النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٨١- واحد - ويوليها ظهره ولايجامعها. وقال مجاهد: ((وأهجر وهن فى المضاجع)) أى تجنبوا مضاجعهن أى - اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا منهن، (١) .- يكفي ما فى المذكرة- روى أبو داود بسنده عن معاوية بن حيدة القشيرى أنه قال : يارسول الله: ماحق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طمعت ، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه. ولا تقبح. ولا تهجر إلا فى البيت)». وقوله («واضربوهن، معطوف على ماقبله. أى إن لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أى غير شديد ولا مشين - الفقد ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم -- أنه قال فى حجة الوداع»: واتقوا الله فى النساء فانهن عوان عندكم - أى أسيرات عندكم - ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه . فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح » . و وقد فسر العلماء الضرب غير المبرخ بأنه الذى لا يكسر عظما، ولا يدين جارحة ، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل الملاجين السابقين . وقد قال ـ سبحانه ــ ((واللاتى تخافون نشوزهن)) ولم يقل: واللائى ينشزن ، للإشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تستشرى وتشتد، بل عليه عندما يحش النشوز أن يعالجه قبل أن يقع، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنه أن تقنع و تفید . وبعضهم فسر الخوف بالعلم أى واللاتى تعلمون نشوزهن فعظوهن ... الخ. (١) تفسير القرطبى = ٥ ص ١٧١ - بتصرف وتلخيص. - ١٨٢ - وبعضهم قدر مضافا فى الكلام أى : واللائى تخافون دوام نشوزهن، فعظوهن واهجر وهن فى المضاجع ... الخ. وبعضهم قدر معطوفا محذوفا أنى : واللائي تخافون نشوزهن وتشزن، فعظوهن واهجر وهن في المضاجع ... الخ. وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك فى معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب, لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التى تبدأ بالعقوبة الحفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة . قال الفخر الرازى : وبالجملة فالتخفيف مراعى فى هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذى يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الهجران فى المضاجع . ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه یجری مجرى التصريح فى أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاءيه، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب . وقال بعض أصحابنا: «تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال ، وله عند إيداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها (١). ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطمنهم وتركن النشوز والعصيان فقال - تعالى -: فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ،. أى فإن رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب الله علین نحوكم أيها الرجال ، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدى عليهن ، أو فلا (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٠ ص ٩٠ بتصرف وتلخيص. ١٨٢٠٠٠ - تظلوهن بأى طريق من طرق الظلم كأن تؤذوهن بألسنتكم أو بایدیکم أو بغير ذلك، بل اجعلوا ما كان منهن كأنه لم يكن ، وحاولوا التقرب إليهن، بألوان المودة والرحمة . (( إن الله كان عليا كبيراً، فاحذروا مخالفة أمره، فإن قدرته - سبحانه - عليكم أعظم من قدرتكم على نسائكم . فالجمله الكريمة تذييل قصد به حث الأزواج على قبول توبة النساء، وتحذيرهم من ظلمهن إذا ما تركن النشوز ، وعدن إلى طريق الطاعة والإنابة . قال بعضهم: وذكر هاتين الصفتين فى هذا الموضع فى غاية الحسن ، وبيانة من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء. والمعنى: أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فاته - سبحانه - ينتصف لهن منكم لأنه على قاهر كبير . الثانى: لاتبغوا عليهن إذا أعمنكم لعلو أيديكم، فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شىء. الثالث: أنه - سبحانه - مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرون على ذلك. الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصى إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا قابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بان تتركوا عقوبتها وتقبلوا توبتها . الخامس: أنه - تعالى مع علوه وكبريائه إكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك السرائر فاقم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا فى التفتيش عما فى قلبها وضميرها من الحب والبغض )،(١) ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا مانشب خلاف الزوجين فقال - تعالى -: ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا ؛وفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا)). والمراد بالخوف هنا العلم . والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل الزوجين . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٩١ ٠- ١٨٤ - والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة . رسمى الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل مايشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين صار فى شق وجانب غير الذى فيه صاحبه . وقوله «شقاق بينهما، أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى المفعول به إتساعا. كقوله - تعالى - «بل مكر الليل والنهار)) . وأصله بل مكر فى الليل والنهار . وإما على إجرائه مجرى الفاعل يجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما فى قولك: نهارك صائم. والمعنى: وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين ازجين قد يتسبب عنه النفور الشديد ، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففى هذه الحالة عليكم أن تبعثوا ,حكما، أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع الظالم من الظلم (( من أهله)) أى من أهل الزوج وأقاربه ((وحكما من أهلها، أى من اقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول : لأن الأقارب فى الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن اليهم النفس أكثر من غيرهم . وعلى الحكمين فى هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف ، وأن يعرف هل الإصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟ وظاهر الأمر فى قوله ((فابعثوا)) انه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام . وظاهر وصف الحكمين بان يكون أحدهما من أهل الزوج والثانى من أهل الزوجة ، أن ذلك شرط على سبيل الوجوب ، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب، وقالوا : إذا بعث القاضى بحكمين من الأجانب جاز ذلك ، لأن فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين ، وهذا - ١٨٥ - أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين، وأشد طلباً الإصلاح ((وأبعد عن الظنة والريبة، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس . والضمير فى قوله - تعالى - (( إن بريدا إصلاحاً، يجوز أن يعود للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين. وكذلك الضمير فى قوله ((يوفق الله بينهما)) يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون الزوجين . والأولى: على الضمير الأول للحكمين والثانى للزوجين فيكون المعنى: إن يريدا أى الحكمان إصلاحا بنية صحيحة وعزيمة صادقة ، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة فى نفسهما، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبهما. هذا، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين بدون إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استثنائما ؟ يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما، لأن الله - تعالى - سماهما حكمين، والحكم هو الذى بجسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض؛ ولأن القاضى هو الذى كلفهما بهذه المهمة فلهما أن يتصرفا بما يريانه خيراً بدون إذن الزوجين؛ ولأن عليا - رضى الله عنه - عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذى نشب بين أخيه عقيل وبين زوجته قال لهما: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتها وإن رأيتما أن تفرقا فرقما ... وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس والشعبى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا برضاهما لأنهما وكيلان للزوجين ، ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملهما هو الإصلاح فان عجزوا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق من الزوج وحده ، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه. - ١٨٦ ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن الله كان علم خبيرا) أى: إنه - سبحانه - عليم بظواهر الأمور وبواطنها . خبير بأحوال النفوس وطرق علاجها ، ولا يخفى عليه شيء من تصرفات الناس وأعمالهم، وسيحاسبهم عليها . فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ما سلكوا طريقا يخالف الحق والعدل . وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بيتنا جانبا ماما مما يجب للرجال على النساء، ومما يجب للنساء على الرجال، فقد مدحت أولاهما لنساء الصالحات المطيعات الحافظت لحق أزواجهن، ورسمت العلاج الناجع الذى يجب على الرجال أن يستعملوه إذا ما حدث نشوز من زوجاتهم ((وحذرت الرجال من البغى على النساء إذا ما تركن النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة ( فان أطعنكم فلا تبغواعليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا). ثم طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين الزوجين إذا ما نشب خلاف بينهما ، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين عدلين عاقلين بتوليان الإصلاح بينهما، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين، وقد وعد - سبحانه- بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات، وصفت النفوس ، ومالت القلوب نحو التسامح والتعاطف قال - تعالى - (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا) . وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر ، وتنال ما تصبو إليه من رقى واستقرار . ٥٥٥ وبعد هذا البيان الحكيم الذى ساقته السورة الكريمة فيما يتعلق بأحكام الأسرة ووسائل استقرارها، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع ... بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة فى دعوة. - ١٨٧ - الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى التحلى بمكارم الأخلاق، ونهتهم عن الإشراك بالله - تعالى -، وعن الغرور والبخل والرياء، وغير ذلك من الأعمال التى ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال - تعالى -: ( واعبدُوا اللهَ وَلاَ تَشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالدينِ إحساناً، وبذِى القُربَى واليتامى والمساكينِ والجارِ ذِى القُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُم، إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَلاَ خوراً (٣٦) الذِينَ يَبْخُلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بالبُخْلِ ويَكْتمونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فضلِه، وأَعَتَدْنا للكافرينَ عذاباً مُهيناً (٣٧) والذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالهُمْ رِغَاءِ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليومِ الآخِرْ، ومَنْ يَكُن الشيطانُ أُ قرينا فسَاء قرينا (٣٨) وماذَا عَليهم لو آمنُوا باللهِ واليومِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَا رَزَقَهُمُ اللهُ، وَكَانَ اللهُ بهم علياً (٣٩) إنَّ اللهَ لاَ يَظلهمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفِها وَيُؤْتٍ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيفَ إِذَا جِثْنَا مِنْ كلُّ أُمةٍ بشهيدٍ وجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شهيداً (٤١) يومئذٍ يُؤَدُّ الذِينَ كَفِرُوا وعَصُوا الرَسُولَ لَوْ نُسوَّى بِهِمُ الأرضُ ولاً يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثً (٤٢))) . قال القرطبى ما ملخصه : أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهى قوله - تعالى - (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ... . من المحكم المتفق عليه - ليس منها شىء منسوخ. وكذلك هى فى جميع الكتب . ولو لم يكن كذلك أعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هى التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار. فالآية أصل فى خلوص الأعمال قه و تصفيتها ٠٠ ١٨٨ - من شوائب الرياء وغيره. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله - تعالى - أنا أغنى الشر كاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه ،(١). والمعنى: عليكم أيها الناس أن تخلصو الله - تعالى - العبادة والخضوع، و أن تتجهوا إليه وحده فى كل شئونكم بدون أن تتخذوامعه أى شريك لافى عقيد تسكم ولا فى عبادتكم ولا فى أقوالكم ولا فى أعمالكم ، كما قال - تعالى - ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء). وهذه العبادة الخالصة لله - تعالى - هى حقه - سبحانه - علينا، فهو الذى خلقنا وهو الذى رزقنا وهو المنفضل علينا فى جميع الحالات . روى البخارى عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبى - صلى الله عليه وسلم - على حمار يقال له عفيرة. فقال: يا معاذ هل تدرى ماحق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فان حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت: يا رسول الله ! أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) وقد صدر - سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التى اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا, لأن إخلاص العبادة له أساس الدين، ومداره الأعظم الذى بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما، ولأن فى ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التى سيقت بعد ذلك، إذ قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا . وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله - تعالى - من باب عطف الخاص على العام، لأن الإشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإشراك لأمر بالتوحيد . ثم أوصى - سبحانه - بالإحسان إلى الوالدين فقال: (وبالوالدين إحسانا). (١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ١٨٠ - ١٨٩ - أى: عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيا، وعليكم كذلك أن تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التى يرضاها الله، والتى فى استطاعتكم أداءها. وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله - عز وجل - هما الوالدان؛ لأنهما هما السبب المباشر فى وجود الإنسان . ومن الآيات التى قرنت الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله قوله - تعالى -: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا .. وقوله - تعالى -: ( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشر كوابه شيئاً وبالوالدين إحسانا). وقوله - تعالى -: ( وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ). ومن الأحاديث التى أمرت بالإحسان إلى الوالدين ونهت عن الإساءة إليهما ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: رضا الله فى رضا الوالدين وسخط الله فى سخط الوالد). وروى أبو داود والبيهقى عن رجل من بني سلمة أنه جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله هل بقى على من بر أبوى شىء أبرهما يه بعد موتهما؟ قال: نعم . الصلاة عليهما. والاستقفارلهما، وإنفاذعهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما(١)). وقد جاءت هذه الجملة وهى قوله ( وبالوالدين إحسانا) فى صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإحسان إليهما، ففى الكلام محذوف والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل المقدر. (١) التاج الجامع للأصول جـ ٥ ص ٦ للشيخ منصور على ناصف، - ١٩٠ ٠ ثم أمر - سبحانه - بالإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال: وبذى القربى واليتامى والمساكين . أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب ، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحافى بأن تعطفوا عليهم، وترحموا ضعفهم، وتحسنوا تربيتهم ورعايتهم. وإلى المساكين الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم. وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، ومن ذلك قوله - تعالى- (وإذ أخذ فاميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا اه وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين ... ). وقوله - تعالى - وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا). ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى مارواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أنا وكافل اليقيم فى الجنة كهذا وقال باصبعيه السبابة والوسطى - أى أشار وفرج بين أصبعيه السبابة والوسطى - وروى البخارى وغيره عن صفوان بن سليم عن النبى - صلى الله عليه وسلم نه قال: الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل اه، أو كالذى يصوم انتهار ويقوم الليل )(1) ثم أمر -سبحانه - بالإحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال - تعالى -: والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملسكت أيمانكم ) (١) التاج الجلمع للأصول فى أحاديث الرسول جـ ن صـ ٩ وما بعدها. ١٩١٠٠ - والجار ذى القربى: هو الجار الذى قرب جواره. أو هو الذى له الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، فإن له مع حق الجوار حق القرابة والجار الجنب : هو الجار الذى بعد جواره عن جوارك من الجن ضد القرابة . يقال : اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه . وقيل هو الجار ال لاقرابة فى النسب بينه و بين جاره ، ويقابله الجار ذى القربى . وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاد تتعلق بالإحسان إلى الجار ومنها مارواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول صلى الله عليه وسلم - قال : ((مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت سیور ئه». وروى الترمذى عن عبد الله بن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسـ أنه قال: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه . وخير الجيران عند خيرهم لجاره»(١). والصاحب بالجذب: هو الرفيق فى كل أمر حسن: كتعلم أو تجارة أو. أو غير ذلك . قال صاحب الكشاف: والصاحب بالجنب: هو الذى صحبك بأن - يجنبك إما رفيقا فى سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا فى تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك فى مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولاتنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان . وأ الصاحب بالجنب المرأة )(٣) . وابن السبيل : هو المسافر الذى انقطع عن بلده ، ونفد مافى يده من يوصله إلى مبتغاه . والسبيل : الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له (١) تفسير ابن كثير جـ١ص ٤٩٤ (٢) تفسير الكشاف جـ١ص٩ - ١٩٢ - ومن الإحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه. والمراد بقوله ((وما ملكت أيمانكم، عبيد الأرقاء الذين ملكت رقابهم، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم . وقد أوصى النبى - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إليهم فى كثيرمن الأحاديث ومن ذلك مارواه أبو داود وابن ماجه عن على بن أبى طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جعل يوصى أمته فى مرض موته فيقول: الصلاة الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم). وروى الإمام أحمد والنسائى عن المقدم بن معد يكرب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة, وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقه. وما أطعمت خادمك فهو لك مدة:). وروى الشيخان عن أن ذر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال. هم إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسهم) يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم(٤). وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله - تعالى -، كما أمرتهم بالإحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ممن هم فى حاجة إلى مديد العون والمساعدة . وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإنسانية، وقنال ماتصبو إليه من رقى واستقرار . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: (إن الله لا يحب من كان مختالا :فوراً). والمختال : هو المتكبر المعجب بنفسه: سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات والأفعال ما ليس فيه فيستعلى على الناس ولا يلتفت إليهم. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٩٥. - ١٩٣ - والفخور: هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه . والمحب لأن يحمد بما لم يفعل. أى: إن الله لا يحب من كان متكبراً معجبا بنفسه، ومن كان كثير الفخر بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته لا يقوم برعاية حقوق الناس بل إن غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن خره ليحمله على التطاول عليهم . والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير : لا تفتخروا ولاتختالوا فإن الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة. وقوله ((الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، بدل من قوله, محد الا فوراً)، أى : أن الله لا يحب من كان مختالا فوراً ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، التقدير : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماآتاهم الله من فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ماينزل بهم من عذاب. وحذف لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله: ((وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا)،. ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه فى وجوه إعراب هذه الآية الكريمة . والمعنى: إن الله - تعالى - لا يجب هؤلاء المختالين والفخورين، ولا يحب كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى وجوه الخير مع أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة . بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم ، وأن يسلكوا مسلكهم الدميم . قال صاحب الكشاف : أى يبخلون بذات أيديهم وبما فى أيدى غيرهم . فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. وفى أمثال العرب أبخل من الضغير بناقل غيره ... ثم قال : ولقد رأينا من يلى بداء البخل ، (١٣ - سورة النساء ) - ١٩٤ - . من إذا طرق سمعه أن أحداً جاء على أحد، شخص به. أى قلق وضجر - وحل حبوته واضطوب ودارت عيناه فى رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزائنه ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده ،!؟ . وقوله: « و یکتمون ما آتاهم الله من فضله، بیان لر ذيلة أخرى من رادئلهم الكثيرة أى: أنهم يبخلون بما فى أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك، ويكتمون ويخفون نعم الله التى أعطاها لهم فلا يظهرونها سواء أ كانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من نعم الله عليهم . وقوله - تعالى - ,وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً، بيان للمصير السىء « الذى سيصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة . أى: وهيأنا لهؤلاء الجاحدين لنعم الله، الكافرين بوحيه عذاباً يهينهم ويذلهم وينسهم ما كانوا فيه من خر وخيلاء وغرور . قال الآلوسى ماملخصه : ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر ؛ للإشعار بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله، ومن كان كافراً لنعمه فلهعذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء .... وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها، ولاتسارعوا فى النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله - تعالى - ((الذين يبخلون .... إلى قوله: وكان بهم عليما،. وقيل نزلت فى الذين كتموا صفة النبى - صلى الله عليه وسلم . وبخلوا بحق الله عليهم وهم أعداء الله - تعالى - أهل الكتاب .... (٢). وقوله - تعالى (( والذين ينفقون أمو الهم ر ئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... )، معطوف على ((الذين يبخلون)). (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥١٠. (٢) تفسير الألوسى ج ٥ ص٣٠. - ١٩٥ - وإنما شاركوهم فى الذم وسوء العاقية لأن البخل بإظهار نعم الله فى مواضع الخير وكتمانها، بستوى مع الإنفاق الذى لا يقصدبه وجه الله فى القبح واستحلاب العقاب، إذ أن الذى ينفق ماله على سبيل الرياء والسمعة لا يتوخى به مواقع الحاجة ، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير، وقد يبذل الكثير من المال ولكن فى المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة . والمعنى : والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الريا. والسمعة لاوجه الله - تعالى - ولا يؤمنون بالله الذى له الخلق والأمر، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ... هؤلاء الذين يفعلون ذلك بيغضهم الله - تعالى -، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم. روى مسلم عن أبى هريرة قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله - تبارك وتعالى -: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معی فیه غیری تر كته وشركه . وقوله ((ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا، جملة معترضةٍ لبيان -أن صحبتهم للشيطان ومطاوعتهم له هى التى دفعتهم إلى الدخل وإلى الرياء وإلى عدم الإيمان بالحق الذى آمن به العقلاء من الناس . والمراد بالشيطان هنا: كل ما يغرى الإنسان بالشر ويدفعه إليه من الانس أو الجن. والقرين: هو المصاحب الملازم للإنسان . فهو فعيل بمعنى مفاعل، كخليط بمعنى المخالط . وساء هنا: بمعنى بئس. وقرينا تمييز مفسه الضمير المستكن فى ساءه والمخصوص بالذم محذوف وهو الشيطان الذى يدفع الانسان إلى الشرور والآثام . والمعنى ومن يكن الشيطان مقارنا ومصاحبا له فس المصاحب وبتس المقارن الشيطان لأنه يدعوه إلى المعاصى التى تفضى به إلى النار." وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء السوء يفدون الأخلاق: لأر عدوى الأخلاق تسرى بالمجاورة، كما تسرى غدوى الأمراض البدنية . - ١٦٦ - والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين الإنس والجن الذين يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح، ويزينون لأتباعهم الشرور والآثام . ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الذين يؤثرون وضا الناس على رضا الله، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال -: ((وماذا عليهم لوآمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ... ،. والمعنى: وأى ضرو على هؤلاء الكافرين البخلاء المراتين أو أنهم آمنوا باقه - تعالى - حق الإيمان، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه ؟ إنه لاضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق، بل إن الخير كل الخير فى اتباع ذلك ، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء . فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق المستقيم . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله «وماذا عليهم .. وأى تبعة عليهم فى الإيمان والإنفاق فى سبيل الله. والمراد الذم والتوبيخ.] وإلا فكل منفعة ومفلحة فى ذلك : وهذا كما يقال للمنتقم: ماضرك لو عفوت وللعاق : ما كان يرزؤك لوكنت بارا. وقد علم أنه لامضرة ولا مرزأة فى العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة، (١). وقوله (( وكان الله بهم عليما، تذييل قصد به تهديدهم على إيثارتم طريق الغى على طريق الراشد . أى: وكان الله بهم عليما علماً يشمل بواطنهم وظواهرهم، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذى يستحقونه . (١) تفسير الكثاف ج ١ ص٠١١١ - ١٩٧ - ثم بين - سبحانه .. أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين ، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير، فقال («إن الله لايظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما،. والمثقال : مفعال من العقل. ويطلق على الشىء القليل الذى يحتمل الوزن. والذرة : تطلق على النملة ، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ، وهذا أحقر ما يقدر به الشىء، فعلم إنتفاء ماهو أكثر منه بالأولى . والمراد : أن الله - تعالى - لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما منئول هذا الشىء وحقر، فرج الكلام على أصغر شىء يعرفه الناس. كما قال - تعالى - ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراًيره. ومن يعمل مثقال ذرة شرايره). وكما فى قوله - تعالى - ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلاتظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)). ومفعول يظلم محذوف والتقدير: لا يظلم أحدا مثقال ذرة . وقوله ((مثقال) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لايظلم أحدا ظلما وزن ذرة . كما تقول : لا أظلم قليلا ولا كثيرا . وقوله ((وإن تك حسنة يضاعفها ريؤت من لدنه أجراً عظيما)) بيان لسعة جوده - سبحانه - وعظيم رحمته وعفوه. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر (( حسنة)) - بالضم - على أن ((تك، مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها. وقرأ الباقون(( حسنة)) - بالنصب - على أنها خبر لقوله ((تك، المشتقة من كان الناقصة. وأصل ((قك)) تكن حذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة، وتخفيفا لكثرة الاستعمال. والضمير المستتر فى الفعل ((تك، يعود إلى المثقال. وجىء به مؤنثامراعاة اللفظ ذرة الذى أصنيف إلية لفظ مثقال؛ لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ فرة فكان کالمستغنى عنه . - ١٩٨ - وقيل: إنما جىء به مؤنثا حملا على المعنى، لأنه بمعنى : •إن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها . وقيل: إنما جرء به كذلك لأن المضافةديكمتسب التأنيث من المضافة إليه إذا كان جزأه كما فى نحو قولهم: كما شرقت صدر القناة من الدم .. والمعنى: إن الله - تعالى - بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا، ولا ينقصهم. أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها ((وإن تك حسنة يضاعفها، أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة فى القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافاً كثيرة، وفوق ذلك فإنه - سبحانه - يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو - سبحانه .. وفى إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته - تعالى- فى قوله ((من لدنه، تشريف له، وتهويل من شأنه . وسماء أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذى عمله عباده المؤمنون الصادقون . هذا، وقد أورد الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى معنى هذه الآية ومن ذلك مارواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول الله - تعالى - لملائكته! أرجعوا. فمن وجدتم فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار، فخر جون خلقا کثیرا . ثم يقول أبو سعيد: اقرؤا إن شتم قوله- تعالى - • إن لا يظلم مثقال ذرة .... » وروى أبو داود الطيالسى فى مسنده عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله لايظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق فى الدنيا؟ ويجزى بها فى الآخرة . وأما الكافر فيطعم بها فى الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم ينكن له حسنة»(١). (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٠٤١٧ - ١٩٩ - ثم نبه - سبحانه - هؤلاء الكافرين إلى ماسيكونون عليه من حال سيئة يوم القيامة إذا استمروا فى كفرهم فقال: فكيف إذا جئنا من كل أمة إشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً . يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوی بم الأرض ولا یکتمون اللّه حدیثا ،،. قال الفخر الرازى: وجه النظم هو أنه - تعالى - بين أن فى الآخرة لا يجرى على أحد ظلم، وأنه - تعالى - بجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه . فبين فى هذه الآية - وهو قوله - تعالى - ((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ... ، أن ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المدى. أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول وأظهر الطاعة أعظم . ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم ((إن الله لا يظلم مثقال ذرة)) ووعداً للمطيعين الذين قال فيهم ((وإن تك حسنة يضاعفها)، (١). والفاء فى قوله ((فكيف، للإفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : إذا أيقنت بما أخبر ناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما ة كيف سيكون حال هؤلاء الكفرة إذا ماجئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال، وهذا الشهيد هو نبيهم الذى أرسله الله هدايتهم ، وجئنابك يا محمد شهيداً على هؤلاء الذين بعثك الله لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى. لاشك أن حالهم سيكون أسوأ حال، ومصيرهم سيكون أقبح مصير، بسبب كفرهم وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان. (١) تفسير الفخر الرازى - ١٠ ص ٠١٠٥ - ٢٠٠ - ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله - تعالى - ((وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ، أى جئنا بك يا محمد شهيداً على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة الله ولم يقصروا فى نصيحة أقوامهم . والذى نراه أولى هو أن شهادة النبى صلى الله عليه وسلم - تشمل كل ذلك أى تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله، وشهادته للأفياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاه الله تعالى - من المنزلة العالية مالم يعط أحدا سواه. روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم -: اقرأ على شيئا من القرآن. فقلت يارسول الله أأقرأعليك وعليك أنزل قال: نعم . إنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء : حتى أتيت إلى هذه الآية: (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ... الآية، فقال: حسبك الآن ، فإذا عيناه تذر فان)). وقوله تعالى - ((يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ... ، استئناف مبين لحالهم التى أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله , فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهداء. والتنوين فى قوله « يومئذ، عوض عن الجملتين السابقتين أى مجىء الشهيد على كل أمه ، ومجىء الرسول شهيدا على قومه. أى: يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله ، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة ، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذى جاء لهدايتهم ((لو تسوى يهم الأرض)) أى يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما سيحل بهم من الخزى والفضيحة والعذاب . أو يودون لويد فنون فيها فنسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على هذه الحال فى باطنها بدون بعث أو نشور، حتى لا يصيبهم ماعدلهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم .