النص المفهرس

صفحات 481-500

- ٤٨١ --
كانَ عفوًاً قديراً (١٤٩) إنَّ الفرِينَ يُكْفِرُوزَ بالقُهِ ورُسُلِهِ ويريدُونَ أَنْ
يُغَرِّقُوا بِينَ الله وَرَسُلِهِ، ويَقُولُونَ نُؤْمنُ بِبَعضٍ ونَكْفِرُ بَيَضٍ،
ويريدُونَ أنْ يتخِذُوا بينَ ذلكَ سبيلاً (١٥٠) أولئِكَ مُ الكافرُونَ
حَقًّا، وأَعْتَدْنَ للكافرين عذاباً مهيئً (١٥١) والذينَ آمنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ
ولم يُقَرَّقُوا بِينَ أحدٍ مِنْهُمْ أُولئكَ سوفَ يُؤْتِيهِم ◌ُجُورَم، وكَانَ اللهُ
غَفَورًا رَحيماً (١٥٢))) .
وقوله - تعالى -: ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) فهى "
للمؤمنين عن الاسترسال فى الجهر بالسوء إلا عندما يوجد المقتضى لهذا الجهر.
وعدم محبته - سبحانه - لشوء كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه
والجهر بالقول معناه: النطق به فى إعلان، ونشره بين الناس ، وإذاعته فيهم
فهو يقابل السر والإخفاء .
والقول السوء : هو الذى يسوء من يقال فيه ويؤذيه فى شرفه ، أو عرضه
أو غير ذلك مما يلحق به شرا .
... والمعنى: لا يحب الله - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة
أو الأفعال السيئة، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوءمن القول
فى الحدود التى تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك ، كأن يجهر الخصم
بما ارتكبه خصمه فى حقه .. مآ ثم ... وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول
السىء فى المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان ...
قال القرطى ماملخصه : والذى يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر
من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا، فأما أن يقابل القذف بالقذف
ونحوه فلا .، وإن كان كافرافأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل
دعاء كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (المهم اشدد وطأتك على
مضر واجعلها عليهم سنين كنى يوسف ).
(٣١ - حررة أنفاء.

٠- ٨٢ ٤ -
وإن كان مجاهرا بالظلم دعاعليه الداعى جهرا، ولم يكن لهذا المجاهر عرض
محترم، ولابدن محثرم ولامال محترم. وقد روى أبو داود عن عائشة أنه
قالت : سرق لها شىء جعلت تدعو عليه - أى على السارق - فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -((لا نسبخى عنه)، أى: لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه.
وروى أبو داود - أيضا - عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول - صلى الله
عليه وسلم - قال: (( لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبتة، أى: الماطلة من
القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسو .. (١).
وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أ كان هذا القول سرا أوجهرا
إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشدفها، ولاه أكثر جلبا للعداوة
بين الناس ، وأشد تأثيرا فى إشاعة الجرائم فى المجتمع، فإن كثرة سماع الناس
للكلام السىء. وللقول الماجن، يغرى الكثير منهم بترديد ماسمعوه، وبحكايته
فى أول الأمر بشىء من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف
الناس للكثير من الألفاظ النابية ، والأقوال السيئة ...
وأنت تقرأ القرآن فتراه فى عشرات الآيات بأمر أتباعه بالمداومة على النطق
بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة ... ومن ذلك قوله - تعالى -:
((وقل امبادى يقولوا التى هى أحسن، إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان
للانسان عدوا مبينا)،(٢).
والخلاصة أن الإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة ،
ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلافى حالة وقوع ظم عليهم، ففى هذه
الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمة .
والاستثناء فى قوله ( إلامن ظلم) استثناء منقطع، فتمكون إلا بمعنى لكن.
أى: لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء
لكى يدفع ما وقع عليه من ظلم .
(١) تفسير القرطبي ج ٠٠٦ ٣
(٢) سورة الأسراء الآية ٥٣.

