النص المفهرس

صفحات 241-260

- ٢٤١ -
وملك عظيم ، فلماذا تحسدون محمدا - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله
من فضله مع أنه من نسل إبراهيم - عليه السلام-؟
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على أما فيتهم وحسدهم، وإلزام لهم بما يعرفونه
من واقع كمتبهم، وكشف للناس عن أن أحقادهم مرجعها إلى أنطماس بصيرتهم،
وخبث نفوسهم .
ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من المحسن والمسىء فقال: ( فمنهم من آمن به،
ومنهم من صدعنه وكفى بجهنم سعيراً).
أى: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن وصدق بما أعطاه الله
لآل إراهيم من کتاب وحكمه، ومنهم من کغربه وأعرض عنه وسعى فىصد
الناس عنه. فالضمير فى (به) و (عنه) يعود إلى ما أوتى آل إبراهيم.
ويرى بعضهم أن الضمير يعود إلى إبراهيم -عليه السلام. فيكون المعنى:
فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من أعرض عنه ولم يتبع تعاليمه.
وفى هذه الآية الكريمة تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم - عمالقيه
من اليهود من أذى .
فكأنه - سبحانه - يقول له: إن هؤلاء الحاسدين لك قد اختلف واعلى من هم
منهم ، وأنت يا محمد لست منهم ، فكيف تنتظر منهم أن يسالموك أو يتبعوك؟
وقوله ( وكفى بجهنم سعيرا) بيان لما أعده - سبحانه - للكافرين
من عذاب .
أى: وكفى بجهنم نارا مسعرة أى: موقدة إيقادا شديداً يعذبون بها على
كفرهم وعنادهم وحدودهم عن الحق . يقال: سعر النار - كمنع - وسعرها
وأسعرها أى : أوقـها .
(١٦ - سورة النساء )

- ٢٤٢ ٠٫
وكفى فعل ماض. وقوله ((بجهنم، فاعله على زيادة الباء فيه. وقوله
(( سعيراً)) تمييز أو حال .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من قوله - تعالى - ((ألم تر
إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ... إلى قوله: وكفى بجهنم سعيرا ، قد
وبخت اليهود على بيعهم دينهم بدنياهم، وتحريفهم الكلم عن مواضعه واستهزائهم
بدعوة الحق ، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل ، وافترائهم على الله الكذب ،
وتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الله، وعلى بخلهم وحدهم للنبي - صلى
الله عليه وسلم - على ما آتاه الله من فضله ...
وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة، والمسالك الخبيثة بأشد أنواع
العذاب ، وحذرت المؤمنين من شرورهم ومفاسده .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر، وحسن عاقبة كل
مؤمن ، فقال:
((إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِنَاَ سوفَ نُصْلِيهِم نَارًا، كُلَّا نَضِجَتْ
جُلُودُهُ بَدَّلْنَمُ جُلوداً غيرَهَا لِيَذُوقوا العَذَابَ، إنَّ اللهَ كانَ عزيزاً
حَكِيماً (٥٦) وَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ سنُدْخِلِهُم جناتٍ تَجْرِى
مِنْ تحتها الأنهارُ خَالدينَ فيها أبداً، لهُم فيها أزوَاجٌ مُطهرَةٌ وَنُدْخِلهُم
ظلاً ظَلِيلاً (٥٧) ».
والمراد بالذين كفروا هنا : كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من
غيرهم .
وقوله: ( فصليهم) من الإصلاء وهو إيقاد النار. والمراد هنا إدخالهم
فيها وقوله: ( نضجت ) من النضج وهو بلوغ نهاية الشىء. يقال: فضح الثمر

- ٢٤٣ -
واللحم ينضج نضجاً إذا أدرك وبلغ نهايته. والمراد هنا: إحتراق الجلود
اختراقا تاما .
والمعنى: ((إن الذين كفروا بآياتنا، الدالة على أن الله وحده هو المستحق
للعبادة والخضوع (سوف نصليهم نارا) أى: سوف تدخلهم فاراهائلة عظيمة
وسوف هنا - كما قال سيبويه - للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولومع التراخى
وتراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس فى فزع دائم ، وخوف مستمر
حتى يقع .
وقوله ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ) بيان لشدة العذاب
ودوامه أى : كلما احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة
جلودا غير محترقة مغايرة للمحترقة .
فالتبديل على هذا تبديل حقيقى مادى. بمعنى أن يخلق الله - تعالى -
مكان الجلود المحترقة جلودا أخرى جديدة مغايرة المحترقة.
ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كتابة عن دوام العذاب لهم . وقد ذكر
هذا الرأى الفخر الرازى فقال: ويمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام
وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ .
وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله. فكذا قوله (كلما نضجت جلودهم
بدلناهم جلودا غيرها ).
يعنى: كلما ظنوا أنهم فضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم
قوة جديدة من الحياة. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه)(١).
والذى نزاه أن حمل التبديل على حقيقته أولى ، لأنه ليس لنا أن فعدل
فى كلام الله عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. وهنا لا ضرورة
لذلك، لأن تبديل الجلود داخل تحت قدرة الله - تعالى. ولأن هذا المعنى
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص١٣٥

