسبب بغيهم وظلمهم .
قال ابن كثير: يخبر - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود، وبسبب ما ارتكبوه
من ذنوب ، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم .... وقرأ ابن عباس:
طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله
قبضهم لأن تأولوا فى كتابهم، وحرفواوبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فر موها
على أنفسهم تضييقا. قنطها. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه - تعالى -

- ٥٠٩ -
حرم عليهم فى التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال ـ تعالى ــ
: كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل
أن تنزل التوراة ... ) (١)
وقوله: ( ويصدهم عن سبيل الله كثيرا) معطوف هو وما بعده من أخذهم
الربا وغيره على الظلم الذى تعاطوه. من عطف الخاص على العام، لأن هذه الجرائم
تفسير وتفصيل لظلم .
والصد والصدود: المنع. أى: وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق
التى شرعها الله لعباده (وصدهم نميرهم عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم
وطردناهم من رحمتنا .
وقوله (كثيرا) صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو ( بصدهم )
أى: وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف،
أى: وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا.
وقوله: ( وأخذهم الربار قد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) بيان.
للون آخر من رذائلهم وقبائحهم .
أى: ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم وامنهم، أخذهم الربامع تهيهم
عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى. على طريق الرشوة،
والخيانة ، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة .
وما حملهم على هذا الولوغ فى المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم ،
وبيعهم الدين بالدنيا .
وقوله . ( وقد نهوا عنه ) جملة حالية فى محل نصب .
قال الالوسى . وفى الآية دلالة على أن الربا كان محر ما عليهم كماهو محرم علينا
لأى النهى يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد - سبحانه - على مخالفته).
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٨٥

- ٥١٠ -
تلك هى بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها فى الدنيا. أما عقوبة هؤلاء
اليهود فى الاخرة فقد بينها - سبحانه - فى قوله. (وأعتدنا للكافرين منهم
عذابا أليما ).
أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم
عذابا موجها ألما ، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله .
وقوله ( للكافرين منهم) احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا
العذاب الأليم، لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فحسب، أما من آمن منهم
كعبد الله ابن سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم .
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإكرام
منهم، وبشره بالأجر العظيم فقال، لكن الراسخون في العلم منهم ، والمؤمنون
يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والمقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة؛
المؤمنون بالله واليوم الاخر. أولئك سنؤتيهم أجراً عظيما).
وقوله ( الراسخون) جمع راسخ ، ورسو ح الشىء ثباته وتمكنه . يقال
شجرة راسخة ، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف .
والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه ، الذى لا تؤثر فيه الشبهات، المتقن لما يعلمه
إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق .
وقوله، ( لكن الراسخون في العلم ) إستدراك من قوله قبل ذلك (وأعتدنا
للكافرين منهم عذابا أليما) وبيان لكون بعض أهل الكتاب على خلاف
حال عامتهم فى العاجل والآجل .
والمعنى إن حال اليهود على ماوصف لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن
سوء عاقبة فى الاخرة، ( لكن الراسخون في العلم منهم ) أى الثابتون فيه؟
المتقنون المستبصرون الذين أدركواً حقائقه وصدقوها وأذعنوالها، ورسخت
فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يعبث به ، أو ريب
_زعزعه.

- ٠١١ ٠٫٠
(والمؤمنين) أى منهم . وقد وصفوا بالإيمان بعد وطفهم بما يوجبه وهو
الرسوخ فى العلم بطربى المطف المبنى على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف
العنوانى منزلة الإختلاف الذاتى .
وقوله ( يؤمنون بما أنزل إليك) خبر لقوله (الراسخون). أى هؤلاء
الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنون منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل
إليك من قرآن، ويؤمنون بما ( أنزل من قبلك) من كتب سماوية على أنبياء
الله ورسله .
وقوله : ( والمقيمين الصلاة) للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه
منصوب على المدح . أى : وأمدح المقيمين الصلاة .
قال صاحب الكشاف: وقوله (والمقيمين الصلاة ) نصب على المدح لبيان
فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد . ولا
يلتفت إلى مازعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف: وربما التفت إليه من لم
ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، ومالهم فى النصب على الاختصاص
من الإفتنان وغى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم
فى الإنجيل ، كانوا أبعد همه فى الغيرة على الإسلام ، وذب المطاعن عنه ، من
أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم . وخرقا يرهوه من يلحق بهم
وقيل : هو عطف على ( بما أنزل أليك) أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين
الصلاة وهم الأنبياء . وفى مصحف عبد الله: ( والمقيمين) بالواو. وهى قراءة
مالك بن دينار ، والجحدرى ، وعيسى الثقفى ) (١)
وقوله : ( والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) معطوف على
( الراسخون) أو على الضمير المرفوع فى (يؤمنون). أو على أنه مبتدأوالخبر
ما بعده وهو قوله. ( أولئك سنؤتيهم أجراً عظيما).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٩٠

والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم . فقد وصفهم
- أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانيا - بالإيمان الكامل بما أو حاءاته
على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامه مستوفية
لكل أركانها وستها وآدابها وحشوعها، ثم وصفهم - رابعاً - بإيتاء الزكاة
لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإيمان بالله إيماناً حقاً، وبالإيمان باليوم
الاخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب .
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه-
حسن عاقبتهم فقال: ( أولئك سنؤتيهم أجراً عظيما).
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا
عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب ، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين
العمل الصالح .
هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الايات التى
تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن فنون من رذائلهم
وقباتحهم ... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم
مع الله، وعبادتهم للعدل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون
إلا الله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم العهود والمواثيق،
وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبهتهم
لمريم القافتة العابدة الطاهرة، وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول
الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم.
ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا يبعض مظاهر رحمة الله بهم،
وعفوه عنهم ، ونعمة عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا،
ببعض العقابات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم ويغيهم.
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم، وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى

- ٥١٣ -
ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم ، فإن
الإصرار على المعاصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة.
ثم تراها - ثالثاً .. تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعاً وتبرتهما
ما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب
لاحجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأفهم فى أقوالهم ما يتبعون
إلا الظن، ((وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً، ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل
معها فى شأن عيسى، بأن تبين بأن الذينزعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم
ماقتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان،
أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم ، حين لا ينفع الإيمان ...
ثم تراها - رابعاً - لا تعمم فى أحكامها ، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل
فهى بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله ، وتتوعدهم
بالعذاب الشديد فى الآخرة .... بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم
مدحا عظيماً، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر
الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم .... ,وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم)» .
هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات « لمن كان له
قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)».
E
٠٠٠
وبعد هذا الحديث المستفيض عن شهات البهود وسوء طباعهم ... ساق
- سبحانه - ما يشهد بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته، وأنه
ليس بدءا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم ، وأرفعهم منزلة عند
الله - تعالى - فقال - سبحانه - :
(٣٣ - سورة النساء )
-

- ٥١٤ -
(( إِنَّا أَوْحَيْنَاَ إليكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ،
وَأَوْحَيْنَ إلى إبرَاهِيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقُوبَ وَالأسباطِ ،
وَعِيسَى وأيوبَ ويوزَسَ وهَارُونَ وسليمانَ وَآتَيْنَاَ دَاوَ زَبوراً (١٦٣)
وَرُسِلاَّ قَد ◌َقَصَصْنَاهُ عليكَ مِنْ قَبلُ وَرُسِلاً لم نَقْصُمْهُم عليكَ ، وَكَلَّمَ
اللهُ مُوسَى تكلياً (١٦٤) رُسُلاَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِثْلَّ يكونَ للناسِ
عَلَى اللهِ حجةٌ بعد الرّسلِ وكانَ اللهُ عزيزاً حكيماً (١٦٥) لَكِنِ اللّهَ
يشهدُ بِمَا أَنْزَلَ إليكَ أَنْزَّلَهُ بِعلمِهِ والملائِكَةُ يَشَهِدُونَ وَكَفَى بِاللهِ
شهيداً (١٦٦) ..
قال الإمام الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر - سبحانه-
بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد، ولكن لأجل العناد واللجاج،
وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقباتحم ... شرع - سبحانه - بعد ذلك
فى الجواب عن شبهاتهم فقال: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنيين
من بعده .... )(١) .
وقوله (( أوحينا، من الإيحاء أو الوحى. والوحى فى الأصل: الإعلام
فى خفاء عن طريق الإشارة، أو الإيماء، أو الإلهام، أو غير ذلك من المعانى
التى تدل على أنه إعلام خاص، وليس إعلاما ظاهراً .
والمراد به هنا إعلام الله - تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم -
ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره .
والمعنى: إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا وفواهينا وهداياتنا ..
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٠٨

