النص المفهرس
صفحات 341-360
- ٣٤١ - وتماونها . وإذا كان القاتل فقيرا وأسرته فقيرة، فإن دية المقتولة كمون علی بيت مال المسلمين ، حتى لا يهدر دم القتيل. قال المهايمى : تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول والفروع. لأنه لما عفى عن القائل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه . ولا وجه لإهداردم المؤمن . فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهى العصبية ، لأن الغرم بالغنم . فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال(١))). والتعبير عن أداء الدين بقوله « مسلمة إلى أهله، يومى. إلى وجوب حسن الأداء بأن تسلم هذه الديه إلى أسرة القتيل بكل سماحة ولطف جهرا لخاطرها عما أصابها. والمراد بقوله (( إلا أن يصدقوا، أى: إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو والصفح . وعبر عن ذلك بقوله « يصدقوا، للإشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه بمنزلة الصدقة التى لهم ثوابها الجزيل عند الله - تعالى - لاسيما إذا كبان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة بأوايا. القاتل وشفقة عليهم، وفى الحديث الشريف (( كل معروف صدقة)). ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال: «فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ، .. أى : فإن كان المقتول خطأ ( من قوم عدو لكم) أى محاربين لكم ، (وهو مؤمن) أى وكان المقتول مؤمنا ولم يعلم به القائل، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم، أو أتاهم بعد أن فارقهم لأمر من الأمور ، فعلى القاتل فى هذه الحالة (تحرير رقبة مؤمنة) كفارة عن هذا القتل الخطأ، وليس (١) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٤٤٦ - ٣٤٢ - عليه دية، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار .. ولأن دفع الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن دفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا . روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: كان الرجل يأتى النبى - صلى ابته عليه وسلم - ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون. فيصيبه المسلمون فى سرية أو غزوة . فيعتق الذى يصيبه رقبة . ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق فقال - تعالى -: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق قدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ). أى: وإن كان المقتول خطأ (من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أى: من قوم بينكم وبينهم - أيها المؤمنون - عهد من هدفة أو أمان وهم على دينهم وأقم على دينكم ، فعلى القاتل فى هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل ، لأن حكمهم كحكم المسلمين، وعليه كذلك (تحرير رقبة مؤمنة) لتكون كفارة له عند الله . وقدم الديه هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء فى صدر الآية، للإشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل فى دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جعل الحكم فى قتل المعاهد كالحكم فى قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة ، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا المسلم الذى هو فى قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية: وإن كان أى المقتول المؤمن (من قوم) كفار بينكم وبينهم ميثاق) فعلى قاتله دية ( مسلمة إلى أهله ) من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوى قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين، أذ لا يرت الكافر المؤمن . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب الى الصواب، لأنه لو كان المراد بالمقتول خطأ هنا القتيل المسلم لكان مكرر! ولما كان هناك معنى لإفراده اذحكمه - ٢٤٢ - يكون داخلا فى قوله - تعالى - فى صدر الآية , ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله،. فلما أفرده - سبحانه - بالذكر علمنا أن المقصودبالقتيل هذا من قتل خطأ من قوم كفار بينناوبينهم ميثاق سواء أكان المقتول على ديننا أم على دينهم. وقد ذكر صاحب الكشاف هذا الوجه ولم يذكر سواه فقال: ((وإنكان من قوم)) - أى: وإن كان المقتول من قوم - كفرة لهمذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين)) (١) ومن العلماء أيضا من يرى أن دية المسلم والكافر سواء ومنهم من يرى غير ذلك . ٩٠ وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الرأيين بقوله : - تعالى - ((وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ... الآية ، أى : فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدفة فلهم دية قتيلهم . فإن كان مؤمنا قدبة كاملة وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل يجب فى الكافر نصف دية المسلم وقيل ثلثها کما هو مفصل فی کتب الأحكام ، (٢) ثم يين - سبحانه - الحكم عند عدم إستطاعة إعتاق الرقبة فقال : ((فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليما حكيما، أى : فمن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها فعليه فى هذه الحالة صيام شهرين متواصلين فى أيامهما، لا يفرق بينهم فطر، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد إبتداء الشهرين، إلا أن يكون الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم . وقوله - « توبة من اله، مفعول لأجله والتقدير: أى شرع الله لكم (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٥٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٥ - ٣٤٤ - ذلك قوبة منه أى قبولا لها ورحمة بكم ، من تاب الله على فلان إذا قبل قوبته . وهذه التوبة ليست من إثم القتل الخطأ، لأن الإثم مرفوع عن المخطى. كما فى الحديث الشريف « رفع عن أمتى الخطأوالنسيان وما استكرهوا عليه. وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبيت والتحقق ، ولكى يكون المسلم بعد ذلك متذكراً فلا يقع منه فى المستقبل ما وقع منه فى الماضى ، ولهذا قال الإمام الزيلعي : ( وبهذا النوع من القتل أى القتل الخطأ - لا يأثم أثم القتل، وإنما يأثم إثم ترك التحرز والمبالغة فى التثبت ، لأن الأفعال المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا . فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك الحرز » وقوله (( وكان الله عليما حكيما)، قدييل قصد به زجر الناس عن إتباع الهوى وعن مخالفة شريعته . أى. وكان الله وما زال عليما بالنفوس وخباياها وحر كاتها وبكل شىء فى هذا الكون: حكيما فى كل ماشرع وقضى. وسيحاسب الناس على أقوالهم وأعمالهم يوم القيامة . وسيجازيهم بما يستحقون من خير أو من شر. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أن المؤمن إذا قتل على سبيل الخطأ أخاه المؤمن أو قتل رجلا مل قوم كافرين ولكن بيننا وبينهم ميثاق أمان فعليه فى كل حالة من هاتين الحالتين عتق رقبة ودية. أما إذا قتل المؤمن رجلا مؤمنا ولكن كان من قوم كافرين محاربين لنا وليس بيننا وبينهم عمد ولاميثاق فعلى القاتل تحرير رقبة فقط . فإن لم يستطع تحرير رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين قوبة من الله . وبهذه الأحكام الحكيمة تربى النفوس على الاحتراس والاحتياط وأخذ الحذر ، وتصان الدماء عن أن تذهب هدرا وتعوض أسرة القتيل عن فقيدها بما يخفف آلامها ، ويجبر خاطرها، وتعوض الجماعة الإسلامية بتحرير رقبة مؤمنة تعمل لصالح الجماعة بحرية وإطلاق بعد أن كانت تعمل لخدمة سيدها فحسب . - ٣٤٥ ٠ ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمناً متعمداً فقال: ((( ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد 4 عذابا عظيما ، أى: ((ومن يقتل مؤمنا متعمداً، قتله، فجزاؤه)) الذى يستحقه بسبب هذه الجغاية الكبيرة ((جهنم خالداً فيها، أى باقيا فيها مدة طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله ((وغضب الله عليه) بسبب ما إرتكبه من متكر («ولعنه، أى طرده من رحمته ((وأعد له)) من وراء ذلك كله , عذابا عظيما، يوم القيامة. هذا وقد ، ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التى تهدد مرتكب هذه الكبيرة بالعذاب الشديد، وإختلفوا فى حكمها هل هى منسوخة أولا ؟ وهل للقاقل عمداً توبة أولا؟ وقد أفاض الإمام ابن كثير فى بيان كل ذلك فقال ما ملخصه : «هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم والذى هو مقرون بالشرك بالله فى غير ما آية. قال - تعالى - ((والذين لايدعون مع ألله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق .. )). والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدا . فمن ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء ، وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لايزال المؤمن معتقا - أى خفيف الظهر، سريع السير - ما لم يصب دما حراما . فإذا أصاب دما حراما بلح أى : أعيا وانقطع . وفى حديث آخر : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم،. ثم فقال : وقد كان ابن عباس يرى أنه لاتوبة لقاتل المؤمن عمدا. وقال البخارى : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال : - ٣٤٦ - سمعت ابن جبيرقال: اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى إبن عباس فسألته عنها . فقال: نزلت هذه الآية. ((ومن يقتل مؤمنا متعمداً ... ، هى آخر ما نزل وما نخهاشى .. وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال . سألت ابن عباس عن قوله - تعالى - ((ومن يقتل مؤمنا متعمداً ... ، فقال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم ؛ ولا توبه له ... ثم قال: والذى عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها . أن القاتل له قوبة فيما بينه وبين الله - تعالى - فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته . قال الله - تعالى - ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء)». فهذه الآية عامة فى جميع الذنوب ما عدا الشرك . وهى مذكورة فى هذه