-
الذى ذكره الإمام الرازى يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة («كل»
تدل على دوام العذاب وعدم انقطاعه ، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا
الآية على الوجه الأول ، فقد روى عن ابن عمر أنه قال : تلا رجل عند عمر
هذه الآية قال : فقال عمر: أعدها على. فأعادها . فقال معاذ بن جبل: عندی
تفسيرها : تبدل جلودهم فى كل ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من
رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
وقوله (( ليذوقوا العذاب، جملة تعليلية لقوله ((بدلناهم .. ، أى بدلناهم.
جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب ، وليحسوا به فى كل مرة كما يحس الذائق
للشىء الذی یذوقه .
وقوله (( إن الله كان عزیزا حكما، تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد
الذى اشتملت عليه الآية الكريمة .
أى: إن الله - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يمنع عقابه
مانع (حكما) فى تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه .
وقوله ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) بيان لحسن الثواب الذى
وعد الله به عباده المؤمنين فى مقابلة بيان العقاب الذى أعده للكافرين .
وتلك عادة القرآن فى تربية النفوس . إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم
يتبعها بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق
الكفر والعصيان، وليغريهم بالسير فى طريق الطاعة والإيمان.
أى: والذين آمنوا إيمانا حقاً، وعملوا فى دنياهم الأعمال الطيبات
"صالحات (سندخلهم) يوم القيامة (جنات تجرى ) من تحت شجر هاوقصورها
(الأنهار) خالدين فيها أبدا) أى: أكر مناهم إ كراما عظيما بأن جعلناهممقيمين
فى الجنة لايموتون ولا يخرجون منها (لهم فيها أزواج مطهرة ) أى لهم فيها
فساء بريتات ومنزهات من جميع الأدفاس الحسية والمعنوية.

- ٢٤٥ ،"
وقوله : ( وندخلهم ظلا ظلميلا) أى : ظلا وارفا جميلا لا يصيب صاحبه
سحر ولا حوم .
٠٠٠
والظل: هو ما يحجب الشمس وحرارتها. والظليل : صفة مشتقة من
الظل للتأكيد على حد قولهم : ليل أليل أى ظلا بلغ الغاية فى جنسه:
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: (ظليلا) صفة مشتقة من لفظ
الظل لتأكيد معناه. كما يقال: ليل أليل. ويوم أيوم وما أشبه ذلك. وهو
ما كان فيتا - أى طويلا ممتدا - لاحوب فيه - أى لاخرق ولا قطع فيه ..
ودائما لا تنسخه الشمس. وسججا - أى متوسطا - لاحرفيه ولا برد.
وليس ذلك إلا ظل الجنة . رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك
الظل(١).
وبعد هذا الحديث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، وجه القرآن
جملة من الأوامر الحكيمة إلى المؤمنين ، فقال - تعالى -:
((إِنَّ الَّهَ يَأْمُرُ كُ أَنْ ◌ُؤَدُوا الْأَمَنَتِ إلى أَهْلِهَاَ، وإذا حَكَنْتُمْ
بِيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحُكُمُوا بالعَدْلِ، إنَّ اللهَ نَسِمًّا يَعِظِكُمْ به، إنَّ اللهَ
كانَ سميعاً بصيراً (٥٨) يَأَيُّها الذين آمنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِ الأمْرِ مِنْكُم، فإِنْ تَنَزَ عُم فى شىء فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ
إِنْ كُنْتُمْ تُؤمِنُونَ بِللهِ واليَوْمِ الآخرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلاً (٥٩))).
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٥١٣

