النص المفهرس

صفحات 321-340

-٣٢١ -
ومقيتا : أى مقتدرا. من أقات على الشىء اقتدر عليه . ومنه قول الزبير
ابن عبد المطلب :
وذى ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتاً
أى: وكنت على رد إساءته ،تقتدراً.
أو مقيتا: معناها حفيظا من القوت وهو مايمسك الرمق من الرزق ونحفظ
به الحياة :
والمعنى: وكان الله تعالى - ومازال على كل شىء مقتدرا لا يعحزه شىء،
وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شيء من ذلك، وسيجازيهم بما يستحقون
من ثواب أو عقاب .
هذا وقد وردت أحاديث متعددة فى الحض على الشفاعة الحسنة ، ومن
ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: «كان النبى صلى الله عليه
وسلم - إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلساته فعال: اشفعوا تؤجروا ويقضى
أقه على لسان نبيه ماأحب )».
قال صاحب الكشاف: والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم ،
ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير ، وأبتغى بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها
رشوة، وكانت فى أمر جائز، لا فى حد من حدود الله ولافى حق من الحقوق
يعنى الواجبة عليه . والسيئة ما كانت بخلاف ذلك . وعن مسروق: أنه شفع
شفاعة . فأهدى إليه المشفوع له جارية . فغضب وردها. وقال: لوعلت
مافى فلبك ما تكلمت فى حاجتك . ولا أنكام فيما بقى منها،(١) .
وبعد أن أمر الله تعالى - عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة،
أتبع ذلك بتعليمهم أدب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال
- تعالى -: (( وإذا حييتم بتحية فيوا بأحسن منها أو ردوها)).
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٥٤٢
(٢١ - سورة النساء)

- ٣٢٢ -
والتحية : تفعلة من حبيت ؛ والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا
الياء فى الياء. قال الراغب: أصل التحية من الحياة، بأن يقال حياك الله، أى:
جعل لك حياة، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية . يقال : حيا فلان فلانا
تحية إذا قال له ذلك ... )،(١)،
وكان من عادة العرب إذا لقي بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة :
حياك الله فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن قول المسلم لأخيه
المسلم : السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة الله وبركاته.
قال ابن كثير: قوله - تعالى .. (( وإذا حييتم بتحيه خيوا بأحسن منها
أو ردوها)، أى: إذا سلم عليكم المسلم فرد واعليه بأفضل ما سلم ، أوردوا عليه
بمثل ما سلم. فالزيادة مندوبة والمائله مفروضة ... فعن سلمان الفارسى قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - فقال: السلام عليكم يارسول الله.
فقال(«وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يارسول
اته ورحمة الله ، فقال له رسول الله صلى عليه وسلم: «وعليك السلام ورحمة
الله وبركاته . ثم جاء ثالث فقال: السلام عليك يارسول الله ورحمة الله
وبر كاته فقال له: (وعليك ) فقال له الرجل : يارسول الله، بأبي أنت
وأمى أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر ما رددت على. فقال
(إنك لم تترك لنا شيئا) قال الله - تعالى -: (وإذا حييتم بتحية فيو ابأحسن
منها أو ردوها فرددناها عليك). وفى الحديث دلالة على أنه لازيادة فى السلام
على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . إذ لوشرع أكثر من ذلك
لزاده رسول الله - صلى عليه وسلم(٢).
فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من
يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم، لأن إفشاءما يؤدى إلى توثيق علاقات
المحبة والمودة بين المسلمين .
(١) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ١٤٠.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٣١

