النص المفهرس
صفحات 201-220
-٢٠١٠ - والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أخفتهم الأرض فى باطنها بحيث لا يظهر شىء منهم عليها فى أى وقت من الأوقات . وجملة («لوتسوى بهم الأرض)) مفعول ((يود)، على أن لومصدرية. أى: يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسه بهم حتى لكأنهم جزء منها. وقوله (( ولا يكتمون الله حديثا، معطوف على ((يود)، أى أنهم يومئذ يودون لوقسوى بهم الأرض ، ويعترفون لله تعالى بجميع مافعلوه ، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم . ويصح أن تكون الواو فى قوله (( ولا يكتمون) الحال. أى: أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض والخال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله - تعالى حديثا من أحوالهم فى الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان. والمقصود أفهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا ما ارتكبوه من جرائم. أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق - وكان من يسألون عن متشابه القرآن - أنى إلى عباس فقال: يا بن عباس: قول الله - تعالى-((ولا يكتمون الله حديثا، وقوله («واتهربناما كنا مشركين» - كيف الجمع بينهما؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من :د أصحابك فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن . فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله - تعالى - يجمع الناس يوم القيامة فى بقيع واحد . فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا من وحده. فيقولون: تعالوا فجحد فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشر كين . قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فنشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين . فعند ذلك تمنوا لوأن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثاً))(١) . (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٩٤. - ٢٠٢ -٠ وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ارت بإخلاص العبادة لله-تعالى- وحده كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين ، واليتامى والمساكين ؛ وإلى الجار القريب والبعيد، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان . وبينت أن الله - تعالى - لا يظلم أحداً مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات ، ويعطى المحسن من ألوان الخير مالا يعلمه ألا هو - سبحانه - وفيهت الكافرين إلى سوء مصيرهم حتى يؤوبوا إلى رشدهم ويسيروا فى الطريق القويم من قبل أن يأتى يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم الندم أو التمنى . ٠٠ ٠ ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تطهير بد فى وروحى حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله، فقال - تعالى - : (( يَأَيَُّ الذين آمنوا لا تقرَبُوا الصلاةً وأنتم سُكَرَى حتى تعلَُّوا مَا تَقُولُونَ ولا جُنُباً إلا عَابِرِى سبيلٍ حَتَّى تغتَسِلوا، وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أُوْ عَى سَفَرٍ أو باء أَحَدٌ مِنِكُمْ مِنِ الغَائطِ أوْ لاَ مَسْتُم النساءِ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءٍ فَتَيَّمُوا صعيداً طيباً، فَامْتَحُوا بوجُوهِكُم وأَيدِيكُم إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوَّا غَفُوراً (٤٣))). روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها مارواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هر وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر ، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: قل يا أيهنا الكافرون خلط فيها. فنزلت: ((يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سکاری ... )). وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا - ٢٠٢ - عبد الرحمن بن عوف طفاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت اخر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال: فقرأ: (قل يأيها الكافرون . أعبد ما تعبدون . ونحن نعبد ماتعبدون . فأنزل الله الآية .. قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر . كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله-تعالى- ((يسألونك عن الخمر والميسر .. الآية، فإن رسول الله - صلى الله عليه - تلاها على عمر. فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: اللهم بين لنافي الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبي داود: فكان منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ... إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) فقال عمر: انتهينا. انتهينا) (١). والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء: الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام وركوع وسجود . والمراد بقربها: القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - فهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشياتها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها . وقرله ( سکاری ) جمع سكر ان. وأصل السكر فى اللغه السد . ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا) أى: انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور ، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها . (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٠٠ - ٢٠٤ - والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والى يفقد معها وعيه، ويسد ما بين المرء وعقله. والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما . وهذا اللفظ يترى فيه - على الصحيح - الواحد. والمثنى والجمع. والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة. وعابر السبيل: مجتاز الطريق وهو المسافر . أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب . يقال: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه . والمعنى: يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر. حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا ؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها. ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا: مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل . والمعنى عليه : لاتقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأتم سكارى ، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها فإنه يجوز لكم ذلك . روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى -: ( ولا جنبا إلا عابرى سبيل) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء . ولا يجدون مرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ( ولاجنبا إلا عابرى سبيل)(١). (١) تفسير ابن جرير ج ٥ ص ٠٩٩ -- ٢٠٥- وقال بعض العلماء: وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ((وأنتم سكارى، تقوى بها الصلاة على معناها الحقيقى، من دون تقدير مضاف: وقوله : ((إلا عابرى سبيل، يقوى تقدير المضاف. أى: لا تقربوا موضع الصلاة. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهى - وهو قوله: وأنتم سكارى . يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى . وبعض في ود النهى - وهو قوله: إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد. مواضع الصلاة . ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده اندال عليه . ويكون ذلك بمنزلة نهبين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما : لا تقربوا الصلاة التی هی ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى . ولا تقربوا مواضيع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز)) (١) وفى فدائهم بصفة الإيمان ، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم ، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة واستجابة قه رب العالمين. وقوله دوأنتم سكارى، جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع الإيمان السليم ، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب . وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم، وإستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب. ولاشك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القاطع لشرب الخمر فى جميع الأوقات كما سبق أن أشر نا. وقوله (( حتى تعلموا ما تقولون) غاية للنهى وإيماء إلى علته. (١) تفسير القاسمى = ٥ ص ١٢٤٧ - نقلا عن: فتح البيان. - ٢٠٦ - وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة . وما فى قوله «ما تقولون , موصولة بمعنى الذى أو ذكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه . أى: حتى تعلموا ما تقولونه علما يقيفيا لا غلط معه ولا تخليط ، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك ما تقتضيه الصلاة. قال الآلوسي: وقد روى أنهم كانوا بعد ما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا مايقولون،١) وقوله (، ولا جنبا، معطوف على قوله , وأنتم سكارى، إذ الجملة فى موضع النصب على الحال . والإستثناء فى قوله (( إلا عابرى سبيل، مفرغ من أعم الأحوال . وقوله « حتى تغتسلوا، بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب. والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء . وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة . وهو كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإنسان حسن الإستعداد لذ كراشهولأداء الصلاة عد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله . ٤٤٠. جل ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التميم عند العجز عن الماء فقال: ((وإن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامتم النساء ، فلم تجدوا ما. فتيمموا صعيد طيبا فامضحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا، والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - : ((وإن كنتم مرضى)): المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأنّ يكون (١) تفسير الآلوسی × ٥ ص ٣٩ - ٢٠٧ - إستعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطى. البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك. وقوله: (( أو على سفر، فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله: دمرضى». أى: وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنم فى حاجة شديدة اليه، أو كان هناك ما يمنع من إستعمال الماء وقوله (( أو جاء أحد منكم من الغائط) معطوف على قوله: (( كنتم)) والغائط من الغيط. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ايتوارى عن أعين الناس . وفى إسناد المجىء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما يستهجن التصريح به. أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ما. تتطهرون به من الحدث. أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من إستعماله .. والمراد بالملامسة فى قوله (( أو لامستم النساء، الجماع عند بعض الفقهاء قال الألوسى ماملخصه: قوله - تعالى - ((أو لامستم النساء)) يريد - سبحانه -: أوجامعتم النساء. إلا أنكنى بالملامسة عن الجماع، لأنه مما يستهجن التصريح به أو ينتحي منه. واليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما. وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ما سستم بشرتهز يبشرتكم . وبه إستدل الشافعى على أن المس ينقض الوضر .. وقال مالك : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا ... - ٢٠٨ ٠ وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة ... )) (١) والفاء فى قوله , فلم تجدواما.، عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ((وإن كنتم مرضى)). والضمير فى قوله (( تجدوا)) يعود لمكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله (( أو جاء أحد منكم من الغائط، بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله : كنتم ولا مستم، والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى . أى أن قوله (((فلم تجدوا ماء، كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر إستعماله كالمعدوم. وقوله (، فتيمموا صعيدا طيبا، جواب الشرط وهو قوله: ((وإن كنتم» والمعنى: وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارةكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من إستعماله ، فعليكم أن تقيمموا صعيدا طيبا ، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - ما جعل عليكم فى الدين من حرج. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله: ((فلم تجدوا ما.» يعود إلى الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباج لهم التمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله . وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان . عدم الوجدان المسبى. والتيمم لغة : القصد. يقال تيممت الشىء أى قصدته. ويطلق فى الشرغ على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. وأما الصعيد - برزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ، ترابا كان أو غيره . وقيل يطلق غلى التراب خاصة . (١) تفسير الآلوسی × ٥ ص ٢. ١ - ٢٠٩ - والطيب : الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر .. أى : إذا لم تجدوا ما. للتطهر به أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله فاقصدوا ترابا طاهراً بارزاً على وجه الأرض لكن تستعملوه فى طهار تكم عوضا عن الماء . وقوله (, فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) بيان لكيفية التيمم. أى: اقصدوا تراباً على ظاهر الأرض ظاهراً فامسحوا منه بوجوهكم وأیدیکم . وقوله (((إن الله كان عفواً غفورا، تذييل قصد به بيان أنه -سبحانه - متصف بالعفو فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذي يسهل عليهم أداؤه من غير مشقة مرهقة، وأنه هو الغفار الذى يغفر المقصرين والمخطئين ذنوبهم متى نابوالإليه واستغفروه مما صدر عنهم من ذاوب . هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها لمدماء من هذه الآية ما يأتى: ١ - أن من الواجب على المسلم عندما يتهيأ للصلاة أن يتجنب كل ما يتعارض مع الخشوع فيها ، لأن الصلاة مناجاه ووقوف بین یدی الله - تعالى - ، ومن شأن المناجى لله - تعالى - أن يتفرغ لذلك، وأن يكون على درجة من العلم والفهم تمكنه من الوقوف الخاشع بين يدى الله رب العالمين . ٢ - أن الصلاة محزمة على السكر ان حال سكره حتى يصحو. فإذا أداها حال سكره تكون باطلة ، وكذلك الحكم بالنسبة للحدث أو الجنب حتى يتطهر . ٣ - استدل بهذه الآية - مزقال بأن المراد بالصلاة مواضعها - على أنه يحرم على السكر ان دخول المسجد، لما يتوقع منه من التلويث وخمش القول، ويقاس عليه كل ذى نجاسة يخشى معها التلويث والسياب ونحوه . (١٤ - سيرة الماء ) - ٠;٢ - ٤ - استدلوا بقوله - تعالى -: ، حتى تعلموا ما تقولون)، على أن المسلم منهى عن الصلاة حال النعاس أو ما يشبهه، لأنه فى هذه الحالة لا يعلم ما يقول ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا بعر أحدكم وهو