النص المفهرس
صفحات 221-240
٠-٢٢١- وقوله ((وكفى ، فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعل والباء مزبدة فيه لتأكيد الكفاية . ووليا ونصيرا منصوبان على التميز . وقيل على الحال .. وكرر - سبحانه - الفعل كفي لإلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب، وأشد مبالغة فيما سبق الكلام من أجله . فكانه - سبحانه - يقول لهم: اكتفوا بولاية الله ونصرته ، وكفاكم الله الولاية والنصرة والمعونة . ومن كان الله كافيه نصره على عدوه فاطمئنوا ولا تخافوا . ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة متى كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإساءة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وإلى المسلمين فقال: (( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)). وتحريف الشىء إمالته وتغييره . ومنه قولهم: طاعون يحرف القلوب، أى يميلها ويجعلها على حرف، أى جانب وطرف . وأصله من الحرف يقال: حرف الشىء عن وجهه ، صرفه عنه . والجملة الكريمة بيان للوصول وهو قوله - تعالى -- ((الذين أوتوا نصيبا من الكتاب)). ويجوز أن يكون قوله ((من الذين هادوا)) خبر لمبتدأ محذوف . وقوله يحرفون الكلم عن مواضعه ، صفة له . أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون السكلم عن مواضعه أى يميلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره ، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق والصواب . قال الفخر الرازى: فى كيفية التحريف وجوه: أحدها : أنهم كانوايبدلون - ٠,٢ ٠- . اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم إسم «ربعة، عن موضعه فى التوراة بوضعهم ((آدم طويل))، وكنحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله. الثانى: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم . وهذا هو الأصح. الثالث: أفهم كانوا يدخلون على النبى - صلى الله عليه وسلم - ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه» (١). والذى نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود للسكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك، لأنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها، أملا منهم فى صرف الناس عن الدعوة الإسلامية ، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم . قال الزمخشرى : فإن قلت: كيف قيل ههنا (( عن مواضعه، وفى المائدة (((من بعد مواضعه))؟ قلت: ((أما عن مواضعه، فعلى مافسرنا من إزالته عن مواضعه التى أوجبت حكمة لقه وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه . وأما (( من بعد مواضعه ، فالمعنى أنه كانت له مواضع قمن بأن يكون فيها. يفين حرفوه تركوه كالغريب الذى لا موضع له بعد مواضعه ومقاره . والمعنيان متقاربان»(٢). ثم حكى - سبحانه - لونا ثانياً من ضلالتهم فقال: ((ويقولون سمعنا - وعصينا، أى. ويقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ما أمرهم بشىء: (١) تفسير الفخر الرازى - ١٠ ص١١٨ طبعة عبدالرحمن محمد (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص٥١٧ - ٣٢٣ - سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون باليهودية . ثم حكى - سبحانه - لوفا ثالثا من مكرهم فقال: ((وأسمع غير مسمع)) وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق. أى: ويقولون ذلك فى أثناء مخاطبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم -. وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر. بان يحمل على معنى ((اسمع «حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه . ووجه محتمل للخير . بأن يحمل على معنى اسمع منا غیر مسمع كلاما تكرهه . فأنت تراهم - لعنهم الله - أنهم كانوا يخاطبون النبى - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا الكلام المحتمل لالشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير، مع أهم لايريدون إلا الشر، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد النبى - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين . ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال: ((وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ((وهو كلام معطرف على ماقبله وداخل تحت القول السابق. وكلمة ((راعنا، كلمة ذات وجهين - أيضاً - فهى محتملة للخير بحملها على معنى أرقبنا وأمهلنا أو إنتظرنا فكلمك. ومحتملة للشر يحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها . أو على السب بالرعونة أى الحمق . قال الراغب: قوله : - تعالى -((وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ،كان ذلك قولا يقولونه للنبى - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التهكم يقصدون به وميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون: راعنا أى: أحفظ. من قولهم: رعن الرجل يرعن رعما فهو رعن ، (١) أى أحمق . واصل كلمة (« ليا، وياً لأنه من لويت، فأدغمت الواو فى الياء لسبقها بالسكون . واللى: الإنحراف والالتفات والانعطاف. (١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفافى ص ١٩٨ - ٫٠٤ والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ فى السمع مشبها لفظا آخرهم يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم . أى أنهم كانوا يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم - على سبيل التهكم والاستهزاء ((راعنا)) ويقصدون بهذا القول الإساءة اليه - صلى الله عليه وسلم - وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقاً ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب إحتمالها للخير إلى جانب إحتمالها للشر. ولذا فقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذه الألفاظ. قال ابن كثير: عند تفسيره لقوله - تعالى - ((يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا واعنا وقولوا أنطرنا .. ): فهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم . وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام مافيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم امائن الله -: فإذا أرادوا أن يقولوا أسمع لنا : يقولوا راعنا، ويورون بالرعونه :. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون. السام عليكم. والسام هو الموت . ولهذا أمرنا أون نرد عليهم :وعليكم . وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن الله - تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ... )، (١). وقوله (وطعنا فى الدين ) أى بقولون ذلك من أجل القدح فى الدين؛ والاستهزاء بتعاليمه، وبنبيه - صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعفلون فقال - تعالى -: (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعناو اسمع وانظرنا لمكان خيراً لهم وأقوم أى: ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم اليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حق وخير ، (سمعنا) قولك سماع قبول وإستجابة، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤٨ -- ٢٢٥ - ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له - صلى الله عليه وسلم - ((واسمع)) إجابتنا لدعوة الحق((وأنظرنا، حتى نفسهم منك ماتريده منا بدل قولهم (واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم ... ، لو أنهم فعلوا ذلك لمكان قولهم هذا خيراً لهم وأعدل من أقوالهم السابقة الباطلة التى حكاها القرآن عنهم. ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلواذلك) فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والآخرة وقد صرح القرآن بذلك فقال: ( ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا)). أى: ولكنهم لم يقولوا ماهو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل ، فاستحقوا اللعنة من اللّه بسبب كفرهم وسوء أفعالهم: ولفظ «قليلا)) فى قوله (( فلا يؤمنون إلا قليلا)) منصوب على الاستثناء من قوله (لعنهم) أى، ولكن لعنهم الله إلا فريقا منهم آمنوا فلم يلعقوا: أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ر كيكا لا يعبأ به ، ولاغنى عنهم من عذاب الله شيئا؛ لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل الله فى التصديق والطاعة. قال - تعالى - ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ویریدور، أن يفر قوا بين الله ورسله ، ويقولون نؤمن ببعض وتكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوابين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق، وأنذرهم بسوء المصير اذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى -: ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فتردها على أدبارها ، أو فلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ). أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤساء من أحبار يهود. منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد (١٥ - سيرة الماء) -٢٢٦- فقال لهم: يا معشر يهود: اتقوا الله وأسلموا. فوالله انكم لتعلمون أن الذى جنتكم به لحق . فتمالوا؛ ما نعرف ذلك يا محمد ، وجحدواما عرفوا وأصروا على الكفر . فأنزل الله فيهم: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم .... الآية) (١). وفى ندائهم بقولهم ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنو ٠٠) تحريض لهم على الإيمان ، لأن أعطاهم علم الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - وألا تأخذهم العصبية الدينية كما أخت أهل مكة العصبية الجاهلية، ولأن هذا الإيمان الذى يدعون اليههو التصديق بما أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن، إذهو يطابق - فى جوهره - ما أنزله - سبحانه - على الأنبياء السابقين الذين تزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم . إذاً فوحدة المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله . ووصفهم هنا بأنهم أوتوا الكتاب ، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوقوا نصيبا من الكتاب ، لأن وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم غلى الإيمان وترغيبهم فيه ؛ واثارة همهم للانقياد لتعاليم كتابهم الذى بشرهم بمبعث النبى - صلى الله عليه وسلم - وأمرهم بالإيمان به. أما وصفهم فيما سبق بأنهم أوتوا نصيبا مر الكتاب فالمقصود منه التعجيب من أحوالهم ، والتهوين من شأنهم . والمعنى: يا معشر اليهود الذين ٦ زاهم الله التوراة لتكون هداية لهم، آمنوا ايمانا حقا (بما نزلنا) من قرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - فان هذا القرآن قد نزل ( مصدقا لما معكم وموافقا للتوراة التى بين أيديكم فى الدعوة الى وحدانية الله - تعالى - والى مكارم الأخلاق ، وفى النهى عن الفواحش (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ض ١٢٠ - ٢٢٧ - والمعاصى، ومؤيدا لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد صلى الله عليه وسلم- ومن آيات تدعو إلى تصديقه والإيمان به . وعبر عن القرآن بقوله: ((بما نزلنا)؛ لأن فى هذا التعبير تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل بأمر الله وحفظه . وعبر عن التوراة بقوله ((لما معكم، لأن فى هذا التعبير تسجيلا عليهم بأن التوراة كتاب مستصحب عندهم وقريب من أيديهم، وشهادته بصدق التى - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة جلية، فإذا ماتر كوا شهادته مع وضوحهاومع استصحابهم له كان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً .. ثم أنذرهم - سبحانه - بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإيمان بدعوة الإسلام فقال - تعالى - «من زقبل أن نطمس وجوها فتردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا))، والطمس إزالة الأثر بالمحو. قال الله - تعالى - ,فإذا النجوم طمست» أى: زالت ومحيت. ويقال: طمست الريح الأثر إذا محته وأزالته . وللمفسرين فى المراد من معنى الطمس هنا اتجاهان: أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما فى الوجه من أعضاء ومحو أثرها. فيكون المعنى: يأيها الذين أوتو الكتاب آمنوا بما تزلنا مصدقا لما معكم ((من قبل أن نطمس وجوها، أى نمحو تخطيط صورها من عين وأقف وفم وخاجب ((فتردها على أدبارها، أى فنجعلها على هيئة أدبارها وهى الأقفاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة وغير هما . قال الإمام الرازى: وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه -- ٢٢٨ - فى الخلقة والمثلة والفضيحة؛ لأن عند ذلك يعظم الفم والحسرة .... )(١). ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقتة الإمام ابن جرير فقد قال : « وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، قول من قال: معنى قوله «من قبل أن نطمس وجوها ، من قبل أن نطمس أبصارها، ونمحو آثارها، فنسويها كالأقفاء . فتردها على أدبارها، فنجعل أبصارها فى أدبارها، يعنى بذلك: فنجعل الوجوه فى أدار الوجوه. فيكون معناه: فنحول الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشوا القهقرى، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك ..... (٢) وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون فى آخر الزمان ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون فى الآخرة. ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم ، وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى . فيكون المعنى: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسو قلوبكم، وتطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال، وتماديها فى العناد . قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه : هذا مثل ضربه الله لهم فى صرفهم عن الحق وردهم ، إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال. پرعون ويمسون القهقرى ءس أدبارهم. وهذا كما قال بعضهم فى قوله- تعالى- (( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا .. ، أى هذا مثل سوء ضربه الله لهم فى ضلالهم ومنعهم عن الهدى . قال مجاهد : من قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق: فيردها على (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٢١ طبعة عبد الرحمن محمد. (٢) تفسير ابن جرير جـ ه ص ١٢٣ طبعة الحلبى. - ٢٢٩ - أدبارها أى فى الضلال. وقال السدى: معناه: فنعمها عن الحق ونرجعها كفاءا ... ،(١). وقال الفخرى الرازى-بعد أن بين معنى الآية على القول الأول -: أما القول الثانى: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها. الأول : قال الحسن: نطمسها عن الهدى، فتردها على أدبار ها أى على ضلالتها والمقصود بيان إلقائها فى أنواع الخذلان وظدات الضلالات. الثانى: يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير . وبالوجوه : رؤسائهم ووجهاؤهم . والمعنى: من قبل أن نغير أحوال وجهاتهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهه وفكرهم الصغار والإدبار والمذلة . الثالث: قال عبد الرحمن بن زيد:هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ذلك فى إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأربحاء من أرض الشام .. فيكون المراد بطمس الوجوه على هذا الرأى: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها ،. وقد مال الفخرى الرازى إلى القول الثانى ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة ... ))(٢) . وقال بعض العلماء: إن الذى يبدو لنا من ظاهر المص وهو قوله - تعالى - * من قبل أن نطمس وجوهافتردها على أدبارها: أنه يراد به سحقهم فى القتال، وحملهم على أن يولوا الأدبار ، فتكون وجوههم غير بادية بصورها ، بعد أن كانوا مقبلين بها ، فأزالها السيف والخوف، وجعل صورتها مختفية ، وأقفيتهم هى البادية الواضحة ، فكأن صورة الوجوه قدزالت وحلت محلها صورة الأدبار. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٠٨ (٢) تفسير الفخر الرازى = ١٠ ص ١٢١ ، بتصرف يسير .. - ٢٣٠ - وعلى ذلك يكون المعنى: إنكم استرسلتم فى غيكم وضلالكم . ومع ذلك مطالبكم بالهداية والإيمان قبل أن ينزل بكم غضب الله - تعالى - فى الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم، فيذيقوتكم بأس القتال فتفرون ، وتختفى وجوهكم ... ،(١) هذه بعض الوجوه التى قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعندى وأن اللفظ محمول على المجاز، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من الاعتراضات والإشكالات التى أوردها بعض المفسرين - كالرازى والآلوسى - عند تفسيرهما للآية الكريمة . وقوله (( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت)) بيان العقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة . واللعن: هو الطرد من رحمة الله - تعالى -. فالآية الكريمة دعوة لليهود إلى الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه. وسلم - من قبل أن يطبع الله - تعالى - على قلوبهم ويذهب بنورها فلاتتجه إلى الحق ولا تميل إليه. أو من قبل أن يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم. عبرة للمعتبرين . وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت، فحايلوا على استحلال ما حرمه الله يحيل قبيحة ، فأنزل الله عليهم عذابه، ومسخهم قردة ... وقد ذكر الله قصتهم بشىء من التفصيل فى سورة الأعراف(١). وكلمة، أو، فى الآية الكريمة لمنع الخلو. فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم بعقوبة من هاتين العقوبتين، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثانية إن هم استمروا فى ضلالهم وطغيانهم . (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام السنة الخامسة عشرة - العدد الأول. (٢) راجع كتابنا (بنوا إسرائيل فى القرآن والسنة)) =٢ من ص٥٢-٦٠ هـ - ٢٣١ - والضمير المنصوب فى قوله, فلعنهم)) يعود لأصحاب الوجوه. أو الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات . وقوله (( وكان أمراقه مفعولا، أى كان ومازال جميع ما أمر الله به وقضاه نافذا لامحالة؛ لأنة - سبحانه - لا يعجزه شىء فى الأرض ولا في السماء: والجملة الكريمة تذييل قصدبه تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويدخلوا فى صفوف المؤمنين . وقوله « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يها . .... » إستئناف مسوق لتقدير ما قبله من الوعيد، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإيمان ، لأنه لامغفرة إذا انتفى الإيمان. والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر ؛ فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوايا. والمعنى: إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر مادون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير قوبة . فمن مات من المسلمين بدون قوبة من الذنوب التى اقترفها فأمره مفوض إلى الله، ان شاء عفاعنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة . وقوله (( ومن يشرك بالله فقد افترى إنماعظيما، استئناف مشعر بتعليل عدم غفر ان الشرك، وزيادة فى تشنيع حال المشرك. أى. ومن يشرك بالله فى عبادته غيره من خلقه، فقد ارتسكب من الآثام ما لا تتعلق به المغفرة ، لأنه بهذا الإشراك قد افترى الكذب العظيم على الله ، واقترف الإفك المبين ، وفعل أعظم ذفب فى الوجود: قال القرطى: قوله - تعالى -: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ، روى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - تلاهقل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ... ، فقال له رجل : يارسول الله والشرك !! فنزل: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ... الآية)». وهذا من المحكم المتفق عليه الذى لا اختلاف فيه بين الأمة . - ٢٣٢ . وقوله ، ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، من المتشابه الذى قد تكلم العلماء فيه. فقال ابن جرير الطبرى : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو فى مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه مالم تكن كبيرة، شركا بالله - تعالى - .... (١) . وقد أورد ابن كثير عند تفيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها . ومن هذه الأحاديث مارواه الحافظ أبو يعلى فى مسنده عن جابر أن الغبى - صلى الله عليه وسلم - قال: لاتزال المغفرة على العبد مالم يقع فى الحجاب، قيل يانى الله وما الحجاب؟ قال: الإشراك بالله. ثم قرأ: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به .... الآية) . وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - لانشك فى قاتل النفس، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ... ، وفى رواية لابن أبى حاتم : فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - تعالى -.. )،(٢). وقل الآلوسي: ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزله - الذين يسوون بين الإشراك بالله وبين إرتكاب الكبيرة بدون توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه مخلد فى النار. وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين: إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون .... وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك (١) تفسير القرطی جه ص٢٤٥ (٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٠٥١٠ -- ٢٣٢ - عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا - صلى الله عليه وسلم -. قوله - تعالى - ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ... ، وقال: ((إنى أُدخرت دعونى وشفاءتى لأهل الكبائر من أمتى فأمسكينا عن كثير مما كان فى أنفسنا ثم نطقنا ورجونا). وقد استبشر الصحابة بهذه الآيةحتى قال على بن أبى طالب: أحب آية إلى فى القرآن (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ،(١). ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من قبائح اليهود فقال: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم، بل الله يزكى من يشاء ولا يظلون فتيلا. أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إنماً مبيناً). روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين أن رجالا من اليهود آنوا النبى - صلى اعليه وسلم - بأطفالهم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال: لا. فقالوا: والله مانحن إلا كهيتهم . ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار ، (٢). ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا (لن تمسنا الغار إلا أياما معدودة)). وحكى عنهم أنهم كانوا ((يأخدون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا)). وحکی عنهم وعن النصارى أنهم قالوا : « نحن أبناء اله وأحباؤه) . والاستفهام فى قوله - تعالى - ((ألم تر .. )) للتعجب من أحوالهم، والتهوين من شأنهم حيث بالغوا فى مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون فى ذلك . وقوله (( يزكون أنفسهم)) من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن القبيح . والمراد بهذا التعبير هنا : أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة ، ويمدحوتها مدحا كثيرا، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم وأفعالهم. (١) تفسير الآلوسى = ٥ ص ٥٣ ٠ (٢) تفسير المكشاف جـ ١ ص ٠٥٢٠ - ٢٣٤ -" والمعنى: ألم ينته علمك يامحمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين يمدحون أنفسهم ويثنون عليها مختالين متفاخرين مع ماهم عليه من الكفر وسوء الأخلاق ؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فما نحن نكشف لك عن خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وأيتعجب منهم كل عاقل . وقوله (« بل الله يزكى من يشاء) إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده، وهو أن التزكية شهادة من الله ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه، وإعلام منه - سبحانه- بأن تزكيته هى التى يعتد بها لا تزكية غيره ، فإنه هو العالم بما ينطوى عليه الإنسان من حسن وقبيح ، وخير وشر . وقوله ((ولا يظلمون فتيلا، بيان لكمال عدله - سبحانه - وأنه لا يظلم أحدا من خلقه لا قليلا ولا کثیرا . والفتيل : هو الخيط الذى يكون فى شق النواة . وكثيرا مايضرب به. المثل فى القلة والحقارة . أى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير حق يعاقبون على هذا الكذب. بما يستحقون من عقاب عادل لا ظلم معه؛ لأنه - سبحانه - لايظلم أحدا من عباده شيئا بل يجازى كل إنسان بما هو أهل له من خير أو شر. ثم أكد - سبحانه - التعجيب من أحوالهم فقال : انظر كيف يفترون على الله الكذب ... ،، أى: انظر أيها العاقل كيف يفترى هؤلاء اليهود على الله الكذب فى تزكيتهم لأنفسهم مع كفرهم وعنادهم وارتكابهم الأفعال القبيحة التى تجعلهم. أهلا لكل مذمة وسوء عاقبة . وقد جعل - سبحانه - افتراءهم الکذب لشدة تحقق وقوعه ، کانه أمي مرئى يراه الناس بأعينهم ، ويشاهدونه بأبصارهم . - ٢٣٥ - وقوله ((وكفى به إنما مبينا)، أى: وكفى بافتراتهم الكذب على الله إنما ظاهرا بينا يستحقون يسيبه أشد العقوبات ، وأغلظ الأهافات. قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - ,ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم .. ، يقتضى الغض من المزكى لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكى المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله - تعالى -، فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسة ، وإنما العبرة بتزكية الله له . وأما تزكية الغير ومدحه له ففى البخارى من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند النبى - صلى الله عليه وسلم- فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مراراً - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك ، وحسيبه الله ولا يزكى على الله أحداً،. فنهى - صلى الله عليه وسلم - أن يفرط فى مدح الرجل بما ليس فيه .. فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (( ويحك قطعت عنق صاحبك)). ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له فى أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به فى أشباهه ليس مدحا مذموماً. وقد مدح النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الشعر والخطب والمخاطبة ... ومدح - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: ((إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع، (١) . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من رذائلهم وقبائحهم التى تدعو إلى مزيد من التعجيب من أحوالهم . والتحقير من شأنهم فقال - تعالى - : ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاعون ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)). (١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٢٤٦ - ٠٢٣٦- روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: ماجاء عن ابن عباس" أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا إلى مكة فى جمع من اليهود ليحالة وا قريشا على حرب النبى - صلى الله عليه وسلم. منزل كعب على أبى سفيان فأحسن منواه. ونزلت اليهود فى دور قريش. فقال أهل مكة اليهود: إنك أهل كتاب ومحمد - صلى الله عليه وساء - صاحب كتاب فلا تأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردتم أن تخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا. ثم قال كعب: يا أهل مكة ليجىء منا ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت على قتال محمد - صلى الله عليه وسلم - ففعلوا ذلك . فلما فرغوا قال أبو سفيان المكعب: إنك امرؤ تقرؤ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لاتعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد ؟ قال كعب: أعرضوا على دينكم . فقال أبو سفيان: نحن فتحر للحجيح الكوماء، ونسقيهم اللبن، ونقرى الضيف ، وتمك العانى ، وفصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به ، ونحن أهل الحرم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث . فقال كعب: أنتم واقه أهدى سبيلا مما عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله الآ ية(١). والجبت فى الأصل : اسم صنم ثم استعمل فى كل معبود سوى الله - تعالى- والطاغوت : يطلق على كل باطل وعلى كل ماعبد من دون الله، أوكل من دعا إلى ضلالة. أى: يصدقون بأنهما آلهة ويشركونهما فى العبادة مع الله - تعالى -. أو يطيعوفهما فى الباطل. قال ابن جرير: والصواب من القول فىتأويل ((يؤمنون بالجبت والطاغوت)) (١) تفسير الآلوسى = ٥ ص ٥٥ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله، بتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أوخضوع له ، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان،(١). وقوله ((ويقولون الذين كفروا ... ، بيان لما نطقوا به من زود وبهتان . أى: ويقولون ارضاء الذين كفروا وهم مشر كومكة هؤلاء فى شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت، ((أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أى أقوم طريقا، وأحسن دينا من أتباغ محمد - صلى الله عليه وسلم -. واللام فى قوله ( للذين كفروا ) لام العلة . أى : يقولون لأجل الذين كفروا .... والإشارة بقوله ( هؤلاء أهدى) إلى الذين كفروا. وإبراد النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعنوان الإيمان، ليس من قبل القائلين ، بل من جهة الله - تعالى- تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات . . ثم بين - سبحانه - مصيرهم السىء بسبب انحرافهم عن الحق فقال- تعالى- ( أولئك الذين لعنهم الله .... ) أى: أولئك الذين استحوذعليهم الشيطان، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لأصنامهم، وزكوا أفعالهم ... أولئك الذين هذه صفاتهم (لعنهم الله) أى: أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخز !هم بسبب كذبهم فى حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطار على طاعة الرحمن . ( ومن يلعن الله فلن تجد له قصيرا) أى ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته. فلن تجد له فاصرا ينصره ، أوشفيعا يشفع له . (١) تفسير ابن جرير = ٥ ص ٠١٣٣ - ٢٣٨ - وإسم الإشارة , أولئك، مبتدأ. والموصول وصلته خبر. والجملة مستأنفة لبيان حالهم ، وإظهار سوء مآلهم . والإتيان باسم الإشارة هنا فى نهايه البلاغة ، لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار جديراً بأن يشار اليه بكل إزدراء وإحتقار . وفى قوله (( ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً، بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركي قريش ، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون، لأنهم هم المقربون عند ، ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلا . هذا، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين ، وتفضيلهم إياه على المؤمنين - كما حكمته الآية الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل والفنون. فقد قال فى كتابه ((تاريخ اليهودفى جزيرة العرب)) معلقا على هذه القصة : وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا فى هذا الخطأ الفاحش ، وألايصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامى ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم ، لأن بنى إسرائل الذين كانو المدة قرون حاملى راية التوحيد فى العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين ، والذين فكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل وإضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد فى عصور شتى من الأدوار التاريخية ... كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز عليهم فى سبيل أن يخذلوا المشركين ، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأوثان، إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التى توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة (١)) ثم إنتقل - سبحانه - من توبيخهم على نزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الرحمن ... إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال - تعالى -: ( أم لهم نصيب منى الملك، فإذا لا يؤتوز الناس فقيرا). (١) تاريخ اليهود فى جزيرة العرب لإسرائيل ولفنسون - ٢٢٩ - و(إم) هنا منقطعة بمعنى بلى فهى للإضراب والانتقال، والهمزة للاستفهام الإنكارى أى : لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وإبطال زعمهم من أن الملك يعود إليهم فى آخر الزمان ، والفاء فى قوله ( فإذا ) للسبية الجزائية الشرط محذوف . والفقير : النكتة التى تكون فى ظهر النواة " ويضرب به المثل فى القلة والحقارة. والمعنى: إن هؤلاء اليهود ليس لهم نصيب من الملك البتة، لأنهم لا يستحقونه، ولأنهم لو أوتوا نصيبا منه على سبيل انفرض فإنهم لشدة حرصهم وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم منه أقل القليل . وقد كنى عن أقل القليل هذا بالنقير . فأنت ترى أن الآية الكريمة ترد على ما يزعمة اليهود من أن المنك لهم ، وأنهم لا يليق بهم أن يتبعوا غيرهم، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن العدل والقسط. ومن كانت هذه صفاته، فقد اقتضت حكمة الله أن يحرمه نعمة الملك والسلطان . ثم انتقل - سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره ما سبق إلى تقريمهم على رذيلة الحسد الى استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم بتألمون لما يصيب الناس من خير ويتمنون زواله فقال - تعالى -: (أَم يحسدون الناس على ما آتاهم ألقه من فضله . ؟ و (أم ) هنا منقطعة أيضا كسابقتها، والاستفهام المقدر بعدها الإنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم . والمراد من الناس: النبى - صلى الله عليه وسلم - أو هو والمؤمنون معه . وقيل المقصود من الناس : العرب عامة . قال الفخر الرازى: والمراد من الناس .. عند الأكثرين - أنه محمد - ٢٤٠ - صلى الله عليه وسلم - . وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد؛ لأنه اجتمع عند، خصال الخير مالا يحصل إلا متفرقا فى الجمع العظيم ... أو المرادبهم: الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين؛ لأن لفظ الناس جمع حمله على الجمع أولى من حمله على المفرد. وحسن لفظ. إطلاق الناس عليهم هم القائمون بالعبودية الحق لله - تعالى - فكأنهم كل الناس ... ((١). والمراد بالفضل فى قوله ( على ماآناهم الله من فضا ؛ النبوة والهدى والإيمان . والمعنى: إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ماهو أقبح من البخل وهو الحسد، فلقد حسدرا النبى - صلى الله عليه وسلم - لأن الله منحه النبوة وهو رجل عربى ليس منهم، وحسدوا أتباعه لأنهم آمنوابه وصدقوه وألتفوا من حوله بوازريفة ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم. وقوله ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناه ملكا عظيما ) توبيخ لهم على حسدهم ، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم . والمعنى: إنكم بحسدكم النبى - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله من فضله، تكونون قد ضللم وسرتم فى طريق الشيطان، لأنكم لو كنتم عقلا. لما فعلتم ذلك، إذ أنتم تعلمون علم اليقين أن الله- تعالى- قد أعطى (آل إبراهيم) أى: قرارية القريبة من ذريته كإسماعيل -وهو جد العرب - وإسحاق ويعقوب وغيرهم .. أعطاهم (الكتاب ) أى: جنس الكتب السماوية فيشمل ذلك التوراة والإنجيل والزبور وغيرها . وأعطاهم ( الحكمة ) أى العلم النافع مع العمل به. وأعطاهم ( ملكا عظيما) أى سلطانا واسعا وبسطة فى الأرض . وسمع ذلك فأنتم لم تحسدوا دؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ض ٠١٣٢