النص المفهرس

صفحات 421-440

- ٤٢١ -٠
« والمعنى فى هذه الآية أن الدين ليس بالتحلى ولا بالتمنى، ولكن ما وقر فى
القلوب وصدقته الأعمال . وليس كل من أدعى شيئا حصل له بمجرد دعواه
ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من اله برهان؛
ولهذا قال: ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب ....
آى ليس لسكم ولا لهم النجاة بمجرد التمنى . بل العبرة بطاعة الله - سبحانه-
واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده (( من يعمل سوءايجز به)).
كقوله: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرايره (١).
ومنهم من يرى أن الخطاب فى قوله (( ليس بأمانيكم .. )) للمسلمين.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله: فى (( ليس ) ضمير وعد الله
أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب ((بأما فيكم ولا)، بأمانى أهل الكتاب.
والخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به . وكذلك ذكر
أهل الكتاب معهم لمشار كتهم لهم فى الإيمان بوعد الله ... )(١).
ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين . وقد رجح ذلك ابن جرير فقال
ما ملخصه: «وأولى الأقوال بالصواب فى ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله
ليس بأمانيكم ..... مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن
المسلمين لم يجر لأمافيهم ذكر فيما مضى من الآى قبل قوله ((ليس بأمانيكم ... ،
وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض فىقوله قبل ذلك.«ولأمنينهم
ولآمرنهم ... ، وقوله (( يعدهم ويمنيهم)، فإلحاق معنى قوله - تعالى - ((ايس
بأمانيكم ، بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دلالة عليه من:
ظاهر التنزيل، ولا من أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم (٢) -.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٥٧
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٩١

- ٤٣٢ -
ومع وجاهة هذا الرأى الذى سار عليه ابن جرير ، إلا أنا نؤثر عليه
ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا
مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا
قاعدة عامه وهى أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام
وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح .
وقوله ( من يعمل سوءا يجز به) جملة مكونة من شرط وجزاء .
والمراد بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصى، وقيل: المراد بالسوء هنا
الكفر فقط .
قال الآلوسى قوله - تعالى -: (من يعمل سوءا يجز به) أى : عاجلا
أو آجلا . فقد أخرج الترمذى وغيره عن أبى بكر الصديق قال : كنت عند
النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله: يا أبابكر
ألا أقرئك آية نزلت على؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فأقر أنيها فلا أعلم إلا أنى
وجدت أنفصاما فى ظهرى .. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
مالك يا أبا بكر ؟ قلت بأبى أنت وأمى با رسول الله وأينالم يعمل السوء. وإنا
لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما
أنت وأصحابك با أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله
- تعالى - ليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون
يوم القيامة .
وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : لما نزمت هذه الآية شق ذلك
على المسلمين وبلغت منهم ماشاء الله - تعالى - فشكوا ذلك إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فقال: سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم
كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها .
قال الآلوسى: والأحايث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى . ولهذا أجمع
عامة العلماء على أن الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها - وإن قلت

- ٤٢٣ -
مشقتها - يكفر الله - تعالى - بها الخطيئات ((والأكثرون على أنها -أيضا ترفع
بها الدرجات، وهو الصحيح المعول عليه. فقد صح فى غير ما طريق ؛ ((مامن
مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة (١).
وقوله - تعالى - ((ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، تذليل قصد به
تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأن
عقابه سيحل بمن يعمل السوء .
أى: أن من يعمل السوء سيجازى به، ولا بحد هذا المر تكب للسوء أحدا
سوى الله - سبحانه - على أمره ويحامى عنه، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه
من عقاب الله - تعالى -
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال: «ومن يعمل من الصالحات
من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا)).
أى: ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى
ما دام متحليا بصفة الإيمان ، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة
جزاء عملهم؛ ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم، ولو كان هذا الشىء فقيرا
وهو النقطة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب بها المثل فى القلة والحقارة .
و(من)) فى قوله ((من الصالحات) للتبعيض أى: بعض الأعمال الصالحات
لأن الإنسان لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة، وإنما كل إنسان يعمل
على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها .
و((من)) فى قوله (من ذكر أو أنثى) للبيان. أى بيان أن الأحكام
الشرعية وما يترقب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل
: لى أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر.
وفى ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذى كان واقعاً عليها قبل شريعة الإسلام
العادلة .
(١) تفسير الآلومى جـ ٥ ص ١٥٢