- ٥١٥ ٠.
كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاؤًا من بعده. فأنت يامحمد
لست بدعا من الرسل، وإنما أنت رسول من عند الله - تعالى - تلقيت
رسالتك منه - سبحانه - كما تلقاها غيرك من الرسل.
وأكد - سبحانه - خبر إيحائه - صلى الله عليه وسلم -؛ للاهتمام
بهذا الخبر، ولإبطال ما أفكره المنكرون لوحى الله - تعالى - على أنبيائه
ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا: « ما أنزل الله على
بشر من شىء)).
وبدأ - سبحانه - بنوح - عليه السلام - لأنه الأب الثانى للبشرية
بعد آدم - عليه السلام - ، ولأن فى ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين
الرسالة السماوية، فقد أجاب انقه - تعالى - دعاءه فى الكافرين فأغرقهم.
أجمعين .
قال الجمل: وإنما بدأ الله - تعالى - بذكر نوح - عليه السلام - لأنه
أول فى بعث بشريعة ، وأول نذير على الشرك ... وكان أول من عذبت أمته
طردهم دعوته ... وكان أطول الأنبياء عمرا ... ،(!) .
والتشبيه فى قوله: (( كما أوحينا إلى نوح، قشبيه بجفس الوحى، وإن
اختلفت أنواعه ، واختلف الموحى به.
والمكاف فى قوله «كما، نعت لمصدر محذوف، و((ما، مصدرية. أى:
إنا أوحينا إليك إيحاءاً مثل إيحائنا إلى نوح - عليه السلام -.
وقوله ((من بعد،، جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للنبيين أى :
والنبيين الكائنين من بعده أى : من بعد نوح .
وقوله: (( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؛
معطوف على أوحينا إلى نوح ، داخل معه فى حكم التشبيه .
(٤) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٨٨

- ٥١٦ -
أى: أوحينا إليك بامحمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحينا.
إلى إبراهيم ابن آزر، وكما أوحينا إلى ابنه إسماعيلى، وابنه إسحاق، وكما أو حينه.
إلى يعقوب أن إسحاق، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب.
قال الآلوسي: والأسباط هم أولاد يعقوب - عليه السلام - فى المشهور.
وقال غير واحد: إن الأسباط فى ولد إسحاق كالقبائل فى أولاد إسماعيل.
وقد بعث منهم عدة رسل . فيجوز أن يكون - سبحانه - أراد بالوحى إليهم،
الوحى إلى الأنبياء منهم . كما تقول: أرسلت إلى بنى تميم، وتريد أرسلت إلى
وجوههم. ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء ، بل
الذى صح عندى - وألف فيه الجلال السيوطى رسالة - خلافه,(١).
وكرر - سبحانه - كلمة « وأوحينا، للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة
بين نوح وبين إبراهيم - عليهما السلام - .
ثم ذكر - سبحانه - عدداً آخر من الأنبياء تشريفا وتكريما لهم مقال
((وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً).
أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين، وكما
أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذى أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة
المتعنتة ، وإلى أيوب الذى ضرب به المثل فى الصبر، وإلى يونس بن متى الذى
لم ين ذكر الله وهو فى بطن الحوت، وإلى هارون أخى موسى ، وإلىه
سليمان بن داود الذى آتاه الله ملكا لم يؤته لأحد من بعده .
وقوله: ((وآتينا داود زبوراً)) معطوف على قوله : أوحينا ، وداخل
فى حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء.
وأوتر. قوله هنا : وآتينا على أوحينا ؛ لتحقق المائلة فى أمر خاص وهو
إيتاء الكتاب بعد تحققها فى مطلق الإيحاء.
(١) تفسير الآلوسي ج٦ ص ٦

- ٥١٧ -
والزبور - بفتح الزاى - اسم الكتاب الذى أنزله الله لى داود - عليه
السلام - قالوا: ولم يكن فيه أحكام، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس
وتحميد وثناء على الله - تعالى -.
ولفظ (زبور) هنا بمعنى مزبور أى مكتوب . فهو على وزن فعول ولکن
بمعنى مفعول. وزبر معناه كتب . أى: وآتينا داود كتابا مكتوبا.
ثم أجمل - سبحانه - بيان الرسل الذين أرسلهم فقال: (ورسلا قد قصصنام
عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك .. ).
وقوله ( ورسلا ) منصوب بفعل مقدر قبله . أى : وأرسلنا رسلا قد
أخبرناك عنهم ، وقصصنا عليك أنباءهم فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول
هذه الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم لم نقصص عليك أخبارهم؛
لأن حكمتنا تقتضى ذلك، ولأن فيما قصصناه عليك من أخبار بعضهم عظات
وعبرا لقوم يؤمنون .
هذا ، وقد تمكلم بعض العلماء عن عدد الأنبياء والرسل ، واستندوا فى
كلامهم على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها من الطعن فيها .
قال ابن كثير : وقد اختلف فى عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور فى
ذلك حديث أبى ذر الطويل ، وذلك فيما رواه ابن مردويه فى تفسيره حيث
قال: حدثنا إبراهيم بن محمد ... عن أبي إدريس الخولاني عن أبى ذر قال:
قلت يارسول الله: كم عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
قلت يارسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة عشر .. (١)).
وقوله: ( وكلم الله موسى تكليما) تشريف لموسى - عليه السلام - بهذه
: الصفة ولهذا يقال له : موسى الكليم . أى. وخاطب الله موسى مخاطبة من
غير واسطة .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صـ ٥٨٦
حط

