النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١ -
وقوله (( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، استعمل لفظ الأخذ فيه فى الحقيقة
والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة
حقيقة فى حملها للدفاع بها عن النفس .
وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة؛ لأن أخذ
الأسلحة نوع من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها
واجب حتى لايباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان ، وهذا
أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتديقظة.
المسلمين حينئذ .
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله: فإن قلت لم ذكر فى أول الآية الأسلحة
فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة؟ قلت: لأن العدو قلما يتنبه للسدين فى
أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى
الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة ، حينئذ ينتهزون الفرصة فى
الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع بزيادة
الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة ،(١).
وقوله - تعالى - ((ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم
فيميلون عليكم ميلة واحدة، بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح.
والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله (( ود) من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله .
والأسلحة: جمع سلاح . وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعملها
الناس فى حروبهم وقتالهم .
- والأمتعة: جمع متاع. وهو كل ماينتفع به من عروض وأثاث.
والمراد به هنا: مايكون مع المحاربين من أشياء لاغنى لهم عنها كبعض
ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم ....
:: (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٢٠ - نقلا عن الخازن -

- ٣٨٢ -
و((لو)، فى قوله , أو تغفلون، مصدرية. وقوله ((ميلة)) منصوب على
المفعول المطلق لميان العدد.
والمعنى، كونوا دائما - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ
والحذر ، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن
أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم لهم، وفى هذه الحالة يحملون
عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطيعون قتله . فعليكم
- أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث
لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدائكم
الذين يتربصون بكم الدوائر .
فالآ ية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر
وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين . ومع هذا فقد رخص الله
- تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم
فى أخذ الحذر فقال - تعالى-؛ ((ولا جناح عليكم إن كان بكم أذنى من
مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم)).
أى: ولاحرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم
فى أغمادها فلا تحملوها « إن كان بكم أذى من مطر، بثقل معه حمل السلاح
((أو كنتم مرضى ، بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلابد من أخذ
الحذر من أعدائكم، بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرم، وعلى أحسن
استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله (( إن الله أعد للكافرين عذاباً أليما ، تذييل قصد به تشجيع المؤمنين
على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى: إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا
والآخرة. أما فى الدنيا فينصركم عليهم، وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال

٣٨٣ -
- تعالى - , قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور
قوم مؤمنين ).
وأما فى الآخرة فبالعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطيعون منه نجاة
أو مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى
توصلكم إلى النصر عليهم .
هذا، ومن الأحكام والآداب الى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١ - قال الآلوسي: تعلق بظاهر قوله - تعالى - ,وإذا كنت فيهم ٢٠٠٠
من خص صلاة الخوف بحضرته - صلى الله عليه وسلم - كالحسن بنزيد
ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف ، وفقله عنه الجصاص فى كتاب الأحكام ...
وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعدد - صلى الله عليه وسلم - فوابه،
وقوام بما كان يقوم به فيتنا ولهم حكم الخطاب الوارد له - عليه الصلاة والسلام.
كما فى قوله «خذ من أموالهم صدقة ... ))، وقد أخرجه أبو داود والنسائى
وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم . قال: كنا مع سعيد بن العاص
بطهر ستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا.
ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره
أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم ، وهذا يحل محمل
الإجماع(١))).
٢ - أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها.
وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر. وقدروى المفسرون فى سبب نزول هذه
الآية روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داودوالنسائى وغيرهم عن
أبى عياش الزرقى قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان
فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد . وهم بيننا وبين القبلة . فصلى بنا
(١) تفسير الألوسى - ٥ ص ١١٤ - بتصريف يسير -