- ٤٢٤ -
والجملة الكريمة فى موضع نصب على الحال من ضمير ( يعمل).
وقوله ( وهو مؤمن) قيد لإخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من
أعمال صالحة فى الدنيا فإنها لن تنفعه فى الآخرة بسبب كفره بالدين الحق.
واسم الإشارة وهو قوله ( فأولئك) يعود إلى من فى قوله ( ومن يعمل)
باعتبار معناها .
وقوله ( ولا يظلون فقيرا) بيان لفضل الله - تعالى - وعدله، وأنه
- سبحانه - لا يظلم الناس شيئا وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه
أجرا عظيما).
ثم أثنى - سبحانه - على من أخلص له الإيمان والعمل فقال: (ومن أحسن
دينا من أسلم وجهه لله وهو محسن).
أى: لا أخد أحسن دينا، وأجدر بالقبول عند الله وبجزيل ثوابه من
أخلص نفسه ش، وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه.
وقوله ( وهو محسن ) أى : وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عنكل ما نهاه
الله عنه ، على الوجه اللائق الحسن .
فالاستفهام فى قوله ( ومن أحسن ) للنفى . والمقصود منه مدح من فعل
ذلك على أتم وجه .
وقوله ( وهو محسن) جملة فى موضع الحال من فاعل ( أسلم ).
فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين: أولهما:
إخلاص القلب والنية لله - تعالى - بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله.
والثانى: إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإحسان الذى
عرفه النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: الإحسان أن تعبدالله كأنك تراه
فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

- ٤٢٥ -
وقوله ((واقبع ملة إبراهيم حنيفا)) بيان لما كان عليه إبراهيم - عليه
السلام - من عقيدة سليمة، ودين قويم. وهو معطوف على قوله « أسلم
وجهه ... )).
أى: لا أحد أحسن دينا، وأصوب طريقا من أخلص نفسه لله، وأتقن
أعماله الصالحة على الوجه الذى يرضاه الله - تعالى - واقبع ملة إبراهيم الذى
كان مبتعداً عن كل الملل الزائفة المعوجة ومتجها إلى الدين الحق ، والمنهاج
المستقيم .
والمراد بملة إبراهيم: شريعته التى كان يدين الله عليها، ومنها جه الذى يوافق
منهاج الإسلام الذى أتى به محمد - عليه الصلاة والسلام .
وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة . وضده الجنف
يقال : تحتف فلان أى تحرى طريق الاستقامة .
وقوله ((واتخذ الله إبراهيم خليلا)) تذييل جىء به للترغيب فى اتباع ملة
إبراهيم، وللتنويه بشأنه - عليه السلام - وبشأن من اتبع طريقته.
والخليل فى كلام العرب: هو الصاحب الملازم الذى لا يخفى عليه شيء
من أمور صاحبه . مشتق من الخلة وهى صفاء المودة التى توجب الاختصاص
بتخلل الأسرار .
قال الآلوسي: والخليل مشتق من الخلة - بضم الخاء - وهى إما من الخلال
- بكسر الخاء - فإنها مودة تنخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية. فالخليل من
بلغت مودته هذه المرتبة . وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح
خلل الآخر. وإما من الخل - بالفتح - وهو الطريق فى الرمل، لأنهما يتوافقان
على طريقة. وإما من الخلة - بفتح الخاء - بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان
فى الخصال والأخلاق ... وأطلق الخليل على إبراهيم، لأن محبة الله - تعالى -
قد تخلات نفسه وخالطتها مخالطة قامة ، أو لتخلقه بأخلاق الله - تعالى -... »(١)
(١) تفسير الآلوسي ج ٥ - ١١٥

-- ٤٢٦.
والمعنى: واتخذ الله إبراهيم ضيفا له من بين خلقه. لأنه - عليه السلام -
كان خالص المحبة لخالقه - عزوجل - ومبغضا لكل ما يبغضه الله من الشريك
والأعمال السيئة، وغيورا على إعلاء كلمة الله وعلى تمكين دينه فى الأرض
فوصفه الله - تعالى - بهذا الوصف الجليل، وأسبغ عليه الكثير من ألوان
نعمه وفضله .
قال الجمل: وقوله ((واتخذ الله إبراهيم خليلا) فى ((حليلا، وجهان، فإن
عدينا اتخذ لائنين كان مفعولا ثانيا وإلا كان حالا . وهذه الجملة عطف على
الجملة الاستفهامية التى معناها الخبر للتنبيه على شرف المتبوع وأنه جدير بأن
يتبع لاصطهاء الله له بالخلة. وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته،
لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا جديراً بأن تتبع ملته . وأظهر
إسم إبراهيم فى مقام الاضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه(٩).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه هو المالك لكل شىء،
والمهيمن على شئون هذا الكون فقال: ((ولله ما في السموات وما فى الأرض
وكان الله بكل شىء محيطا)).
أى : ولله - تعالى - وحده جميع ما فى السموات وما فى الأرض من
موجودات ، فهو خالقها ومالكها ولا يخرج عن ملكوته شىء منها . وكان
الله - تعالى - بكل شىء محيطا، بحيث لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه،
وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت المؤمنين بحسن الثواب،
وبينت أن ثواب الله لاينال بالأمانى وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح ،
وأن الدين الحق هو الدين الذى يدعو الإنسان إلى إخلاص نفسه لله ، وإلى
إحسان العمل فى طاعته، وإلى اتباع ما كان عليه إبراهيم من منهاج سليم،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٤٨

- ٤٢٧ -
وخلق قويم. وأنه - سبحانه هو المتصرف فى شئون هذا الكون، وسيجازى
كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .
٠٠٠
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جملة من الأحكام لنى يتعلق أكثرها
بالبساء فقال - تعالى - :
((وَيَسْتَفْتُونَكَ فى النِّسَاءِ قل اللهُ يُغْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وما يُتْلَى عَلِيكُم
فى الكتابِ فى يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّتِى لاَ تُؤْتُوهُنَّ مَاَ كَتِبَ لَهُنَّ،
وَتَرغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وِالمسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ، وأَنْ تَقُومُوا
اليَمَى بالقِسْطِ، وما تَفْعُلُوا مِنْ خَيْرِ فَإنَّ اللهَ كانَ به عَلِيماً (١٢٧)
وإنِ امرأَةٌ خَفَتْ مِنْ بَعلِهَا نُشُوزاً أو إعْرَاضًا فلا جُنَاحَ عليها أَنْ
يصْلِحاً بينهما صَاحاً والثُّلِحُ خَيْرٌ، وأُحضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ، وإنْ
تُحْسِنُوا وَتَثَّقُوا فإنَّاللهَ كانَ بما تعمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ أَسْتَظِيمُوا
أَنْ تَعْدِلُوا بينَ القَّسَاء ولو حَرِضْتُمْ فلا عَيْلُوا كُلِ الَّيْلِ فَتَذَرُوهَا
كالمعَلّقَةِ، وإِذْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غفوراً رَحيماً (١٢٩)
وإِنْ يَتَفَرَّفَ يُغْنِ اللّهُ كُلَّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَنَ اللهُ وَاسعاً حكِمَاً (١٣٠))).
قال الإمام الرازى فى بيان صلة هذه الآيات بما قبلها: اعلم أن عادة الله.
- تعالى -. فى ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه. وهو أن
يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة فى الوعد والوعيد والترغيب
والترهيب، وبخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته. ثم يعود مرة
أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير فى
القلوب ، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع فى موقع القبول إلا إذا كان

-٤٢٨٠
مقرونا بالوعد والوعيد. والوعد والوعيد لا يؤثر فى القلب إلا عند القطع
بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد. فظهر أن هذا الترتيب أحسن
الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الحق .
إذا عرفت هذا فنقول: إنه - سبحانه - ذكر فى أول هذه السورة أنواعا
كثيرة من الشرائع والتكاليف. ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين
واستقصى فى ذلك. ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكال
كبريائه. ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال: ((ويستفتونك فى النساء
... إلخ الآية»(١).
وقوله ((ويستفتونك)) من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. يقال
أستفتيت العالم فى مسألة كذا . أى سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء إظهار
المشكل من الأحكام وتبيينه .
فمعنى ((ويستفتونك فى النساء)): ويسألك أصحابك يا محمد أن تفتيهم
فى أمر النساء. أى يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام التى تتعلق بما يجب
للنساء من حقوق ، وبما يكون عليهن من واجبات .
والذى حمل الصحابة على هذا الطلب أنهم كانوا فى جاهليتهم يعاملون النساء
معاملة سيئة، ويظلوفهن ظماً شديدا، ثم وجدوا أن الإسلام الذى يدينون
به قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة لم يألفوها من قبل ، فتتعددت أسئلتهم عن
الأحكام التى تتعلق بالنساء حتى ينفذوا نحوهن ما يطلبه الإسلام منهم من حيث
معاشرتهن وولايتهن وميراثهن وغير ذلك من الأحكام .
قال القرطى: نزلت - هذه الآية - بسبب سؤال قوم من الصحابة عن
أمر النساء وأحكامهن فى الميراث وغير ذلك. فأمر الله - تعالى - نبيه أن
يقول لهم : الله يفتيكم فيهن أى: يبين لكم حكم ماسألتم عنه وهذه الآية
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ٦١