يصلى فايرقد حتى يذهب عنه النوم . فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعى لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه). وروى البخارى عن أنس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا نعس أحدكم فى الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ). قال الفخرى الرازى ما ملخصه : ويرى الضحاك أنه ليس المراد من لفظ (سكارى) السكر من الخمر، وإنما المراد منه سكر النوم. لأن لفظ السكر يستعمل فى النوم فكان هذا اللفظ محتملا له .... ثم قال الرازى : وأعلم أن القول الصحيح هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو أن المراد من لفظ ( سكارى) السكر من الخمر، لأن لفظ السكر حقيقة فى السكر من شرب الخمر، والأصل فى الكلام الحقيقة ... ، ولأن جميع المفسرين قد تفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت فى شرب الخمر ... ) () ٥ - استدلوا بقوله - تعالى - ( ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) على أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد، إلا أنه يجوز له المرور فيه قال ابن كثير ما ملخصه :قال ابن عباس فى قوله (ولا جنبا إلا عابرى-بيل): لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سبيل. أى تمر به مراً ولا تجلس ... وردی ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب فى قوله - تعالى - (ولا جنباإلا عابرى سبيل ) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجدف كانت تصيم الجنابة ولا ماء عندهم فيردون الماء ولا يجدون مروراً إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ( ولا جنبا إلا عابرى سبيل) ويشهد لصحة ذلك ما ثبت فى صحيح (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ٥ ١٠٩ - بتصرف وتلخيص -. - ٢١١ - . البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (سدوا كل خوخة فى المسجد إلا خوخة أبى بكر ... ) وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً متى أمنت كل واحدة منهما التلويث فى حال المرور ... ثم قال ابن كثير: وقوله ( حتى تغتسلوا) دليل لماذهب إليه الأثمة الثلاثه: أبو حنيفة ومالك والشافعى من أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله. وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث فى المسجد، لما روى من أن صحابة كانوا يفعلون ذلك. وعن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلسون فى المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم)(١) . ٦ - ظاهر قوله - تعالى - ( فلم تجدوا ماء فتيمموا) يفيد أن التيمم لا يصح مع وجود الماء، لأن الآية الكريمة قد رقبت الأمر بالتيمم على ففى وجود الماء. ولكن هذا الظاهر غير مراد، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجد ما .. وكنافى حاجة شديدة إليه ، أو لا نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن تقيمم، وهذا بتعارض مع سماحه الشريعة الإسلامية ويسرها ، قال - تعالى: ( يريدالله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقال - تعالى -: ( ما جعل عليكم فى الدين من حرج). ويتعارض "كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس ، زو التيسير على الناس لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء فى الطهارة ليقعوا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٠٣، - ٢١٢ - فى العنت بسبب العطش أو الجوع. أو بإلزامهم استعمال الماء فى طهارتهم مع أن فى استعماله مضرة بها . لذا قال العلماء: إن التيمم مشروع للمسلم عند، فقده للماء ، أو عند وجود الماء ولكن هناك عارض يمنعه من استعماله كرض أو نحوه. ولقد ورد فى السنة النبوية الشريفة ما يشهد بأنه يجوز للمسلم أن يتيمم مع وجود الماء متى كان هناك ما يمنع من استعماله . ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطنى عن جابر قال : خرجنا فى سفر. فأصاب رجلا منا حجر فشجه فى رأسه . ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لى رخصة فى التيمم ؟ فقالوا : ماتجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فات. فلما قدمنا على النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبر بدلك فقال: قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده». وروى أبو داود والدار قطنى عن عمرو بن العاص قال: احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك . فتيممت . ثم صليت بأصحابى الصبح. فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: « يا عمرو صليت بأصحابى وأفت جنب، ؟ فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال وقلت : إنى سمعت الله يقول: ((ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيا)، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئا)). قال القرطى - بعد أن ساق هذا الحديث والذى قبله - : فدل هذا الحديث على إباحة التيمم مع الخوف من المرض - عند استعمال الماء - . وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيم ، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين . وهذا أحد القولين عندنا. وهو الصحيح الذى أقره مالك فى موطئه وقرى عليه إلى أن مات(١) (١) تفسير القرطبي جـ ٥ ص٢١٧ - ٢١٣ - وقال ابن كثير : وقد استنبط كثير من الفقهاء من الآية أنه لا يجوز التيمم أعدم الماء إلا بعد طلب الماء. فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب فى كتب الفروع .. ))(١). ٧ - أخذ الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى - ((فتيمموا صعيداطيبا)): أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب)، ولأنه ثبت فى صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفتا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسحدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء، قالوا : خصص الطهور بالتراب فى مقام الامتنان . فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه .... ويرى الإمام أبو حنيفة أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما مائله من كل ما كان من جنس الأرض متى كان طاهرا. قالوا : لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض , وهذه الصفة لا تختص بالتراب . وتوسع الإمام مالك فذهب إلى أن التيمم يجوز بكل ماسبق وبغيره كالشجر والحجر والنبات لأن الصعيد عنده كل ماصعد على وجه الأرض . قال القرطى عند حديثه عن اختلاف الفقهاء فى ذلك: وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ولا منصوب. ومكان الإجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات . واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره . ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره .... ، (٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٠٤ (٢) تفسير القرطی ج ٢ ص٢٣٧ - ٢١٤-٠ ٨ - أفاد قوله - تعالى -ـ((فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)) أن الواجب. فى التيمم هو مسح الوجه واليدين فقط سواء أ كان التيمم بدلا عن الوضره. أو عن الغسل . قال القرطبى: وروى التيمم إلى المرفقين عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بماير بن عبد الله، وابن عمر وبه كان يقول: قال الدار قطنى: سئل قتادة عن التيمم فى السفر فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين . وكان الحسن. وإبراهيم النخعى يقولان: إلى المرفقين .... ثم قال : وقالت طائفة يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان . روى ذلك. عن على بن أبى طالب والأوزاعى وعطاء والشعبى فى رواية ، وبه قال أحد ابن حنبل ، والطبرى ... وقال مكحول : اجتمعت أنا والزهرى فتذاكرنا التيمم فقال الزهرى : المسح إلى الآباط . وقال ابن أبى الجهم : التيمم بضربة واحدة ٠٠. و به قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبرى(١) ... ٩ - ذكر المفسرون فى سبب مشروعية التيمم روايات منها ما أخرجه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بعض أسفاره: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدلى. فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. على التماسه وأقام الناس معة. وليسوا على ماء. وزير معهم ماء. فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ماصنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء . جاء أبو بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسه على نفذى قد نام. فقال: حبست (١) تفسير القرطى = ٥ ص ٢٤٠ - ٢١٥ -٠ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول. فجعل يطمننى ديده فى خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تغذى. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح على غير ماء . فأنزل الله آية التيمم . فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ماهى بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت : فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته )). قال الحافظ ابن كثير عند ذكره هنا لسبب مشروعية}التيمم، وإنما ذكر نا ذلك مهنا، لأن هذه الآية التى فى النساءمتقدمة فى النزول على آية سورة المائدة وبيانه: أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر . والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير ، فى محاصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبنى النضير. وأما المائدة فإنها من آخر مانزل ولاسيما صدرها . فناسب أن يذكر السبب هنا (١) ... ١٠ - تكلم بعض العلماء عن حكمة مشروعية التيمم عوضا عن الطهارة بالماء فقال: والتيمم من خصائص شريعة الإسلام كما فى حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أعطيت خما لم يعطهن أحد قبلى - فذكر منها - وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا)). والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة . ولم أر لأحد من العلماء بيانا فى حكمة جعل التيمم عوضا عن الطهارة بالماء ، وكان ذلك من همى زمنا طويلا وقت الطلب . ثم انفتح لى حكمة ذلك . وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة فى نفوس المؤمنين . وتقرير