- ٣٢٣ -
وقد ورد فى الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها مارواه مسلم فى
صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه
تحابتم؟ أفشوا السلام بينكم».
وقر له (( إن الله كان على كل شىء حسبيا، تذييل قصد به بعث الناس على
امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه .
أى: إن الله - تعالى - كان ومازال مهيمنا على عباده، بصيراً بكل
أقوالهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، وسيحاسب.
الناس يوم القيامة على أفعالهم، وسيجاز بهم عليها بما يستحقون (فمن يعمل
مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرايره)).
وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذى يفعل ما أمره الله - تعالى -
يفعله ، ويحتقب ما أمره الله - تعالى - باجتنا به .
هذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا فى كيفية السلام وفى فضله ، وفى
بعض أحكامه المأثورة، فارجع إلى كلامهم إن شئت(١).
ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعاً إليه يوم القيامة فقال - تعالى :-
(«الله لا إله إلا هو ليجمعتكم إلى يوم القيامة لاريب فيه ... )).
أى: الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذى لامعبود بحق سواه، كتب
على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشر نكم إلى الحساب فى يوم القيامة الذى
لاشك في حصوله ووقوعه .
فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هى لله رب العالمين ، كما قررت
أن يوم الحساب آت لاشك فيه مهما أفكره الملحدون، ومارى فيه الممارون.
(١) راجع القرطبى ج ٥ ص ٢٩٨. والألوسى ج ٥ ص ٠٩٨ والفخر
الرازى ج ١ ص ٠٢٠٨

- ٣٢٤ -
ولفظ الجلالة مبتدأ، وجملة (( لا إله إلا هو، خبر. وقوله (ايجمنكم .. ).
جواب قسم محذوف. أى والله ليحشرفكم من قبوركم للحساب يوم القيامة .
والجمله القسمية إما مستأنفة لامحل لها من الإعراب، أو هى خبر ثان للميتدأ
أو هى الخبر وجملة لا إله إلا هو معترضة .
وقوله ( لاريب فيه ) فى محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير فى قوله
(فيه) يعود إلى اليوم. ويجوز أن يكون فى محل نصب على أنه نعت لمصدر
محذوف دل عليه ليجمعنكم أى : ليجمعفكم جمعا لاريب فيه .
والاستفهام فى قوله - تعالى - ( ومن أصدق من اله حديثاً) للإفكار
والنفى أى : لا يوجد فى هذا الوجود من هو أصدق من الله - تعالى فى حديثه
وخبره ووعده ووعيده، وذلك لأن الكذب قبيح، والله - تعالى - ، منزم
عن كل قبيح . ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة ، أو لدفع مضرة، أو
لجهله بقبح الكذب ... والله - تعالى - غنى عن كل شىء، وقدير على كل شىء
وخالق لكل شىء، ومن كان كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه
کل حق وصدق و عدل .
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن أحوال المنافقين ، وبينت حكم
الله - تعالى - فيهم ، ورسمت للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى:
((فَلَكُ فى المنَفِقِينَ فِئَتْنٍ وَاللهُ أَزْكَسَهُمْ بماَ كَسْبُوا، أَمْرِيدُونَ
أَنْ تَهدُوا مَنْ أَضْلَّ اللهُ؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فلنْ تَجِدَ لهُ سيلاً (٨٨).
وَذُوا لو تَكْفُرُونَ كَماَ كَفَرُوا فتكونُونَ سواءٍ ، فلا تَتَّخِذُوا مِنهم
أَوْليَ، حتى يهَاَ جِرُوا فى سبيلِ اللهِ، فإنْ تولَّوْا فَخُذُوهُ وَاقْتُلُومُ حَيثُ
وَجَدْتُمُومٍ، وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهم وليًّ ولاَ نَصِيراً (٨٩) إلاَّ الذِينَ يَصِلُونَ
لى إقومٍ بَيْكُ وينَهم ميثاقٌ أو جَاءُولُ حَصِرَتْ صُدُ ورُمُ أَنْ

