النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٣٠١ -
الإنسان ويتبعه حيثما كان، وفى أى وقت كان، فهو طالب لابد أن يدرك ما يطلبه
ولابد أن يصل إليه مهما تحصن منه، أو هرب من لقائه.
وجواب (لو) محذوف اعتماداً على دلالة ماقبله عليه أى: ولو كنتم فى
بروج مشيدة لأدرككم الموت .
وقريب فى المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - (قل أن ينفعكر الفرار إن
فررتم من الموت أو القتل) وقوله - تعالى -: ( قل إن الموت الذى تفرون
منه فإنه ملاقيكم ... )
فالجملة المكريمة صريحه فى بيان أن الموت أمر لامفر منه، ولامهرب عنه
سواء أقاتل الإنسان أم لم يقاتل. وما أحسن قول زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلته ولو رام أسباب السماء بسلم
ثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوة به المنافقون وإخوانهم فى الكفر
من باطل وزور فقال - تعالى: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اته،
وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند انقه ... ))
أى: إن هؤلاء المنافقين وأشباههم، من ضعاف الإيمان وإخوانهم فى الكفر
بلغ بهم الفجور أفهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب
أو غنيمة أو ظفر قالوا هذه الحال من عند الله، وإذا أصابتهم حال سيئة
من جدب أو مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك
وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم - .
وهذا القول منهم قريب من قول بنى إسرائيل لموسى - عليه السلام - كما
حكاه القرآن عنهم فى قوله: ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه، وإن تصبهم
سيئة يطيروا بموسى ومن معه ).
قال القرطى: نزلت هذه الآية فى اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم لما قدم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة عليهم قالوا: مازلنا نعرف النقص

- ٣٠٢ -
فى ثمارفا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس: ومعنى
((من عندك، أى: بسوء تدبيرك. وقيل ((من عندك، أى بشؤمك الذى
لحقنا ، قالوه على جهه التطير»(١) .
وقوله ( قل كل من عند الله ) أمر من الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن
يرد على مزاعمهم الباطلة. أى قل لهم يا محمد كل واحدة من النعمة والمصيبة هى
من جهة الله - تعالى خلفا وإيجاداً من غير أن يكون لى مدخل فى وقوع
شىء منها بوجه من الوجوهكما تزعمون:
وقوله ( فمال هؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً) جملة معترضة مسوقة
لتعبيرهم بالجهل والغباوة، والفاء فى قوله ( فمال) لترتيب ما بعدها على ما قبلها
والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شىء من عند الله, فمال هؤلاء
القوم من المنافقين وإخوانهم فى الكفر وضعف الإيمان لايكادون لانطماس
بصيرتهم يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ ، ولا يفهمون معنى ما يسمعون
وما يقولون، إذ لوفقهوا شيئا مما يوعظون به لعلموا أن الله هو القابض
الباسط ، وأنه المعطى المانع
قال - تعالى - ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا
مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم).
وقوله - تعالى - ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن
نفسك ) الخطاب فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد كل مكلف من أمته.
والمراد بالحسنة ما يسر له الإنسان ويفرح به ، والمراد بالسيئة ما يسوءه
وحز نه .
والمعنى: ( ما أصابك من حسنة) أى من نعمة وأمور حسنة تفرح بها
( فمن الله) أى فبتوفيقه لك وتفضله عليك، وإرشادك إلى الوسائل التى
أوصلتك إلى ما يسرك. ( وما أصابك من سيئة) أى من مصيبة أو غيرها
(١) تفسير القرطى ج . ص ٠٢٨٤