- ٥١٨ -
قال الجمل: والجملة إما معطوفة على قوله: ((إنا أوحينا إليك ... ، عطف.
القصة على القصة، وإما حال بتقدير قد كما يلىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات.
و قوله « تكليما، مصدر مؤكد لعاءله دافع لاحتمال المجاز.
قال الفراء : العرب تسمى ماوصل إلى الإنسان كلاما بأى طريق وصل .
ما لم يؤكد بالمصدر، فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام(١) .
فدل قوله ((تكليما، على أن موسى قد سمع كلام الله - تعالى - حقيقة
من غير واسطة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - سبحانه -.
وقد ساق بعض المفسرين نقولا حسنة فى مسألة كلام الله - تعالى -
فارجع إليها إن شئت (٢).
وقوله: (( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة
بعد الرسل ٠٠٠».
بيان لوظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والحكمة من إرسالهم ...
وقوله: ((رسلا)) منصوب على المدح، أو بفعل مقدر قبله، أى: وأرسلنا
رسلا . والمراد بالحجة هنا : المعذرة التى يعتذر بها الكافرون والعصاة .
أى: وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات. وأرسلناك
للناس رسولا ، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل
صالحا برضا الله عنه فى الدنيا والآخرة، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبي
وقد أرسل - سبحانه - الرسل مبشرين ومنذرين لك. ((لايكون للناس على
الله حجة )) يوم القيامة، أى لكى لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأنّ
يقولوا. ياربنا هلا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا أحكامك
وأوامرك ونواهيك، فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشر بن ومنذرين لكى لا تكون
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٤٤٩
(٢) تفسير القاسمى ج ٥ من ص ١٧٢٣ إلى ص ١٧٥٢

- ٥١٩ -
لهم حجة يحتجون بها، كما قال - تعالى - ,ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله
قالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن قذل ونخزى(١)).
قال الآلوسي : فالآية ظاهرة فى أنه لابد من الشرع وإرسال الرسل .
أن العقل لا يغنى عن ذلك . وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إسال الرسل
نما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التى تعترى الإنسان من دون اختيار . فمعنى الآية
عندهم: الثلا يبقى للناس على الله حجة.
وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد
عليه - سبحانه - حجة مجاز. بتنزيل المعذرة فى القبول عنده - تعالى - بمقتضى
كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التى لامرد لها .. (٢))).
وقوله: ((حجة، اسم يكون. وخبره قوله (( للناس: وقوله: على الله))
حالى من حجة . وقوله : (بعد الرسل) أى: بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة
على ألسنتهم وهو متعلق بالنفى أى: لتنتفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل.
قال ابن كثير : وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش
ما ظهر منها وما بطن . ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك
مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعت النبيين
مبشرين ومنذرين) وفى لفظ آخر : ( ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل
كتبه(٣) .
وقوله : (و كان الله عزیزا حكا) تذييل قصد به بيان قدرته التى لاتغالب
وحكمته التی لا يحيط أحد بكنهها. أى: و کان الله - تعالى - ومازالهو القادر
الغالب على كل شىء، الحكيم فى جميع أفعاله وتصرفاته ، وسيجازى الذبن
أساؤوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
(١) سورة طه الآية ، ١٣
( (٣) تفسير الآلوسى ح ٦ ص ١٨
(٢) تفسير ابن ك: جـ١ ص ٥٨٨

- ٥٢٠ -٠
هذا والمرحوم الأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفيس فى كتابه ( رسالة
التوحيد) عن: حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وعن وظيفتهم - عليهم الصلاة
والسلام - ومما قاله فى ذلك: ( ... الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله
وما يجب أن يعرف من صفاته. ويبينون الحد الذى يجب أن يقف عنده فى
طلب ذلك العرفان . على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه، ولا يرفع ثقته
ماآتاه الله من القوة ...
الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم . وتنازعته
مصالحهم ولذاتهم . فيفصلون فى تلك الخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون
بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة. ولا يفوت به المصالح
الخاصة ..
الرسل يضعون لهم بأمر الله حدوداً عامة . يسهل عليهم أن يردوا إليها
أعمالهم . كاحترام الدماء البشرية إلا بحق . مع بيان الحق الذى قدر له ،
وحظر تناول شىء ما كسبه الغير إلا بحق . مع بيان الحق الذى يبيح تناوله.
واحترام الأعراض . مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع .
يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفافية إلى طلب الرغائب السامية
آخذين فى ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير
حسبما أمرهم الله - جل شأنه ..
يفصلون فى جميع ذلك للنساس ٠! يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم
لسخطه عليهم . ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة ، وما أعد الله فيها من
الثواب وحسن العقبى، لمن وقف عند حدوده . وأخذ بأوامره ...
وبهذا تطمئن النفوس ، وقثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارا
تجزيل الأجر. أو إرضاء لمن بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل فى الاجتماع