- ٣٢٥ -
◌ُقاتلوكُ أو يُقَتِلُوا قومَهم، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُم عليكمٍ فَتُوكُم،
فإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَ يَقَاتِلُوكُمْ وَالْقَوْا إليهُ السََّم ◌َا جَعَلَ اللهُ لِكُـ
عليهِمْ سبيلاً (٩٠) ستَجِدُونَ آخرِينَ يُرِيدُوذَ أَنْ يَأْمنُوكُمْ ويأْمُنُوا
قومَهم كُلّا رُدُّوا إلى الفتنةِ أُزْكِسُوا فيها، فإِنْ لم يَعْتَزِلَولُم وَيُلْقُوا
إليكمُ السَّمَ وَيَكُفُوا أَيْدِيهُمْ فَخُذُوهُ وَاقْتُلُوهُ حَيثُ نَقِفِتُومُ ،
وأولئكُمْ جَعَلَنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانًا مُبِيناً (٩١) )).
أو رد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - (فما لكم فى المنافقين
فتين ... ) روايات أهمها روايتان. أولهما أن هذه الآية نزلت فى شأن
المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة أحد . وذلك أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى أحد ومعه المسلمون. وفى
الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقالوا ( لو فعلم قتالا
لاتبعناكم) فاختلف أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فى شأن هؤلاء
المنافقين . فقال بعضهم : نقتلهم فقد كفروا.
وقال آخرون: لم يكفروا. فأنزل الله - تعالى - الآية. فقال رسول
أنه - صلى اله عليه وسلم - (إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث
الحديد ) :
أما الرواية الثانية فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإسلام
بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جرير عن بنعباس
أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فرجوا
من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم
بأس . وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجو من مكة ، قالت قة من
المؤمنين: اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت

-
فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله : - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا
بمثل ما تكلمتم به ؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم
وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين. والرسول - صلى الله عليه وسلم - عندهم لا ينهى
واحداً من الفريقين عن شىء، فنزلت: زقما لكم فى المنافقين فئتين) . .
وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ذكرها
المفسرون(١).
ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع
التاريخى ، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم، وإنما
استعمل معهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسائل أخرى أدت إلى نبذهم
وهو ان أمرهم، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( فلا تتخذوا منهم أولياء
حتى يها جروا) يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة، وإنما
المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة ، إذ لا هجرة من
المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها ، لأنها دار الإسلام،
ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية .
وقد رجح الإمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته الرواية الثانية فقال
ما ملخصه : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية
فى اختلاف أصحاب رسول الله فى يوم كانوا قد ارتدوا عن الإسلام بعد
إسلامهم من أهل مكة . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله - تعالى -
بعد ذلك (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يها جروا) أوضح دليل على أنهم كانوا
من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله إلى داره ومدينته
من سائر أرض الكفر . فأما من كان من المدينة فى دار الهجرة مقيما من
المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض مجرة ... )(٢).
(١) راجع الألوسى ج ٥ ص ١٠٧ وتفسير الفخر الرازى = ١٠ ص٢٨١
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٩٤

٠ ٣٢٧ -
والفاء فى قوله (( فالـكم ،التفريع على ما تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم
أو هى الافصاح ورما، مبتدأ و((لكم)) خبره.
قال الجمل: وقوله (( فى المنافقين، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق
بما تعلق به الخبر وهو ((لكم)) أى: أى شىء كان لكم أو مستقر لكم
فى أمر المنافقين . والثانى: أنه متعلق بمعنى مئتين ، فإنه فى قوة : مالكم
تفترقون فى أمر المنافقين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، والثالث
أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين ، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره:
فئتين مفترقتين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا .
وقوله (( فئتين)) حال من ضمير ((لكم، المجرور والعامل فيه الاستقرار
أو الظرف لنيابته عنه ... ))(١) .
والاستفهام لإنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا
الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعوا إلى سوء الطن بهم .
والمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين
ما يكشف عن خبتهم ومكرهم ، وبينت لكم من صفاتهم مايدعو إلى الحذر
منهم وسوء الظن بهم ، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذى سوغ لكم أن تختلفوا
فى شأنهم إلى فئتين ؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة
الفراسة ، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشرقد استحوذعلى المنافقين أعرضت
عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذى رضيه
الله - تعالى . .
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك
المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف فى شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم
قوم بعيدون عن الحق والإيمان . ومنخمسون فى الضلال والبطلان .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٠٤٠٨