- ٣٠٣ -
مايحزن (فمن نفسك) أى: فمن نفسك بسبب وقوعها فیما نهى الله عنه، وتر کها
للأسباب الموصلة إلى النجاح، كما قال - تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فيما
كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).
وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى عن التى - صلى الله عليه وسلم -
قال: ( لا يصيب عبداً نكتة فما فوقها أو دونها إلا بذنب . وما يعفو الله عنه
أكثر. قال وقرأ: وما أصابكم من مصبية فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).
وروى ابن عساكر عن البراء - رضى الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: مامن عثرة ولا اختلاج عرق ولاخدش عود إلا بما قدمت
أيديكم . وما يعفو الله أكثر.
وعلى هذا يكون قوله - تعالى - (ما أصابك من حسنة ... إلخ) من كلام
الله - تعالى - والخطاب فيه للنبي - صلى الله علية وسلم - والمراد به كل مكلف.
كما سبق أن أشرنا - وقد ساقه - سبحانه - على سبيل الاستئناف رداعلى مزاعم
المنافقين ومن هم على شاكلتهم فى الكفر وضعف الإيمان .
وقيل إن هذه الاية حكاية من الله - تعالى - لأقوال المنافقين السابقة،
فكأنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه السبب فيما
أصابهم من جدب وهزيمة ... بل أضافوا إلى ذلك قولهم له: إن ما أصابك
من حسنة فمن الله ولا فضل لك فيما فلت من نصر أو غنيمة ، وما أصابك من
سيئة أى هزيمة أو مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفهك.
ومقصدهم من ذلك - قبحهم الله - تجريد النبى - صلى الله عليه وسلم - من
كل فضل ، وإلقاء اللوم عليه فى كل ما يصيبهم من مصائب.
وقد أشار القرطبى إلى هذين القولين بقوله: قوله - تعالى - ( ما أصابك
من حسنة فمن الله وما أصابك من سيته فمن نفسك ) الخطاب للنبي - صلى الله
علمه وسلم - والمواد أمته. أى، ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع

٠٠ ٣٠٤ -
رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فن أنفسكم
أى من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم .
وقيل: فى الكلام حذف تقديرهيقولون . وعليه يكون الكلام متصلا،
والمعنى: فمال هؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك
من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)(١).
وقال الجمل : فإن قلت : کیف وجه الجمع بین قوله - تعالى : ( قل کل من
عند الله) وبين قوله ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فأضاف السيئة إلى
فعل العبد فى هذه الآية - بينما أضاف الكل إلى الله فى الآية بالسابقه -؟
قلت: أما إضافة الأشياء كلها إلى الله فى الآية السابقة فى قوله ( قل كل
من عند الله) فعلى الحقيقة، لأن الله هو خالقها وموجدها. وأما إضافة السيئة
إلى فعل العبد فى قوله ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فعلى سبيل المجاز .
والتقدير: وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب اقرافها الذنوب. وهذا
لا ينافى أن خلقها من الله - كما سبق)(١).
وقال بعض العلماء: والتوفيق بين قوله - تعالى - (ما أصابك من حسنة)
وبين قوله قبل ذلك: قل كل من عند الله ) هو أن قوله ( قل كل من عند الله)
كان موضوعه الكلام فى تقدير الله . فهم إن اقتصر المؤمنون لا ينسبون للنبي
- صلى الله عليه وسلم - أى فضل، بل يجر دونه من الفضل ويقولون هو
من عند الله . وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر ، بل قصدوا الغض من
مقام النبوة . فإن كان هنالا خير نسبوه إلى الله وإن كان ما يسوء نسبوه إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - إيذاء وتمردا. فاله - تعالى - قال لهم: قل كل
من عند الله، أى كل ذلك بتقدير الله وإرادته .
(١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ٢٨٥ بتلخيص.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠٤٠٣

- ٣٠٥ -
أما قوله (( وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فموضوعه اتخاذ الأسباب.
ومعناه: أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله فاله - تعالى - يعطيه النتائج
ومن لا يتخذ الأسباب، أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، فإنه سيناله
ما يسوؤه ، وبسبب منه .
فالأول : لبيان القدر. والثانى: ابيان العمل،(١).
هذا، وقوله - تعالى - ,وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً»
بيان لجلال منصبه وعلو مكانته .- صلى الله عليه وسلم -- عند ربه - عز
وجل - بعد بيان بطلان زعمهم الباطل فى حقه - عليه الصلاة والسلام -.
أى: وأرسلناك - يا محمد - بأمرنا وبشريعتنا لتبلغ الناس ما أمرفاك
بقبليغه، ولتخرجهم من طلبات الجهالة والكفر إلى فور التوحيد والإيمان
«وكفى بالله شهيدا)، على صحة مسائتك، وعلى صدقك فيما تبلغه عنه، وإذا
ثبت ذلك فالخير فى طابتك والشر والشؤم فى مخالفتك .
والمراد بالناس جميعهم. أى: وأرسلناك لجميع الناس كما قال - تعالى -
(( وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين.
وقوله (( رسولا ، حال مؤكدة لعاملها وهو أرسلناك.
1
وقوله (( وكفى بالله شهيدا)) تثبيت وتقوية لقلب النبى - صلى الله عليه وسلم -
أى : أمض فى طريقك ولا تلتفت إلى أقوالهم، وكفى بالله عليك وعليهم
شهيدا، فإنه - سبحانه - لا يخفى عليه أمرك وأمرهم .
ثم بين - سبحانه - أن طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما هى
طاعة له فقال: (( من يطع الرسول فقد أطاع الله)).
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء
الإسلام العدد ١٠ السنة الخامسة عشرة .
(٢٠ - سورة النساء )