- ٢٤٦ -
قال ابن كثير - عند تفسيره الآية الأولى -: ذكر كثير مق المفسرين
أن هذه الآية نزلت فى شأن عثمان بن طلحة بن أبى مثلحة ... وهو ابن عم
شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذى صارت الحجابة فى نسله إلى اليوم ...
وسبب نزولها فيه : حين أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفتاح السكعبة
منه يوم الفتح ثم رده عليه .
/
ثم قال : قال(محمد بن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر عن عبيد الله بن أبى
ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمانزل بمكة
واطمأن الناس ، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم
الركن بمحجن فى يده . فلما قضى طوافه دعاعثمان بن طلحة فأخذ مفتاح الكعبه
منه ففتحت له فدخلها ...
ثم قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلا اقه وحده لاشريك له . صدق
وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألاكل مأثرة أودم أومال
يدعى فهو تحت قدمى ماتين : إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ...
ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له؟.
فقال : هاك مفتاحك ياعثمان !! اليوم يوم بر ووفاء(١).
هذا ونزول الآية الكريمة فى هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذ العبرة
بعموم اللفظ لابخصوص السبب .
والأمانات : جمع أمانة وهى مصدر سمى به المفعول . فهى بمعنى ما يؤتمن
الإنسان عليه .
والمعنى: إن الله تعالى - بأمركم - أيها المؤمنون - أن تؤدوا ما انتمتم
عليه من الحقوق سواء أ كانت هذه الحقوق لله - تعالى - أم للعباد. وسواء
أ كانت فعلية أم قولية أم اعتقادية .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥١٥ - بتصرف وتلخيص ..

- ٢٤٧ -
وقد أسند - سبحانه - الأمر إليه معنا كيده، اهتماما بالأمور با ، وحها
للناس على أداء ما يؤتمنون عليه من علم ومال ، وودائع ، وأسرار ، وغبر
ذلك مما يقع فى دائرة الائتمان، وقنبغى المحافظة عليه .
ومعنى أدائها إلى أهلها : توصيلها إلى أصحابها كما هى من غير بخس
أو تطفيف أو تحريف أو غير ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التى ترضى
الله - تعالى -.
ومن الآيات القرآنية التى فوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها
قوله - تعالى -: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين
أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ... )(1).
وقوله - تعالى - (والذين هم لأمافاتهم وعهدهم راعون. والذين هم يشهداتهم
قائمون . والذين هم على صلاتهم يحافظون. أولئك جنات مكرمون)(٢).
وأما الأحاديث فمنها مارواه الترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم).
وروى الترمذى وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خافك ).
وقوله : (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أمر بإيصال
الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة
بذممهم .
وقوله ( حكتم) من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين، وإظهار الحق
لصاحبه .
(١) سورة الأحزاب الآية ص ٧٢
(٢) سورة المعارج الآيات من ٣٢ - ٣٥

- ٢٤٨ -
وقوله ( بالعدل) أى بالحق الذى أوجبه الله عليكم. وأصل العدل :
التسوية . يقال : عدل كذا بكذا أى سواه به .
قال الجمل وقوله: (وإذا حكمتم ... ) إذا معمول لمقدر على مذهب
البصريين من أن مابعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير: وأن تحكموا
بالعدل إذا حكمتم بين الناس . أو معمول للذكور على مذهب الكوفيين من
إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها)(١).
والمعنى: وكما أمركم الله - تعالى - أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها،
فإنه يأمركم - أيضا - إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق
والعدل ، فإن الله - تعالى - ما أقام ملكه إلا عليهما، ولأن الأحكام إذاصاحبها
الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات .
قال بعض العلماء : يرى بعضهم: أن الخطاب فى هذا النص موجه إلى الذين
يحكمون، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم. ولامانع عندنا
من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها ، لأن الأمة العزيزة التى تتولى
أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر ، هى محكومة ومحكمة . فهى
التى تختار حاكمها وهى فى هذا محكمة ، مطلوب منها العدل ، فلا تختار لهوى
أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهى محكمة فى حاكمها فلا تقول
فيه إلا حقا ، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط فى نقده ،
ولا تسكن عن نصيحته، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: الدين
النصيحة: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(٢).
وحديث القرآن عن وحوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض.
قال تعالى -: إن يأمر بالعدل والإحسان ... )(٢).
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ١ - ٩٤ م
(٢) تفسير الاية الكريمة للاستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة ١٥
العدد الرابع
(٣) سورة النحل الاية ٩٠

٠٠٠ ٢٤٩ -
وقال - تعالى - ,باداود إنا جعلناك خليفة فى الأرص فاحكم بين الناس
بالحق ولا تتبع الهوى .. ،()
وقال - تعالى -((وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قرب .... (٢).
وقال - تعالى- ((ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. إعدلوا هو
أقرب للتقوى ... )) ٣)
وأما حديث السنة النبوية عن ذلك فهو أيضا مستفيض. ومن الأحاديث
التى وردت فى هذا المعنى مارواه الإمام مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المقسطين عند
أفقه على منابر من نور عن يمين الرحمه . وكلتا يديه يمين . الذين إمـ ـ دلون فى
حكمهم وأهليهم وما ولوا ،
وقوله (( إن الله فعما يعظكم به، جملة مستأففة مقررة لمضمون ما قبلها،
متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين، وحسن إستدعائهم إلى الامتثال لما أمروا به
وقوله (( نعماً)، أصبله ( نعم ما ) فركبت نعم مع ما بعد طرح حركة
الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان وحركت العين
الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين .
و(ما ) إما منصوبة موصوفة بقوله ( يعظكم) فكانه قيل: نعم شيئا
يعظكم به.
وإما مرفوعة موصولة فكانه قيل: نعم الشىء الذى يعظكم به.
والمخصوص بالمدح محذوف وهو أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس
بالعدل .
والوعظ: التذكير بالخير ، والتحذير من الشر» بأسلوب يرق له القلب .
والمعنى: إن الله - تعالى - قد أمركم - يامعشر المؤمنين - بأداء الأمانة،
وبالحكم بالعدل، ولنعم هما شيئا جليلا يذكركم به، ويدعوكم:
(١) سورة ص الآية ٢٦
(٣) سورة المائدة الآية ٨
(٢) سورة الأنعام الآية ١٥

- ٢٥٠ -
وقوله - تعالى - (إن الله كان سميعا عليما) وعد الطائعين ووعيد
العاصين :
أى: إن الله - تعالى - كان سميعا لأقوالكم فى الأحكام وفى غيرها .
( بصيرا) بكل أحوالكم وتصرفاتكم . وسيجازبكم بما تفعلونه من خير
أو شر .
وبعد أن أمر - سبجانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر
المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى -: ( يا أيها الذين
آمنوا أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم .. )
وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان . قال - تعالى - : (من يطع
الرسول فقد أطاع الله .. )
ومعنى طاعتهما : التزام أو امرهما، واجتناب نواهيهما .
والمراد بأولى الأمر .. على الراجح - الحكام. وطاعتهم إنما تكون
فى غير معصية الله، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة
ولا طاعة .
وإنما أمرنا الله - تعالى - بطاعتهم فى غير معصية، لأنهم هم المنفذون لتعاليم
الشريعة ، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التى يقومون على رعاية مصالحها، ولأن
عدم طاعتهم يؤدى إلى إضطراب أحوال الأمة وفسادها .
قال صاحب الكشاف: والمراد ( بأولى الأمر منكم): أمراء الحق ،
لأن - أمراء الجور - الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطقون على الله
ورسوله بوجوب الطاعة لهم. وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين
لهما فى إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما. والنهى عن أضدادهما كاخلفاء
الراشدين ومن تبعهم بإحسان . وكان الخلفاء يقولون: أطيعونى ما عدلت.

- ٢٥١ -
فيكم. فان خالفت فلا طاعة لى عليكم، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد
الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا فى قوله (وأولى الأمر منكم ) فقال له :
أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى
الله والرسول ... ).
وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف
وينهونهم عن المنكر (١)
وأعاد - سبحانه -. الفعل (أطيعوا) مع الرسول فقال: ( أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول) ولم يعده مع أولى الأمر، الإشارة إلى إستقلال الرسول
- صلى الله علية وسلم - بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس منصوصا
عليه فى القرآن ، لأنه لا ينطق عن الهوى، وللإيذان بأن بأن طاعة الرسول -
صلى الله عليه وسلم - أعلى من طاعة أولى الأمر .
وقوله ( منكم) فى محل نصب على الحال من أولى الأمر . أى : أطيعوا
الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم
وملتكم.
وفى ذلك إشارة إلى أنه لاطاعة لمن يتحكمون فى شئون المسلمين ممن
ليسوا على ملتهم .
وقوله : ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون
بالله واليوم الآخر ) بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم
إختلاف فى أمر من الأمور الدينية . والمراد بالتنازع هنا: الاختلاف
والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب. فكان كل واحد من المختلفين يجذب
من غيره الحجة لدليله ..
ومنه قول النبى - صلى الله عليه وسلم - مالى أنازع القرآن) أى ينازعنى
غیری ویحاذبنى فى القراءة . وذلك أن بعض المأمومین جهر خلفه فنازعه
١) تفسير الكشاف جـ ١ صـ ٥٢٤

- ٢٥٢ -
قراءته فشغله ، فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه(١)
والمعنى: فإن تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وأولى الأمر منكم فى
أمر من أمور الدين ( فردوه إلى الله والرسول) أى فردوا ذلك الحكم أو
الأمر الذى اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن
تسألوه عنه فى حياته ، وترجعوا إلى سنته بعد مماته .
قال القرطى: قوله ( فان تنازعتم فى شىء) أى تجادلتم واختطفتم فى شىء
من أمور دينكم (فردوه إلى الله والرسول) أى ردواذلك الحكم إلى كتاب الله
أو إلى رسوله بالسؤال فى حياته، أو بالنظر فى سنته بعد وفاته . وهذا قول
مجاهد والأعمش وقتادة . وهو الصحيح .
ومن لم ير هذا اختل إيمانه، لقوله - تعالى (إن كنتم تؤمنون باقه واليوم
الآخر) ...
وفى قوله (فردوه إلى الله والرسول) دليل على أن سنته - صلى الله عليه
وسلم - يعمل بها ويمتثل ما فيها .
قال - صلى الله عليه وسلم - (مانهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به
فافعلوا منه ما استطعتم . فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم
على أنبيائهم ) . أخرجه مسلم .
وروى أبو داود عن أبى دافع عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال :
(لا ألفين أحدكم متكتا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو
نهيت عنه فيقول : لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه).
وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يخطب الناس وهو يقول: أيحسب أحدكم متكثا على أريكته قد يظن أن اله
لم يحرم شيئا إلا ما فى هذا القرآن الا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت
عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر)(٢)
(١) هاءش تفسير القرطبى = ٥ ٥ ٢٦١
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٦٢ - بتصرف وتلخيص

- ٢٥٣ -
وقوله ((إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، شرط جوابه محذوف عند
جمهور البصريين ثقة بدلالة المذ كور عليه .
أى: إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان فارجعوا فيما تناز عتم
فيه من أمور دينية إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
والجملة الكريمة تحريض للمؤمنين على الامتثال لتعاليم الإسلام وآدابه،
لأن الإيمان الحق يقتضى ذلك .
واسم الإشارة فى قوله: «ذلك خير وأحسن تأويلا ، يعود إلى الرد إلى.
الكتاب والسنة وقوله ((تأويلا)) من آل هذا الأمر إلى كذا أى رجع إليه،
فيكون المعنى : ذلك الذى أمرتكم به من ردما ما اختلفتم فيه إلى الكتاب
والسنة خير لكم وأحمد مغبة ، وأجمل عاقبة .
ويجوز أن يكون قوله ، تأويلا)) بمعنى التفسير والتوضيح فيكون المعنى:
ذلك أى الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحسن تأويلا و تفسيراً من
تأويلكم أنتم إياه، من غير رد إلى أصل من الكتاب والسنة. والأول أنسب
السياق الآية الكريمة .
قال ابن كثير: قوله (( فإن تنازعتم فى شىء فردوه .. الآية)) هذا أمر من
الله - تعالى - بأن كل شىء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردوا
التنازع فى ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال - تعالى -: ((وما اختلفتم فيه من
شىء حكمه إلى الله،. فما حكم به القرآن والسنة رشهد له بالصحة فهو الحق".
وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال - تعالى -: ((إن كنتم يؤمنون بالله
واليوم الآخر)). أى: ردوا الخصومات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا
إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر. فدل على أن من