- ٣٢٨ -
وقوله ( والله أركسهم بما كسبوا ) حال من المنافقين مفيد لتأكيد
الإنكار السابق أى: لم تختلفون - أيها المؤمنون - فى شأن المنافقين هذا
الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب
أقوالهم الأثيمة ، وأعمالهم القبيحه .
وقوله ( أركسهم ) من الركس وهو رد أول الشىء على آخره. يقال:
ركس الشىء يركسه ر كسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحده
والاستفهام فى قوله ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) للانسكار على من
أحسن الظن بأولئك المنافقين .
أى: أزيدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن به ؤلاء المنافقين أن تعدوم
من جملة المهتدين ، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال، لأنهم قد
استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغى على الرشد .
وقوله ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أى: ومن يكتب الله عليه
الضلالة، فلن تجد أحداً يهدبه ويرشده، لأن قضاء الله لا يتبدل ، وقدره
لا يتخلف .
وقوله - تعالى - ((ودوا لوتكفرون كما كفروا فتكونون سواء) كلام
مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديهم الإضلال غيرهم إثر
بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم .
أى: أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون-
لا يكتفون بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث
تكونون أنتم وهم متساوين فى الكفر والنفاق ، وإذا كان هذا هو حالهم
فيكيف تطمعون فى إيمانهم ؟ وكيف تحسنون الظن بهم ؟
ولو فى قوله ((ودوا لوتكفرون)، مصدرية . أى تمنوا كفركم . وقوله
((كما كفروا)) نعت لمصدر محذيف: أى منوا أن تكفروا كفراً مثل كفرهم.

٣٢٩٠-
وقوله (فتكونون سواء) معطرف على قوله (لوتكفرون) ومفرع
عليه . أى: ودوالوتكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر
والنفاق .
وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإرادة فى قوله ( أنزيدون أن
تهتدوا من أضل الله) وفى جانب محاولة المنافقين بالود؛ لأن الإرادة ينشأ
عنها الفعل . فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين ، لأن الإيمان
قريب من فطرة الناس وعقولهم . والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لارتدين
عن دينهم، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين
إلا كلون من التمنى الذى لاأمل فى تحققه، فعبر عنه بالود المجرد ، أى ودوا
ذلك ولكنه ود بعيد التحقق .
وقوله ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى بها جروا فى سبيل الله ) نهى من الله
- تعالى - للمؤمنين عن موالاة المنافقين حتى يصدر منهم مايدل على إقلاعهم
عن النفاق والضلال .
والفاء فى قوله: ( فلا تتخذوا .. ) للإفصاح عن شرط مقدر. والتقدير
إذا كان هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا
عنهم أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من
أجل إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار
الإيمان التى تقيمون فيها، وينضمون إليكم لنصرة الحق، ودفع الظلم.
قال الفخر الرازى ماملخصه: (دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة
المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقه ... لأن أعز الأشياء وأعظمهاعن.
جميع الخلق هو الدين، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله ، ويتوسل به
إلى السعادة ... وإذا كان الأمر كذلك. امتنع طلب المحبة والولاية فى
الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ... ودلت على إيجاب
الهجرة بعد الإسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويها جروا -

- ٣٣٠ -
وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة. ونظيره قوله -
تعالى - ( مالكم من ولا بتهم من شىء حتى يهاجروا).
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة.
هفى الحديث الشريف: أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين . وأنا
برىء من كل مسلم مع مشرك). فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة .
ثم نس فرض الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال يوم فتح مكة (لاهجرة بعد الفتح ولکن جهاد و نية ). وروى عن
الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من أقام فى دار الحرب فرأى فرض الهجرة
إلى دار الإسلام قائما )(١).
وقوله: ( فإن تولوا خذوهم واقتلوهم حيث وجد تموهم ، ولا تتخذوا منهم.
ولياً ولا نصيراً ) بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا
فى غيهم وضلالهم .
والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى
فلا تعتبرو إسلامهم، بل خذوهم فى الأسر، وضيقوا عليهم ( واقتلوهم حيث
وجدتموهم ) لأنهم أعداء لكم (ولا تتخذوا منهم) فى هذه الحالة (ولياً)
توادونه وتصادقونه ( ولا نصيراً) تنتصرون به على أعدائكم، لأن ولاية
هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال.
- تعالى - (لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ... ).
فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل أولئك المنافقين الذين ظهر الكفر منهم.
وتنهاهم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم.
وقوله: ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) استثناء من
الضمير المنصوب فى قوله (نفذوهم واقتلوهم ).
1.
(٠) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٢٢١

١١١٠ -
وقوله ( يصلون) بمعنى يلتجعون ويتصلون. الميثاق العهد الموثق.
والمعنى: أن الله - تعالى - يأمر كم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا وتقتلوا
أولئك المنافقين الذين أظهر واكفرهم وتمنوا أن تكونوامثلهم، وامتنعوأ
عن الهجرة إلى دياركم، وينها كم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم ، لكنه -
سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناما التجأوا
واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار
حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.
وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم وين المسلمين
عهد أمان، فقيل: هم الأسلميون، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وقت
خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه،
وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذى هلال. وقيل
هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة)(١).
وقوله: ( أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم )
عطف على صلة الذين وهو قوله ( يصلون ... ).
ومعنى حصرت: ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ضيق الكلام
على المتكلم . ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق .
أى: خذوا واقتلوا ... أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم،
ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، ولا
تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم، وانقبضت
صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال
قومهم لأنهم منهم، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم
أو ذوى أرحامهم .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠٤٠٨

- ٠٢٣٢
فأنت ترى أن الاستثناء فى قوله (( إلا الذين يصلون إلى قوم ... ، قد
أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس :
الفريق الأول: هو الذى ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم
الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم
من التجأ إليهم فى الأمان .
والفريق الثانى: هو الذى جاء إلى المؤمنين ، سالما وترك قومه، إلا أنه
فى الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاقل قومه لأنهم
قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لوقاقلهم للحقه الضرر فى ماله أو ذريته ...
وقوله : (( حصرت صدورهم فى موضع نصب على الحال بتقدير قد كما
يرى بعضهم. وبعضهم لايرى حاجة لتقديرها، لأنه قد جاء الفعل الماضى
خالا بغيرها كثيراً .
وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل ((جاؤا، أى: جاؤوكم
حالة كونهم حصرت صدورهم .
وقوله: (( أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، مجرور بحرف جر مقدر أى:
حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . أو هو فى محل نصب
على أنه مفعول لأجله . أى حصرت صدورهم كرامة تتالكم أو قتال قومهم.
والمراد بالفريق الثانى بغو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم عن الحسن أن
سراقة بن مالك المدلجى -حثهم فقال : لما ظهر النبى - صلى الله عليه
وسلم - على أهل بدر وأسلم من حولهم ، قال: بلغنى أنه يريد أن يبعث خالد
ابن الوليد إلى قومى بنى مدلج. فأتيته فقلت: أنشدك التعمة . بلغني أنك تريد
أن تبعث إلى قومى. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلمقومك أسلمواودخلوا
فى الإسلام . وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم . فأخذ رسول اقه
. صلى الله عليه وسلم - بيد خالد فقال: اذهب معه فافهل ما يريد . فصالحهم

- ٣٢٣ -
خالد على أن لا يعينوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن أستمت
قريش أسلوا معهم، فأنزل الله الآية (١).
وقوله (( ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، بيان لمظهر من مظاهر
فضل الله ورعايته للمؤمنين .
أى: ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى نلوبهم، وجرأهم
عليكم، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحداً، ولكنه - سبحانه - لم
يشأ ذلك ، بل ألقى الرعب فى صفوف أعدائكم ، وجعل منهم من يسالمكم
ويأتى إليكم موادعا .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة.
على المؤمنين ؟ قلت : ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم . ولوشاء
لمصلحة براها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه . فكانوا متسلطين مقاتلين غير
مكافين فذلك معنى التسليط)» (٢).
وقال القرطبى: قوله - تعالى - ((ولو شاء الله لسلطهم عليكم، تسليط الله
المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ، ويقويهم إما عقوبة ونقمة
عند إذاعة المنكر وظهور المعاصى. وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى -.
((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوكم أخباركم)) وإما.
تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - ((وليمحص الله الذين آمنوا)). ولله أن يفعل
ما يشاء وبسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء .
ووجه النظم والاتصال بما قبل . أى : اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم
إلا أن يها جروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا
فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاموكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم
أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيبكم فلا تقتلوم)، (٢).
(١) تفسير إن كثير ج١ ص ٥٢٣ (٢) تفسير الكشاف×١ ص٥٤٨.
(٣) تفسير القرضى جه ص٣١٠

- ٢٣٤ -
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله , فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم
وأقوا إليكم السلم فا جعل الله عليهم سبيلا)).
أى: أن هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - من الأخذ والقتل ، اقبلوا
مسالمتهم((إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسو.، وكفوا عن قتالهم إذا
ألقوا إليكم السلم، أى: إذا انقادوا للصلح والأمار ورضوا به. وهم متى
فعلوا ذلك , فما جعل الله لكم عليهم سبيلا، أى: فما أذن الله لكم فى أخذم
وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم.
وعبر بقوله (( وألقوا إليكم السلم، يدل السلام، للاشارة إلى معنى التسليم
لا مجزد الأمن والسلام، لأن السلم يفيد معنى التسليم ، فهم القوا إليكم قيادم
واستسدوا لأمركم، ودخلوا فى طاعتكم.
وفى نفى أن يكون هناك سبيل عليهم ، مبالغه فى عدم التعرض لهم بسو.
لأنه إذا افتفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى.
هذا، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية
الكريمة منوخة بآية سورة التوبة وهى قوله - تعالى -,فإذا انسلخ الأشهر
الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجد تموهم وخذوهم واحصروم واقعدوا لهم
كل مرصد ٠٠٠)).
قال الجمل: معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية منسوخة بآية
السيف - وهى قوله ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم ... الآية)، وذلك لأن الله
- تعالى - لما أعز الإسلام وأهله أمر أن لايقبل من مشركى العرب
إلا الإسلام أو القتال)،(١).
ثم بين - سبحانه - صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم من المنافقين
المخادعين ، الذين لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا، ولا يمدون أيديهم إلى أهل
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠٤١٠

- ٣٣٥ -
الحق إلا بالسوء فقال - تعالى -: ((ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم
ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركوا فيها ... )).
أى: ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين
وصفتهم لكم، ((يريدون) بإظهارهم الإسلام ((أن بأمنوكم، على أنفسهم،
ويريدون بإظهارهم للكفر (( أن يأمنوا قومهم)) من الأذى ، ومن صفات
هؤلاء المخادعين أنهم (( كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، أى: كلما دعوا إلى
الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع، ورجعوا إليها منمكوسين
على رءوسهم .
قال ابن جرير: عن مجاهد قال: هم ناس كانوا يأتون النبى - صلى الله عليه
وسلم - فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان . يبتغوز
بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا،(١).
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين
فقال: ((فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فذوهم وأقتلوه
حيث ثقفتموهم . وأولئكم جعلنا لكم عليها سلطانا مبيناً ،.
أى: أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء
ويلقوا إليكم الأمان والانقياد، ويمتنعوا عن العدوان عليكم، إن لم يفعلو
ذلك :خذوهم أسرى، وأقتلوهم حيث (( ثقفتموهم)، أى: وجدتموهم وظفر
بهم. يقال ثقفت الرجل فى الحرب أثقفة، إذا أدركته وظفرت به وقوا
,وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا، أى أولئك الذين وصفتهم لكـ
جعل الله لكم حجة واضحة فى أخذهم وقتلهم ، بسبب ظهور عداوتهم
وانكشاف غدرهم ، وتذبذبهم بين الإسلام والكفر تبعا لشهوات نفوس
المريضة .
(١) تفسير ابن جرير + ٥ ص ٢٠١