- ٣٠٦ -
أى: من يستجيب لما يدعوه إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ويذعز
لتعاليمه، فإنه بذلك يكون مطيعا لله، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
.مبلغ لأمر الله ونهيه .
وقوله (( ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، بيان الوظيفة الرسوا
- صلى الله عليه وسلم -
أى: من أضاعك يا محمد فقد أطاع الله، ومن أعرض عن طاعتك وعصى
أمرك، فمنى نفسه يكون جانيا، لأننا ما أرسلناك على الناس حافظا ورقيه
لأعمالهم، وإنما أرسلناك مبلغا ومنذرا .
وجواب الشرط فى قوله ((ومن قولى ... ، محذوف. أى ومن قول فأعرض
عنه فإنا ما أرسلناك عليهم حفيظا .
قال الآلوسى: وقوله - تعالى - ((من يطع الرسول فقد أطاع الله » بيا
لإحكام رسالته إثر بيان تحققها. وإنما كان الأمر كذلك لأن الآمر والنام
فى الحقيقة هو الحق - سبحانه - والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنو
فليست الطاعة له بالذات إنما هى لمن يبلغ عنه . وفى بعض الآثار أن الت
- صلى الله عليه وسلم - كان يقول: من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاء
فقد أطاع الله . فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ !
قارف الشرك، وهو نهى أن يعبد غير الله . مايريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذ
النصارى عيسى - عليه السلام - فنزلت(١))).
ثم حكى - سبحانه - بعدد ذلك جانبا آخر من صفات المنافقين و
على شاكلتهم من ضعاف الإيمان حتى يحذرهم المؤمنون الصادقون فى
- تعالى - :
(١) تفسير الآلوسي = ٥ ٩١،٥

-٠٢٠٧ ..
(( ويقولونَ طاعةٌ، فَإِذَا برزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَبَّتَ طائفةٌ مِنْهُمْ غِيرَ
الّذِى تَقُولُ، واللهُ يُكْتبُ ما يُبَتُونَ، فَأَعْرِضْ عِنْهُم وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلاَ يتدبَّرُون القُرآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
غيرِ اللهِ لوجدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً (٨٢) وإذَا جَاءهُ أَمْرٌ مِنَ الْأمْنِ
أو الْحَوْفِ أذاعُوا بِهِ، ولو رَدُّوهُ إلى الرسولِ وإلى أولى الأمْرِ منهم
العَلِمَهَ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهَ مِنْهم، ولوْلاَ فَضْلُ الله عليكُمْ ورحَتَّهُ لا تَبِعْتُم
الشيطانَ إلاَّ قَلِيلاً (٨٣)).
والضمير فى قوله ((ويقولون، للمنافقين ومن يلفون لفهم.
أى: أن هؤلاء المنافقين إذا أسرتهم يا محمد بأمروهم عندك يقولون طاعة
أى أمرنا وشأننا طاعة. يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهى تخالف ألسنتهم.
وقوله ((طاعة)) خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى: أمرنا طاعة . ويجوز
النصب على معنى: أطعنك طاعة. كما يقول المسأمور لمن أمره: ممعاً وطاعة،
وسمع وطاعة .
قال صاحب الكشاف: ونحوه قول سيبويه : سمعنا بعض العرب
الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت ؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه
قال: أمرى وشأنى حمد الله. ولو نصب ((حمد الله، كان على الفعل. والرفع
يدل على ثبات الطاعة واستقرارها(١).
* ثم حكم - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم
من عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: (فإذا برزوا من عندك
بيت طائفة منهم غير الذى تقول ».
وقوله : بيت)) من التبيت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازى - من
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٥٢٩