٠- ٤٢٩-
رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء. وكانت قد بقيت لهم أحكام
لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن .. ،(١)
فؤال الصحابة ليس عن ذوات النساء وإنما عن أحكام تتعلق بهن.
أخرج ابن جرير وغيره ،") سعيد بن جبير قال: كان لايرث إلا الرجل
الذى قد بلغ أن يقوم فى المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً
فلما نزلت آية المواريث فى سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا : أيرث
الصغير الذى لا يقوم فى المال والمرأة التى هى كدلك كما يرث الرجل الذى
يعمل فى المال ؟ فرجوا أن يأتى فى ذلك حدث من السماء فانتظروا : فلما
وأوا أنة لا يأتى حدث قالوا: أن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا :
سلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه. فأنزل الله (( ويستفتونك.
فى النساء ... الآية)) (٢).
وقوله ((قل الله يفتيكم فيهن)، وعد من الله - تعالى - بالإجابة عما
يسألون عنه. وهو لون من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد ضالته حتى
يطمئن قلبه، ويهدأ باله. وذلك مثل قولهم - ولله المثل الأعلى - لمن سأل
سؤالا لمن يحسن الإجابة عنه «على الخبير وقعت.
أى: قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن بعض الأحكام المتعلقة بالنساء : الله -
تعالی ۔ یفتیکم فی شأنهن ، ویبین لكم باجلی بیان وأحكمه ما تجهلون من
أحكامهن . ويقضى بينكم وبينهن بالعدل الذى لا يحوم حوله باطل.
وفى تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا، وإشعار بوجوب التزام
ما تتضمنه من أحكام لأنها صادرة من العليم الخبير .
(١) تفسير القرطبى = ٥ ٥ ٤٠٢
(٢) تفسير ابن جرير جم صـ ٣٩٩ - بتصرف بسير.

- ٤٣٠ -
وقوله (( وما يتلى عليكم فى الكتاب ... ، للنجاة فيه مذاهب شتى، لعل
أولاها بالقبول أن تكون ((ما) اسم موصول مبتدأ والخبر محذوف والتقدير
يسالونك يامحمد عن بعض أحكام النساء فقل لهم: الله يفتيكم فى شأنهن ،
والذى يتلى عليكم فى الكتاب كذلك أى : يفتيكم فى شانهن أيضا. وذلك المتلو
فى الكتاب الذى بين بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء منه قوله - تعالى فما
تقدم من هذه السورة: «وإن خفتم أن لا تقسطوافى اليتامى فانكحواما طاب
لكم من النساء ... »
قال الفخر الرازى : وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال
كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم
فيها . وما كان مبين الحكم فى الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة
تفتيهم فيهما، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب -
على سبيل المجاز - ألا ترى أنه يقال فى المجاز المشهور: إن كتاب اللّه بين
لنا هذا الحكم. وكما جاز أيضا أن يقال: إن كتاب الله أفتى
بكذا ...
وقوله (( فى بتاعى النساء، صلة ليتلى . أى: يتلى عليكم فى شأنهن (١)
وإضافة اليتامى إلى النساء من إضافة الصفة إلى الموصوف أى النساء اليتامى
وجعلها بعضهم هنا على معنى من لأنها من إضافة الشىء إلى جنسه أى: فى اليتامى
من النساء .
وقوله (( اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن)) صفة لليتامى
والمراد بما كتب لهن : ما فرض لهن من ميراث وصداق وغير ذلك من
حقوق شرعها الله - تعالى - لهن .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ٠ ٦٢

- ٤٣١ -
قوله: (وترغبون أن تتكوهن) معطوف على صلة اللاتى.
أى : لا تؤتوفهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن .
وقوله : أن تنکهو هن فی تاويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف وهو
إما (فى) وإما (عن).
٠
وعلى أن حرف الجر المحذوف (فى ) يكون المعنى : لا تؤقو فون ما كتب
لهن وترغبون فى نكاحهن لأنفسكم إن كن جميلات أو غنيات أو غير ذلك
ما يرغبكم فى الزواج بهن مع عدم إعطائهن حقوقهن كاملة .
وعلى أن حرف الجر المحذوف ( عن ؛ يكون المعنى: لا تؤقوفهن ما كتب
لهن وترغبون عن نكاحهن . أى لا أنتم تتزوجونهن ولا تتركونهن يتزوجن
بغير كم حتى تبقى أمو الهن تحت أيديكم .
قال ابن كثير: روى البخارى عن عائشة فى قوله - تعالى - ( ويستفتونك
فى النساء قل الله يفتيكم فيهن ... إلى قوله (وترغبون أن تنكحوهن .. )
أنها قالت: هو الرجل تكون عنده اليقيمة هو وليها ووارثها . فأشركته فى ماله
حتى فى العذق . فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشر كه فى
ما له بما شركته فيعضلها . فنزلت هذه الآية ...
وعنها - أيضا أنها قالت: وقول الله - تعالى - (وترغبون أن تنكحوهن)
رغبة أحدكم عن يتيمته التى فى حجره. حين تكون قليلة المال والجمال.
فنهوا أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من
أجل رغبتهم عنهن - أى إذا كن قليلات المال والجمال .
ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الرجل إذا كان فى حجره بقيمة يحل
له تزوجها، فتارة يرغب فى أن يتزوجها فأمره الله أن مهرها أسوة بمثالها
من النساء . وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه الله - تعالى - عن أن يعضاها عن
الأزواج خشية أن يشركوه فى ماله الذى بينه وبينها .. (١)
(١) تفسير ابن كثير - بتلخيص يسير جـ ١ ص ٥٦١

- ٤٣٢ --
وحذف حرف الجار هنا لا يعد لبسا، بل يعد من باب الإجمال والإيجاز
البليغ، لأن الجملة الكريمة صالحة لتقدير كل من الحر فين السابقين على سايل
البدل، بالاعتبارين السابقين . أى باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه
- سبحانه . يقول: وترغبون فى نكاح بعضهن فى حالات معينة وترغبون
عن نكاح عضآخر منهن فی حالات أخرى؛ لأن فعل رغب یتعدی بحرف
(فى ) للشىء المحبوب، وبحرف (عن ) للشىء غير المحبوب.
قال الآلوسي: واستدل بعض أصحابنا - أى الأحناف - بالآية على جواز
تزويج الصغيرة، لأنه ذكر الرغبة فى نكاحها فاقتضى جوازه . والشافعية
يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة
فيها على ذلك، مع أنه لا يلزم من الرغبة فى ن كاحها فعله فى حال الصغر.
وهذا الخلاف فى غير الأب والجد ، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغيرة
بلا خلاف )(١)
وقوله: ( والمستضعفين من الولدان) معطوف على يتامى النساء، وقد
كانوا فى الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء، فشرع الله لهم الميراث
کما هو مبین فی آيات الموار ث .
وقوله ( وأن تقوموا لليتامى بالقط ) فى محل جر عطفا على ما قبله .
أى: وما يتلى عليكم فى يتامى النساء وفى المستضعفين من الولدان وفى أن
تقوموا لليتامى بالقسط فيه الكفاية لحملكم على سلوك الطريق القويم مع
هؤلاء أضياف .
وما ذكره الله - تعالى - فى شأن اليتامى قوله فى مطلع هذه السورة:
(وآ توا اليتامى أموالهم ولا تقبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى
أموالكم ...
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ صـ ١٦٠

- ٤٣٣ ٠
فيكون معنى الآية إجمالا : يسألك بعض أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى
بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء . قل لهم على سبيل التعليم والإرشاد : الله
- تعالى - يفتيكم ويبين لكم بيانا شافيا ما تسألون عنه بشأنهن. ويفتيكم أيضا
فى شأنهن ما تلاه الله عليكم فى قرآنه قبل نزول هذه الآية وما سيتاوه عليكم
بعدها .
ويفتيكم - أيضا - ما يتلى عليكم فى القرآن فى شأن اليتامى اللاتى تمنعوهن
ما فرض لهن من الميراث وغيره. وترغبون فى نكاحهن لمالهن لجمالهن بأقل
من صداقهن . أو ترغبون عن نكاحهن وتعضلومن طمعاً فى أموالهن. وهذا
الإفتاء الذى تلاه الله عليكم فى قرآنه يمنعكم من أن تفعلوا شيئا من ذلك .
ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم فى الكتاب فى شأن اليتامى - ذكورا كانوا
أو إناثا - بأن يأمركم أن تلتزموا العدل معهم فى أموالهم وفى سائر أمورهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وما تفعلوا من خير فإن الله كان
به عليما)، أى: وما تفعلوا من خير يتعلق به ؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإن الله
- تعالى - كان به علما علما دقيقا محيطا، وميجازيكم عليه جزاء شرح
نفوسکم ويصلح بالكم .
فالآية الكريمة قد اشتغلت على ألوان من الترغيب بشأن الإحسان إلى النساء
وإلى المستضعفين من الولدان . وإلى اليتامى حتى تعيش الأمة عيشة هافئة،
يشعر ضعيفها برعاية قويها له . ويشعر قويها برضا ضعيفها عنه.
ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالزوجين ، وعالج ما يقع
بينهما من خلاف ونفرة علاجاً حكيما فقال - تعالى - ((وإن امرأ: خافت
من بعلما نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح
: خير ....
والخوف معناه: توقع الإنسان مكروها ينزل به. وهو هنا مستعمل فى
٢٨١ - سورة الح".

- ٤٣٤ -
حقيقته إلا أنه لا يكون إلا بعد ظهور علامات تدل عليه من الرجل. كان
يقول لها : إنك قد كبرت وأريد أن أتزوج بشابة . إلى غير ذلك من الأحوال
التى تلمسها الزوجة من زوجها بمقتضى مخالطتها له.
والنشوز مأخوذ من النشر بمعنى الارتفاع ويوصف به الرجل والمرأة.
والمراد » هنا ما يكون من الرحل من استعلاء على زوجته. ومجافاة لها بترك
مضاجعتها والتقصير فى نفقتها وفى حقوقها .
والإعراض عنها من مظاهره: التقليل من محادثتها ومؤانستها وإدخال
السرور عليها. وهو أخف من النشوز .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه
الترمذى وحسنه عن ابن عباس قال : خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات
النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقالت: يا رسول الله. لا تطلقنى واجعل يومى لعائشة ففعل ونزلت
هذه الآية ».
وأخرج الشافعى عن سعيد بن المسيب أن ابته محمد بن مسلمة كانت عند
رافع بن خديج فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقنى وأقسم لى
ما بدالك . فاصطلحا على صلح. جرت السنة بذلك ونزل القرآن».
وروى عن عائشة أنها قالت : نزلت فى المرأة تكون عند الرجل ويريد
الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول له: أمسكنى وتزوج بغيرى وأنت فى حل
من النفقة والقسم .
وقوله: ((وإن امرأة .. ، فعل الفعل واجب الإضمار. أى: وإن خافت
امرأة خافت .
(١) تفسير الالوسى < ٥ ص ١٦١

٤٢٥.٠٠٠-
وقوله : (من بعلها ) متعلق بخافت، وقوله: (فلا جناح عليهما ٠٠٠)
جواب الشرط .
والمعنى: وإن خافت امرأة من زوجها ( نشوزا) أى تجافيا عنها، وترفعا
عن صحبتها ( أو إعراضا) أى: انصر أفا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف
ما عهدته منه قبل ذلك، ففى هذه الأحوال ( لا جناح عليهما) أى: لا حرح ولا
إثم على الزوجة وزوجها فى (أن يصلحا بينهما صلحا ) يتفقان عليه فيما بينهما
رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على دوائها ، وذلك بأن تترك المرأة بعض
حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على إزالة ما فى نفسه من استعلام،
وانصراف عنها .
وقوله ( صلحا ) مفعول مطلق مؤكد أمامله . أو مفعول به على تأويل
إعلحا يوقعا صلحا. وبينهما حال من (صلحا) لأنه كان نعتا له ونعت النكرة
إذا تقدم عليها أعرب حالا ، وفيه إشارة إلى أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس
على ذلك . بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما .
وقد عبر - سبحانه - عن طلب الصلح بقوله (فلا جناح عليهما ... ) ترفقا
فی الإيجاب، ونفیا ما یتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى
إلى الإثم، لأن الصلح بينهما يقتضى أن يتسامح أحد الزوجين فى جزء من
حقه ليظفر بخير أكثرمم) تسامح فيه. فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم
عشرتها مع زوجها بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير .
وأكد - سبحانه - هذا الصلح بقوله ( صلحا) للإشارة إلى وجوب أن
يكون الصلح بينهما حقيقيا لا شكليا، وأن يكون بحيث تتلاقى فى القلوب ،وتصفو
النفوس، وتشع بينهما المودة والرحمة، ويرضى كل واحد منهما بماقسم اذ له.
وقوله (والصلح خير) جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح الذى
1