- ٤٨٣ -.
ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول
من أحد إلا من ظلم فانه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه
فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو - من أحد - أو: لا يحب الله الجمر
بالسوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع
الظلم واجب . فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف.
وقوله : « و کان الله سمیعاً علیما ، قذبيل قصد به التحذير منالتعدى فى الجهر
المأذون فيه، ووعد للمظلوم بأنه - تعالى - يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم
ظالمه ...
أى: وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون،
عليما بما يدور فى النفوس من بواعث وهو أجس ، وسيجازى كل إنسان
بأقواله وأعماله، إن خيرا غير وإن شر فشر.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى، وحض على العفو والصفح وفعل الخير
فقال: ( إن تبدو خيرا أو تخفوه أوتعفو عن سوء، فإن الله كان عفواقديرا)).
أى: إن تظهروا - أيها الناس - ((خيرا، من طاعه وبر وقول حسن،
وفعل حسن، أو تخفوه)) أى، تخفوا هذا الخير بأن تعملوه (( شراء أو تعفن
عن سوء)، بأن تصفحوا عمن أساء إليكم ، يكافئكم الله-تعالى-على ذلك مكافأة
حسنة، ويتجاوز عن خطا يا كم، (( فإن الله كان عفوا قديرا، أى: كثير
العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات
الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه.
٠
فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإكثار من فعل الخير سواء أ كان سرا
أو جهرا، كما تدعو إلى العفو عن المسيئين إليهم.
قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح: ما نقص مال من صدقة. وما زاد
الله عبدا بعفو إلا عزا. وماتواضع أحد لله إلا رفعة الله))(١).
وقال الفخر الرازى : أعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة فى أمرين
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٧١.

٠٠- ٤٨٤ -
صدق مع الحق وخلق مع الخلق . والذى يتعلق بالخلق محصور فى قسمين:
إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم، فقوله. «إن تبدوا خيراً أو تخفوه)
إشارة إلى إيصال النفع إليهم. وقوله. « أو تعفو عنى سوء «إشارة إلى دفع
الضرر عنهم . فدخل فى هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر،(١).
ثم بين - سبحانه - وذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد
حديثه القريب عن المنافقين ... فقال - تعالى - ((إن الذين يكفرون بالله
ورسله ، بأن يححدوا وحدانية الله ، وينكروا صدق رسله - عليهم الصلاة
والسلام -( ويريدون أن يفر قرابة الله ورسله .. ، أى يريدون أن يفرقوا
بين الإيمان بالله - تعالى- وبين الإيمان برسله، بأن يعلنوا إيمانهم بوجود الله
- تعالى - وأنه خالق هذا الكون ، إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم.
قال القرطى: نص - سبحانه - على أن التفريق بين الإيمان بالله والإيمان
برسله كفر، وإنما كان كهراًلأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه
بما شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم.
شرائعهم ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التى أمروا
بالتزامها ، فکان کجحد الصانع - سبحانه - و جحد الصانع کفر لما فيه من
ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله فى الإيمان بهم كفر، (٢).
وقوله - تعالى - ويقولون نؤمن ببعض وفكفر ببعض، حكاية لما
نطقوا به من كفر وجحود. أى. ويقولون على سبيل التبجح والعناد.فؤمن.
بعض الرسل وفكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن بموسى والتوراة وبكفر
بنا وراء ذلك . وكماقال النصارى. نؤمن بعيسى والإنجيل وفكفر بما سوى ذلك
وقوله ((ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا)) أى ويريدون بقولهم هذا
أن يتخذوا بين الإيمان بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه، ودينا
يتبعونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعا، لأن الرسل جميعا قد بعتهم الله - تعانى
(١) تفسير الفخر الرازى - ١ ص ٩٠
(٢) تفسير القرطي =٦ص٤.

- ٤٨٥ -
دعوة الناس إلى توحيده ، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق فى
لأرض ... فمن كفر بواحد منهم كفر بهم جميعاً .
وقوله (( أولئك هم المكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا)، إخبار
ن سوء مصيرهم ، وشناعة عاقبتهم .
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون
، الكفر، الراسخون فى ظلاته، وأعتدنا أى وهيتنا وأدخرنا للكافرين
فيما عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم.
وقوله (( حقا) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وعامله محذوف أى :
ولئك الكافرون حق ذلك حقاً . ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف.
ى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى : كفرا كاملا لاشك فى وقوعه منهم
انغماسهم فيه .
هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله، وتلك هى عاقبتهم أما المؤمنين
صادقون فقد بشرهم الله بقوله: ((والذين آمنوا بالله)، حق الإيمان وآمنوا)،
برسله، جميعا(( ولم يفرقوا بين أحد منهم، أى: لم يفرقوا فى الإيمان بين
بسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا ...
(((أولئك الذين استقر الإيمان الكامل فى قلوبهم، والذين وصفهم الله
تعالى - بتلك الأوصاف الحميدة ((سوف يؤتيهم)، الله - تعالى -, أجورهم))
فى وعدهم بها «وكان الله غفورا رحما، أى: وكان الله وما زال كثير المغفرة
الرحمة لمن هذه صفاتهم ، وتلك فعوتهم .
والتعبير بسوف لتأكبد الأجر الذى وعدهم الله به ، والدلالة على أنه كائن
"محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير
كافرين ومصير المؤمنين ؛ ليقلع الناس عن الكفر والمعاصى ، ويستجيبوا
وامر الله لينالوا رضاه .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة المتعنتة التى كان اليهود يوجهونها

- ٤٨٦ -
إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن النعم التي أنعم - سبحانه - بها
عليهم ومن المنكرات التى قالوها وفعلوها ، ومن العقوبات التى عاقبهم الله بها
بسبب ظلمهم وفسوقهم .. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول :
(( يسأَلُكَ أَهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزَّلَ عليهم كِتابَاً مِنَ السماء، فقدْ
سألُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلكَ فقالوا أَرِنَاَ اللهَ جَهْرَةٌ، فَأَخَذَتْهُم
الصَّامِقَةُ بُظِْهِم، ثم اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بعد ما جَاءتْهُم البيناتُ فعفَوْنَا
عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سأْطَانَ مُنيئاً (١٥٣) ورفعناَ فَوْقَهُم الطورَ بميثاقهم
{ وَقُلْنا لهم ادخُلُوا البابَ سجَّداً، وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِى السَّبْتِ وَأَخَذُّنَ
مِنْهُم بِيثاً غليظاً (١٥٤) فَبِمَ تَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، وكُفْرِمٍ بَآَيَتِ اللهِ،
وَقَتْلِمُ الأنبيَ، بغيرٍ حقٌ، وَقَوْلِمْ كُلُوبُناَ غُلْفٌ، بل طَبَعَ اللهُ عليها
يِكُفْرِهِمْ، فلا يُوامِنُونَ إلاَّ قليلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وقولهِمْ عَلَى مريَ
يُهْتَنَّ عظيماً (١٥٦) وقولهِمْ إِنَّ قَتَلْنَا المسيحَ عِيسَى ابنَ مريَمَ رسولَ اللهِ
وما قتُلُوهُ وما صلَبُوهُ ولكنْ شُبََّ لَهُم ، وإنَّ الذِينَ اختلقُوا فيهِ
لفى شَكَّ مِنْهُ، ما لَهُم به مِن عِلْمٍ إلاَّ اتباعَ الظنِّ، وما قتلوهُ يقينًا (١٥٧)
بَلْ رِفَّهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وإنْ مِنْ أَهْلٍ
الكِتَبِ إِلاَّ ليؤْمِنَنَّ به قبلَ مَوْتِهِ، ويَوْمَ القِيَامَةِ يُكُونُ عَليهم
شهيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عليهم طَيَِّاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم
وبِعَدَّهِمْ عن سبيلِ الهِ كَثيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقد نُهُوا إِعنْهُ
وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بالباطلِ وَأَعْتَدْنَا للكافرِينَ مِنِهم عذابًاً
أَلياً (١٦١) لَكِنِ الرَّسِيتُونَ فى العِلْمِ مِنْهُمْ، وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ

-- ٤٨٧ -
بما أُنْزِلَ إليكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، والمقيمينَ الصَّلاَةَ، وَالمُؤْتُونَ
الزكاةَ، والمؤمِنُونَ بِاللهِ واليومِ الآخِرِ ، أُولئكَ سَنُواْتِيهِم أَجْراً
عظيماً (١٦٢))»
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - « يسألك أهل الكتاب
... الخ، ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى
قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا:
يامحمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أفت بالألواح من عند الله
حتى نصدقك. فأنزل الله - تعالى - ((يسألك أهل الكتاب، ... إلى قوله
((وقولهم على مريم بهتانا عظيما)، وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت
صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى .
وعن قتادة: أهم سألوه أن ينزل على رجال منهم با عيانهم كتبا، تأخر
بتصديقه واتباعه(١).
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصه، بدليل سياق الآيات الكريمة
التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم ، وبدليل ماذكرناه فى سبب نزول الآيات .
والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل عليهم
كتاباً من السماء مكتوبا جملة كما جاءموسى لآ بائهم بالتوراة مكتوبة فى الألواح
جملة . أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأ عيانهم كتبا من السماءتأمرهم
بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود ، ولو كانوا
يريدون الإيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة؛ لأن الأدلة القاطعة
قد قامت على مدقك .
وعبر بالمضارع فى قوله ((بسالك ... )) لقصد استحضار حالتهم العجيبة
فى هذا السؤال ، حتى لكان السامع يراهم ، والدلالة على تكرار أسئلتهم
وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل .
(١) تفسير ابن جرير ج٦ ص٧.

- ٤٨٨ -
وقوله: ((فقد سالوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة، بيان
للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لحقه
منهم من أذى وسوء أدب .
والفاء فى قوله « فقد سألوا ... ) معطوفة على جملة محذوفة والتقدير:
لاتبتئس بامحمد من أقوال هؤلاء اليهود ، ولا تهتم بأسئلتهم ، فتلك شنشنة
قديمة معروفة عن آباتهم، فقد سال آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا
له : أرفا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث فماينه ونشاهده باً بصارنا ويطلب
إلينا الإيمان بك . ويصح أن تكون الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر ، وإليه
أشار صاحب الكشاف بقوله: ((فقد سالوه فقد سالوا موسى أكبر من ذلك،
جواب أشرط مقدر معناه ( إن استكبرت ماسالوا موسى أكبر من ذلك)
وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام موسى وهم النقباء السبعون
لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم. ومضاهين لهم فى التعنت(١).
أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم
الأقدمين ، وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء ، و جمیعهم لا يبغون من
سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبنون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام -
والإساءة إليهم .
والفاء فى قوله: ( فقالوا أرنا الله جهرة) تفسيرية كما فى قولهم: توضا"
فغسل وجهه .
وقوله: ( جهرة) من الجهر الذى هو ضد الإخفاء . يقال جهر البئر
- كفع - واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشىء: كشفه وجهر الرجل:
رآه بلا حجاب .
أى. أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله ( جهرة) مفهولا
مطلقا ، لأن لفظ ( جهرة) نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عاملة فى الفعل .
(١) تفسیر الکشاف = ١ ص ٥٨٥

- ٢:٤٨٩
ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى : أرنا الله مجاهرين معاينين
وقوله: (( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء
أدهم وجر أتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم .
والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : ((كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه
أو أصابه، حتى يصير من هو له وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل
صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة ... ))(١).
وقال الراغب: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله: («فصعق من
فى السموات ومن فى الأرض،. والعذاب كقوله: أنذرتكم صاعقة مثل
صاعقة عاد وثمود، والناو كقوله: ((ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء))
وماذكره - سبحانه إنما هى أشياء حاصلة من الصاعقة؛ فإن الصاعقة هى
الصوت الشديد فى الجو ، ثم يكون منه فار فقط ، أو عذاب، أو موت، وهى
فى ذاتها شىء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها، (٢).
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل
المصحوب بنار هائلة ،والذى كان من آثاره أن صعقوا: أى خروامنشيا عليهم
أو هلكوا، بسبب ظلهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر اته .
وقوله: « تم اتخذوا العجل من بعد ماجاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا
موسى سلطاناً مبيناً، بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة
القہ ہم.
أى : أن هؤلاء الذين سألواموسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبه
لهم على ظلمهم: لمير تدعو او لم ينزحر وا،بل لجوا فى طغيانهم وضلالهم فاتخذوا
المحلى معبودا لهم من دون الله (من بعد ماجاءتهم البينات) أى من بعدما جاءتهم
الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه .
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٢٩٠
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٢٨١ الراغب الأصفهانى.

- ٤٩٠ -
وقوله : ( فعفونا عن ذلك ) أى . عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن
تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها .
وقوله. (وآتينا موسى سلطانا مبينا ) أى . أعطينا موسى بفضلنا ومنقنا
حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوه وقدرة على الانتصار على من خالفه.
و(ثم) فى قوله. (ثم انخذوا العجل ) للتراخى الرتبى؛ لأن اتخاذهم العجل
إلها أعظم جرما ما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك.
وقوله( من بعد ماجاءتهم البينات) بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم،
لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ماوصلت إلى أسماعهم
وعقولهم الدلائل الواضحة على وحدانية الله، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم
عليها إنسان فيه شىء من التعقل وحسن الإدراك .
واسم الإشارة فى قوله ( فعفونا عن ذلك ) يعود إلى اتخاذ العجل معبودا
من دون الله .
والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوى على الدخول فى الإسلام
فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ماسلف من ذنوبهم كماغفر لآبائهم بعد أن تابوا
من عبادة العجل .
هذا، وماحكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة
قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى ومن ذلك قوله - تعالى -. (وإذقال موسى
لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارتكم فاقتلوا
أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليتكم إنه هو التواب الرحيم .
وإذ قلتم ياموسى أن نؤمن لك حتى ترى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم.
تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون)(١).
(١) سورة البقرة الآبات من ٥٤، ٥٦ وراجع تفسيرها فى كتابنا
(بنو إسرائيل فى القرآن والسنة) جـ ١ ص ٠٤٦٢

- ٤٩١ -
ثم بين - سبحانه - لون آخر من عنادهم وبحودهم فقال .! ورفعنا
فوقهم الطور بميثاقهم).
قال ابن كثير. ( وذلك أفهم حين امتنعواعن الالتزام بأحكام كتوراة،
وظهر منهم إباء عما جاء به موسى - عليه السلام - رفع الله على رءوسهم
جبلا . ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا ، وجعلوا ينظرون إلى مافوق ر.وسهم
خشبة أن يسقط عليهم . كما قال - تعالى - : ( وإذ فتقنا الجبل فوقهم كأنه
ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتينا كم بقوة ... الآية)(١).
وقوله - تعالى - : ( وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدوا) أى : وقلنا لهم
على لسان أنبيائهم ادخلوا باب "قرية التى أمرفاكم بدخولها ساجدين ش، أى:
ادخلوها متواضعين خاضعين لقه، شاكرين له فضله وكرمه ، ولكنهم خالفوا
ما أمرهم الله مخالفة قامة .
والمراد بالقرية التى أمرهم الله بدخول بابرا ساجدين: قيل: هى بيت المقدس
وقيل: إيلياء ، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها الله - تعالى - لأنه لا يتعلق بذكرها
مقصد أو غرض . ولم يرد فى السنة الصحيحة بيان لها .
وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة
أكثر تفصيلا فى سورتى البقرة والأعراف، فقال - تعالى - فى سورة البقرة:
وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شقّ رغداً، وأدخلوا
الباب سجداً، وقولوا حطه، تغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨ فبدل
الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم. فأنزلنا على الذين ظلموا وجر من السماء
بما كانوا يفسقون ) ٠٥٩
وقوله: ( وقلنا لهم لا تعدوافى السبت) أى: وقلنا لهم كذلك لا تتجاوزوا
الحدود التى أمركم الله بالتزامها فى يوم السبت والتى منها : ألا تصطادوا فى هذا
اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله ، وتحايلوا على أستحلال محارمه.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٧٣

- ٤٩٢ -
وقصة اعتداء اليهود على محارم الله فى يوم السبت قد جاء ذكرها فى كثير
من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة البقرة: (ولقد
علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم: كونوا قردة خاستين ٦٥ جعلناها
تكالا لما بين يديها وماخلفها وموعظة للمتقين ، ٦٦.
وقال - تعالى - فى سورة الأعراف: (واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة
البحر، إذ يعدون في السبت، إذتأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون
لاتأتيهم : كذاك نبلوهم بما كانوا يفسقون ... ، الآية ١٦٣.
وقوله ((وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، أى: وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل
التأكيد، وموثقاً كل التوثيق ، بأن يعملوا بما أمرهم الله به ، ويتركوا مانهاهم
عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروابآيات الله، ونبذوها وراء ظهورهم.
وأضاف -سبحانه-الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق، وقنوبها
بشأنه«وإشعارابوجوب الوفاء به؛ لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من واجبهم
أن يفوابها إذ هو - سبحانه - وحده سيحاربهم على فكثهم ونقضهم لعهودهم.
ووصف - سبحانه - الميثاق الذى أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة؛
لأنه كان قويا فى معناه وفى موضوعه وفى كل ما أشتمل عليه من أوامر وقواه
وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمه فى الجحود والعناد فكان من المناسب
لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله .
ثم عدد - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائمهم التى عاقبهم عليها عقابا شديدا
فقال - تعالى -: (( فيما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء
بغير حق . وقولهم قلوبنا غلف ، بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون
إلا قليلا . ».
والفاء فى قوله، فيما نقضهم ميثاقهم ... ، للتفريع على ما تقدم من قوله
وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، والباء للسببية، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم

- ٤٩٣ -
للميثاق . والجر والمجرور متعلق بمحذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل
مذهب فى التهويل والتشامع على هؤلاء الناقضین لمهو دهم مع الله - تعالى -
فيكون المعنى .
فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعبودهم وبسبب كفرهم بآباتها ، وبسبب قتلهم
لأنبيائنا ، وبسبب أقوالهم الكاذبة ... بسبب كل ذلك فعلنا بهم مافعلنا من
أنواع العقوبات الشديدة ، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ذل ومهانة وصغار
ومسخ ٠٠٠ الخ
ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك حرمنا،
غليهم طيبات أحلت عليهم ... »
أى : فبسبب فقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله ... حر منا عليهم طيبات
أحلت لهم .
قال الفخر الرازى : واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان :
أحدهما : أن المكلام طويل جداً من قوله: ، فيما نقضهم ميثاقهم ... ) إلى قوله:
((فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ... )).
الثانى: أن تلك الجنايات المذكورة بعدقوله - تعالى - ((((انقضهم ميناقهم))
عظيمة جدا . لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وإنكارهم للتكليف
بقولهم: قلوبنا علف، أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة، إنما يليق أن
يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا
يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة ... ، (١)
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد لعن بنى إسرائيل كما جاء فى قوله - تعالى -
« فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم ... ، ومسخهم قردة وخنازير كما جاء فى قوله
- تعالى - فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاستين، وكما فى قوله
- تعالى - ((قل هل أبشكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب
عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ... ،
(١) تفسير للفخر الرازى جـ ١١ ص ٩٧

- ٤٩٤ --:.
وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التى سجلتها
عليهم الآيات القرآنية ؛ والتى من أجمعها هذه الآيات التى معنا .
فالا يات التى معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق ، ثم تسجل عليهم - ثانيا -
كفرهم بآيات الله .
وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذى أخذه عليهم
مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للاشعار بأن النقض فى ذاته إنم عظيم
والمكفر فى ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التقات إلى أن له سباً أو ليس له سبب.
وسجل عليهم . ثالثا - قتلهم الأنبياء بغير حق . فقد قتلوا زكريا ويحي
وغيرهما من رسل الله - تعالى -
ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة
من قتلهم «وعلى توغله فى الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات
عن وصفها ، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة
أن تنتشر ، ولا للخير أن يسود ، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل
والشرور هى السائدة فى الأرض .
وقوله: (( بغير حق، ليس قيدا؛ لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبداً،
وإنما المراد من قوله: ((بغير حق)) بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية
فى الظلم والفجور والتعدى . لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ
ذلك ، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما أرتكبوا ، وإنما فعلوا
ما فعلوا لج د إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم ...
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله، فإن قلت وقتل الأنبياء
لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره ؟ قلت . معناه أنهم قتلوهم بغير حق
عندهم - ولا عند غيرهم - ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا.
وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفهم فقتلوهم . فلوسئلوا وأنصفوا من أنفسهم
لم يذكر وا وجها يستحقون به القتل،(١).
(١) تفسير الكشاف -١ ص ٤١٦

-- ٤٩٥ ..
ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم) قلوبنا غلف)).
وقوله: ((غلف، جمع أغلف ـ كحمر جمع أحمر - والشىء الأخذ هو
الذى جعل عليه شىء يمنع وصول شىء آخر إليه .
والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول - صلى الله
عليه وسلم - إلى الحق إن قلوبنا قدخلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية
جعلتنا لافعى شيئا ما تقوله يامحمد ، ولا نفقه شيئا ما تدعو نا إليه ، فهم هذا
الكلام الذى حكاه القرآن عنهم ، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن
كفرهم ، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التى حالت بينهم
وبين فهم ما يراد منهم .
وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين: ((وقالواقلوبنا
فى أكنة ما تدعونا إليه ، وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل
إننا عاملون ، (١) .
وقيل : إن قوله: وغلف : جمع غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون
المعنى: أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها فى ذلك شأن الكتب ،
فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه ، لأننا عندنا ما يكفينا .
والذى يبدو لنا أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية ،
فقد رد الله عليهم بقوله: ((بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاقليلا)).
والطبع معناه . إحكام الغلق على الشىء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شىء آخر.
والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم
عن مسئولية الكفر ليس صحيحا ، لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت
مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله
(١) سورة فصلت. الآية ٥

-٤٩٦٠ -
- تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم.
القبيحة . فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من
اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر،
واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة إنقياده لأهوائهم وشهواتهم. فاته - تعالى-
طبع على قلوبهم بسبب إ ثمارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، فصاروا لا يؤمنون
إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى -.
فقوله إلا قليلا)، نعت لمصدر محذوف أى إلا إيماناقليلا. كإيمانهم بنبوة موسى
- عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، لأن الإيمان ببعض
الأنبياء والكفر ببعضهم، يعتبره الإسلام كفرا بالمكل كماسبق أن بينا فى قوله
ـ تعالى ـ ((إن الذین یکفرون بالله ورسله، ویریدون أن یفر قو ابینائهورسله
ويقولون نؤمن پبعض وذکفر ببعض ویریدون أن يتخذوا بین ذلك سبيلا.
أولئك هم الكافرون حقا ... ).
ومنهم من جعل قوله ((إلا قليلا، صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون
إلا زماناقليلا . ومنهم من جعل الاستثناء فى قوله « إلا قليلا، من جماعة اليهود
المدلول عليهم بالرأوفى قوله ((فلا يؤمنون)) أى: فلا يؤمنون إلا عدداقليلامنهم
كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهى قوله: « طبع الله عليها
بكفرهم .... معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جىء بها للمسارعة إلى رد
مزاعمهم الفاسدة، وأقاربهم الباطلة ٠ ,ig ..
ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريمتين شنيعتين فقال: ((وبكفرهم
وقولهم على مريم بهتانا عظيما،.
والمراد بالكفر هنا : كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر
المذكورة قبل ذلك فى قوله: ((طبع الله عليها بكفرهم، لأن المراد به هنا مطلق
الجحود الذى لا يجعل الشخص يستقر على شىء، فهو إنكار مطلق للحق .

- ٤٩٧ -
وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسي بقوله: وقوله: ((وبكفرهم، عطف، على
((بكفرهم ، الذى قبله - وهو قوله - تعالى - بل طبع الله عليها بكفرم ... )-
ولا يتوهم أنه من عطف الشىء على نفسه ولا فائدة فية؛ لأن المراد بالكفر
المعطوف: الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر
المطلق . أو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لاقترانه بقوله - تعالى -
((قلوبنا غلف)). وقد حكى الله عنهم هذه المقالة فى مواجهتهم له - عليه الصلاة
والسلام - فى مواضع . ففى العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين
للسببية .... ويجوز أن يكون قوله: (( وبكفرهم، معطوف على قوله ، فيما
نقضهم ، .... !) .
والبهتان : هو الكذب الشديد الذى لا تقبله العقول، بل بحيرها ويدهشها
لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال: بهت فلان فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه
ويحيره لغرابته وشناعته فى الكذب والافتراء .
والمعنى: إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم ،
كفرهم بعيسى - عليه السلام -، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق
وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم على مريم أم عيسى الكذب، ورميهم لها
بما هى بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة لولادتها لعيسى من غير
أب. وقد بر أها الله - تعالى - مما نسبوه إليها. فى قوله - تعالى -: ((ومريم
ابنة عمران التى أحصنت فرجها ، فنفخنا فيه من روحنا ، وصدقت بكلمات
ربها وكتبه وكانت من القانتين)،(*):
وقوله: ((بهتانا) منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - ((وقولهم،،
فإنه متضمن معنى كلام نحو : قلت خطبة وشعرا . ويجوز أن يكون نعتا
المصدر محذوف، أى: وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو مصدر
(١) تفسير الالوسى ج ٦ ص ٩
(٢) سورة التحريم الآية ١٣
(٣٢ - سورة النساء ،

- ٤٦٨ =
فى موضع الحال أى : مباهتين . ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية فى
الكذب والافتراء .
ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ،
ويفضحهم على رؤوس الأشهاد فى كل زمان ومكان فقال: ((وقولهم إنا قتلنا
المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ...
والمسيح : لقب تشريف وتكريم لعيسى - عليه السلام - قيل: لقب بذلك
لأنه ممسوح من كل خلق ذميم. وقيل: لأنه مسح بالبركة كما فى قوله - تعالى _:
((وجعلنى مبار كا أينما كنت ... )، وقيل لأن الله مسح عنة الذنوب ...
أى: وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى
ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم ، كما لعنهم وغضب عليهم
- أيضا - بسبب جرائمهم السابقة .
وهذا القول الذى صدر عنهم هو فى ذاته جريمة ؛ لأنهم قالوه على سبيل
التبجح والتفاخر لقتلهم - فى زعمهم - نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى
العزم من الرسل . وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع ، إلا أنه
يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا ، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدفيئة،
قدسوا عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة ، وحاولوا أن يسدوه
لآء ائه ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله - تعالى -
خيب سعيهم ، وأبطل مكرهم ، وحال بينهم وبين مايشتمون ، حيث نجى عيسى
- عليه السلام - من شرورهم ، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم.
ولا شك أن ماصدر عن اليهود فى حق عيسى - عليه السلام - من محاولة
قتله ، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم ، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه ،
لاشك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم؛ لأنه من المقرر فى الشرائع
والقوانين أن من شرع فى ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل
لتنفيذها ، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين
يستحقون العقاب الشديد.

- ٤٩٩ -
واليهود قد اتخذيرا كافة الطرق لقتل عيسى - عليه السلام -- كما بينا -،
ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم . ومعنى هذا
أنه لو بقيت لهم أية وسيلة لإتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها ،
ولأسرعوا فى تنفيذها فهم يستحقون عقوبة المجرم فى تفكيره، وفى نيته ،
وفى شروعه الأثيم، لارتكاب ما نهى الله عنه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام-
أعداء له ، عامدين لقتله ، يسمونه الساحر بن الساحرة ، والفاعل بن الفاعلة،
فكيف قالوا: ((إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله))؟
قلت: قالوه عن وجه الاستهزاء ، كقول فرعون (( إن رسولكم الذى
أرسل إليكم لجنون)). ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح
فى الحكاية عنهم ، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا
بمثله كقوله : ( ليقولن خلقهن العزيز العليم. الذى جعل لكم الأرض
مهدأ ... ) (١).
وقوله - تعالى -. (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) رد على مزاعم
الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التى تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى - عليه السلام -.
أى: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى- عليه السلام،
هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم؛ فإنهم ماقتلوه، وماصلبوه ولكن الحق
أنهم قتلوا رجلا آخر يشـ ه عيسى - عليه السلام - فى الخلقة فظفوه إياه وقتلوه
وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.
قال الفخر الرازى: قوله: (شبه) مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسند إلى
المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له
ذكر؟ والجواب من وجهين: الأول. أنه مسند إلى الجار والمجرور .
(١) وتفسیر الکشاف، ج١ ص ٥٨٧

٥٠٠٠٠-
وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه. الثانى: أن يسند
إلى ضمير المقتول، لأن قوله: ( وما قتلوه) يدل على أنه وقع القتل على غيره
فصار ذلك الغير مذكورابهذا الطريق حسن إسناد (شبه) إليه)(١).
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله : ( وما قتلوه وما صلبوه)
زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه ، (فأ كذبهم الله - تعالى - فى ذلك
وقال: ( ولكن شبه لهم). أى : شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح
فلما دخلوا عليه ليقتلوه - أى ليقتلوا المسيح - وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه،
يظنونه المسيح وما هو فى الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء ، ونجاه من
شر الأعداء .
وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما
أوهمهم بذلك أحبارهم(٢).
هذا، وللمفرين فى بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان:
الأول : أن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى - عليه السلام - على أحد الذين
خانوه ودبروا قتله وهو ( يهو ذا الإسخربوطى ) الذى كان عينا وجاسوساعلى
المسيح، والذى أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله
أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لنقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدهم
عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى ، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه
وهم يظنون أنه عيسى ...
وهذا الوجه قدجاء مفصلا فى بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله:
كان رجل من الحواريين بنافس عيسى - عليه السلام - فلما أرادوا قتله .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٩٩
(٢) تفسير صفوة البيان ص ١٧٨ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسين مخلوف.