- ٣٣٦ -
هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت المؤمنين
ليف تكون علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين .
فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا
فا واحدا ورأيا واحدا ، فلا يدافعون عنهم ولا يحسنون الظن بهم ،
لا يولونهم ولا يستعينون بهم، حتى يها جروا فى سبيل الله، فإن امتنعوا عن
جرة حل أخذهم وقتلهم وقأمرهم - ثانياً - بأن يسالموا - إلى حير - قوما
جأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأمان ، وأن يسالموا كذلك أولئك
نين يأتون إليهم وهم يكرهون قناهم أو قتال قومهم ، وأظهروا الانقياد
الاستسلام المؤمنين .
وقأمرهم - ثالثا - بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين
الذين بلغ بهم الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإسلام، فإذا
عادوا إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر ، وكانوا مع قومهم ضد
ـدين .
وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من
اس الذين يخالفونهم فى عقيدتهم .
وبعد هذا الحديث الحكم الذى بين الله - تعالى - فيه أحوال المنافقين،
عناتهم الذميمة، ومرقف المؤمنين من يخالفونهم فى المقيدة، بعد كل ذلك
حذت السورة الكريمة فى بيان حكم القتل الخطأ، وحكم القتل العمد
ال _ تعالى _:
(( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مؤمناً إلا خطأ، ومَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً
طَأْ فَحريرُ رَقبةٍ مُؤْمنةٍ ودِيَّةٌ مُسلَّةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يصَّدَّقُوا
نْ كانَ مِنْ قومٍ عدوٌّ لكُم وهو مُؤْمِنٌ فتحريرُ رَقبةٍ مُؤمِنَةٍ ،

- ٣٣٧ -
وإنْ كانَ مِنْ قومٍ بينكُم وبينَهُم مِيثَقٌ فَدِّيَةٌ مُسْلَمَةُ إلى أَهْلِهِ
وتحريرُ رَقبةٍ مُؤْمنةٍ ، فَمَنْ لم يَجِدْ فصيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَبِعِينٍ آوبةً
مِنَ اللهِ وكانَ اللهُ عِليماً حكيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَسِّداً
فَجَزَاؤُه جَهْ خَالداً فِيها، وغضبَ اللهُ عليهِ ولَعَنَهُ وأَعدَّ لهُ عذاب)
عَظِيماً (٩٣) .
روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ((وما كانلمؤمن
أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ... الآية، ومن أشهر هذه الروايات ماجاء عن
مجاهد و غيره أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعه، وذلك أنه قتل رجلا كان
يعذبه لكى يترك الإسلام، فأضمر عياش قتل ذلك الرجل . ثم أسلم هذا الرجل
دون أن يعلم عياش بإسلامه. فلما لقيه فى يوم من الأيام ظن عياش أن الرجل
مازال مشركا فقتله. فلما علم بإسلامه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال: يارسول الله، قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل الله الآية» (١).
والاية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول
كل من قتل غيره خطأ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
والنفى فى قوله - تعالى - ((وما كان، ليس لنفى الوقوع، لأنه لو كان
كذلك ماوقع قتل على سبيل الخطأ أبداً، وإنما النفى بمعنى النهى وعدم الجواز.
وقد أشار القرطى إلى ذلك بقوله: قوله - تعالى - ((وما كانلمؤمن أن
يقتل مؤمنا إلا خطأ ، هذه آية من أمهات الأحكام . والمعنى ما ينبغى لمؤ من
أن يقتل مؤمنا إلا خطا، فقوله: ((وما كان، ليس على النفى وإنما مر على
التحريم والنهى كقوله: ((وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولو كانت
على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمناً قط ، لأن ما نفاه الله ذلا يجوز وجوده
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ س ٥٣٤ بتصرف يسير.
(٢٢ - سورة النساء)

- ٣٣٨ --
فهو كقوله - تعالى -: ((ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، فلا يقدر العياد أن
أن ينبتوا شجرها أبدا ... ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأول وهو
الذى يكون فيه («إلا، بمعنى لكن. والتقدير: ما كان له أن يقتله البتة لكن
إن قتله خطأ فعليه كذا ... والخطأ: اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم
يصفع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء . ويقال لمن أراد شيئاً
ففعل غيره: أخطأ. ولمن فعل غير الصواب: أخطأ ،(1).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت . بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول
له . أي: ما ينبغى له أن يقتله أهلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن
يكون حالا بمعنى: لا يقتله فى حال من الأحوال إلا فى حال الخطأ . وأن يكون
صفة للمصدر أى : إلا قتلا خطأ. والمعنى، أن من شأن المؤمن أن ينتفى
عنه وجود قتل المؤمن إبتداء البته، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن
يرمى كافرا فيصيب مسلما، أويرمى شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم .... (٢).
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأفقال: «ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير
رقبة مؤمنة ودية مسامة إلى أهله إلا أن يصدقوا).
قوله (( فتحرير))، التحرير: الإعتاق وهو تفعيل من الحرية. أى جعل
الرقبة حرة . وهو مبتدأ محذوف الخبر أى : فعليه تحرير رقبة مؤمنة .
وقوله: «ودية «الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. وهى
مأخوذة من الودى كالمدة من الوعد. يقال: ودى القاتل القتيل بديه دية
إذا أعطى وليه المال الذى هو بدل النفس . وسمى المال دية تسمية بالمصدر.
والمعنى: أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن أن يقتل أخاه المؤمن. لأنه
(١) تفسير القرطبي = ٥ ص ٠٣١٢
(٢) تفسير الكشاف = ١ ص ٥٤٨.

- ٣٣٩ -
ذلك محرم تحريماً قاطعاً ، لكن إن وقع منه القتل له على سبيل الخطأ فإن دم
القتيل لا يذهب هدرا، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ («تحرير رقبة مؤمنة،
أبى : إعتاق نفس مؤمنة، وعليه كذلك « دية مسلمة إلى أهله، أى: مؤداة
إلى ورثة القتيل عوضاً لهم عما فلتهم من قتيلهم. وقوله (إلا أن يصدقوا، أى
إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل، بأن يتنازلواعنها له على سبيل
العفو والصفح .
وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير فى قوله ((فتحرير رقبة)) للاشعار
بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإسلام ، وأن شريعته قد أوجدت على
أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا فى بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر
حدد من الرقاب.
والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء. وكان التعبير بذلك
الاشارة إلى أن الرق غل معنوى فىالر قاب، وأن المؤمن الصادق فى إيمانه هو
الذی یذل قصارى جهده فى فك الرقاب من قيدها .
وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة ، إذ الإسلام
يحرص على تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين .
قال ابن كثير: وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزء سواء أكانت
صغيرة أم كبيرة فقد أخرج الإمام أحمد عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة
سوداء فقال : یارسول الله، إن علىعتقرقبة مؤمنة . فإن كنت ترى هذه مؤمنة
أعتقها. فقال لهارسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟
قالت: نعم. قال: أتشهدين أنى رسول الله؟ قالت: نعم قال: أتؤمنين بالبعث
بعد الموت؟ قالت: نعم . قال: اعتقها، (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤
:

- ٣٤٠ ٠-٠
ويرى بعضهم أنه لا تجزىء إلا الرقبة المؤمنة التى صلت وعقلت الإيمان،
أما الصغيرة فإنها لاتجزى ..
وقوله ((ودية ، معطوف على ((فتحرير، وقوله (مسلمة) صفة لديه.وقوله
( إلى أهذه) متعلقة مسلمة .
قال القرطبى ماملخصه : ولم يعين الله فى كتابه ما يعطى فى الدية ، وإنما فى
الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل ، وإنما
أخذ ذلك من السنة ..
والعاقلة: قرابات الرجل من جهة أبيه وهم عصبته ..
وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن الدية
مائة من الإبل . ووداها - صلى الله عليه وسلم - فى عبد الله بن سهل المقتول
بخيبر فكان ذلك بيانا على لسان النبى - صلى الله عليه وسلم - لمجمل الكتاب
واختلفوا فيما يجب على غير أمل الإبل ، فقالت طائفة : على أهل الذهب.
ألف دينار. وعلى أهل الورق أثنا عشر ألف درهم ...
وقد ثبقت الأخيار عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بدية الخطأ
على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به .... )(١).
ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال: اقتتلت امر أتان من هذيل . فرمت.
إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما فى بطنها . فاختصموا إلى رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية جنينها غرة: عبد وأمة. وقضى بدية
المرأة على عاقلتها )(٢)، ..
قالوا: وإنما كافت دية القتل الخطأ على العاقلة، لأن القاتل أو دفعها
لأوشكت أن تأتى على جميع ماله، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة
(١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٣١٥
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٥