السورة الكريمة بعد هذه الاية وقبلها لتقوية الرجاء . والمراد بالخلود هنا المكث الطويل . وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج من الغار من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان ... وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فراد قائله الزجر والتوبة لا أنه يعتقد بطلان تو بته)، (١) والاية الكريمة ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤة جهنم ... ، الصواب فى معناها : أن جزاءه جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٦ - ٣٤٧ - لا يجازى بل يعفى عنه . فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مر تد . خلد فى جهنم بالإجماع. وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص . مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها . ولكن تفضل - سبحانه - فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحداً فلا يخلد هذا . وقد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يمضى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين . ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار. فهذا هو الصواب فى فی معنى الا ية ،(١). وبهذا نرى أن الاية الكريمة تنهى المؤمن فهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق، وقتوعد الذى يفعل ذلك يغضب الله عليه وطرده من رحمته ، وإلحاق العذاب العظيم به يوم القيامة . زه ه وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن القتل بدون تبين أو تثبت من أجل التوصل إلى عرض من أعراض الدنيا الفانية ، فقال - تعالى - : (( يأَيَُّ الذينَ آمنُوا إذا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبِيِّئُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إليكُم السَّم ◌َسْتَ مُؤْمِنَا تَبْقُونَ عَرَضَ الحياةِ الدّنياً، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَائِمُ كَثيرةٌ، كَذلكَ كُنتُم مِنْ قبلُ فِنَّ الهُ عليكُم فَبِيِّنُوا، إِنَّاللهَ كانَ بما تَعملونَ خَبِيراً (٩٤))) . روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها متقاربة فى المعنى. وقد حكى معظمها الإمام القرطى فقال ما ملخصه: (١) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٤٥٨. - ٣٤٨ - هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين مروا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة ينيعها فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حمل علية أحدهم فقتله - ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل - فلما ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - شق عليه ونزلت الآية ... حمل رسول: الله - صلى الله عليه وسلم - ديته إلى أهله ورد عليه غضماته. وقد قيل : إن القائل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط . وقيل: .إن القائل أسامة بن زيدو المقتول مرادس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك. وفى سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديد افتح المشركون المسلمين أكتافهم. حمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إنى مسلم . فطعنه فقتله. فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله هلكت. قال: (( وما الذى صنعت، مرة أو مرتين. فأخبره بالذى صنع. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه ،؟ فقال: (( يارسول اللّه لو شققت بطنه أ كنت أعلم مافى قلبه ؟قال: لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما فى قلبه ، ... ثم قال القرطبى: ولعل هذه الأحوال جرت فى زمان متقارب فنزلت الآية فى الجميع(١). والضرب فى الأرض: السير فيها. تقول العرب: ضربت فى الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره. وكأن السير فى الأرض سمى بذلك؛ لأنه يضرب الأرض برجليه فى سيره. والمراد بالضرب فى الأرض هنا: السفر والسير فيها من أجل الجهاد فى سبيل الله . وقوله ((فتبينوا)) معناه: فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون وتذرون. وقرأ حمزة ((فتثبتوا)). (١) تفسير القرطى - ، ص ٣٦٣. قال القرطبي: والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد. قال البخارى. وقرىء. بها كلها . واختار أبو عبيد ((السلام)). وخالفه أهل النظر فقالوا؛ السلم منا. أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام. كما قال - تعالى - «فألقوا السلم ما كنا تعمل من سوء . والمعنى: يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق، إذاخرجتم من بيوتكم وسرتم فى الأرض من أجل الجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ((فتبينوا، أى فاطلبوا. بيان الأمر فى كل ما نأتون وما نذرون، واحذروا أن تضعوا سيوفكم فى غير موضعها . فان الأصل فى الدعاء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها، وقد حرم الله - تعالى - قتل النفس إلا بالحق. والتبين والتثبت فى القتل واجب حضراوسفرا. وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التى نزلت فيها الآية وقعت فى السفر . وقوله (( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا)، أى: تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا فی کل أحکامکم وأفعالكم، ولا تقولوا من أظهر الانقياد لدعوتكم، دينكم فنطق بالشهادتين أو حيا كم بتحية الإسلام. لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ماقلت بلسانك فقط لتأمن القتل. بل الواجب. عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، فان علم السرائر والبواطن إنما هو ش - تعالى - وحده . وجملة ( أست مؤمنا) مقول لقوله ( لا تقولوا: أى لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره أمامكم وفى «ذا من الفقه - كما يقول القرطبى - باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. ولقد كان عمر بن الخطاب-رضى اللهعنه- ینهى عن قتلمن اعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتا به، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا فى ماله لا يكون جهادهم خالصا لله، ولا تكون أعمالهم محل رضا انه ۔ تعالی۔۔ ولذا قال - سبحانه -: - ٣٥٠ -. ( تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة). والابتغاء : الطلب الشديد والرغبة الملحة . وعرض الحياة الدنيا : جميع متاعها وأموالها . وسمى متاع الدنياعر هنا، لأنه مهما كثر فهر زائل غير دائم ، وعارض غير باق . قال الراغب: والعرض - بفتح الراء والعين - مالا يكون له ثبات. ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر . وقيل: الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لاثبات لها ، (١)، والمغام : جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو ، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول . والمعنى: تثبتوا - أيها المؤمنون - فى كل أقوالكم وأعمالكم، ولا تتمجلوا فى أحكامكم ، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا ، فإنما فعلت ذلك تقية؛ ثم تقتلوفه . مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل، وعرضها الفانى، إن هذا المسلك يتنافى مع الإيمان الصادق والجهاد الخالص . ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من ألله وحده، فان خرائنه لا تنفد، وعطاءه لا يحد، ولا بطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر الإسلام أو النمس منكم الأمان . وقوله (تبتغون عرض الحياة الدنيا ) حال من فاعل (لا تقولوا) لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما فى قولك : لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر ، بل على أنه راجع إليهما جميعا. أى: لا تقولوا له ذلك ولا تبتغوا العرض الفانى . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تتناسب مع الإيمان الكامل ، ومع الهدف الذى خرجوا من أجله : وهو إعلاء كلمة الله تعالى - وضم أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التى جاءبها. النبى - صلى الله عليه وسلم - . (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ض ٠٣٣١ وقوله (فعند التّه مغانم كثيرة ، تعليل للنهى عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكافة قال: لا تعودوا إلى ما لتموه من قتل من ألقى إليكم السهم طلبا لماله، فان الله - تعالى - عنده مغانم كثيرة، وفى مقدوره أن يغنيكم من فضله ؛ فالجأوا إلى جنابه وحده، وخصوه بالسؤال، وأخلصوا له العمل. وقوله (( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا، تعليل للنهى عما قالوه وما فعلوه . ٩ أى: أنتم - أيها المؤمنون - كنتم من قبل مثل ذلك الذى ألقى إليكم السلم، فقد كنتم فى أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق بالشهادتين و تبادل تحية الإسلام ، فمى الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة وعضم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. وإلى هذا الممن اتجه صاحب الكشاف فقد قال: قوله ( كذلك "كنتم من قبل ( أول ما دخلتم فى الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة خصنت من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام فى المكانة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا أصدق النية ، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله)(١). فاسم الإشارة راجع إلى (من) فى قوله: ( لمن ألقى إليكم السلم) . ويجوز أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى الحالة التى كانوا عليها فى ابتدا. إسلامهم. أى كحال هذا الذى يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل. وقد رجح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه: قوله ( كذلك كنتم من قبل) أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم فى قومكم من المشركين، وأنتم مقيمون بين أظهرهم ، كما كان هذا الذى قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين (١) تفسير الكشاف = ١ ص ٠٥٤٣ - ٢٥٢ - مستخفيا بدينه منهم (فمن