- ٢٥٤ -
لم يتحاكم فى محل النزاع إلى الكتاب والسنة ، ولا يرجع إليهما فى ذلك، فليس
مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر)) (١).
وقال بعض العلماء: قد يؤخذ من الآية التى معنا أن أدلة الأحكام الشرعية
أربعة. وهى: الكتاب والسنة والإجماع والقياس .. لأن الأحكام إما
منصوصة فى الكتاب أو السنة وذلك قوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول).
وأما مجمع عليها من أول الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه . وذلك قوله
(وأولى الأمر منكم) وإما غير منصوصة ولامجمع عليها. وهذه سبيلها
الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس.
فما ثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذى يراه
الأحناف دليلا. وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذى
الذى يقول به المالكية، والاستصحاب الذى يقول به الشافعية ، كل ذلك إن
كان غير هذه الأربعة فردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها فقدثبت
أن الأدلة أربعة)(٢).
ثم انتقل القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم
الذميمة ، وطباعهم القبيحة، ونفوسهم المريضة ، وحذر المؤمنين من مكرم
وكذبهم، بعد أن حذرهم قبل ذلك من مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة
أنته ورسوله ... استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف النقاب عن حال
هؤلاء المنافقين فيقول :
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥١٨
(٢) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ١١٩. للشيخ محمد السايس.

- ٢٥٥ -
(أَلَّ تَرَ إِلى الذِينَ يَزْعُونَ أَنْهُمْ آمُنُوا بما أُنْزِلَ إليك وما أُنْزِلَ
مِنْ قبلكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتحاكموا إلى الطَّاغُوتِ وقد أُمِرُوا أَنْ
يُكْفُرُوا به، ويُرِيدُ الشّيطانُ أَنْ يُضِّلَّهِمِ ضَلالاً بعيداً (٦٠) وإِذَا قِلَ
لَهُمْ تَعَلَوْا إِلى ما أَنزلَ الهُ وإلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المنافقينَ يَصُدُونَ
عنكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيفَ إذا أصَبَتْهُم مُصيبةٌ بما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
ثمْ جَاءُوكَ يحلِفِونَ بِاللهِ إنْ أَرَدْنَاَ إلا إحْسَانً وتوفيقاً (٦٢) أولئكَ
الذين يعلمُ اللهُ ما فى قُلُوبِهِم فَأعْرِضْ منهم وَعِظُهُمْ وَقُلْ لَهُم فى أَنْفُسِهِم
قولاً بليغاً (٦٣) وما أَرْسَلْنَا مِن رَسولٍ إِلاَّ لِيُطَعَ بِإِذْنِ اللهِ، ولو أَنْهُم
إذْ ظلمُوا أَنفُسَهم جَاءُوكَ فاسْتَغْفِرُوا اللهَ واستغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ،
لُوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ
فيا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِم حَرَجاً مما قَضَيْتَ ويُسَلِّموا
أَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّ كَتَبْنَ عليهم أَنِ افْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا
مِنْ دِيَرِيكُم مَا فَعلوهُ إلَّ قَلِيلٌ منهم، ولو أَنْهُمْ فَتَلُوا مَا يُوعَُّونَ بِه
لكانَ خَيراً لَهُم وأشدَّ تَبِتَا (٦٦) وإذا لَآَنَيْنَهُ مِنْ لَهُنَّ أَجْراً
عَظِيماً (٦٧) ولَهَدَيْنَمُ صِرَاطَاً مستقيماً (٦٨))).
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ((ألم تر إلى الذين
يزعمون ... إلخ)) روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى
وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر
خاصم يهوديا ، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
ودعاه المنافق إن التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم أنهما احتكما إلى النبى

- ٢٥٦ -
- صلى الله عليه وسلم - فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى
نتحاكم إلى عمر بن الخطاب .
فقال اليهودى لعمر : قضى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم
يرضى بقضائه. فقال عمر للمنافق: أ كذلك ؟ قال: نعم . فقال عمر : مكافكا
حتى أخرج إليكما . فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق
المنافق ح: برد - أى مات -، ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله
- تعالى - وقضاء رسوله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت))(١).
والاستفهام فى قوله ((ألم تر .. )) للتعجيب من حال أولئك المنافقين،
وإنكار ماهم عليه من خلق ذميم وإعراض عن حكم اللهورسوله إلى حكم غيرهما.
وقوله ((يزعمون)) من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لاتحقق معه،
كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -: ((وجعلوا لله ما ذرا من
الحرث والأفعام نصيبا فقالوا : هذا لله بزعمهم .. ، أى بكذبهم.
وقد يطلق الزعم على القول الحق .
قال الآلوسي: وقد أكثر سيبويه فى ((الكتاب، من قوله: زعم الخليل
كذا - فى أشياء برتضبها.
والمراد بالزعم هذا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون
خلاف ما يبطنون.
والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون
كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم ، ومن شريعة
عادلة ، ويزعمون كذلك أنهم آمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب
سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر
أمتك من شرورهم .
(١) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ٠٦٧

- ٢٥٧ -
فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، وحض النبى
- صلى الله عليه وسلم - وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا
حذرهم منهم .
وفى وصفهم بادعاء الإيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من
قبله تأكيد للتعجيب من أحوالهم ، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم ؛
ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما التحاكم إلى الرسول - صلى الله
عليه وسلم - وبين ماصدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.
وقوله: ((يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، بيان لموطن التعجيب من
أحوالهم الغريبة ، وصفاتهم السيئة.
والمراد بالطاغوت هنا : ماسوى شريعة الإسلام من أحكام باطلة بعيدة
عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به : كعب بن الأشرف؛
لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماء الله بذلك لكثرة طغيانه
وعداوته للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإيمان بما أنزل إليك - يامحمد -
وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم بريدون - عن محبة وأقتناع - التحاكم
إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه
من دون حكم الله .
وقوله (( وقد أمروا أن يكفروا به، جملة حالية من ضمير يريدون .
أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم
بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله ((ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، معطوف على قوله
(((يريدون .. )، وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم
وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد .
(١٧ - سورة النساء )

- ٢٥٨ -
والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى .
ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم ، بتزيله على سبيل الحجاز منزلة
جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة .
قال ابن كثير : هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى
الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد
أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله. كما ذكر
فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما .
تجعل اليهودى يقول : بينى وبينك محمد . وذاك يقول: بينى وبينك كعب
ان الأشرف . وقيل : فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن
يتحاكموا إلى حكام الجاهليه . وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله ،
فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ماسواهما من الباطل.
وهو المراد بالطاغوت هنا (١) ...
ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة اند
- تعالى - فقال: (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت
المنافقين يصدون عنك صدوداً ،.
أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن
الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك ((رأيت المنافقين
الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وأيتهم لسو
نواياهم، ولؤم طواياهم ((يصدون عنك صدود)) أى يعرضون عنك - يامحمد
إعراضا شديدا .
وقوله « تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) إغراء لهم بتقبل الحق
وحض لهم على الامتثال لشريعة الله ؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥١٩

- ٢٥٩ -
ولكنهم لمرض قلوبهم بنفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت
الباطل .
وقال - سبحانه - ((رأيت المنافقين)) ولم يقل رأيتهم بالإضمار؛
لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإشعار بعلة الحكم أى : رأيتهم لتفافهم
يصدون عنك مدودا .
وقوله ((صدودا)) مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما
بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئا، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.
فذكر المصدر هنا التأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين
حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم ، وهى أنهم إذا مادعوا إلى حكم الله الذى
يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا ، وظهر بذلك
كذبهم ونفاقهم .
ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهراً آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد
والمحن فيقول: ((فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، ثم جاءوك
يحلفون بالله، إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً».
والفاء فى قوله ((فكيف، للتفريع. و((كيف، فى محل رفع خبر
لمبتدأ محذوف .
والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب
بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان ((ثم جاءوك، معتذرين عما
حدث منهم من قبائح، والحال أنهم ((يحلفون بالله، كذبا وزورا « إن أردنا
إلا إحسانا وتوفيقا، أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يامحمد - إلا إحسانا
إلى المتخاصمين ، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم ، ولم يرد بذلك
عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا .
والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب

بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول - صلى الله عليه وسلم - معتذرين،
ستکون حالاً بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما
ارتكبوه من قبائح.
والباء فى « بما قدمت أيديهم ، للسببية. والمراد بما قدمت أيديهمما اجترحوه.
من سبئات من أشدها تحاكمهم إلى الطاغوت . وعبر عن ذلك بقوله : (( بمنا
قدمت أيديهم)): لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإنسان.
والتعبير ثم فى هذا المقام للإشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودم
إذا ما قال لهم قائل : تعالوا إلى حكم الله ... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين
ومقسمين بالإيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإحسان والتوفيق .
وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وأفكشف
أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت ...
ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبهه ما يقوله منافقوا اليوم
عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من
شرائع الناس . فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم ، وعجزوا عن الدفاع عن
أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها إلا بقصد
الإحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى
لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من
عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، وبوع إلى التحاكم
إلى غيرها .
ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد
نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: ((أولئك
تذين يعلم الله ما فى قلوبهم، فأعرض عنهم ، وعظهم ، وقل لهم فى أنفسهم
قولا بليغاً ، ،