- ٤٣٦ ٠٠
أى: والصلح بين الزوجين خيرا من الفرقة وسوء العشرة ، اللهم إلا إذا
استحال الصلح والوفاق بينهما فإنه فى هذه الحالة تكون الفرقة بينهما خيرا.
( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته).
قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله (والصلح خير ) ... الظاهر من الآية
أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة
بالكلية كما أمسك النبى - صلى الله عليه وسلم - سودة على أن تركت يومها لعائشة
ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه ، وفعله هذا لتتأسى به أمته فى مشروعية ذلك
وجوازه فهو أفضل فى حقه - صلى الله عليه وسلم - ولما كان الوفاق أحب إلى
أقه من الفراق قال : (والصلح خير)، بل الطلاق بغيض إليه - سبحانه - ولهذا
جاء الحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)(١).
وقوله - تعالى - (وأحضرت الأنفس الشح) جملة أخرى معترضة جىء
بها لبيان ماجبل عليه الإنسان من طباع، وللحض على الصلح حتى ولو خالف
ما طبعت عليه النفس من سجايا .
والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه الهمزة جعلته يتعدى لاثنين كما
هنا ، إذ المفعول الأول نائب الفاعل وهو الأنفس والمفعول الثانى كلمة الشرح
والشح: البخل مع الحرص، والمراد: وأحضر اللّه الأنفس الشح. أى.
جبل الله النفوس على الشح بما تملكه، فالمرأة لا تكاد تتسامح أو تتنازل عن
شىء من حقها، والرجل كذلك لا يكاد يتنازل عن شىء من حقوة، لأن
حرص الإنسان على حقه طبيعة فيه. فعلى الزوجين أن يلاحظ ذلك وأن
يخالفا ميولها وطبعهما من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ومودة.
(١) تفسير ابن كثير ــ١ ص ٥٦٣

- ٤٣٧ -
فالجملة الكريمة ترشد الإنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته حتى ولو
أدى ذلك إلى مخالفة ماجبلت عليه نفسه .
ويرى ابن جرير أن المرادبالأنفس هنا أنفس النساءخاصة فقد قال ما ملخصه:
وأولى القولين فى ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك. أحضرت
أنفس النساء الشح بأقصبائهن من أزواجهن فى الأيام والنفقة. والشح: الإفراط
فى الحرص على الشىء. وهو فى هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها
من أيامها من زوجها ونفقتها .
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواء من من فرط الحرص على
حقوقهن من أزواجهن ، والشح بذلك على ضرائرهن ....
ثم قال . ويشهد لهذا ماروى فى سبب نزول الآية من أنها نزلت فى أمر
رافع بن خديج وزوجته ، إذ تزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها ، فأبت
الكبيرة أن تقر على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها . فلما قارب انقضاء عدتها،
خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة . فاختارت الرجعة والصبر على
الأثرة فراجعها وآثر عليها . فلم تصبر. ففى ذلك دليل واضح على أن قوله.
- تعالى - ((وأحضرت الأنفس الشح .. ، إنما عنى به: وأحضرت أنفس النساء
الشح بحقوقهن من أزواجهن على ماوصفنا ... )(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته ومراقبته، والسيرفى
طريق الصلح والوفاق فقال: ((وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون
خبيراً ، .
. أى: وإن تحسنوا - أيها الرجال - فى أقوالكم وأفعالكم إلى نسائكم.
وتتقوا الله فيهن : بأن تتركوا التعالى عليهن والإعراض عنهن وتصبروا على
حالا ترضوفه منهن، من دمامة أو تقصير فى واجباتهن ... إن تفعلوا ذلك
(١) تفسير ابن جرير ج ٢ صـ ٣١٣:

يرفع الله درجاتكم. ويجزل ثوابكم، لا به - سبحانه - خبير بال احو السلم.
وأعمالكم، ولن يضيع - سبحانه - أجر من أحسن أعملا .
فالجمله الكريمة خطاب الأزواج بطريق الالتفات . لقصد استمالتهم
وترغيبهم فى حسن معاملة نسائهم ، وسلوك طريق الصلح معهن .
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: أن على
دزوجين أن يحسنا المشرة الزوجية كل واحد منهما من جانبه، وأن يصبر كل
واحد منهما على ما يكون من صاحبه من هفوات ومخالفات لاتخلو منها طبيعة
الحياة الزوجية ...
وأن أحد الزوجين إذا تنازل عن بعض حقوقه للآخر بقصد الإبقاء على
الحياة الزوجية جازذلك ، فإذا رغب رجل - مثلا - فى طلاق زوجته لسبب
من الأسباب وكانت الزوجة تريد الإبقاء معه، وتنازلت المرأة عن بعض حقوقها
فى سبيل أن تبقى معه وتراضيا على ذلك عن طيب خاطر ، بأن أعطته بعض
المال - مثلا - فإن ما أخذه منها لا يعد مالا حراما فى مثل الحالة . أما
إذا تظاهر الرجل بالنشوز أو الإغراض لكى ينال شيئا من حقوقها أو تتنازل
له عن بعضها ، فإن ما يأخذه الرجل منها فى مثل هذه الحالة يكون أكلا لحقوق
غيره بالباطل ، لأنه لم يكن راغبا حقيقة فى الطلاق وإنما تصنع النشوز أو
الإعراض اجتلابا لمالها، واستدداراً لخيرها . وقد نهى الله عن كل ذلك
بل أمر بترك النشوز، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ويتقى الله
بالأجر الجزيل .
١٠. قال القرطى ما ملخصه: يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر هن. أو تعطى
هى على أن يبقيها فى عصمتة، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة - أى
يؤثر غيرها عليها من غير عطاء فإذا كله مباح . وقد يجوز أن تصالح إحداهن
صباحبتها عن يومها بشىء تعطيه إياها فقد غضب الرسول - صلى الله عليه
ويسهم - مرة على صفية فقالت لعائشة، أصلحى بينى وبين رسول الله - صلى الله

عليه وسلم - وقد ذهب لك يومى ... قالت عائشة: فجئت إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - جلست إلى جانبه. فقال: إليك عنى فإنه ليس بيومك))
فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وأخبرته الخبر، فرضى عنها، وفيه
أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة.
ورضاها »(١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه. فإن قيل: إن الله - تعالى - قال فىنشوز
المرأة : ((واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع
واضربوهن.،. الآية)، وقال فى نشوز الرجل: (( وإن امرأة خافت من بعلها
نشوزا أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ... الآية ، فجعل
لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها فى المضجع ويضربها ولم يجعل
النشوز الرجل عقوبة من زوجته ، بل جعل له ترضية وقلطفا فما معنى ذلك ؟
والجواب عن ذلك : أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء ،
فالرجل راعى المرأة ورئيسها المهيمن عليها . ومن قضية ذلك ألا يكون المرءوس.
معاقبة رئيسه ، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس.
وأن الله فضل الرجال على النساء فى العقل والدين. ومن قضية ذلك ألا
يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر . ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها
يكثر منها النشوز لأقل شىء تتوهمه سبباً ....
وأن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة. وإذا كان الله
قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقها فأولى
ألا يجعل لها عليه سبيلاً إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة))(٢).
(١) تفسير القرطبي < ٥ صـ ٤٠٥
(٢) تفسير آيات الأحكام حـ ٢ ص ١٤٨ لفضيلة الشيخ محمد على السايس

- ٤٤٠ -
ثم بين - سبحانه - أن تحقيق العدالة الكاملة فى الحياة الزوجية غير ممكن
فقال - تعالى - ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلواكل
الميل فتذروها كالمعلقة .....
والخطاب هنا للرجال الذين يتزوجون بأكثر من زوجه .
والمعنى : ولن تستطيعوا - أيها الرجال -- أن تعدلوا بين زوجاتكم
المتعددات عدلا كاملا فى المحبة وفى الميل القلبى وفى غير ذلك من الأمور التى
تختلف باختلاف تآلف النفوس وتنافرها. ولو أنكم حرصتم على العدل
الكامل فى مثل هذه الأمور النفسية لما استطعتم ، لأن الميل النفسى لا يملكه
الإنسان ولا يستطيع التحكم فيه .
قال ابن كثير : نزلت هذه الآية فى عائشة. وكان النبى - صلى الله عليه
وسلم - يحبها أكثر من غيرها. وقد روى الترمذى وأبو داود وغيرهما عنها
أنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل.
ثم يقول: اللهم هذا قسمى فيما أملك . فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك « يعنى
القلب))(١) .
وقوله (( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، إرشاد من الله - تعالى -
لارجال إلى ما يجب عليهم تحو نسائهم المتعددات اللائى ليس فى استطاعتهم
التسوية بينهن فى الميل القلبى .
"أى: إذا ثبت أنكم لن تستطيعوا أن تعدلوا بينهن عدلا كاملا من جميع
الوجوه ولو حرصتم على هذا العدل أنم الحرص ... إذا ثبت ذلك فلا تميلوا
كل الميل إلى إحداهن بأن تبالغوا فى إرضائها والإقبال عليها حتى تصير
الأخرى التى ملتم عنها وهجر تموها كالمعلقة أى كالمرأة التى لاهى بذات زوج
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صـ ٥٦٤ بتصرف يسير