حرمة الصلاة وترفيع شأنها فى نفوسهم . فلم تترك لهم حالة بعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله - تعالى - فلذلك شرع (١) تفسير ابن كثير جـ١ صـ٥٦ -٢١٦ - لهم عملا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين ، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التى هى منبع الماء. ولأن التراب مستعمل فى تطهير الآتية ونحوها، ينظفون به ما علق لهم من الأقذار فى ثيابهم وأبدانهم وما عونهم . وما الاستجمار إلا من ضرب ذلك ، مع ما فى ذاك من تجديد طلب المساء لفاقه وقد كيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه . وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اكتفت الشريعة فيه بالوجه والكفين فى الطهارتين الصغرى والكبرى كما دل عليه حديث عمار بن ياسر فقد ثبت فى الصحيح عن عمار بن ياسر قال: كنت فى سفر فأجنبت فتمعكت فى التراب (( أى تمرغث)) وصليت. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: (( يكفيك الوجه والكفان)). ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء فى غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فزلت آية التيمم . هذا منتهى ما عرض لى من حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل فى حكمة مقنعة فى النظر(١) ... وبعد ، فهذه بعض الأحكام والآداب التى اشتملت عليها تلك الآية ، ومنها نرى كيف وجهت المؤمنين إلى ما يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم، ويبعدم عن الأسباب التى تحول بينهم وبين إخلاص المناجاة لله رب العالمين، وإلى ما يجعلهم يتحرزون عن كل يدفسهم أو يلهيهم عن طاعة اله . كما نرى كيف استعملت فى خطابها للمؤمنين ألطف الكتابات ؛ وأسمى التعبيرات ، وأبلغ الإشارت ، وفى ذلك مافيه من تربية سليمة للمؤمنين ، تجعلهم یسعدون فى دنياه وآخرتهم . هذا، وأنت إذا قدبرت السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا ، تراها قد نظمت العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما، وساقت لهم من (١) تفسير التحرير والتنوير ح. ص ٦٨. طبع الدار التونسية للنشر: تأليف الأستاذ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور . - ٠٢١٧ التوجيهات السامية، والآداب المالية، والتشريعات الجليلة ... ما يجعلهم يعيشون فى أمان واطمئنان . ثم أخذت السورة بعد ذلك تسوق لنا فى أكثر من عشر آيات ، ألوانا من وذائل أهل الكتاب، ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، ومن حسدهم للنبى - صلى الله عليه وسلم .. على ما آتاه الله من فضله، وتوعدتهم بسوء المصير على ما اقترفوه من منكرات وآثام ... وكأن السورة الكريمة بعدأن نظمت المجتمع الإسلامى هذا التنظيم الداخلى السليم، أخذت فى تحذير المؤمنين من عدوهم الخارجى ، وأطلعتهم على ما يضمره لهم أهل الكتاب من كراهية وبغضاء. استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول : ((أَلَّ تَرَ إلى الذِينَ أُوتُوا نَصِيِباً مِن الكِتَابِ يِشْتَرُونَ الضلالةَ ويريدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السبيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعلَمُ أَعْدَائِكُمُ وكَفَى بِقُهِ ولياً وكفى باللهِ نَصِيراً (٤٥) من الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمِ عن مَوَاضِعِه، ويُقُولوزَ سِمِنَ وعَعَتَبْنَ، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعِ وَرَاعِنَ لَّا بِأَلْسِفَتِهِمْ وطعنًا فى الدينِ ولو أَنْهِمْ قَالُوا سَمِنَا وَأَطَمْنَ واسمَعْ وَانْظُرْ نا لَكَانَ خَيراً لَهُمْ وَأَقْوَمُ ولكِنْ لَهم اللهُ بُكْرِمٍ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاَّ قليلاً (٤٦) يَأَيُّاَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بما نَزَّلْنَ مصدَّقًا لما مَعهُ مِنْ قَبلِ أَنْ نطِسَ وجُوهَا فِرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِما أَوْ نَلَنَهم كما لَمَّا أَصْحَبَ السَبْتِ وكانّ أمرُ اللهِ مَفعولاً (٤٧) إِنَّ اللّهَ لا يغفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ ويغفِرُ ما دُونَ ذلكَ لِمَنْ يشاء، ومَنْ يُشْرِك باللهِ فَقَدِ أفْتَرَى إِنْماً عَظِيماً (٤٨) أَّ ◌َرَ - ٢١٨- إلى الذِينَ يُزَ كُونَ أَنْفُسَهم بَل اللهُ يزَكِّى مَنْ يشاء ولا يُظلمونَ فتيلاً (٤٩) انظُر گیف يفترُونَ عَلَى اللهِ الكذبَ و گنی بهِ إِنْما مُبِنَا (٥٠) أَمَّ تَرَ إلى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِن الكتابِ يُؤْمنُونَ بالجِبْتِ والطاغوتِ ويَقُولونَ الذِينَ كَفَرُوا مؤلاءِ أَهْدَى مِنِ الذِينَ آَمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَنْ يَلْمنِ اللهُ فان تجدّ لهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِن الْمُلْكِ فإذَا لا يُؤْتُونَ الناسَ نقيراً (٥٣) أم يحسُدُونَ الناسَ عَلَى ما آتاهُ اللهُ مِن فضلِهِ فقد آتينا آلَ إِبراهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وآتيناهُ مُلْكاً عظيماً (٥٤) فنهم مَنْ آمَنَ بِهِ ومنهم مَنْ صَدَّ عنه وكَفى بجهَّ سَعِيرًا (٥٥))). قال الآلوسي: قوله - تعالى - ((ألم تر، هذه الكلمة قدتذ كرلمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقدير والتذكير لمن علم بما يأتى كالأحبار وأهل التواريخ وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفهو تعجيبه . وقد اشتهرت فىذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الباب. بأن شبه حال من ((لم ير) الشىء بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب منه ثم أجرى الكلام معه كما بحرى مع من رأى قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب - والرؤية إما بمعنى الإبصار - أى ألم تنظر إليهم -، وإما بمعنى الإدراك القلبى متضمنا معنى الوصول والانتهاء - أى ألم بنته علمك إليهم، (١) والمراد بالوصول أحبار اليهود. والمراد بالذى أوقوه ما بين لهم فى الكتاب من العلوم والأحكام التى من جملتها ماعلموه من نعوت النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن حقية دين الإسلام بالاتباع. (١) تفسير الآلوسى ج ١ ص ١٦٠ - بتصرف يسير. - ٢١٩ -٠ والمراد بالكتاب: التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على موسى عليه. السلام - ليكون حداية لبنى إسرائيل ، خرفوها وتركوا العمل بها. والمراد بالسبيل: الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام فأل فيه للعهد. والمعنى: ألم ينتهى عليك إلى حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا. حظا ومقدارا من علم التوراة؟ إن كنت لم تعلم أحو الهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم وتلك هى حقيقتهم، إنهم يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم الدالة على صحة دين الإسلام ، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذى أشربته نفوسهم ، بل يريدون لكم يا معشر المسلمين أن تتركوا دين الإسلام الذى هو السبيل الحق ، وأن تتبعوهم فى ضلالهم وكفرهم. فالمقصود من الآية الكريمة تمجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار، وتحذير لهم من موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم . والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين . وتوجيهه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا مع توجيهه بعد ذلك إلى الكل - فى قوله (( أن تضلوا) - للإيذان بكال شهرة شناعة حال أولئك اليهود ، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها أو يعلمها . وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يؤقوا الكتاب كله، لأنهم فواحظا كبيراً ما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل ، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسیرہ لأهو ائهم وشهو اتهم . وقوله (( يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل) هو موطن التعجب من شأنهم لأنهم لا يطلبون الضلالة بفتور أوتريث وإنما يطلبونها بشراهة وفهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو الهدى، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم فى الضلال . وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - ((ودوا لو تكفرون كما كفروا. - ٢٢٠ - فتكونون سواء)). وذكر سبحانه - الشىء الذى اشتروه وهو الضلالة ، وطوى ذكر المتروك وهو الهدى ، الايذان بغابة ظهوره . وللاشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة فى ذاتها . وأن البعد عن الحق والهدى مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن رغبة ، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا لا يستمرئون سواها ، ولاير كنون إلا إليها. وإن قوما هذا شأنهم لجديرون بالابتعاد عنهم، والتحقير من أمرهم. لأنك - كما يقول الفخر الرازى - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح من جمع بين هذين الأمرين : أعنى الضلال والإضلال . قال الألوسى: وقوله: يشترون الضلالة ... الخ)، استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعحب المفهومين من صدر الكلام ، مبنى على سؤال نشأً منه كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها بعد تمكنهم منه ... وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ((يشترون)) حال مقدرة من ضمير ((أوقوا)) أو حال من ((الذين) ... (١). وقوله (( والله أعلم بأعدائكم، جملة معترضة للتأكيد والتحذير. أى: والله - تعالى - أعلم بأعدائكم منكم - أيها المؤمنون - وقد أخبركم بأحوالهم وبما يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة لتأديبهم دفاعا عن دينكم وعقيدتكم . وقوله (( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا)) تذييل قصدبه غرس الطمأنينة فى نفوس المؤمنين بأن العاقبة لهم . أى: وكفى باقه وليسا، يتولى أموركم، ويصلح بالسكم ، وكفى بالله تصيرا، يدفع عنكم مكرهم وشرورهم ؛ وما دام الأمر كذلك فاكتفوا بولايته ونصرته . واعتصموا بحبله ، وأطيعوا أمره، ولا تكونوا فى ضيق من مكو أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم بفضله وإحسانه . (١) تفسير الآلوسي ج ٥ ص ٤٥.