الله عليكم ) أى: فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم منكم بإظهاردينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيد، وعبادته .. )(١). والذى يبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذين لتفسيرين، إلا أن التفسير الأول الذى جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية؛ لأن المقصد الرئيسى الذى تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن أظهر الإسلام وعن الاعتداء عليه. وأمرهم بان يعاملوا الناس بظواهرهم أما بواطنهم فامرها إلى الله وحده . والفاء فى قوله (فتبينوا) فصيحة. أى: إذا كان الأمر كذلك فتبينوا نعمة الله عليكم ((ودارموا على شكرها، وقيسوا أحوال غيركم بما سيق من أحوالكم ، واقبلوا ظواهر الناس بدون خص عن بواطنهم، ولا تصدروا أحكاءكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها : ولا تشهروا سيوفكم فى وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم. و قوله : ( إن الله کان بما تعملون خبيرا) قذییل قصد به تحذير هم من مخالفة أمره . أى . إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها ، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه، لا يخفى عليه شيء من ظواهركم وبواطنكم ، وسيحاسبكم على كل ذلك ، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم. نتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من إهدار دمه وماله وأهله . كما أخذوا منها وجوب التثبت فى الأحكام وفى الأقوال. وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك . (١) تفسير الطبري جـ ٥ ص ٢٢٦ - ٢٥٢ - قال الفخر الرازى : اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة فى تحريم قتل المؤمنين . وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف(١). وقال بعض العلماء: وقد دلت الآية على حكمة عظيمة فى حفظ الجامعة الدينية ، وهى بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة ، وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده ، وكما بتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه . وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق ، إذ قد أصبحت التهمة فضل الصادق والمنافق. وانظر معاملة النسبى - صلى الله عليه وسلم - المنافقين معاملة المسلمين . على أن هذا الدين سريع السريان فى القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة . إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم. فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا . وما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين . ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال ((فتبينوا، تأكيدا لقوله ((فتبينوا) المذكور قبله .. (٢) ٠٠ ٠ وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم عند جهادهم عن التعجل فى القتل ... أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين فقال - تعالى - (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص٢ (٢) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الظاهر بن عاشور جـ ٥ ص ٠١٦٨ (٢٣ - سورة النساء} ((لاَ يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ - غيرُ أُولِىِ الضَّرّرِ - والمجاهِدُونَ فى سبيلِ اللهِ بِأَمْوَ الهِمِ وأَنْفُسِهِم، فَضَّلَ اللهُ المجاهِدِينَ بأَمْوَالهِمِ وأَنْفُسِهِم عَلَى القَاعِدِينَ درجَةً وَكَلاَّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى، وَفَضْلَ اللهُ المجاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجراً عظيماً (٩٥) دَرَجَاتٍ منهُ ومَنفرةً وَرَحمَةً وَكَانَ اللهُ غفوراً رَحِيماً (٩٦))). فال الآلوسي: قوله - تعالى - ((لا يستوى القاعدون٠٠٠)) شروع فى الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه. والمراد بالقاعدين: الذين أذن لهم فى القعود عن الجهاد أكتفاءا بغيرهم. وروى البخارى عن ابن عباس: هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ماقيل. وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عر تبوك. وروى أن الآية نزلت فى كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف. وهلال بن أمية من بنى واقف حين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الغزوة))(١). وقوله ((غير أولى الضرر) جملة معترضة جىء بها لبيان أنهم غير مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين فى الأجر . والضرر: مصدر ضرر مثل مرض. وهذه الزفة تجىء - غالبا - فى العاهات ونحوها ، مثل عمی وحصر وعرج ورمد . والمراد بقوله ((غير أولى الضرر)) أى: غير أصحاب العلل والأمراض التى تحول بينهم وبين الجهاد فى سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف أو غير ذلك من الأعذار . وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ((غير أولى الضرر)) (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٢١ - ٣٥٥ - روايات منها ما