- ٣٨٤.
النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر فقالوا: قد كافوا على جال لو أصبنا غرتهم
ثم قالوا : تأنى عليهم الآن هى أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . فنزل جبريل
بهذه الآية ((وإذا كنت فيهم ... إلخ)) بين الظهر والعصر (١)))،
٣ - وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى - صلى الله عليه وسلم-
قد صلى صلاة الخوف على ميات مختلفة وفى مواضع متعددة . ويشهد لهذا
قول القرطبى. وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة الخوف. واختلف العلماء
لاختلافها. وذكر ابن القصار أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها فى عشر
مواضع. وقال ابن العربى: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى
صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإمام أحمد بن حنبل - وهو إمام
أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى فى صلاة
الخوف إلا حديث ثابت. وهى كلها صحاح ثابتة . فعلى أى حديث صلى منها
المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله(٢)).
وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة فان العدو تارة يكون تجاه
القبلة، وتارة يكون فى غير صوبها ... ثم قادة يصلون جماعة وقارة يلتحم
الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلى الصلاة لمذر القتال
كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر
فصلاهما بعد الغروب ، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء ... وأما الجمهور
فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ
تأخير الصلاة لذلك(٢) ... )): ونظرا لاختلاف الروايات الواردة فى كيفية
صلاة الخوف، فقد اختلف الفقها. فى كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من
تلك الروايات . وهاك بعض مذاهبهم:
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٨)
(٢) تفسير القرطي ج ٥ ص ٣٦٥
(٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٤٧

- ٣٨٥ -
(١) ذب الإمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن
يقسم الإمام الناس طائفتين : طائفة تكون مع الإمام والأخرى بإزاء العدو.
فيصلى بالذين معه ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الأخرى
التى كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإمام الركعة الثانية ويسلم هو .
ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة، لأنها فى رأيهم لاحقة.
أى كأنها وأ الإمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة عنده وراء الإمام ثم
تتشهد وتسلم . وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطاقة "عافية فتقضى ركعة بقراءة
ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ر كمتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة، فتكون
كن أدرك آخر صلاة الإمام وفاقته ركعة. فتكون القراءة واجبة فى حقها .
وهذه الكيفية لصلاة الخوف التى أخذبها الإمام أبو حنيفة قد وردت فى
روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(ب) أما الإمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى: أن
يقسم الإمام الناس إلى دائفتين : طائعة تكون معه وطائفة تكون بإزاء
العدو. ثم يصلى بالطائفة التى معه ركعة ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها
ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثانية ، وتأتى الطائفة الشافية فتقف
خلف الإمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للقشهد ويسلم الإمام وحده
أماهم فيقومون فيصلون وحدهم الركعة التى بقيت ثم يتشهدون ويسلمون.
وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإمام الشافعى فهو يوافق الماليكية
فيما ذهبوا إليه إلا أنه قال: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية صلاتها
ثم يسلم. مهم.
ويذهب الإمام أحمد بن حنيل فى كيفية صلاة الخوف إلى ماذهب إليه
الإمام مالك .
(٢٥ - سورة النساء)

- ٢٨٦ -
وفى رواية عنه أنه يوافق ماذهب إليه الشافعية .
وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية فى الأصل كالفجر أو رباعية فإنها
تقصر إلى ثنائية .
أما إذا كانت صلاة الخوف فى المغرب فيرى جمهور الفقهاء أن الإمام
يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانيةركعة ثم تتم كل طائفة ما بقى
عليها بالطريقة التى سبق ذكرها عند الأئمة، والتى بسطها العلماء فى كتب الفقه.
٤ - ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة،
لأن الله - تعالى - أمر المسلمين بأن يؤدوا الصلاة فى جماعة حتى وهم فى حالة
الاستعداد للقاء أعدائهم .
قال ابن كثير: ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من
هذه الآية الكريمة . حيث أغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة . فلولا أنها
واجبة ماساغ ذلك ،.
٥ -- كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن الإسلام دين
يأمر أتباعه بأداء الصلاة حتى ولو كانوا فى ساحة المعركة ، وذلك لأن الصلاة
صلة بين العبد وربه. ومتى حسنت هذه الصلة بين المجاهد وخالقه، فإنه -
سبحانه - يكلؤه بعين رعايته ، ويمده بنصره وتأييده. وأن الإسلام بجانب
هذا الاهتمام الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم أيضا بأن يأمر أتباعه بالحذر من
مكر أعدائهم ومن مباغتتهم لهم، بأن يكون المؤمنون مستعدين لصدهم وردم
على أعقابهم، وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم حتى ولو كانوا قائمين للصلاة.
وبهذا نرى أن الإسلام يربى أتباعه تربية روحية وعقلية وبدنية من شأنها
أن توصلهم - متى حافظوا عليها - إلى ما يعلى كلمتهم فى الدنيا، ويرفع درجاتهم
فى الآخرة

-
- ٣٨٧ -
ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين بالإكثار من ذكره بعد الانتهاء من
صلاتهم، وشجعهم على مواصلة قتال أعدائهم بدون خوف أو ملل فقال
- تعالى -:
((فَإِذَا قَضَيُ الصَّلاةَ فَذْ كُرُوا اللهَ قياماً وفعوداً وَى جُنُوبِكُم
فإذا اطَمَأْ نَفْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِتَابًا.
مَوْقوتاً (١٠٣) ولا تَهَنُوا فى ابْتفاءِ القومِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُون
قإنهم
يَلَمُونَ كَ تَأْلَمُونَ وتَرجُونَ مِنَ اللهِ مالاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً
حَكِيماً (١٠٤))).
والمعنى: فإذا أديتم صلاة الخوف - أيها المؤمنون - على الوجه الذى
بينته لكم وفرغتم منها« فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، أى :
فداوموا على الإكثار من ذكر الله فى كل أحوالكم سواء أ كنتم قائمين فى
ميدان القتال، أم قاعدين مستريحين ، أم مضطجعين على جنوبكم، فإن ذكر
الله - تعالى - الذى يتناول كل قول أو عمل يرضى الله - هو العيادة المستمرة
التى بها تصفو النفوس ، وتشرح الصدور، وتطمئن القلوب . قال - تعالى -
((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)).
وإنما أمرهم - سبحانه - بالإ كثار من ذكره فى هذه الأحوال بصفة خاصة،
مع أن الإكثار من ذكر لقه مطلوب فى كل وقت، لأن الإنسان فى حالة
الخوف ومقابلة الأعداء أحوج مايكون إلى عون الله وتأتيدهونصره،والتضرع
إلى الله بالدعاء فى هذه الأحوال يكون جديرا بالقبول والاستجابة .
قال - تعالى -((يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله
كثيراً لعلكم تفلحون)).
والفاء فى قوله (( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة)) للتفريع على ماقبله .

- ٣٨٨ -
أى: فإذا ماسكنت نفوسكم من الخوف، وأقتم فى مساكنكم يعد أن
وضعت الحرب أوزارها، فدأوموا على أداء الصلاة على وجهها الذى كانت
عليه قبل حالة الحرب، وأنموا أر كانها وشروطها وآدابها وخشوعها ..
وقوله (( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)) قذييل المقصودبه
تأكيد ما قبله من الأمر بالمحافظة على الصلاة .
أى: إن الصلاة كانت على المؤمنين فر ضامحددا بأوقات لا يجوز مجاوزتها
بل لابد من أداتها فى أوقاتها سفرا وحضرا، وأمنا وخوفاً.
والمراد بالكتاب هنا: المكتوب. وبالموقوت : المحدد بأوقات من
وقت كمضروب من ضرب .
وقد رجح لبن جرين هذا المعنى بقوله: وأولى المعانى بتأويل الكلمة
قول من قال :: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا موقوتا. أى فرضا وقت
لهم وقت وجوب أدائه . لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل: وقت
الله عليك فرضه فهو يقته. ففرضه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جعل له
وقتا يجب عليك أداؤه ... »(١) .
وقد أكد الله - تعالى - فرضية الصلاة ووجوب أدائها فى أوقاتها بان
المفيدة للتأكيد، وبكان المفيدة للدرام والاستمرار. وبالتعبير عن الصلاة
بأنها كتاب، وهو تعبير عن الوصف بالمصدر فيفيد فضل توكيد، وبقوله
على المؤمنين، فإن هذا التركيب يفيد الإلزام والحتمية. وكل ذلك لكى
يمحافظة المؤمنون عليها محافظة تامة دون أن يشغلهم عنها شاغل، أو يحول بينهم
وبین أدائها، حائل .
وقوله(ولا تهنوا فى ابتغاء القوم، تشجيع للمؤمنين على مواصلة قتال
أعدائهم بصبر وعزيمة .
(١) تفسير ابن جزير جـ ده ٢٦٢°) بتصرف وتلخيص.

