النص المفهرس
صفحات 361-380
- ٣٦١ - - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله . بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ومنه تنفجر أنهار الجنة)). ٠٠ ٥ وبعد أن رفع - سبحانه - من شأن المجاهدين، وبين حال القاعدين عن الجهاد يعذر أو بغير عذر ، أقيع ذلك ببيان حال القاعدين فى دار الكفر بدون مجرة إلى دار الإسلام، ووعد المهاجرين فى سبيل الله بحسن العاقبة فقال - تعالى - : ((إِنَّ الذينَّ تَوَقَّمَ الملائَكَةُ ظَلِى أَنْفُسِهِم قَالُوا: فِيمَ كُنْتُم؟ قَالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَّفِينَ فى الأرْضِ، قَالُوا: أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضِرُ اللهِ وَاسعةً فتهاَ جِرُوا فِيها؟ فأُولئكَ مَأْوَاهُ جَهَّمُ وساءتْ مَصيراً (٩٧) إلاَّ الْمُسْتَضْعِفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنساء وَالوُلدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حيلةً ولا يُهْتَدُونَ سبيلاً (٩٨) فأُولئكَ عمَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عنهم، وكانَ اللهُ عفُوًّا غفوراً (٩٩) وَمَنْ يهاجرْ فى سبيلِ اللهِ يَجِدْ فى الأرْضِ مُراغماً كَثِيراً وسعةً وَمَنْ يُخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجراً إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمْ يُدْرِكْهُ الموتُ فقد وقَعَ أَجْرُه عَلَى اللهِ، وَكَانَ اللهُ غفوراً رَحِيماً (١٠٠)). روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - إن الذين توفاه .. ، روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يأتى السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله . أو يضرب فيقتل . فأنزل الله: (((إن الذين تونام ... الآية)). - ٣٦٢ - ومنها ما أخرجه الطبرانى عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا . فلما هاجر رسول الله كرهوا أن يهاجروا - خوفا على أموالهم ونفورا من مفارقة أوطانهم - فأنزل الله الآية » . ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا. وكانوا يخفون الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر . فأصيب بعضهم . فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت الآية (١) و قال ابن كثير - بعد ذكره هذه الروايات - : هذه الآية الكريمة عامة فى كل من أقام بين ظهرانى المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامه الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية ... وقوله: « توفاهم ، يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، وتركت علامة التأنيث للفصل ، ولأن الفاعل ليس مؤفئاً تأنيثاً حقيقياً. ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله ((تتوفاهم، خذفت إحدى التأمين تخفيفاً. وهو من تو فى الشىء إذا أخذه وافيا تاما . والمراد من التوفى: قبض أرواحهم وإماتتهم . وقيل المراد به: حشرهم إلى جهنم. والمراد من الملائكة: ملك الموت وأعوانه الذين يتولون قبض الأرواح بإذن الله وأمره . وظلم النفس معناه: أن يفعل الإنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفراً أم معصية . وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه . (١) تفسير ابن کثیر ١۴ ص٥٤٢ وتفسير ابن جرير جه ص٢٠١ - ٣٦٣ - والمعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم وتمیتهم حال كونهم قد ظلوا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان ، وإقامتهم فى أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها ، وعدم مجرتهم إلى الأرض التى يقيم فيها إخوانهم فى العقيدة مع قدرتهم على الهجرة ... إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال ، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم: ((فم كنتم ، أى: فى أى حال كنتم؟ أكنتم فى عزة أم فى ذلة؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوكم وسخروا من دينكم؟ أو المعنى: فى أى شى كنتم من أمور دينكم؟ ((قالوا كينا مستضعفين فى الأرض ، أى : قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة : كنا فى الدنيا يستضعفنا أهل الشرك فى أرضنا وبلادنا ، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئاً . وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم ، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - فى قوله: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فالاستفهام الإنكار عذرهم ، وعدم الاعتداد به . أى أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الآلوسى - : إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير ، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة. أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول، لأفكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم)،(١). وقوله (( ظالمى أنفسهم، جملة حالية من ضمير المفعول فى قوله: ((توفاهم)) (١) تفسير الآلوسى = ٥ ص ١٢٦ - بتصرف يسير. - ٣٦٤ - أى : تتوفاهم الملائكة فى حال ظلمهم لأنفسهم، والإضافة فيه الفنية فلا تفيده تعريفاً. والأصل ظالمين أنفسهم فذفت النون تخفيفا . قال الجمل ما ملخصه: وخبر إن فى قوله ((إن الذين توفاه ... ، محذوف تقديره: إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا. ويكون قولة: ((قالوا فيم كنتم)) مبينا لتلك الجملة المحذوفة. أو يكون الخبر قوله (( فأولئك مأواهم جهنم)) ودخلت الفاء فى الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط ... (١). وقوله (( قالوا كنا مستضعفين في الأرض، جملة مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر فكأنه قيل : فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة ؟ فكان الجواب : كنا مستضعفين فى الأرض . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صح وقوع قوله (( كنا مستضعفين فى الأرض ، جواباً عن قولهم : فيم كنتم ، وكان حق الجراب : كنا فى كذا أو لم نكن فى شىء ؟ قلت معنى ((فيم كنتم، التوبيخ بأنهم لم يكونوا فى شىء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يها جروا . فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا ما وبخوابه، واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا فى شىء. فبكتهم الملائكة بقولهم: ، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار دينكم ... وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه فى غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة ... )). ويبدو أن الإمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإقامة بجوار بيت الله الحرام، فقد قال خلال تفسيره لها ((اللهم إن كنت تعلم (١) حاشية الجمل عن الجلالين ج١ ص ٠٤١٦ - ٣٦٥ - أن جر تى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا فى خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمتك. وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك باواسع المغفرة)١١). وقال القرطى : ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم فى تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا. وإنما أضرب عن ذكرهم فى الصحابة لشدة ما واقعوه .... (٢). وقوله ( فألتك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) بيان لسوه عاقبة هؤلاءالذين آثروا العيش فى أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإسلام. أى: فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم (مأواهم جهنم) أى: ممكنهم الذى يأوون إليه فى الآخرة جهنم، وهى مصيرهم الذی سیصیرونإلیه (وساءت مصيراً) أى: وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم . وجىء باسم الإشارة ( أولئك ) للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد. بعده للصفات التى وصفوا بها قبله، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يها جروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم. والمخصوص بالذم فى قوله ( وساءت مصيرا) محذوف . أى: جهنم. ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السىء لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال: ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان.). (١) تفسير الكشاف <١ ص ٥٥٥ (٢) تفسير القرطبى ج ٥ ص ١٤٦ - ٣٩٦ ٠٠ أى : أن هذا المصير السىء والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك الهجرة إلى المسلمين مع قدرتهم عليها ، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ومن هذا المصير الأليم، وهم أولئك الرجال الذين عجزوا حقا عن الهجرة لصعفهم أو مرضهم أو شيخو ختهم .. أو النساء اللائى لا يستطعن الخروج وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الولدان الذين لم يبلغوا الحلم بعد، أو بلغوه بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ذات يدهم أو لغير ذلك من الأعذار الصحيحة . وقوله ( لا يستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا) جملة مستأنفة موضحة لمعنى الاستضعاف. حتى لا يتوهم متوهم أن استضاف هؤلاء كالاستضعاف الذى تذرع به أولئك الذين ظلموا أنفسهم عندما قالوا - كما حكى القرآن عنهم - ( كنا مستضعفين فى الأرض ). ويصح أن تكون حالا من المستضعفين ... أى: ليس متدرجا مع الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السىء أولئك الضعفاء من الرجال والنساء والولدان؛ لأنهم (لا يستطيعون حيلة) فى الخروج؛ إذ لاقوة لهم على الخروج ولا نفقة معهم قرصلهم مبتغاهم ( ولا يهتدون سبيلا) أى: ولا يعرفون الطريق التى توصلهم إلى دار جرتهم: قال القرطبى : والحيلة: لفظ عام لأنواع أسباب التخلص . والسبيل: سيل المدينة. فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما. والصواب أنه عام فى جميع السبل ) . والاستثناء فى قوله ( إلا المستضعفين) منقطع - على الصحيح - لأن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة لعجزهم ، خارجون من أولئك الذين ظلموا أنفسهم بقعودهم عن الهجرة مع قدرتهم على ذلك . وفى ذكر الولدان مبالغة فى أمر الهجرة حتى لسكأنها لو استطاعها غير المكلفين لقاموا بها، وإشعار بأن على أوليائهم أن يها جروا بهم .مهم متى تمكنوا من ذلك . - ٠٣٦٧ وقوله (( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم .. )) بيان لحكم هؤلاء المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. أى: أن هؤلاء الذين قعدوا عن الهجرة الأعذار حالت بينهم وبينها «عسى الله أن يعفو عنهم، أى: يتجاوز عنهم بفضله ورحمته بسب عدم إستطاعتهم للهجرة . قال الجمل: وعسى ولعل فى كلام الله واجبتان، وإن كانتارجاء وطمعا فى كلام المخلوقين ، لأن المخلوق هو الذى تعرض له الشكوك والظنون. والبارى منزه عن ذلك - وإذا أطمع - سبحانه - عبده وصله -))(١) وقال الألوسى: وفى قوله « عسى الله أن يعفوعنهم، إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى إن المضطر الذى تحقق عدم وجوبها عليه ينبغى له أن يمدتركها ذقبا، ولا يأمن . ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها، (٢). وقرله (( وكان الله عفواً غفوراً)، تذييل مقرر لماقبله بأنم وجه أى وكان الله - تعالى. وما زال كثير العفو عن عباده فيما يقعون فيه من تقصير، كثير المغفرة لمن تاب اليه وأناب . ثم رعب - سبحانه - فى الهجرة من أجل إعلاء دينه بأسمى ألوان الترغب فقال: ((ومن يها جر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما كثيرا وسعة ... )) وقوله: (« مراغما، اسم مكان أى يجد فى الأرض متحولا ومهاجرا. قال القرطبى ما ملخصه: إختلف فى تأويل المراغم فقال مجاهد: المراغم: المتزحزج. وقال ابن عباس: المراغم: المتحول والمذهب . وقال ابن زيد: المراغم : المهاجر ... وهذه الأقوال متققة المعانى وهو اسم الموضع الذى يراغم فيه .وهو مشتق من الرغام أى التراب ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب . وراغمت فلانا هجرته وعاديته ... (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤١٨ (٢) تفسير الالوسی = ٥ ص ١٢٧ - ٠٦٨ وهذا كله تفسير بالمعنى ... (أما الخاص باللفظة فهو أن المراغم موضع المراغمة كماذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده. فكان كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله فى منعة منهم، فتلك المنعه هى موضع المراغمة .. ، (١) والمعنى: ومن يها جر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، يجد فى الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلهم ، ويجدفيها من الخير والنعمة والسعة فى الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة ، ومعاملتهم السيئة. قال الفخر الرازى: وذلك لأن من فارق بلده وذهب إلى بلدة أجنبية ، فإذا إستقام أمره فى تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم له ورغمت أنوفهم - أى أصابهم الذل - بسبب ذلك ... فكأنه قيل . يا أيها الإنسان إنك كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من تقع فى المشقة والمحنة والسفر ، فلا تخف فإن الله - تعالى -- سيعطيك من أن النعم الجليلة، والمراقب العظيمة، فى دار هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك، ويكون سيالسعة عيدك. وإنما قدم - سبحانه - ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش؛ لأن ابتهاج الإنسان الذى يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء. أشد من إبتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببا لسعة العيش عليه (٢) (١) تفسير القرطبي = ٥ ص ٣٤٨ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٥ طبعة عبد الرحمن محمد . - ٢٦٩ - وقوله (( ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، حيث جمل - سبحانه - ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى مقصده. أى: ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه، فارا بدينه إلى المكان الذى تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله ، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله ، من يفعل ذلك ((ثم يدركه الموت)، وهو فى طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته , فقد وقع أجره على الله، أى: فقد ثبت ووجب له الأجر عند الله - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما , وكان الله غفورا رحيما)) فيغفر لهذا المهاجر مافرط منه من تقصير ، ويرحمه برحمته الواسعة . وقوله (( ثم يدركه، بالجزم عطنا على فعل الشرط وهو ((ومن يخرج .. )) وجوابه قوله: ( فقد وقع أجره على الله)). قل الآلوسى: وقرىء (ثم يدركه)) بالرفع. وخرجه ابن جنى على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله . والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى : ثم هو يدركه الموت ... (١) . وفى التعبير بقوله «فقد وقع أجره على الله، بعث للطمأنينة فى قلوب المهاجرين، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله؛ لأنهم إذا وصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم الله بالخير من فضله:" وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهٍ - سبحانه - ثواب المهاجرين كاملا- ببر كة حسن قياتهم، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو . وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت فى جندب بن ضمرة وكان قد بلغهوهو (١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ٠١٢٧ (٢٤ - سورة النساء ) - ٢٧٠ - بمكة قوله - تعالى -: ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم ... الآية) فقال لبنيه: أحملونى فإنى لست من المستضعفين، وإنى لاهتدى إلى الطريق ، وإنى لا أبيت الليلة بمكة . حملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك . وهذه لرسولك ــ صلى اللّه عليه وسلم - أبايعك على مابايع عليه رسولك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا: ليته مات بالمدينة فنزلت الآية)،(١). هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١ - وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه. قال القرطبى : فى هذه الآيات دليل على هجران الأرض التى يعمل فيها بالمعاصى . وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصى فى أرض فاخرج منها . وتلا (( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). وقال مالك: هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام فى أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق )،(٢) . وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه: قال الحافظ بن حجر فى (الفتح)) : الهجرة الترك. والهجرة إلى الشىء الانتقال إليه عن غيره. وفى الشرع : ترك مانهى الله عنه . وقد وقعت فى الإسلام على وجهين : الأول - الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن . كما فى هجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة . الثانى - الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن استقر التى - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. (١) تفسير الآلوسي = ٠ ١٢٩٠٠ (٢) تفسير القرطبي <٥ ص ٣٤٨ - ٣٧١ - وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وفى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا» . ثم قال الشيخ القاسمى: وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى بلفظ : انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تنقطع الهجرة ماقوقل الكفار . أى : مادام فى الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشى أن يفتن فى دينه . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة . ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ، (١). ٢ - أن من خرج للهجرة فى سبيل الله ومات فى الطريق أعطاه الله - تعالى - أجر المهاجرين ببركة فيته الصادقة ، ويدل على ذلك ماجاء فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله . ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ماهاجر إليه)) . وقال صاحب الكشاف: كل هجرة لغرض دينى - من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد زداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا فى الدنيا أو ابتغاء رزق طيب - فهى هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت فى طريقه فأجره واقع على الله))(١) . وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع الكافرين فى ذلة وهو ان مع قدرتهم على الهجرة ، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم، بسوء المصير ، وحرضت المؤمنين فى كل زمان ومكان على الهجرة (١) تفسير القاسم جه ص ١٤٩٢ (٢) تفسير الكشاف ج١ ص٥٥٧ - ٣٧٢ - فى سبيل الله بأسمى ألوان التحريض وأشدها، ووعدت المهاجر من أجل إعلاء كلمة الحق بالخير الوفير، والأجر الجزيل .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» . وبعد أن حض - سبحانه - عباده على الهجرة فى سبيله أتبع ذلك بیان. جانب من مظاهر رحمته ى التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات ، حيث أباح لهم قصر الصلاة فى حالة السفر ، وعرفهم كيف يؤدونها فى حالة الجهاد والخوف من مباغتة العدو لهم فقال - تعالى -: (وإذَا ضرِبْتُم فى الأرْضِ فَليسَ عليكُ جِنَحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِكُمْ الذِينَ كَفَرُوا، إنَّ الكافرينَ كَانُوا لِكُم عَدُوًّا مُبِينً (١٠١) وإذا كُنتَ فيهم فَأَقْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتُم طَائِقَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ولِيَأْخُذُوا أَسلحتَّهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلَيَكُونُوا مِنْ وَائِكُم، ولتأْتٍ طائفَةٌ أُخْرَى لم يُصَلُّوا فليُصَلّوا مَعَكَ، وليأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَمْ وَدَّالذِينَ كَفَرُوا لو تَتْقَلُونَ مِن أَسْلِحَتَكُمْ وَأَمْتِفَكُمٍ فِيمَيْلُونَ عَلَيْهُ مَيْلَةً وَاحِدةً ، ولا جناحَ عَليكَمُ إنْ كَانَ بِكُ أَذَى مِنْ مَطرٍ أو كُم مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسلحتكُ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهِ أَعَدَّ لِلِكَفَرِينَ عَذَا باً مُهِيناً (١٠٢)» . قوله ((وإذا ضربتم فى الأرض)) أى: إذا سافرقم وأطلق الضرب فى الأرض على السفر؛ لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض . =». والمراد من الأرض: ما يشمل تبر و البحر. أى إذا سافر قم - أيها المؤمنون- - ٢٧٣ - فى أى مكان يسافر فيه من بر أو بحر, فليس عليكم جناح، أى: حرج أو إثم فى ((أن تقصروا من الصلاة، أى فى أن تنقصوا منها ماخفضه الله عنبكم رحمة بكم . وقوله ((تقصروا، من القصر وهو ضد المد. يقال قصرت الشىء أبى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أصافه . ومن فى قوله ((من الصلاة)) يجوز أن تكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا به لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا . والجار والمجرور فى موضع الصفة. أى: فليس عليكم جناح فى أن تقصروا شيئا من الصلاة . وقوله ((إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، جملة شرطية وجوابها هذوف دل عليه ماقبله . والمراد بالفتنة هنا: إنزال الأذى بالمؤمنين . أى : إن خفتم أن يتعرض لكم المشر كون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة . وقوله , إن الكافرين كافوا لكم عدوا مبينا، تعليل لتأكيد أخذ الحذر من الكفار دائما ، لأن عداوتهم للمؤمنين ظاهرة ، وكرامتهم لهم شديدة .. أى: إن الكافرين كانوا ومازالوا بالنسبة لكم - أيها المؤمنون - يظهرون العداوة ، وما تخفيه صدورهم لكم من أحقاد وكراهية أشدوأ کبر ... وقد أكد - سبحانه - هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد ، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار ، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور، الذكى يحترس المسلمون منهم أشد الاحتراس . هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى: - ٣٧٤ - ١ - أن قصر الصلاة فى السفر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه بخير فى الكفارات . ومنهم من يرى أنه فرض ... ١ قال القرطى ما ملخصه: واختلف العلماء فى حكم القصر فى السفر ؛ فردى عن جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين ... واحتجوا بحديث عائشة (( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين .. ،، ولاحجة فيه لمخ الفتهاله؛ فإنها كانت تتم فى السفر وذلك يوهنه ... وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة . وهو الصحيح . ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير ... ثم اختلفوا فى أيهما أفضل ، فقال بعضهم: القصر أفضل .. وقيل: الإتمام أفضل ... ) (١) أما بالنسبة لمسافة السفر التى يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال منها: أن السفر الذى يسوغ القصرهو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد. وهذا رأى الأحناف . ومن حججهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وأيضا ورد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم ، فدل هذا على أن مادون الثلاث لا يعدسفرا، بل هو فى حكم الإقامه، حيث جمل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه . وأيضا فقدجرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام . أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذى تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط ، وذلك لما رواه ابن عباس إأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال: « يا أهل مكة لا تقصروا فى أدنى من أربعة (١) تفسير القرطى جـ : ص ٠٣٥١ - ٢٧٥ - برد . من مكة إلى عسفان)، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة او يوم فقط ويرى داود الظاهرى وأتباعه أن القصر فى كل ما يسمى سفرا ، سواء أ كان قصيرا أم طويلا ؛ لأن المدار عندهم فى تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب فى الأرض، ولأن كلمة الضرب فى الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولامسافة محدودة . وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها: أن الضرب فى الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان . وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا فى الرخصة ، فلا بدأن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا ، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على خلاف فى الروايات. هذا ، وقد حكى القرطى أقوال بعض العلماء فى فقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظواهرها بدون فهم سليم فقال : قال ابن العربى: وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين. ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألحه بمؤخر عينى، ولا أفكر فيه بفضول قلبى . ولم يذكر حد السفر الذى يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة . وإنما كان كذلك، لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطيهم الله بالقرآن؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافر الالغة ولاشرعا. وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا. كما أننا نحكم على من مشى يوما وايلة أنه كان مسافرا، لحديث( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها ، وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين . وعليه عول مالك. ولكنه لم يحد هذا الحديث متفقا عليه، فقد روى مرة ((يوما وليلة) ودرة ( ثلاثة أيام)) ... ٢٧١٠٠٠ - ثم قال القرطبى: واختلفوا فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة. فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وماضارعها من صلة رحم .. واختلفوا فيما سوى ذلك . فالجمهور على جواز القصر فى السفر المباح كالتجارة وغيرها .... وعلى أنه لاقصر فى سفر المعصية كالباغى وقاطع الطريق وما فى معناهما ... ثم قال : واختلف العلماء فى مدة الإقامة التى إذا قواها المسافر أتم. فقال مالك والشافعى والليث بن سعد ..: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم ... وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم ، وإن كان أقل من ذلك قصر ٠.٠٠،(١) ٢ - ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر، وأن المراد بالقصر فى قوله (( أن تقصروا من الصلاة)) هو القصر فى الكمية أى فى عدد الركعات ، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين ، وأن حكمها للمسافر فى حال الأمن كحكمها فى حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا . وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه: وقوله - تعالى - ((إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية . إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة فى مبدئها مخوفة . بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزوعام، أوسرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله . والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له . كقوله - تعالى - ((ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا)) وقوله - تعالى - وربائیکم اللاتى فى حجور کے من نسائكم ... ، وما يشهد بأن المسافر أن يقصر سواء أ كان آمنا أم خائفا مارواه الترمذى والنسائى عن ابن عباس. أن النبى- صلى الله عليه وسلم -: خرح من المدينة إلى مكة لايخاف إلا الله رب العالمين فصلی ر کعتین »، (١) تفسير القرطبى ج ٥ ص ٣٥٤ وما بعدها . - ٣٧٧ - وروى البخارى عن حارثة بن وهب الخزاعى قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمن ما كان بمنى ركعتين)) .. وروى البخارى عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينه إلى مكة ، فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ... وروى مسلم وأحمد وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر ابن الخطاب. قلت له: قوله - تعالى -: «فليس عليكم جناح أن تقصروا مر الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... ، وقد أمن الناس ؟ فقال لى عمر: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته)). وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حفظظة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال: ركعتان. فقلت له: أين قوله ، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1) فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوقة فى تشريع صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفاً ، وأن قوله - تعالى - (( أن تقصروا من الصلاة، المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبى - صلى اللّه عليه وسلم - فى أسفاره، وأن القصر للصلاة فى السفر بالنظر لما كانت عليه فى الحضر . قالوا : وما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا فى عرفهم بنقص عدد الركعات، ملرواه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى أفقه عليه وسلم - (( انصرف من اثنتين - أى صلى الصلاة الرباعية ركعتين عن سهو - فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ ... )) (١) تفسير ابن كثير ج١ ص ٠٥٤٤ - ٣٧٨ هذا ؛ ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى صلاة الخوف ، وأن المقصود بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية - أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك - لأنهم يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهى تمام غير قصر . قال ابن كثير ما ملخصه: ومن العلماء من قال: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فى السفر والحضر ، فأقرت صلاة السفر، وزيد فى صلاة الحضر. قالوا : فإذا كان أصل الصلاة فى السفر هى اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية. لأن ماهو الأصل لا يقال فيه (( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة)). وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن عمر - رضى الله عنه - قال: صلاة السفر ركعتان؛ وصلاة الآضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان ببيكم محمد - صلى الله عليه وسلم(١))). وقال القرطبى: وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هى مبيحة للقصر فى السفر للخائف من العدو فمن كان آمنا فلا قصر له . روى عن عائشة أنها كانت تقول فى السفر: أنموا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله - صلى الله علیه وسلم - کان یقصر , فقالت : إنه كان فی حرب و کان يخاف وهل. أنتم تخافون؟ ... وذهب جماعة إلى أن الله - تعالى - لم يبح القصر فى كتابه إلا بشرطين: السفر والخوف وفى غير الخوف بالسنة .... (٢) (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥° (٢) تفسير القرطبي = ٥ ص ٣٦٢ - ٣٧٩ - ويبدو لنا أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر ؛ وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة بحيث يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين تخفيفا من الله - تعالى - عليه، سواء أكان فى حالة أمن أم حالة خوف، لأن النصوص التى ساقها الجمهور لتأييد رأيهم صريحة فى صحة ما ذهبوا إليه، ولأن القصر فى اللغة معناه أن تقتصر من الشىء على بعضه، وهذا أظهر ما يكون فى قصر الركعات على اثنين بدل أربع ، أما القصر فى الصفة أو الكيفية فهو تغيير فى الصلاة لا إتيان بالبعض، إذ هو إحلال للإيماء محل الركوع والسجود - مثلا - . وأيضا فإن ((من)) فى قوله (( أن تقصروا من الصلاة، تمكون أظهر فى الاقتصار على بعض الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض . ومن أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير ثم شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - ,(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولنأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرم وأسلحتهم ... . والمعنى: وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ,فأقمت لهم الضلاة )) أى : فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجراً ورعاية من اللّه وأنتم تقاتلون أعداءه، فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك ((فلتقم طائفة منهم معك)) أى فلتقم: جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو لیحر سوکم منهم . والضمير فى قوله (( وليأخذوا أسلحتهم » يعود إلى الرجال الذين معه. - ٣٨٠ - فى الصلاة. أى: ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون على أهبة القتال دائما . وقوله (( فإذا سجدوا)) أى: الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى. الركعة الأولى وأتموا الركعة ((فلميكونوا من ورائكم، أى: فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة. فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه . وقيل المعنى : فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم ، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعليه فيكون الضمير فى قوله , فليكونوا، يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة . وقوله: « ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرم وأسلحتهم، بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى: فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد «فليصلوامعك، الركعة الأولى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم. (١) راجع تفسير القرطبى ج ٥ ص ٣٥١ وما بعدها. وتفسير ابن كثير ج ١ ص ٥٤٤ وما بعدها .