- ٣٠٨ -
البيتوقة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان فى بيته بالليل، فهناك
تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل ... لاجرم سمى الفكر المستقصى
مبيتا . أو من بيت الشعر، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوافى
التفكر فيه ...
والمراد: زوّر وموّه ودّبر .
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - وأمرتهم بأمر
قالوا : طاعة ، فإذا ماخرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم
وهم رؤساؤهم ((غير الذى تقول)) أى خلاف ماقلت لتلك الطائفة أو قالت
لك من ضمان الطاعة. فهم أمامك يظهرون الطاعة المطلقة، ومن خلفكيدبرون.
ويضمرون ما يناقض هذه الطاعه ويخالفها .
والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم،
وتناقض مظهرهم مع خبيثتهم .
. وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات،
أما الباقون فتابعون لهم فى ذلك ، لا أنهم ثابتون على الطاعة .
.وقوله (( والله يكتب ما يميتون)) أى يثبته فى صحائف أعمالهم . ويفضحهم
بسبب سوء أعمالهم فى الدنيا، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما يستحقون فى الآخرة
فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صفيعهم، لعلهم يكفون عن هذا التفاق،
وقطمين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه - سبحانه - سيطلعه على
مكرم السىء لكى يتقى شرهم، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم الالتفات
إليهم، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال :
((فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا)). أى: إذا كان هذا
هو شأنهم يا محمد . فلا تكترت بهم، ولا تلتفت إليهم، وسر فى طريقك
متوكلا على الله، ومعتمدا على رعايته وحفظة، وكفى بالله وكيلا وكفيلا لمن

- ٣٠٩-
توكل عليه، وإتبع أمره ونهيه. فافت ترى أن الآية الكريمة قد كشفت عن جانب
من صفات المنافقين وأحوالهم، ثم هددتهم على جرائمهم، ورسمت للنبى
- صلى الله عليه وسلم - الخطة الحكيمة لعلاجهم وإنقاء شرهم.
ثم أفكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن
وحضهم على تأمل حكمه وأحكامه وهداياته فقال: «أفلا يتدبرون القرآن ،
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فية إختلافا كثيراً)).
وقوله ((يتدبرون)) من التدبر ((وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشرى - تأمله
والنظر فى أدباره وما يثول اليه فى عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل فى كل تأمل
فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه ،.
والإستفهام لإنكار عدم قدبرهم ، والتعجيب من إستمرارهم فى جهلهم
ونفاقهم مع توفر الأسباب التى توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن
و تفهم معانيه .
والفاء للعطف على مقدر . أى: أيمرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه .
والمعنى: إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خیب الله سعيهم،
و كشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبه الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين،
فملا دفعهم ذلك إلى الإيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات
وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة .. تشهد بأنه من عند الله
- تعالى -، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا
فى أخباره وفى ظمه وفى أسلوبه وفى معانيه إختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف
القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلامن
كل إختلاف سواء أ كان كثيراً أم قليلا.
فالمراد بالاختلاف: تبابن النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار
وتضارب المعانى، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع
بلاغته وصدقه .

- ٣١٠ -
وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله ((لوجدوا فيه إختلا فا كبيراً،
أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه،
فكان بعضه بالغا حد الإعجاز . وبعضه قاصرا عنة تمكن معارضته ، وبعضه
إخبارا بغيب قد وافق الخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، ٠ بعضه
دالا على معنى صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتم .
فلما تجاوب كله بلاغه معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق
أخبار، دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه
أحد سواه ، (١) .
فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم
وتأمل أحكامه ، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر
ونواه، ليعدوا فى دنياه وآخرتهم.
تم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا آخر من المسالك الذميمة التى عرفت عن
المنافقين وضعفاء النفوس فقال - تعالى - ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو
الخوف أذاعوا به ، .
1
والمراد بالأمر هنا : الخبر الذى يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.
وقوله , أذاعوا به، أى نشروه وأشاعوه. يقال: أذا ع الخبر وأذاع به
إذا أفشاه وأعلنه .
والمعنى: أن هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئاً من الأخبار
التى تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهر وها قبل أن يقفوا على حقيقتها
قال الآلوسي : والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين،
أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت
سرية من المسلمين قالوا عنها: أصاب المسلمون من عدوهم كذا . وأصاب
العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم -
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٠

- ٢١١ -
هو الذى يخبرهم به ... وقيل: كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا
من الخبرعن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود
ذلك وبالا على المؤمنين ... )، (١)
ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم فعله فقال -: ((ولو ردوه إلى
الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
والمراد بأولى الأمر: كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم:
الزلاة وأمراء السرايا .
ويستنبطونه أى يستخرجونه. والاستنباط - كما يقول القرطبى - مأخوذ
من استنبطت الماء إذا إستخرجته، والنبط: الماء المستنبط أول ما يخرج من ما.
البئر أول ما تحفر. وسمى الضبط فبطا لأنهم يستخرجون ما فى الأرض., (٢)
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم
إذا سمعوا شيئا من الأمورفيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاءوهو أظهروه
بدون تحقق أو تثبت ، بقصد بلبلة الأفكار ، واضطراب حال المؤمنين ،
ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون اليهم ردوا ذلك الخبر الذى جاءهم
والذى أشاعوه بدون تثبت ، لو أنهم ردوه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم-
وإلى كبار الصحابة البصراء فى الأمور: لعلمه، أى لعلم حقيقة ذلك الخبر
((الذين يستنبطونه)) أى: الذين يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم
المنافقون المذيعون للأخبار ((منهم)) أى: من الرسول وأولى الأمر.
أى: لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار
ويذيعونها بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر فى شأنها إلى الرسول
وإلى كبار أصحابه، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار
أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعه . .
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٩٤
(٢) تفسير القرطبي = ٥ ص ٢٩١

- ٣١٢ -
؛ وعلى هذا يكون الضمير فى قوله (منهم) فى الموضعين يعود إلى الرسول
وإلى أولى الأمر .
ويكون المراد بالذين يستنبطونه: المنافقون وضعاف الإيمان الذين يذيعون
الأخبار ويكون فى الكلام إظهار فى مقام الإضمار؛ حيث قال - سبحانه -
(لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ولم يقل لعلموه منهم، وذلك لزيادة تقرير الغرض
المسوق له الكلام، والمبالغة فى ذمهم على بحثهم وراء الأخبار الخفية الهامة
واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإضرار بمصلحة المسلمين .
وهذا، وقد ذكر الفخر الرازى فى المراد بالذين بستنبطونه وجها آخر فقال:
وفى قوله ( الذين يستنبطونه منهم) قولان: الأول أنهم أولشك
المنافقون المذيعون .
والتقدير: لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن والخوف
إلى الرسول وإلى أولى الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم، لعلمه الذين
يستنبطونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون (منهم) أى من جانب الرسول ومن
جانب أولى الأمر .
والقول الثانى: أنهم طائفة من أولى الأمر. والتقدير: ولو أن المنافقين
ردو، إلى الرسول وإلى أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه
الوقائع من أولى الأمر، وذلك لأن أولى الأمر فريقان: بعضهم من يكون
مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله ( منهم ) يعنى لعلمه الذين
يستنبطون المخفيات من طوتف أولى الأمر .
فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى الرسول وإلى المؤمنين
هم المنافقون فكيف جعل أولى الأمر منهم فى قوله (وإلى أولى الأمر منهم)؟
قلنا : إنما جعل أولى الأمر منهم على حسب الظاهر . لأن المنافقين يظهرون
من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن)(١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٩٩

- ٣١٣-
ثم ختم - سبحانه .. الآية ببيان فضله على عباده فقال ( ولولا فضل الله
عليكم ورحمة لاتبعتم الشيطان إلا قليلا).
أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - بتوفيقه
إيا كم إلى الخير والطاعة، اوقعتم فى إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون
وأشباههم، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم لله واعتصموٍ به
فصاروا لاسبيل للشيطان عليهم كماقال - تعالى - (إن عبادى ليس لك
عليهم سلطان ) .
هذا. ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة
وجوب عدم إذاعة الأخبار - خصوصا فى حالات الحرب - إلا بعد التأكد
من صحتها ومن عدم إضرارها بمصلحة المسلمين .
وفى ذلك يقول الإمام ابن كثير: قوله - تعالى - (وإذا جاءهم أمر من الأمن
أو الخوف أذا عوابه) إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها
ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة . وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة
عن رسول اله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث
بكل ماسمع).
وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن قيل وقال. أى: الذى يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت
ولا ندبر ولا تبين :
٧٠
وفى الصحيح ( من حدث بحديث وهويرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
د.
وفى سنن أبي داود أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: (بئس
مطية الرجل زعموا )(١) .
وقد عدد الفخر الرازى المضار التى تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار
بدون تقبت فقال: وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه :
(١) تفسير ابن کثیر ج ١ ص ٥٢٩