-- ٣٨٩ -
وقوله («تهنوا، من الوهن وهو الضعف والتخاذل. والابتغاء مصدر
ابتغى بمعنى بغى المتعدى أى طلب.
أى: ولا تضعفوا - أيها المؤمنون - فى ابتغاء العدو وطلبه، ولا تقعد بكم
الآلام عن متابعته وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه .. .
ثم رغبهم - سبحانه - فى مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقى رصين
فقال: ((إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله
مالايرجون».
أى: لاتتوانوا - أيها المؤمنون - عن ملاحقة أعدائكم ومقاتلتهم
مهما تحملتم من آلام، وما أصبتم به من جراح، لأن ما أصابكم من آلام
وجراح قد أصيب أعداؤكم بمثله أو أكثر منه، ولأن الآلام التى تحسوتها هم
يحسون مثلها أو أكثر منها. وفضلا عن ذلك فأنتم ترجون بقتالكم لحم
رضا الله، وإعلاء كلمته، وحسن مثوبته، وإظهار دينه ... أما هم فإنهم
يقاتلونكم ولارجاء لهم فى شىء من ذلك. وإنما رجاؤهم فى تحقيق شهواتهم،
وإرضاء شياطينهم، واقتصار باطلهم على حقكم.
وشتان بين من يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الحق ... ومن يقاتل وغايته
ورجاؤه نصرة الباطل .
ومادام الأمر كذلك فافهضوا- أيها المؤمنون - لقتال أعداء الله وأعدائكم،
دون أن يحول بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام ، فإن الله - تعالى-
قد جعل العاقبة لكم ، والنصر فى ركابكم ..
وقريب من هذه الآية قوله - تعالى - فى سورة آل عمران:« إن يمسسكم
فرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس)).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله «وكان الله علما حكما، أى: وكان
حقه وما زال عليما بكل شىء من أحوالكم وأحوالهم، حكيما فى كل ما يقضيه

- ٣٩٠ ج
ويأمر به أو ينهى عنه، فسيروا - أيها المؤمنون - فى الطريق التى أمركم
- سبحانه - بالسير فيها لتتالوا تأييده ورضاه.
هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات
منها ماذكره القرطبى من أنها نزلت فى أعقاب حرب أحد حيث أمر النبى
- صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بالخروح فى آثار المشركين، وكان بالمسلمين
جراحات . وكان قد أمر ألا يخرج معه إلامن كان قد حضر القتال فى غزوة
أحد ... ١٢).
وهذا السبب الذى ذكره القرطبى فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها
إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه فإن الآيتين الكريمتين
تأمران المسلمين فى كل زمان ومكان بالمحافظة على فرائض الله ولاسيما
الصلاة، وبالإكثار من ذكره فى جميع أحوالهم ، وبالإقدام على قتال
أعدائهم بعزيمة صادقة ، وهمة عالية ، دون أن يحول بينهم وبين هذا القتال
مايشعرون به من آلام ، فإن الله - تعالى -قد تکفل بنصر المؤمنین، و دهر
المشركين .
وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرم
من الأعداء. وبالاستعداد لإبطال مكرهم، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة
الحق ... بعد كل هذا أمر - سبحانه - المؤمنين فى شخص نبيهم - صلى الله
عليه وسلم - بأن يلتزموا الحق فى كل شئونهم وأحوالهم، لأن عدم التقيد
بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها . وقد ساق - سبحانه -
فى آيات كريمة ما يهدى القلوب إلى صراطه المستقيم فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٣٧٤، بتصرف يسير.

- ٣٩١ -
((إِنَّا أَنزَلْنَاَ إليكَ الكِتَابَ بالحقِّ لتحُكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ
اللهُ ولا تَكُنْ للخائِينَ خَصِيماً (١٠٥) واستَفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كَانَ
غفوراً رحيما (١٠٦) ولا تجاَدِلْ عن الذِينَ يُخْتَانُونَ أَنفُسَهُمُ إِنَّ الَ
لا يُحِبُ مَنْ كانَ خوانا أَثيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذ يُنَيِّنُونَ مالا يَرْضَى مِنَ القَوْلِ وكَانَ اللهُ بِما
يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) مأنتُم هؤلاء جادَلْتُم عنهُم فى الحياةِ الدُّنيا، فَمَنْ
يجادِلُ اللّهَ عنْهُمْ يوم القياَمَةِ أَمْ مَنْ يكونُ عليهم وكيلا (١٠٩) وَمَنْ
يَعْمَلْ سواءاً أو يظلِمْ نَفْسَه ثم يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدّ اللهَ غفوراً رَحِيماً (١١٠)
وَمَنْ يُكْسِبْ إِنماً فَإِنَّا يُكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَ كَانَ اللهُ علياً حكيماً (١١١)
وَمَنْ يُكْسِبْ خطيئةً أَوْ إِنَّ ثُمَّ يرمِ به بَرِيّاً فقد احتملَ بُهَْنً وإنما
مُبِيناً (١١٢) ولولاَ فضلُ اللهِ عَليكَ وَرَحْتُهُ لهَمَّتْ طائفةٌ مِنهم أَنْ
يُضِلُوكَ وما يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُم وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ، وَأَنزَلَ
اللهُ عَليكَ الكِتَّبَ والحكمةَ وَمَلَّكَ مَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ
اللهِ عَليكَ عظيماً (١١٣)».
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا
أنها متقاربة المعانى . ومن ذلك ماذكره صاحب الكشاف من أن رجلا
اسمه طعمة بن أبيرق - أحد بنى ظفر - سرق درعاً من جار له أسمه قتادة
ابن النعمان فى جراب دقيق . جمل الدقيق بأكثر من خرق فيه . وخبأ طعمة
الدرع عند رجل من اليهود اسمه زيد بن السمين .

- ٣٩٢ -
فالمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها، وماله بها علم. فتركوه
واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودى فأخذوها. فقال اليهودي: دفعها
إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر - أقارب طعمة - :
انطلقوا بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما وصلوا إليه سألوه أن
يجادل - أى دافع - عن صاحبهم طعمة وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح
وبریء اليهودى . فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل وأن يعاقب
اليهودى. وقيل هم أن يقطع بده فنزلت ... ))(١).
وهذه الآيات الكريمة وإن كانت قد فزات فى حادثة معينة، إلا أن
توجيهاتها وأحكامها تتناول جميع المكلفين فى كل زمان ومكان .
وقوله تعالى ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك
اللّه)، تشريف للنبى - صلى الله عليه وسلم - وإرشاد إلى ما يجب أن يكون عليه
الحاكم أو القاضى من عدالة وفزاهة .
أى: إنا أنزلنا إليهم يا محمد القرآن الكريم، إنزالا ملتبسا بالحق وبالعدل
لكى تحمكم بين الناس فى قضاياهم بما أراك الله. أى بما عرفك وأعلمك وأوخى
به إليك وقوله « بالحق ، فى محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف .
وصاحب الحال هو الكتاب. أى: أنزلناه ملتبسا بالحق.
وقوله ((بما أراك) الفعل هنا متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف والآخر
كاف الخطاب أى: بما أراكه الله . أى: بما عرفك وأعلمك.
وسمى ذلك العلم بالرؤية ، لأن العلم اليقينى المبدأ عن جهات الريب يكون
جازيا مجرى الرؤية فى القوة والظهور .
قال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان- صلى الله
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٦١ بتصريف بسير.

٠-٣٩٣ -
عليه وسلم - له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية. وبما ثبت فى الصحيحين عن
أم سلمة أں رسول الله - صلى اللهعليه وسلم - سمع جلبة خصوم ببابحجر ته
فرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضى بنحو ما أسمع. ولعل أحدكم
أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له . فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى
قطعة من النار ، فليحملها أو ليذرها ..
وفى رواية للإمام أحمد عن السيدة أم سلمة - أيضا - قالت: جاء رجلان
من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مواريث
بينهما قد درست . ليس بينهما بينة . فقال رسول الله: إنكم تختصمون إلى
وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. فإنى أقضى بينكم على
نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة
من النار .. فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقى لأخى . فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتها، ثم توخيا الحق بينكما
ثم استهما، ثم ليحلق كل واحد منكما صاحبه))(١).
وقوله (( ولا تكن للخائنين خصما، معطوف على كلام مقدر يفهم من
المقام . والخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فادل بمعنى مخاصم
وجمعه الخصماء. وأصله من الخصم وهو ناحية الشىء وطرفه. وقيل للخصمين
خصمان، لأن كل واحد منهما فى ناحية من الحجة والدعوى .
والمعنى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين
مخاصما للبرآء، بأن تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين - الذين يظهرون
الإسلام - قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق.
وسماهم - سبحانه - خائنين، لأهم فى علمه - تعالى - كانوا كذلك وقد
أخبر نبيه بخيانتهم ليحذرهم ولا يحسن الظن بهم .
(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٥٥١

- ٣٩٤ -
قال القرطى : قال العلماء: لا ينبغى إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل
. يق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم . فإن هذا قد وقع على عهد النبى
- صلى الله عليه وسلم - وفيهم نزل قوله - تعالى - ((ولا تكن للخاثنين
نصماء. وقوله: (( ولا تجادل عن الذين يختلفون أنفسهم .. والخطاب للنبي
- صلى الله عليه وسلم . والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه
جهين: أحدهما: أنه - تعالى - أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله, ها قتم
ؤلاء جادنتم عنهم فى الحياة الدنيا،. والآخر: أن النبى - صلى الله عليه
سلم - كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره
.ل على أن القصد لغيره)، (١).
ثم قال - تعالى - ((واستغفر الله إن الله كان غفورا رحما)). أى:
استغفر الله بما هممت به من تبرئة طعمة وإدانة اليهودى ، حيث إن ظاهر
لأمر يقتضى ذلك، وهذا وإن لم يكن ذنبا، إلا أنه - سبحانه - أمر نبيه
- صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار من ذلك، لعلو مقامه على حد قول العلماء
سنات الأبرار سيئات المقربين .
أو المعنى: واستغفر الله لهؤلاء الخائنين لكى يتوبوا إلى الله - تعالى -
- كة استغفارك لهم، إن الله - تعالى - كان كثير المغفرة لمن تاب إليه،
كثير الرحمة لمن آمن به واتقاء. وهذا الأمر بالاستغفار والإنابة إلى الله
وجه إلى كل مكلف فى شخص النبى - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال
- تعالى - ((ولا تجادل عن الذين يختافون أنفسهم إن الله لا يحب من كان
هو اناً اثما ، .
أى : ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين «يختانون أنفسهم، أمی يخوفونها
عدة وإصرار إن الله - تعالى - لا يحب ولا يرضى عمن كافت الخيانة وصفا
ن أو صافه، وخلقا من أخلاقه، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك
، الإثم والمعصية عادة من عاداته.
(ب) تفسير القرطى = ٥ ص ٣٧٧

- ٣٩٥ -
وجاء - سبحانه - بلفظ: يختانون)) بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة.
فى الخيانة لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة .
وجملت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم، لأن سو. عاقبة هذه الخيانة
سيعود عليهم. ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد ؛ فمن تظاهر بأنه منهم
ثم خان أحدم فكأنما خان نفسه، وأوردما موارد البوار والتملكة باعتدائه
على حقوق الجماعة الإسلامية ، وزعزعة أمنها واستقرارها .
والمراد بالموصول فى قوله ((ولا تجادل عن الذين يختلفون أنفسهم)، طعمة
وأمثاله من الخائنين أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته.
وقال - سبحانه - ((إن الله لا يحب من كان خوانا أثما، بصيغة المبالغة؛
لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين.
أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله.
- تعالى - يحب من عنده أصل الحياة والاثم .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: فإن قلت: لم قيل مخوانا
أثما، على المبالغة ؟ قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط فى الخيانة وركوب
المرآ ثم، ومن كانت تلك خاتمة أمرة لم يشك فى حاله. وقيل: إذا عثرت من
رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر - رضى الله عنه - أنه أمر بقطع
يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال لها
كذبت . إن الله لا يؤاخذ عبده فى أول مرة (١))).
وقوله «يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ... ، بيان لأحوالهم
القبيحة التى تجعلهم محل غضب الله وسخطه .
والاستخفاء معناء الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى: تواريت
منه واستقرت .
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٦٣

-٠ ١٩٦ ٠
أى: أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع فى الآثام يستقرون
الناس عندما يقعون فى المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم
لا يستخفون من الله، أى: ولا يشعرون برقابة الله عليهم، وإطلاعه
جميع أحوالهم ، بل يرتكبون مايرتكبون من آثام بدون حياء منه مع أنه
سبحانه - هو الأحق بأن يستحى منه ، ويخشى من عقابه.
وقوله ((وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون
بال، بيان الشمول علمه - سبحانه - بكل حركاتهم وسكناتهم.
أى: أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من الله، مع أنه-
حانه - معهم فى كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه على أقوالهم وأعمالهم
يخفى عليه شيء من أمرهم حين(( يبيتون)، أى يضمرون ويدبرون ويقدرون
ذهانهم ما لا يرضاء الله - من القول كمأن يرتكبوا المنكرات ثم يمسحونها
غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم.
قال صاحب الكشاف : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ماهم فيه من قاة
أ، والخشية من ربهم، مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم فى حضرته
ـترة ولاغفلة ولاغيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح.
وقوله ((يبيتون)) أى: يدبرون ويزورن وأصله أن يكون ليلا, ما لا يرضى
القول ، وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع فى دار غيره ...
فإن قلت: كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى فى النفس؟ قلت:لما حدث
ء نفسه سمى قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول: الحلف
ذب الذى حلف به طعمة بعد أن بيته و توریکه الذنب على اليهودی ، !! ؟.
وقوله ((وكمان الله بما يعملون محيطا، تذييل قصد به التهديد والوعيد.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٦٣ . وقوله ((وتوريكه الذنب ، يقال:
! فلان ونبه على غيره أی رماه به .

- ٢٩٧ -
أى وكان اله - تعالى - محيطا إحاطة قامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم
ولا يغيب عن علمه شىء من تصرفاتهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة.
ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم
بالباطل فقال: ((ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا من يجادل الله عنهم
يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا)،
أى: ها أنتم أيها المدافعون عن الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم
فى الدنيا مبرثين إياهم من الخيانة بدون حق، فمن ذا الذي يستطيع منكم أن يدافع
عنهم أمام الله يوم القيامة، بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا. أى: قائما
بتدبير أمرهم ، ومدافعا عنهم ؟ لاشك أنه لن يكون هناك أحد يدافع
عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان سيجازى بعمله ، ولن ينفعه دفاع المدافعين،
أو جدال المجادلين .
وقوله « ها، حرف تنبيه. أى تنبيه المخاطبين على خطتهم فى المجادلة عن
السارق، وقوله (( أنتم)) مبتدأ. وقوله (( هؤلاء)) منادى بحرف نداء محذوف
مبنى على الكسر فى محل نصب. وجملة ((جادلتم عنهم ... ، خبر المبتدأ.
وبعضهم أعرب هؤلاء خبر أول . وجعل جملة جادلتم خبرا ثانيا .
وقوله ((جادلتم)) من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل بجدول الفتل أى
قوى البنية فالجدال معناه تقوية الحجة التى يدافع بها الإنسان عن نفسه أوعن
غيرة. وقيل إن الجدال مأخوذ من الجدالة وهى وجه الأرض . فكان كل
واحد من الخضمين يكون كالمصارع الذى يريد أن يلقى صاحبه ليها. ومنه
قولهم : تركته مجدلا أى مطروحا على الأرض .
و((أم، فى قوله (( أمن يكون عليهم وكيلا)) منقطعة للإضراب
الإنتقالى .
والاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى الموضعين. أى لا أحد يجادل عنهم

- ٩٨ ٣ -
م الله - تعالى. ولا أحد يستطيع أن يقوم بتدبير أمورهم يوم
ـامة .
ثم فتح - سبحانه - بعد هذا التوبيخ الشديد للخائنين - باب التوبة لعباده
ل: (( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراًرحما)،
،: ومن يعمل عملا سيئا يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودى، أو ينالم
سه بارتكاب الفواحش ، التى يعود معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر،
رك فرائض الله التى فرضها على عباده؛ ثم بعد كل ذلك (( يستغفر الله))
يتوب إليه توبة صادقة فصوحا («يحمد الله )) بفضله وكرمه (( غفورارحما))
، كثير الغفر ان لعباده التائبين، واسع الرحمة اليهم .
فالمراد بعمل السوء هنا - على أرجح الأقوال - العمل السىء الذى يكون
. أذى للغير كالقذف والشتم والسب وما يشبه ذلك .
والمراد بظلم النفس: الأعمال السيئة التى يعود ضررها ابتداء على فاعلها
٠٠ه كشرب الخمر ، وترك الصلاة أو الصيام وما يشبه ذلك .
وإنما فروا كل جملة بهذا التفسير المغاير الآخر لوجود المقابلة بينهما.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((ومن يعمل سوءا))
ى عملا قبيحا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودى ((أو يظلم نفسه،
ا يختص به كالحلف الكاذب . وقيل ومن يعمل سوءا من ذقب دون الشرك
- يظلم نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة أو لقومه
ا فرط منهم من نصرته والذب عنه (١)
والتعبير (( بثم، فى قوله (، ثم يستغفر الله)) للإشارة إلى ما بين المعصية
(١) تفير الكشاف جـ ١ ص ٥٦٣ بتصرف يسير:

- ٣٩٩ ~
والاستغفار من تفاوت معنوى شاسع. إذا المعصية تؤدى بفاعلها إلى الخسران
أما الاستغفار الذى تصحبه التوبة الصادقة فيؤدى إلى الفلاح والسعادة .
وقوله « يجد الله غفورا رحيما، يفيد أن الله - تعالى، يستجيب لطلب
الغفر أن من عبده متى تاب إليه وأناب، لأنه - سبحانه - قد وصف نفسه
بأنه كثير المغفرة والرحمة لعباده، متى أقبلوا على طاعته بقلب سليم ، وفية
صادقة .
ثم بين - سبحانه - بأن الأفعال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده
فقال - تعالى - ((ومن يكسب إنما فإنما يكسبه على نفسه، وكان الله عليم)
حكماء.
والكسب كما يقول الراغب - ما يتحراه الإنسان بما فيه اجتلاب نفع
وتحصيل حظ، ككسب المال . وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة
له ثم استجلب به مضرة .... وقد ورد فى القرآن فى فعل الصالحات والسيئات
فما استعمل فى الصالحات قوله: «أو كسبت فى إيمانها خيرا ٠٠ .. ومما
استعمل فى السيئات قوله: (( إن الذين يكسبون الإثم ... ، (١)
ومنه قوله - تعالى - هنا (( ومن يكسب إنما فإنما يكسبه على نفسه)»
أی. ومن یر تکب إذما من الآثام التى نهى الله عن ارتکایها ، فإن ضرر
ذلك يعود على نفسه وحدها . وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يبتعد عن
الذنوب والآثام حتى ينجو من العقاب .
وقوله (( وكان الله عليما حكيما)، تذييل قصد به التحذير من سوء عاقبة
اكتساب الآثام .
أى: وكان الله عليما بما فى قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون، حكيما فى
٨
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٤٠

- ٤٠٠ -
كل ماقدر وقضى . وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين
- سبحانه - المصير السىء الذى ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون
به غيرهم فقال: ((ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريدًا فقد احتمل
بهتانا وإثما مبينا».
وقد قيل: إن الخطيئة والإثم هنا بمعنى واحد وقد جىء بهما على اختلاف
لفظيهما للتأكيد المعنوى . ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما
متغايران . وأن المراد بالخطيئة : المعصية الصغيرة . والمراد بالإثم : المعصية
الكبيرة . وقال آخرون : الفرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن
عدد وعن غير عمد ، والإثم لا يكون إلا عن عمد .
ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التى يرتكبها
ما حبها عن استهانة وعدم اكتراث ، لأنه لكثرة ولوغه فى الشرور مار
يأتيها بلا مبالاة. قال - تعالى -. ((بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته،
وقال - تعالى - ما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ... )
وأن المراد بالإثم هنا: الذنوب التى يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار
فتؤدى به الى الإبطاء عن الإتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة، لأن الإثم
كما يقول الراغب - : اسم الأفعال المبطئة عن الثواب (١).
والبهتان كما يقول القرطبى من البهت - بمعنى الدهش والتحير من فظاعة
مارمى به الإنسان من كذب - وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو
منه برى . . وروى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى - صلى الله عليه
وسلم ـ قال. أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال. ذكرك أخاك
بما يكره قال . أفر أيت أن کان فى أخى ما أقول؟ قال إن كان فيه ماتقول فقد
اغتبته. وأن لم يكن فيه فقد بهته. ثم قال القرطبى وهذا نص. فرمى البرى.
بهت له. يقال. بهته وبهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله ... ، (٢)
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٠
(٢) تفسير القرطبى جـ د ص ٣٨١