أخرجه البخارى عن البراء قال: لما نزلت ((لا يستوى القاعدون من المؤمنين٠٠، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا فكتبها جاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته. فأنزل الله: غير أولى الضرر،(١). وقال القرطبى: روى الأئمة - واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغشيته السكينة فوقعت نفذ رسول الله - صلى الله علية وسلم - على غذى فما وجدت ثقل شىء أثقل من نفذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- ثم سرى عنه فقال : ((أكتب، فكتبت فى كتف ــ أى فى عظم عريض كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم - ((لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل اته ... الآية ). فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهادمن المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشات رسول الله السكينة فوقعت خذه على تغذى. ووجدت من نقلها فى المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فقال: اقرأ يازيد. فقرأت: ((لا يستوى القاءدون من المؤمنين .. )) فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم (( غير أولى الضرر) الآية كلها . قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها. والذق نفسى بيده لكانى أنظر إلی ملحقها عند صدع فى، كتف ،(٢) والمعنى: لا يستوى عند الله - تعالى - الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء كلمة الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك، لا يستوى هؤلاء مع الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الذين قعدوا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ صـ ٠٥٤٠ (٢) تفسير القرطبى = ٥ ص ٠٣٢٢ عن الجهاد لأعذار تمنفهم عن مباشرته، فإن نيتهم الصادقة سترفع منزلتهم عند الله - تعالى -، وستجعلهم فى مصاف المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أو قریبین منهم . ویشهد لذلك ما رواه البخاری و أبو داود عن آنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - وهو يسير إلى تبوك: ((إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه . قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة قال : نعم حيسهم العذر ، . قال ابن كثير : وفى هذا المعنى قال الشاعر : سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ومن أقام على عذر کمن راحا إنا أقنا على عذر وعن قدر وقوله: ( لا يستوى ٠٠) نفى الاستواء المجاهدين والقاعدين، والمقصود بهذا النفى التعريض بالمفضول لتفريطه وزهده فى الخير، وحض على الاقتداء بمن هو أفضل منه، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى المجاهد فى الفضل والثواب . فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض بالقاعدين ليتأسوا بالمجاهدين ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء ؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن اتخطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفى ارتفاع طبقته، ونحوه : (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم ) ، وقوله ( من المؤمنين) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القاعدين. وفائدة قوله : ( من المؤمنين ) الإيذان من أول الأمر بأن قعودهم عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإيمان، لأن قعودهم عن الجهاد لم يكن عن نفاق - ٣٥٧ - أو عن ضعف فى دينهم ، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ببعض الأمور الدنيوية . قال الجمل (وقوله: غير أولى الضرر): قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم (غير) بالرفع: وقرأ الباقون بالنصب . وقرأ الأعمش بالجر. فالرفع على وجهين : أظهرهما أنه على البدل من (القاعدون). وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفى والبدل معه أرجح ... والثانى: أنه رفع على أنه صفة لقوله ( القاعدون) لأنهم لما لم يكونوا أناساً بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوابها . وأما النصب فعلى : الاستثناء من ( القاعدون) وهو الأظهر ، لأنه المحدث عنه . وأما الجر فعلى أنه صفة المؤمنين(١)). وقوله : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى) ببان لمزبة المجاهدين على غيرهم . والمراد بالقاعدين هنا - الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مافع من مباشرته أى: فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز دينه ، فضلهم درجة على القاعدين بأعذار، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر والأهوال ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله . والدرجة هنا مستعاره للعلو المعنوى أى أن المراد بها هو الفضل، ووفرة الأجر وزيادة الثواب . والتنوين فيها للتعظيم . قال ابن جرير : فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من (١) حاشية الجمل على الجليلين = ١ ص ٤١٥ - ٣٥٨ - أولى الضرر درجة واحدة، يعنى فضيلة واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم. فأما فما سوى ذلك فهما مستويان(١))). وقوله ( كلا وعد الله الحسنى) جملة معترصة جىء بها تداركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول . أى : وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده اللّه المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت فى زياده العمل المقتضى لمزيد الثواب . وقوله (كلا) مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه . وقوله (الحسنى (مفعول ثان. ثم بين - سبحانه - أنه قد فضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة فقال (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما). أى: وفضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن يكون هناك عذر يمنعهم عن الجهاد ، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر العظيم والثواب الجزيل ، والمنزلة الرفيعة . وقوله ( أجرا عظيما) منصوب على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع، لأن الأجر هو ذلك التفضيل . أو على نزع الخافض أى فضلهم بأجر عظيم . أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل معنى أعطى أى أعطاهم أجرا تفضلا منا . ثم فصل - سبحانه- هذا الأجر العظيم فقال (درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما). أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجماد بغير عذر بالأجر العظيم؛ الذى يرفعهم عند الله - تعالى- درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه، ويغفر لهم مافرط منهم (ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته . (١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٢٣١ - ٣٥٩ وقوله (( درجات منه)، بدل أو عطف بيان من قوله (( أجرا عظيما)). وقوله «منه، جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات. وفكرت الدرجات للإشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر ، ولا يعينها المقدار، بل هى شرف عظيم لا يتاله إلا المقربون الأبرار. هذا ، وماجرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة، ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثيرمن المفسرين، وقد عبر عنه صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: قد ذكر الله - تعالى -- مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم ؟ قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء. وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم فى التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية .... (١). ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدر جةوبدر جات هم صنف واحد، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر، أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون فى الأجر مع المجاهدين . وعلى هذا الرأى سار الآلوسى فى تفسيره فقد قال ما ملخصه : « فضل الله المجاهدين ، فى سبيله ((بأموالهم وأنفسهم على القاعدين، من المؤمنين غير أولى الضرر (درجة) لا يقادر قدرها ... (وكلا) أى : كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين (وعد الله الحسنى) ... وقوله (وفضل الله المجاهدين على القاعدين ) عطف على ماقبله ( أجرا عظيما) .... ثم قال: ولعل تكرير التفضيل بعطريق العطف المغىء عن المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه ... إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف (١) تفسير الكاف ج ١ ص ٥٥٤ - ٣٦٠ ٢٠٠ الذاتى تمهيداً لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير ... وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات ... ، (١) وقد حكى الإمام القرطبى هذين الوجهين فقال: قوله - تعالى - ,فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ، وقد قال بعد هذا: (( درجات منه ومغفرة ورحمة)) فقال قوم: التفضيل بالدرجه ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة. وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات ... )) (٢) والذى نراه أولى من هذين القولين قول من قال بأن الله - تعالى ... فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة ، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة . فقد قال ابن عباس فى قوله - تعالى - فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، أراد بالقاعدين هذا أولى الضرر (٣) ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجراً .. وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية ، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ماتقتضيه حكمته وسعة رحمته . هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال وأن المجاهدين لهم عند الله - تعالى - منازل عالية. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله (١) تفسير الالوسى جـ ٥ ٥ ١٢٣ (٢) تفسير القرطبى = ٥ صـ ٢٤٤ (٣) حاشية الجمل على الجلالين - ١ صـ ٤١٥