- ٣١٤ -
الأول : أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير .
الثانى: أنه إذا كان ذلك الخبر فى جانب الأمن زادوافيه زيادات كثيرة.
فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات ، أورث ذلك شبهة للضعفاء فى صدق الرسول
- صلى الله عليه وسلم -. لأن المنافقين كانوا يرون هذه الإرجافات عن
الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن كان ذلك فى جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين،
ووقعوا عنده فى الحيرة والاضطراب ، فمكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة
من هذا الوجه .
الثالث: أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعى على البحث الشديدو الاستقصاء
التام . وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة.
الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار . فكل
ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثانى . فإن وقع خبر الأمن
للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذاك ،
فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا فى التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر
الخوف للمسلمين بالغوا فى ذلك وزادوا فيه . فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف
كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله
- تعالى - تلك الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه )(١)
وقال الشيخ أحمد المنير - الذى عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه.
الآية: ( فى هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا؛
وخصوصا عن مثل المرابا والمناصبين الأعداء العداوة ((والمقيمين فى تحر العدو.
وما أعظم المفسدة فى لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٩٨

- ٣١٥ -
ولقد جربنا ذلك فى زماننا هذا منذ طرق العد المخذول البلاد - طهرها الله.
منه وصانها من رجه ونجسه ، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة
والنصر ،١١) .
والخلاصة، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت - خصوصا فى أوقات الحروب
تؤدى إلى أعظم المفاسد والشرور ، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن إنها قد
تحدث لونا من التراخى وعدم أخذ الحذر، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها
قد تحدث بلبلة واضطرابا فى الصفوف .
والمجتمع الذى يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الدى تقل فيه إذاعة الأخبار
إلا من مصادرها الأصيلة، وهو الذى يرجع أفراده فى معرفة الحقائق إلى
العلماء المتخصصين .
وهكذا زى الآية الكريمة تغرس فى نفوس المؤمنين أسمى ألوان
الإخلاص لدينهم ودولتهم وقيادتهم، فهى فى مطلعها تنكر عليهم إذاعة الاخبار
بدون تحقق من صدقها ومن فائدتها ، وفى وسطها تأمرهم بأن يرجعوا إلى حقائق
دينهم وإلى الحكام العادلين، والعلماء المخلصين الذين يعرفون الأمور على وجهها
ليسألوهم عما يريدون معرفته، وفى آخرها تذكرهم بفضل اله عليهم ورحمتهبهم
حتى يداوموا على طاعته ، ويشكروه على نعمه .
٠
وبعد هذا الحديث الحكم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإيمان، وعن
تباطئهم عن الجهاد وإناعتهم الأخبار بدون تثبت، بعد كل ذلك أمر الله
-- تعالى - نبيه محمدا - صفى الله عليه وسلم أن يستمر فى قتائه للمشركين،
وأن يحرض أصحابه على ذلك، كما أرشد - سبحانه- المؤمنين إلى طائفة من
مكارم الاخلاق التى نقوى رابطتهم فقال - تعالى - :
(١) حاشية تفسير الكشاف ج ١ ص ١٤٠

- ٣١٦ -
((فقاَتِلْ فى سبيلِ اللهِ لا تُكَلِّفُ إِلاَّ تَفْسَكَ، وحَرِّض المؤمنينَ
حَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَسَ الذِينَ كَفَرُوا، واللهُ أَشَدُ بَأْساً وأَشَدُّ
تَنْكِيلاً (٨٤) مَنْ يشفَعْ شِفَاعةً حَسَنةً يُكُنْ لهُ نَصيبٌ مِنْهاَ،
وَمَنْ يَشْفَعْ شفاعةً سيئةً يُكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَاَ، وكانَ الهُ عَلَى كلٍ
شَىْءٍ مقيناً (٨٥) وإذا حُيُبْتُم بَتَحِيَّةٍ فَعَيُّوا بأَحْسَن مِنْها أو رُدُوهَا،
إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شىءٍ حَسِبِبًا (٨٦) اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ لَيَجْمِنَكُمْ
إلى يَوْمِ القيامَةِ لا رَيْبَ فيه، ومَنْ أصدقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (٨٧))).
والفاء فى قوله (( فقاتل، الإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى: إ؟!
كان الأمر كما حكى - سبحانه .. عن المنافقين وكيدهم .. فقاتل أنت يا محمد
من أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت إلى أفعالهم وأقوالهم .
وقوله ( لا تكلف إلا نفسك) أى: قاتل - يا محمد - فى سبيل إعلاء
كلمة الله، والله - تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك، فتقدم للجماد ولا تلتفت
إلى تباطؤ المتباطئين ، أو تخذيل المخذلين ، فإن الله هو ناصرك لا الجنود،
فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحواك الألوف .
وجلة ( لا تكلف إلا نفسك) فى محل نصب على الحال من فاعل فقاتل.
اى: فقاتز حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها .
قال صاحب الكشاف : قيل: دها النبى - صلى لله عليه وسلم - الناس
فى بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان قد واعد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - اللقاء فيها. فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت خرج رسول
الله - صلى الله عليه وسلم .- ومامعه إلا سبعون لم يعولوا على أحد. ولو لم يتبعه
أحد لخرج وحده. وقرىء ( لا تكلف ) بالجزم على النهى. ولا تكلف:
بالنون وكسر اللام.

- ٣١٧ -.
أى : لا تكلف نحن إلا نفسك وحدها ، (١)
وقوله، وحرض المؤمنين، أى: حثهم على القتال ورغبهم فيه، حتى.
ينفروا معك خفاقا وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين.
ولقد استجاب النبى - صلى الله عليه وسلم - لهذه الأوامر. وأعد نفسه.
لقتال أعدائه، ورغب أتباعه فى ذلك ، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -
عندما أذن الله له فى القتال,والله لأقاتلتهم حتى تنفرد سائمتى، (٢) أى:
حتى أموت :
ولقد افتدى به أبو بكر الصديق فى حروب الردة فقال: والله لأقاتلن.
من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعونى عنافا كانو يؤدونها لرسول الله.
صلى الله عليه وسلم - لفائلتهم على منعها .... ولو خالفتنى يمينى جاهدتمو بشمالى(٣).
ولقد استفاضت أحاديث النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ترغيب أمته.
فى الجهاد، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف: قوموا
إلى جنة عرضها السموات والأرض .
قال الفخر الرازى : دلت الآية الكريمة على أنه - صلى الله عليه وسلم -
كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال، لأنه - تعالى - ما كان يأمره
بذلك إلا وهو - صلى الله علية وسلم - موصوف بهذه الصفات . ولقد اقتدى
به أبو بكر - رضى الله عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال مانعى الزكاة
ومن على أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله.
سهل عليه ذلك . ودلت الآية على أنه - صلى الله عليه وسلم - لو لم يساعده.
على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد .... (٤)
(١) تفسير الكشاف جـ١ ٥ـ٤٢
(٢) السالفة: صفحة للعنق، وكنى بالفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد.
عما يليها إلا به.
(٣) تفسير القرطبى جـ ٥ صـ ٢٩٣
(٤) تفسير الفخر الرازى = ١٠ ص ٢٠٤

٣١٨٠٠ -
وقوله: ((عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد
تنكيلا، بشارة سارة للمؤمنين، ووعد منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء
عاقبة الكافرين. و ((عسى)) حرف ترج .وهو هنا يعيد التحقق واليقين ، لأنه
صادرعن الله - تعالى -، الذى لا يخلف وعده . وفى التعبير بها تعليم للمؤمنين
الأدب فى القول حتى لا يجزمون بأمر يتعلق بالمستقبل بل يسددون ويقاربون
ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج لله - تعالى - والمعنى:
قاتل با محمد فى سبيل الله وحرض المؤمنين على ذلك، عسى الله - تعالى -
((أن يكف بأس الذين كفروا، أى يمنع قناه وصولتهم وطغيانهم , والله أشد
بأساء أر أشد صولة وأعظم سلطانا، وأقدر بأسا على مايريده ((وأشد تنكيلا،
أى أشد عقوبة وتعذيبا .
والتنكيل : مصدر من قول القائل فكلت بفلان فأنا أنكل به تنكيلا إذا
أوجعته عقوبة ، وجعلته عبرة لغيره. وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد،
ثم استعمل فى كل تعذيب بلغ الغاية فى الشدة والألم .
وأفعل التفضيل (( أشد، ليس على بابه، لأن بأس المشركين لا قيمة له
ءانب بأس الله - تعالى - وقوته ونفاذ أمره. وعذابهم لغيرهم من الضعفاء
لا وزن له بجانب عذابه - سبحانه - للظالمين، لأن عذابهم لغيرهم يمكن
التخلص منه أماعذابه - سبحانه - فلا يمكن التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم
سينتهى مهما طال، أما عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم
لا ینتهى ولا یزول .
والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين
على قتهم ، وبشارتهم النصر عليهم .
قال القرطبى: قوله - تعالى - «عسى الله أن يكف بأمر الذين كفروا))
إطماع، والإطماع من اله - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب ..
فإن قال قائل: نحن نرى الكفار فى بأس وشدة، وقلتم: إن عسى بمعنى

- ٣١٩ -
اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على
الاستمرار والدوام . فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد؛ فقد كف
الله بأس المشركين فى بدر الصغرى .... وفى الحديبية وفى غزوة الأحزاب
حيث ألقى الله - تعالى - فى قلوب الأحزاب الرعب فانصرف وادون أن ينالوا
خيرا, وكفى الله المؤمنين القتال) ... فهذا كله بأس قد كفه الله عن
المؤمنين(١).
ر. ثم رغب - سبحانه المؤمنين فى التوسط فى الخير، وحذرهم من التوسط
فى الشر، فقال: ((من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع
شفاعة سيئة يكن له كفل منها ... ،
والشفاعة: هى التوسط بالقول فى وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو
أخروية، أو إلى إنفاذه من مضرة. وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج
فى العدد ضد الوتر. فكأن المشفوع له كان وترا تجعله الشفيع شفعا.
والنصيب: الحظ من كل شى. والكفل: الضعف والنصيب والحظ .
· قال الجمل : واستعمال الكفل فى الشر أكثر من استعمال النصيب فيه
وإن كان كل منهما قد يستعمل فى الخير كما قال - تعالى - يؤتكم كفلين من
رحمته ، ولقلة استعمال النصيب فى الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما
فى الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالغصيب مع الحسنة))(٢).
والمعنى: من يشفع شفاعة حسنة ، أى بتوسط فى أمر يترتب عليه خير
((يكن له نصيب منها، أى: يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة. ومن يشفع
شفاعه سيئه)، وهى ما كانت فى غير طريق الخير ((يكن له كفل منها، أى :
يكن له نصيب من وزرها وإنمها ، لأنه سعى فى الفساد ولم يسع فى الخير.
وإطلاق الشفاعة على السعى فى الشر من باب المشاكلة، لأن الشفاعة
لاقطلق إلا على الوساطه فى الخير .
(١) تفسير القرطبي جـ ٥ ص ٢٩٤ - بتصرف وتلخيص -
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٠٤٠٧

- ٣٢٠
والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم فى بيان جزاء كل
شفاعة حسنة أو كل شفاعه سيئة، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب
المؤمنين فى أن يعاون بعضهم بعضا على الجهاد فى سبيل الله ، وفى انضمام بعضهم
إلى بعض من أجل نصرة الحق، وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم.
لبعض لكى يأذن لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى التخلف عن الجهاد.
وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه :
يعنى - سبحانه - بقوله ((من يشفع شماعه حسنة يكن له نصيب منها.
ومن يدفع شفاعة سيئه يكن له كفل منها، من يصر امحمد شفعالوز أصحابك،
فيشفعهم فى جهاد عدوهم وقتالهم فى سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة يكن له.
نصيب منها أى يكن له من شفاعته تلك نصيب ، وهو الحظ من ثواب الله.
وجزيل كرامته . ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم.
وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها . يعنى بالكفل : النصيب
والحظ من الوزر والإثم ، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب ، وهو
الكاء أو انشىء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة. يقال: جاءفلان مكتفلا:
إذا جاء على مركب قد وطى. له ... وقد قيل إن الآية عنى بها شفاعة
الناس بعضهم البعض . وغير مستنكر أن تكون الآيه نزلت فيما ذكر ، ثم
عم بذلك كل شافع بخير أو شر.
وإنما اخترنا ماقلنا من القول فى ذلك ؛ لأنه فى سياق الآية التى أمر الله
نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال. فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة
الناس بعضهم لبعض التى لميجر لها ذكر قبل. ولا هاذكر بعد،١١).
وقوله : وكان الله على كل شىء مقيتا، تذييل قصد به تعريف الناس أنه
- سبحانه - سيجازى كل إنسان بعمله، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا
عن فعل الشر .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٨٨٦