النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - وبما ملكت أيمانكم: مطلق ملك اليمين . فكل من افتفل إليه ملك أمة بيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه . وهذا القول ضعيف، لأن عائشة - رضى الله عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات زوج، ثم خيرها النبى - صلى الله عليه وسلم - بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح ، فدل ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة، لأنه لو كان هادما لها لما خير النبى - صلى الله عليه. وسلم - بريرة. أخرج البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءما . فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( أعتقبها فإن الولاء لمن أعطى الورق). قالت: فأعتقتها. قالت: فدعاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرها فى زوجها ، فقالت: لو أعطانى كذا وكذا مابت عنده . فاختارت. نفسها ) ... وقوله - تعالى - ( كتاب الله عليكم) ساقه - سبحانه - لتأكيد تحريم نكاح الأنواع التى سبق ذكرها . وقوله ( كتاب) مصدر كتب، وهو مصدر مؤكد لعامله أى: كتب) الله عليكم تحريم هذه الأنواع التى سبق ذكرها كتابا .وفرضه فرضا، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم ، وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند خدوده وشرعه . وقيل : إن قوله (كتاب ) منصوب على الإغراء . أى : الزموا كتاب اقه الذى هو حجة عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو نواهيه . - ١٤٢ - وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ماشرع من الأحكام . وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة . أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى -: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ... الخ ، فقد بينت نوعا واحدا . وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى -: ((حرمت عليكم أمهاتكم .. الخ، فقد بينت ثلاثة عشر نوعا . وأما الآية الثالثة وهى قوله - تعالى -: ((والمحصنات من النساء .. الخ)» فقد بينت نوعا واحدا . قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى -، حرمت عليكم أمهاتكم ... الآية)): إعلم أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النساء : سبعة منهن من جهه النسب وهن: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . وسبعة أخرى لامن جهة النسب وهن: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناءمذ كورة هاهنا، وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمه، - وهى قوله (( ولا تنكحوا مانكحوآ باؤكم من النساء ..- والجمع بين الاختين )(١). هذا بعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء ، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها مايحل فمكاحه من النساء فقال - تعالى -: ((وأحل لكم ماوراء ذلكم .. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٠٢٤ - ١٤٣ - و (ما) هذا المراد بها عموم النساء. وكلمة ( وراء ) هنا ب،عنی غیر أر دون کما فی قول بعضهم: ( وليس وراء الله المرء مذهب). واسم الإشارة ( ذلكم) يعود إلى ما تقدم من المحرمات. والجملة الكريمة معطوفة على قوله (( حرمت عليكم أمهاتكم .. الخ). ومن قرأ ( أحل لكم ٠٠٠) ببناء الفعل المفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر فى قوله ( كتاب الله عليكم ... ). والمعنى: حرمت عليكم هؤلاء المذكورات، وأحل لكم نكاح ماسواهن من النساء . قال القرطى: قوله - تعالى ( وأحل ماوراء ذلكم) قرأ حمزة والمكسانى وعاصم فى رواية حفص (وأحل لكم) ردا على (حرمت عليكم) وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - ( كتاب الله عليكم). وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك؛ فإن الله - تعالى - قد حرم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - من لم يذكر فى الآية فيضم إليها . قال - تعالى -: (وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عند فانتهوا)). روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالنها ). وقد قيل: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها؛ لأن الله - تعالى - حرم الجمع بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى الجمع بين الأختين؛ أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوائد والصحيح الأول: لأن الكتاب والسنة كالشىء الواحد فكأنه قال: أحللت لكم ماوراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم.،.)