النص المفهرس
صفحات 461-480
- ٤٦١ - والهداية، ففى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. ومعنى ه .: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإيمان عندهم أدون شىء وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفر وهداية سبيل الجنة ، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ... ثم قال: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفر ان لهم. وففى إرادة الفعل أبلغ من نفيه ... ) (١) ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة ، لأن الخبر السار يظهر سرور! فى البشرة . فاستعملت البشارة فى مطلق الإخبار أو فى الإنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية . قال الراغب : ... ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سار بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر (٢) .٠٠) وقوله : (المنافقين) من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع -- وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر ، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن . ويدخل مع الكفار بقوله : أنا كافر . والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأخفواالكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم ، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين. (١) تفسير الآلومى جـ ١٧١٥ بتصريف وتلخيص (٣) المفردات فى غريب القرآن الراغب الأصفهانى ص ٤٨ - ٠٠٤٦٢ ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: الذين يتخذن الكافرب أولياء من دون المؤمنين ٠) أى : أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفائهم أنهم تخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. اسم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين. والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى من المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - لن تم فتولوا اليهود ، ولأن عالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان ن اليهود . وقوله ( من دون المؤمنين ) حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون -كفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصر تهم . والاستفهام فى قوله: (أيبتغون عندهم العزة) للإنكار والتعجيب من بأنهم، والتهكم من سوء قصورهم .. وقوله : ( فإن العزة لله جميعا) رد على تصوراتهم الباطلة ، ومدار كهم فاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم . أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين ا الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والقوة والمنعة ـن عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة المنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل. قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله تعالى - والإقبال على عبوديته ، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين ، دين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الإشهاد. ويناسب هنا أن نذكر لحديث الذى رواه الإمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - - ٤٦٣ - قال: من افتب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وخرا فهو عاشرهم فى النار ) (١). وقال الإمام الرازى : وأصل لعزة فى اللغة الشدة . ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز . ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به . وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب . والعزة : القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما . والعزيز القوى المنيع بخلاف الدليل: .. ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم:اليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: ( فإن العزة لله جميعا ). فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين )؟ قلنا القدرة الكاملة لله . وكل من سواه فباقداره صارقادرا . وبإعزازه صارعزيزا فالعزة الحاصلة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله) (٢) قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين . قال - تعالى - ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر بوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ... ) (٣) ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: (وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ..! ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضنوا فى حديث غيره٠٠) أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٦ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ١، ص ٨٠ (٣) سورة المجادلة الآية .. - ٤٦٤ - تم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزى بها المستهزنون، فعليكم فى ، الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تمر صو اعنهم حتى يتكلمو افى حديث - سوی الکفر بآيات الله والاستهزاء بها. قال صاحب الكشاف : والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل هم فى مكة من قوله - تعالى - : (وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا رض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره ... ) (1). وذلك أن المشركين رأ يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فهى - سبحانه - ـلين عن القعود معهم ماداموا خائضين فيه . وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ، فنهوا أن يقعدوا. م كمانهوا - قبل ذلك . عن مجالسة المشركين بمكة ... )(٢) وأن فى قوله (أن إذا سمعتم) تفسيرية، لأن («نزل)) تضمن معنى القولدون وفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا تم . وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة وط والجزاء . وقوله ( يكفر بها ويستهزأ بها) جملتان فى موضع الحال من الآيات، . وجىء بهما لتقييد النهى عن المجالسة . أى لا تقعدوا معهم وقت كفرم مت زاتهم بالآيات . وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهو يل أمرها، والتشنيع على من . أو استهزأ بها . والضمير فى قوله ( معهم ) يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم له: يكفر بها ويستهزأ بها) فكأنه قيل: لا تقعدوا .- أيها المؤمنون - مع كافرين بآيات الله والمستهزئين بها. (١) سورة الأنعام الآية ٦٨ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٧٨. - ٤٦٥ - والضمير فى قوله (( غيره) يعود إلى تحديثهم بالكفر والاستهزاء أى: تى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله الاستهزاء بها . وقوله ((إنكم إذا مثلهم، تعليل للنهى عن القعود منهم. أى : - أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون -كفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله شركاء لهم فى آثامهم ، لأن الراضى بال كفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. كون بعيداً عن حقيقة الإيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى - قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت لخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم يذكروا عليهم كانوا راضين . والراضى بالمكفر أفر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا بحالمون الخائضين من المشركين - منافقين ؟قلت: لأنهم كانوالاينكرون لمجزهم. وهؤلاء لم يفكروا مع قدرتهم فكان ترك الإنكار لرضاه(١)). وقال القرطبى : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر . قال الله - تعالى - إنك إذا مثلهم)). فكل من جلس فى مجلس معصية ولم يذكر عليهم يكون معهم فى الوزرسواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية ((إنكم إذا مثلهم، أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة المعاصى حتى يهلكوا جميعا. وهذه الحالة ليست فى (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٨٨ ٣٠١ - سورة الماء) جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة (١))). ثم ختم - سبحانه- الآية الكريمة بالوعيد الشديد الكافرين والمنافقين فقال: ((إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعاً، لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ماقدمت أيديهم من جرائم ومنكرات . فأنت ترى أن الآية الكريمة قهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به . ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقولة تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم ... وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله ... أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو القسامح أو المرونة ... أو بغير ذلك من الأسماء ، فهذا أول مراقب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة. ثم ذكر - سبحانه - بعدذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه آخر . أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسجها حتى يا كلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: «الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا: ألم تكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا : ألم نستحوذ عليكم وفمنعكم من المؤمنين ؟ . وقوله: ((يتربصون)) من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: قربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة . (١) تفسير القرطى - ٥ ص ٤١٨ ٠ ٤٦٧ ٥ وقوله : ( نستحوذ) من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه . ومنه قوله - تعالى - ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ... ) والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة (فإن كان لكم فتح من الله) أى : نصر وظفر على أعدائكم ( قالوا ) على سبيل التقرب إليكم ! ألم تكن معكم) فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. (وإن كان الكافرين نصيب) أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال ـ (وقالوا) لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم ( ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطنا كم بحمايةناورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنالهم، وتجسسنا على أحوالهم . وإخباركم بما يهمكم من شئونهم ، ومادام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم . فالآية الكريمة تصور تصوير ابليغا ما كان عليه المنافقون من قلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت . وعبر عن النصر فى جانب، المؤمنين بأنه فضح، وعن انتصار الكافرين بأنه قصيب ، لتعظيم شأن المسلمين والتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترقب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس ، ويدخلوا فى دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارىء وليس بدائم . قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن فكت أسرار القرآن ، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استتصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديار هم وأموالهم وأرض لم يطؤوها . وأما ما كان يتفق الكفار فمثل الغليه - ١: والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا ، فالتفريق بينهما أيضا مطابق الواقع (١)) والاستفهام فى قوله ( ألم نستحوذعليكم) وفى قوله ( ألم نكن معكم) التقرير أى : لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار المكافرين فقال: (فاقه يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). والفاء هنا الإفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل ، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه ، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم مادمتم متمسكين بدينكم، ومعتصمين بحبل الله جميعاً بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدك السليمة ... فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة . ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة . وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره ... ويحتمل أن يكون المعنى: ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا) أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا (١) حاشية الكشاف ج ١ ص ٠٥٧٨ - ٤٦٩ - والآخرة. كما قال - تعالى - إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد(١)». والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى ففى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين مادام المؤمنون متبعين اتباعاً تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم . وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين ، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص ... حتى يعود المسلمون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته . ويذعنون لأحكامه ، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم قصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف. ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قبائحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإِذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا). وقوله : ( يخادعون) من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال مايخفى أمره، ويستر حقيقته . قال الراغب : الخداع : إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف مايخفيه ... ويقال : طريق خادع وخيدع ، أى: مضل كأنه يخدع سالكه ... وفى الحديث: ( بين يدى الساعة سنون خداعة ) أى : محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة)(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٧ بتصريف وتلخيص. (٢) مفردات القرآن مـ ١٤٤. - ٤٧٠ ٠ .. وقوله: ((خادعهم، اسم فاعل من خادعته خدعته إذا غلبته كنت أخدع مته . والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم «يخادعون الله، أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر ((وهو خادعهم، أى: وهو فاعل بهم مايفعله الذى يغلب غيرهفى الخداع ، حيث تركهم فىالدنيا معصومى الدماء والأموال، وأعدلهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار . ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - ((إن الذين يبا يعو نك إنما یبایمون الله )). وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله (( يخادعون))، الإشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون. وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم. حسابا عسيرا على ماارتكبوه من جنايات وسيئات . وقوله: («وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ... ، بيان للون آخر من قبائحهم و((كسالى، جمع كسلان وهو الذى يعتربه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم أ كترانه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة ، قاموا متثاقلين متباطئين لانشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها ، ولا عقابا على تركها . وقوله ( يراءون الناس، حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل : وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل - ٤٧١ - والتكاسل عنها ؟ فكان الجواب : يراءون الناس . أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع ... قال ابن كثير: وقوله: (( وإذا قاموا إلى الصلاة فاموا كسالى، هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة . إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولاخشية، ولا يعقلون معناها ... وهذه صفة ظواهرهم: ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: ((يراءون الناس)) أى: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصافعة ولهذا يتخلون كثيرا عن الصلاة التى لايرون فيه غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاةالصبح فى وقتالغلس کما ثبت فى الصحیحین أنرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولوحبوا ... ، وروى الحافظ أبو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -(١). وقوله: (( ولايذكرون الله إلاقليلا)، معطوف على ((يراءون)). أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين ، يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم . ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلاذكر اقليلا أو وقنا قليلا ؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون ، بل هم فى صلاتهم ساهون لا هون . روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. (١) تفسير ابن كثير حـ١ ص ٥٦٨ - بتصرف وتلخيص - ٤٧٢ - يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قر نى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا ». قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل ابن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح. ومنهم من فسر قوله ((ولا يذكرون الله إلا قليلا . أى: ولا يصلون إلا قليلا ، لأنهم إنما يصلون رياء فإذاخلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل . قال صاحب الكشاف: قوله ((ولا يذكرون الله إلا قليلا، أى: ولا يصلون إلا قليلا ، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به . وما يجاهرون به قليل أيضا ، لأنهم ماوجدوا مندوحة من تكلف، ما ليس فى قلوبهم لم يتكلفوه . أو ولايذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلاذكرا قليلا فى الندرة ، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه .. فإن قلت مامعنى المراآة وهى مفاعلة من الرؤية ؟ قلت : فيها وجهان : أحدهما : أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل . فيقال: رامى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه .. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكتها لترى وجهه ،٠،(١) وقوله: ((مذبذبين بين ذلك .. )) حال من فاعل يراءون واسم الإشارة ((ذلك، مشار به إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين . (١) تفسير الكشاف < ١ ٥ ٥٧٩ - ٤١٣ - قال القرطى : المذبذب المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال : ذبذبته فتذبذب . ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر - ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب أى : يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل . فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين . لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر . وفى صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين .. أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذة أخرى .. ))(١). وقوله. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )) فى محل نصب على أنه حال من ضمير ((مذبذبين)، أو على أنه بيان وتفسير له. وقوله : ومن يضلل الله فلن تجد لة سبيلا)، أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق ، بسبب إيثاره الغواية على الهداية ، فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المستقيم . وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال ... وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال-تعالى -. ((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ٠٠ أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به « أولياء، أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم . فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم ، وعن كل مامن شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كماقال - تعالى - فى آية أخرى: (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين (١) القرطبى = ٥ ص ٠٤٢٤ - ٤٧٤ - أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)، (١). وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ المنافقين الذين مازال الحديث متصلاعن قبائحهم ورذائلهم ، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتر كون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم -،نخشى أن تصيبنا دائرة ... )). والاستفهام فى قوله: ((أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبيناً، للإنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم . والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى : إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، فقد جعلتم الله عليكم حجة فى عقابكم ، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم . وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها أن يقال ، أجعلون ... للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته ، فضلا عن صدوره فى نفسه . قال بعضهم : وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للمكافرين . قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقة والإحسان . وقال الزمخشرى : وعن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخ له : خالص المؤمن ، وخالق الكافر والفاجر . فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن . وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن،(٢) . ثم بين - سبحانه - المصير الشفيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -. ((إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجدهم (١) سورة آل عمران الآية ٢٨ (٢) تفسير القاسمى ج ، ص ١٦٢١ -- ٤٧٥ - قصيراً، أى: فى الطبقة السفلى منها من طبقاتها وسميت در كات لكونه امتداركة أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال بإعتبار الصعود . والدرك بقال باعتبار النزول والحدور . ولذا قيل : درجات الجنة ودركات النار . قال الآلوسي: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سفر. والسادسة: الجحيم . والسابعة : الهاوية . وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار بجمعها .... (١). والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق ، وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجدهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه. وإنما كان المنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم ، الاستهزاء بالإسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل ، والخداع ، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقباتحهم المتنوعة . قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب ، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لميكن فيه خصلة أو أكثر من خصئة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم . ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر . ودونه بعد ذلك. (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٠١٧٧ - ٧٦ , ٠= مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك مالأة الحكام، والسكرت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا . وقيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام، فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه !! فقال: كنا نعده من النفاق». ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خلص للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر . وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإمام أحمد. ((القلوب أربعة)) قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره . وأما القلب الأغلف : فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أفكر . وأما القلب الصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق . ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة بعدها الماء الطيب . ومثل النفاق فيه كمثل القرحة بعدها القيم والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه . وإننا لهذا نقول: إن التفاق فى داخل الإسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه ، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين ، وهؤلاء فتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبئون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام .... (١). (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة. محلة لواء الإسلام السنة ٧: العدد ١٢. ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم ، حتى ينجو من عقابه. - سبحانه - فقال: (( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموابالله، وأخلصوا دينهم لله، فأولئك مع المؤمنين، وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيما)). أى : هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين ، لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصاحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم (( واعتصموا بالله)). أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين ((وأخلصوا دينهم الله)، بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، «فأولئك، الذين فعلوا ذلام ((مع المؤمنين ، الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق . أى: معهم فى فضيلة الإيمان الصادق ، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. ((وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيما ، لایقادر قدره، ولا یکتنه کنهه. فقوله: (( إلا الذين تابوا .. )) استثناء من المنافقين فى قوله «إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ٠٠، قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة : أولها : التوبة . وثانيها إصلاح العمل . فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن . وثالثها : الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله ... ورابعها: الإخلاص : بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لايمتزج به غرض آخر ... ، (١). والإشارة فى قوله ((فأولئك مع المؤمنين، تعود إلى الاسم الموصول وهو ( الذين ، باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة. والمقصود بالمعية فى قوله ((مع المؤمنين)) القشريف والتكريم بصحبة الأخيار (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٠٨٩ - ٧٨ , ٠٥ والتعبير (( بسوف)، لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس مجرد التسويف الزمانى. أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتا. لاشك فى حصو لهووقوعه. وذكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإفادة أنه أجر لا يكتنه کهه . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكراً عليما). و((ما)) استفهامية. والمراد بالإستفهام هنا النفى والإنكار على أبلغ وجه وآكدة والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لالشىء آخر . والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكر نعمه، وأدبتم حقها ، وآمنتم به حق الإيمان ؟ لاشك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب مادام الشكر والإيمان واقعين منكم ؛ فقد اقتضت حكمتة - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله (( ما يفعل الله بعذابكم ... ، أيتشفى به من الغيظ ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً ؟ كما هو شأن الملوك . وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شىء من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسىء. فإن قتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب)،(١). و((ما ، فى محل نصب بيفعل لأن الاستفهام له الصدارة . والباء فى قوله (١) تفسير الكثاف ج ١ ص ٥٨١ - بتصرف يسير .. - ٤٧٩ . ((بعذا بكم، سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام منا معناه القفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإشارة إلى أنه - سبحانه - رتب الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته. وقوله: (( إن شكرتم، جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وأمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟ وقدم الشكر على الإيمان، لأن الشكر سبب فى الإيمان، إذ الإنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإيمان، والإيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب . وقوله: (( وكان الله شاكرا عليما)، تذييل قصد به تأكيد ماسبق من أنه -- سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين . أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أى مثيهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم ، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه . فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه . وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول: لكن يضاعفه بلا حبان وهو الشكور . فلن يضيع ٠٠بهم هو أوجب الأجر العظيم الشان ما العباد عليه حق واجب إن كان بالإخلاص والإحسان كلا ولا عمل لديه بضائع فيفضله، والحمد للرحمن إن عذبوا فبعدله ، أو نعموا -٠ ٨٠ وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى -: «بشر المنافقين .... قد كشفت عن حقيقة التفاق والمنافقين فى المجتمع الإسلامى، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخيانة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم ... وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن قابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم ... وأخيرا تجىء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة ... أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين ... أخيرا بعد كل ذلك تجوء الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عيم ، وفعيم مقيم، وما أحكم قوله .. تعالى -: ((ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وأمنتم وكان ألقه شاكرا عليما)، إنها لآبه كريمة تحض الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن ؛ ((يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمدا جيدا .... ٠٠٠ ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وقوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين. وبشر المؤمنين حق الإيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى - : (( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلمَ وكان اللهُ سميعاً عليماً (١٤٨) إِنْ تبدُوا خيراً أو تُخْفُوهُ أو تعفُوا عن سوءٍ، فإِنَّ اللهَ