(١). (١) تفسير القرطي = ٥ ص ٠١٢٤ - ١٤٤ - ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - ( أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسالخين ٠,٠٠٠ وقوله : (تبتغوا) من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد. وقوله: ( محصنين ) من الإحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما يغضب الله - تعالى -. وقوله: ( مساخين) من السفاح بمعنى الزنا. والمسافح: هو الزانى . ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه . وسمى به الزنا؛ لأن الزانى لاغرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح . وقوله ( أن تبتغوا) فى محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لمادل عليه الكلام و( محصنين) و (غير مساخين) حالان من فاعل ( تبتغوا). والمعنى: بين لكم ـ سبحانه ـ ما حزم عليكم من النساء، وأحل لكم ماوراء ذلكم ، من اجل أن تطلبوا الزواج من النساء الحتى أحلهن الله لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور لهن، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا . قال بعضهم: وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم المرأة قال : انكحينى . فإذا أراد الزنا قال: ساخينى. والمسافة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح . قال الآلوسي: وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لابد وأن يكون مالا وبه قال الأحناف . وقال بعض الشافعية : لاحجة فى ذلك ، لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف، فيجوز النكاح على ما ليس بمال . ويؤيدذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم. - ١٤٥ - سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى - صلى الله عليه وسلم - ماذا معك من القرآن ؟ قال : معى سورة كذا وكذا وعددهن. قال: تقرؤهن على ظهر قلبك؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن». ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا ، والتعليم أيس له ذكر فى الخبر، فيجوز أن يكون مراده - صلى الله عليه وسلم -: زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل مامعك منه ، (١). ثم قال - تعالى - : ( فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة). والاستمتاع: طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة . والمراد بقوله ( أجورمن ) أى مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً . ء (ما ) فى قوله (فما استمتعتم به منهن٠٠) واقعة على الاستمتاع . والعائد فى الخبر محذوف أى فآتوهن أجور هن عليه . والمعنى: فما انتفعتم وتلذ ختم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن عليه . ويصح أن تكون ( ما) واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف . وأعاد الضمير عليها مفرداً فى قوله ( به ) باعتبار لفظها، وأعاده عليها جمعا فى قوله ( منهن) باعتبار معناها . ومن فى قوله ( منهن) للتبعيض أو للبيان . والجاروالمجرور فى موضع النصب على الحال من ضمير ( به): والمعنى: فأى فرد أو الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٠٥ ( ١٠ - سورة العملاء ) -١٤٦ - أو بعضهن فأعطوهن أجور هن على ذلك. والمراد من الأجور: المهور.وحمى المهر أجراً ؛ لأنه بدل عن المنفعة لاعن العين . وقوله ( فريضة ) مصدر مؤكد لفعل محذوف أى : فرض الله عليكم ذلك فريضة. أو حال من الأجور بمعنى مفروضة. أى: فآ أو هن أجور هن حالة كونها مفروضة عليكم . ثم بين - سبحانه - أنه لاحرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء منه مادام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - تعالى -: (ولاجناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن أنه كان عليما حكيما). أى: لا إثم ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهن من إسقاط شىء من المهر أو الإبراء منه أو الزيادة عليه مادام ذلك بالتراضى بينكم ومن بعد اتفاقكم على مقدار المهر الذى سيتموه وفر ضتموه على أنفسكم . وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله (إن الله كان عليما حكيما البيان أن ماشرعه هو بمقتضى عليه الذى أحاط بكل شىء، وبمقتضى حكمته التى تضع كل شىء فى موضعه . فأنت ترى أن الآية الكريمة موقه لبيان بعض الأنواع من النساء اللاتى حرم الله نكاحهن، ولبيان ما أحله الله منهن بعبادة جامعة، ثم لبيان أن الله - تعالى - قد فرض على الأزواج الذين يبتغون الزوجات عن طريق النكاح الصحيح الشريف أن يعطو من مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن ، وأنه لاحرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شىء منه مادام ذلك بسماحة نفس ، ومن بعد تسمية المهر المقدر . هذا ، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة فى نكاح المتعة وهو عبارة عن أن: يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكى يستمتعبها. قالوا: لأن معنى قوله - تعالى -: (فما استمتعتم به منهن فأنوهن أجور هن): فمن جامعتموهن ممن نكحتمو هن نكاح المتعة فآ توهن أجوهن. - ١٤٧ - ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب، لأنه من المعلوم أن النكاح الذى يحقق الإحصان والذى لا يكون الزوج به مسافا. هو النكاح الصحيح الدائم المستوفى شرائطه، والذى وصفه الله بقوله ((وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مساخين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ... » وإذاً فقد بطل حمل الآية على أنها فى نكاح المتعة ؛ لأنها تتحدث عن النكاح الصحيح الذى يتحقق معه الإحصان، ولا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة . قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ، ولا شك أنه کان مشروعا فی ابتداء الإسلام ثم نسمعبعد ذلك. وقد روىعن ابنعیاس وطائةه من الصحابة القول بإباحتها للضرورة ... ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: فهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، وفى صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أيها الناس إنى كنت أذنت )لكم فى الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كانت عنده منهن شىء فليخل سبينه ، ولا تأخذوا ما أنيتموهن شيئا،(١). وقال الآلوسي: وقيل الآية فى المتعة، وهى النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر ، والمراد ، (( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به، من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب فى عقد المتعة، بأن يزيد الرجل فى الأجروتزيد المرأة - فى المدة، وإلى ذلك ذهبت الإمامية - من طائفة الشيعة -... (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٧٤ - ١٤٨ --- ثم قال: ولا نزاع عندنا فى أنها أحلت ثم حـمت، والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين . فقد كانت حلالا قبل يوم خيبر ثم حرهت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لا تصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث تحريما مؤبداً إلى يوم القيامة ... ))(١) . وقال بعض العلماء: وهذا النص وهو قوله - تعالى - (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجور هن فريضة. قد تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموامعنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة، فادعوا أنه يبيح المتعة ... والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعدمن قالوه عن الهداية ؛ لأن الكلام كله فى عقد الزواج فسابقه ولاحقه فى عقد الزواج، والمتعة حتى على كلامهم لا نسمى عقد نكاح أبدا . وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رواها عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه أباح المتعة فى غزوات ثم نسخها ، وبأن ابن عباس كان يبيحها فى الغزوات وهذا الاستدلال باطل ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - نسخها، فكان عليهم . عندا تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى البقاء. ٢١. وإذا قالوا إننا نتفق معكم على الإباحة وفخالفكم فى النسخ فتأخذ المجمع عليه ونترك غيره قلنا لهم: إن النصوص التى أثبتت الإباحة هى التى أثبتت التخ ، وما اتفقنا معكم على الإباحة ؛ لأننا فقرر نسخ الإباحة . على أننا نقول: إن ترك النبى - صلى الله عليه وسلم- المتعة لهم قبل الأمر . الجازم بالمنع، ليس من قبيل الإباحة، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإيمان وتترك عادات الجاهلية، وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان وهو ما نسميه اتخاد الخلائل. وهذه هى متعتهم، فنهى القرآن الكريم والنبى ١) تفسير الآلوسی ج ٥ ٥ ٧ - بتصرف و تلخص ... - ١٤٩ - - صلى الله عليه وسلم - عنها. وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى تخرج النفوس من جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى. وابن عباس - رضى الله عنه - قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن أبى طالب : إنك امرؤ قائه، لقد نسخها النبى - صلى الله عليه وسلم- واته لا أو تی بمستمتعين إلا رجمتهما ،(١). وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة فى شأن النكاح الصحيح الذى يحقق الإحصان ولا يكون الزوج به مساخا . وأن القول بأنها تدل على نكاح المتعة قول بعيد عن الحق والصواب للأسباب التى سبق ذكرها . ٠٠٠ وبد أن بین - سبحانه - انحرمات من النساء ، وبین من يحل نكاحه منهن، عقب ذلك ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال - تعالى - : (وَمَنْ لَمَّ يَسْتَطِعْ مِنْكُمُ طَوْلاً أَنْ يَنْكَحَ المَحْصَناتِ المُؤْمِنَتِ فَمِنِ مَّ مَلَكتْ أَبِمَ نكُم مِن فتياتِكُمُ المؤمنَتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنِكُم بَعَضُكُمْ مِنْ بَعَضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِنَّ، وَآَوهنَّ أُجُورَهُنْ بالمعروفِ مُحصناتٍ غيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَخِذَاتٍ أَخدانٍ ، فإذا أُحْصِنَّ فإنْ أَتْنَ بفاحشةٍ فعلَيْنَّ نِصِفُ مَا عَلَى الْمُحْصِنَتِ مِنَ العَذَّابِ، ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العِنَّتَ مِنْكُمْ، وَأَنَّ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ واللهُ غفورٌ رَحِيمٌ (٢٥)» . وقوله ((طولاً، أى سعة وقدرة وغنى فى المال . قال صاحب الكشاف: الطول: الفضل . يقال: لفلان على فلان طول أى : زيادة وفضل . (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لوا. الإسلام العدد الرابع من السنة الرابعة عشرة. - ١٥٠ - وقد طاله طرلا فهو طائل . قال الشاعر : لقد زادنى حبا لنفسى أننى بغيض إلى كل امرئ غير طائل ومنه قولهم: ما حلا مند بطائل . أى بشىء يعتد به مما له فضل وخطر . ومنه الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه ... »(١) والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات ، وعبر عنهن بذلك ، لأن حريتهن أحصنتهن عن النقص الذى ى الإماء. والمراد بقوله ((من فتيانكم ) أى من إمائكم وأرقائكم. والمعنى: ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل زيادة فى المال تمكنه من أن ينكح الحرائر المؤمنات، فله فى هذه الحالة أن ينكح بعض الإماء المؤمنات اللاتى من مملوكات لغيركم. و(من) فى قوله ( ومن لم يستطع ... ) شرطية، وجوابها قوله: فما ملسكت أيمانكم، ويصح أن تكون موصولة ويكون قوله (( فمما ملكت أيمانكم) هو الخبر . وقوله ( منكم) حال من الضمير فى (يستطع) وقوله (طولا) مفعول به. ليستطع . هذا، والآية الكريمة تفيد بمضمونها أنه لايحل الزواج من الإماء إلا إذا كان المسلم الحر ليس فى قدرته أن يتزوج امرأة حرة. ولذا قال بعضهم: إن الله - تعالى - شرط فى نكاح الإماء شرائط ثلاثة: اثنان منها فى الناكح ، والثالث فى المنكوحة . أما اللذان فى الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق . والثانى هو المذكور فى آخر الآية وهو قوله: (ذلك لمن خشى العنت منكم). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٤٩٩ - ١٥١ - . وأما الشرط الثالث المعتبر فى المنكوحة فهو أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة ... ،! وقد خالف الإمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح للمسلم الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا بحرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقا لامسلمة ولا كتابية، وإن عقد عليها كان عقده باطلا وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه الزواج بحرة . أما المالكية والشافعية فقد قالوا: الطول : السعة والقدرة على المهر والنفقة فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة حرة . وفى التعبير عن الإماء بقوله (( فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)) تكريم لهؤلاء الأرقاء، وإعزاز الإنسانيتهن، وتعليم المسلمين أن يلتزموا الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم ولذا ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لايقوان أحدكم عبدى وأمتى، ولكن ليقل فتاى وفتانى )). وقوله - تعالى - ( والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض) جملة معترضة سبقت بين إباحة النكاح من الاماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسا للقلوب ، وإزالة للنفرة عن نكاح الاماء بيان أن مناط التفاخر إنما هو الايمان لا التباهى بالأحساب والأنساب. والمعنى: أنه - تعالى - ألإٍ منكم بمراقب إيمانكم الذى هو مناط التفضيل وأنتم وفتياتكم من أصل واحد فلا ينبغى أن يستعلى حر على عبد، ولا حره على أمة، فرب إنسان غير حر أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان حر . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من الزواج (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٥٦ بتصرف وتلخيص. - ١٥٢ - بالاماء، ونهيهم عما كان متداولا بينهم من إحتقارهم لولد الأمة وتسميتهم !!. بالهجين - أى الذى أبوه عربى وأمه أمة : وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: فما معنى قوله (والله أعلم بإبمانكم)؟ قلت: معناه: أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الايمان ورجحا ه ونقصانه فيهم وفيكم وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة والمرأة أرجح فى الايمان من الرجل . وحق المؤمنين أن لا يعبروا إلا فضل الايمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا تأنيس بنكاح الاماء وترك الاستنكاف منه. وقوله ( بعضكم من بعض ) أى : أنتم وأرقائكم متناسبون متواصلون لاشتراككم فى الايمان لا يفضل حر عبد إلا برجحان فيه ) (1 ٹمُ بین - سبحانه - کیفیة الزواج بهن فقال: (فافکحوهن یاذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصفات غير مسافات ولامتخذات أخدان ) والمراد بأملهن: مواليهن الذين يملكونهن: وعبر عن المالكين لهن بالأهل، حملا للناس على الأدب فى التعبير ، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد وما لكه علاقة أهل لاعلاقة إستعلاء . والمراد بالأجور هنا : المهور التى تدفع لهن فى قابل تكاحين .. والمراد بالمحصنات هنا: العفائف البعيدات عن الفاحشة والريبة . والمرأة المسافحة هى التى تؤاجر نفشها لمكل رجل أرادها . والتى تتخذ الخدن هى التى تتخذ لها صاحبا معينا. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون الزنا العلنى ويستحلون السرى، فجاءت شريعة الإسلام بتحريم القسمين . قال- تعالى ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن). وقال - تعالى ( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ). (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٠٠ ٠٠ ١٥٣ - وقوله, فافكحزهن بإذن أهلهن٠٠٠٠، مترقب ومتفرع على ما قبله من أحكام . والمعنى: إذا عرفتم حكم الله فى شأن فتياتكم المؤمنات فأنكحوهن بعد أن يأذن لكم فى ذلك مواليهن ويرضون عن هذا النكاح، وأدوا إليهم مهورهن بالقدر المتعارف عليه شرعا وعادة عن طيب نفس منكم ، وبدون مطل أو بخر. فإنه لا يصح أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة سبيلا لغمط حقها ، و تصغير شأنها . وقد أتفق العلماء على أن نكاخ الأمة بغير إذن سيدها غير جائز ، عملا بظاهر هذه الآية الكريمة، فان قوله - تعالى -: ((فافكحوهن بإذن أهلهن)) يقتضى كون الإذن شرطا فى جواز النكاح، ولأن منافع الأمة ليدها وهى ملك له فلا يجوز فكاحها إلا بادفه . قال الفرطى: قوله - تعالى - ((فأفكحوحهن، أى بولاية أربابهن المالكين وإذنهم . وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فان أجازه السيد جاز، هذا مذهب مالك وأصحاب الرأى ... والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد (١) وقوله ((وآتوهن أجورهن ... ، صريح فى وجوب دفع مهر فى مقابل فكاح الأمة ولكن من الذى يتسلم هذا المهر ؟ يرى كثير من العلماء أن الذى يتسلم المهر هو السيد المالك للأمة. لأنالهر قد وجب عوضا عن منافع بضع المملوكة للسيد، وهو الذى أباحها للزوج فوجب أن يكون هو المستحق لتسلم المهر؛ ولأن العبدوما ملكت يداه ليده أى آتوا أهلهن أجور من فالكلام على حذف مضاف. (١) تفسير القرطبى = ٥ ص ١٤١ - ١٥٤ - ويرى الإمام مالك أن الآية على ظاهرها، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها أحق به من سيدها ، وأنه ليس للسيد أن يأخذ من أمته ويدعها بلا جهاز فالعقد يتولاه السيد أما المهر فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه. وقوله (( محصنات، حال من المفعول فى قوله (( فانكحوهن)) أى: فانكوحين حال كونهن عفائف عن الفاحشة . وقوله ( غير مسافحات، تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا. وقوله ( ولا متخذات أخدان ) تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة. والأخدان جمع خدن وهو الصاحب والصديق . والمراد به هنا: من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سراً وقد وصف الله - تعالى - الزوحات الإماء بذلك، لتحريضهن على التمسك. بأهداب الفضيلة والشرف، إذ الرق مظنة الإنزلاق والوقوع فى الفاحشة لما يصاحبه من هو ان وضعف، ولاشىء كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا قالت هند بنت عتبة - باستغراب وإستنكار - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ما أخذ العهد عليها وعلى المؤمنات بقوله ( ولا يزنين ... ) قالت بارسول اللّه: أو تزنى الحرة؟ !! ثم بين - سبحانه - عقوبة الإماء إذا ما إرتكبن الفاحشة فقال - تعالى .. فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) ومعنى الإحصان هنا: الزواج . والمراد بالفاحشة: الزنا . والمراد بالعذاب : الحد الشرعى اى: فإذا أحصن أى بالتزويج، فإن أتين بفاحشة الزنا وثبت ذلك عليهن، ففى هذه الحالة حد من نصف حد الحرائر من النساء أى أن الأمة إذا زنت فحدها أن تجلد خمسين جادة ولا رجم عليها لأنه لا يقنصف فلا يكون مرادا هنا . وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لاتحد إذا زنت متى كانت غير منزوجة - ١٥٥ - وقد أخذ بهذا الظاهر بعض العلماء. ولكن جمهور العلماء برون أن الأمه يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت متزوجة أم غير منزوجه . فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة، لأن الجريمة يضعف أثرها بضيف مرتكبها ، ويقوى أثرها بقوة مرتكبها، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار الأقوياء . فأين هذا السمو والرحمة والعدالة فى التشريع من مظالم القوانين الوضعية ففى القانون الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة قتل، وإذا زنى الشريف حكم عليه. بغرامة . ولقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك بقوله: ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ... )). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «ذلك لمن خشى العنت منكم وأنند تصبروا خير لكم والله غفور رحيم )): وإسم الإشاره (( ذلك، يعود إلى نكاح الإمام. والعنت: المشقة الشديدة التى يخشى معها التلف او الوقوع فى الفاحشة التى نهى الله - تعالى - عنها. ولذا قال بعضهم المراد به هنا: الزنا. أى: ذلك الذى شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشى على نفسه العزبة التى قد تفضى به إلى الوقوع فى الفاحشة والآثام. (( وأن تصبروا، على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم الله الزواج بالحرة ، فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإمام وإن رخص لكم فيه . وقوله ((والله غفور رحيم)) أى واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن ذکاحن - وفى ذلك تنفیر عنه حتی لکانه ذنب - ، وهو - سبحانه ۔ واسع الرحمة بعباده حيث شرع لهم ما فيه تيسير عليهم ورأفة بهم . - ١٥٦ - قالوا: وإنما كان الصبر عن فكاح الإماء خيراً من فمكاحهن ، لأن الواد الذى يأتى عن طريقهن يكون معرضا للرق ، ولأن الأمة فى الغالب لاتستطيع أن تهيء البيت الصالح الزوجية من كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت : لما فيه من أتباع الولد الأم فى الرق . ولثبوت حق المولى فيها وفى استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكج ومهانة . والمزة من صفات المؤمنين)(١). وبذلك نرى أن الآية الكريمة وإن كانت قد رخصت فى زواج الإماء عند الضرورة الشديدة إلا أنها حضت المؤمنين على الصبر عن نكاحين لما فى نكاحهن «ن أضرار يأباها الشخص العزيز النفس، الكريم الخلق ... والسبيل الأمثل للزواج به ن يكون بعد شرائهن وإعتاقهن، وبذلك يقل الرقيق ويكثر الأحرار ولذالو دخل بها مولاها كان ابنه حراً وكمان طريقا لحريتها ومنع بيعها . وبعد أن بين - سبحانه - فيما سبق من آيات كثيراً من الأوامر والنواهى والمحرمات والمباحات .. عقب ذلك ببيان جانب من مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : ((يُرِيدُ اللّهُ لِيْبَيْنَ لَكُمْ وَيهدِبَكُمْ سُنَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيْتُوبَ عَلَيْهَمُ وَاللهُ عليمٌ حكيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَليكم ويريدُ الذِينَ يَتْبِعُونَ الشهواتِ أَنْ تَميلُوا مَيِلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ الهُ أَنْ يَخَفَفُ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفً (٢٨))) . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٥٠٠ - ١٥٧ - وقوله - تعالى -: ((يريد الله ليبين لبكم ... )) استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، وقد ساقه - سبحانه - لإيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام . قال الآلوسي : ومثل هذا التركيب - قوله ((يريد الله ليبين لكم .. وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب : فقيل مفعول ((يريد)) محذوف أى: يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه. واللام التعليل ... ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين. فتعلق الإرادة غير التبيين ، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله. المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف . وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل ٠ ؤول بالمصدر من غير سابك ، كما قيل به فى قولهم: ((تسمع بالمعيدى خير من أن تراه)) أى إرادنى كائنة. للتبيين . وفيه تكلف . وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصيه للفعل من غير إضمار أن ، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى : يريد الله البيان لكم ... (١). والمعنى: يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام ، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم ، وأن يميز لتكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح . وقوله: ((ويهديكم سنن الذين من قبلكم، معطوف على ماقبله. والسنن: جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون الطريقة المثلى. الهادية إلى الحق . أى: ويهديكم مناهج وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين، لتقتفواآ ثارهم وذلكوا سبيلهم. (١) تفسير الآلوسى = ٥ ص ١٣ ٠- ١٢٨ - وليس المراد أن جميع ما شرعه الله من حلال أو من حرام كان مشروعا يعينه للهم السابقة. بل المراد أن الله كما قد شرع الأمم السابقة من الأحكام ماهم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم، فكذلك قد شرع لنا مانحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح . وقوله: (( ويتوب عليكم)) معطوف على ماقبله . والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا: المراد بهاهنا المغفرة لتسبيها عنها. أو المراد بها قبول التوبة . أى ؛ ويقبل قوبتكم متى رجعتم [إليه بصدق وإخلاص، فقد تكفل -- سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه قوبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله: ((ويتوب عليكم، إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس: فالآية الكريمة تحريض على التوبة، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس . بطرق بابها وبالإكثار منها .. وقوله: ((والله عليم حكيم، أى والله - تعالى - ذو على شامل لجميع الأشياء، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم ، وما سلكـ المهتدون من الأمم قبلكم، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك (« حكيم، يضع الأمور فى مواضعها. فيبين لمن يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويتوب على من يشاء . فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى -- يريد بإنزاله لهذا القرآن أن - ١٥٩ - يبين لهم التكاليف التى كلفتهم بها ليعرفوا الخير من الشر، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذفوهم متى أخلصوا له التوبة . ثم أخبر - سبحانه - عما يريده اعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى -: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلو ميلا عظيما)). أى: والله - تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم، وارتفاع منزلتكم عنده ، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما. والميل: أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب : ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط ، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق . ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق ، وإنما يريدين منهم إنحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذى أمر الله بسلوكه والسير فيه . وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون فى كل زمان، وراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور نارة باسم الحرية وقارة باسم المدنية ... وقد حذر الله - تعالى - عباده منهم حتى لا يتأثروا بهم ، وحتى يقاوموم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم ((ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )». ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال: ((يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)). أى « يريد الله بما شرعه لكم من أحكام، وبما كلفسكم بن من تكاليف هى - ١٦٠ - فى قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم فى شرائعه وأوامره ونواهيه، لكى تزداد اله فى الطاعة والاستجابة والشكر . ((وخلق الإنسان ضعيفا، أى لا يصبر على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله - تعالى - به أن خفف عنه فى التكاليف. وهذا اليسر والتخفيف فى التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإسلامية ، وقد بين القرآن الكريم ذلك فى كثير من آياته، وم ذلك قوله - تعالى -: ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)). وقوله - تعالى ــ: ماجعل عليكم فی الدین من حرج )). وقوله .. تعالى - ((ورحمتی وسعت كل تى. فأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول التى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم ... )). ولقد كان من هدى الغي - صلى الله عليه وسلم - التخفيف والتيسير، ففى الحديث الشريف : ( إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ) . وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعري عندما أرسلهما إلى اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنقرأ .. ). وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا ألوانا من مظاهر فضل الله على عباده ورحمته بهم ، لکی يزدادوا له شكرا وطاعة وخضوعا. ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة بالأنفس والأموال ، بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات : منهن ومظاهر فضله - سبحانه - بعباده ورحمته بهم فقال - تعالى -: