النص المفهرس
صفحات 101-120
- ١٠١ - ((واللَّهِى بَأْتِنَ الفاحِشَةَ مِنْ نسائِكُم فلستَشْهِدُوا عَليهِنَّ أربعة مِنكُم، فإنْ شهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فى البيوتِ حَتَّى يتوفَّاهُنَّ الموتُ أَوْ يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلاً (١٥) واللذانِ يَأْتِاَنِاَ مِنكُمْ فَذُوهُا، فَإنْ تابًا وأصلحاَ فأعْرِضُوا عنهما، إنَّ اللهَ كَانَ تَوَابً رحيماً (١٦)». وقوله: واللاقى، جمع التى. وهى تستعمل فى جمع من يعقل. أما إذا أريد جمع مالا يعقل من المؤفث فإنه يقال: التى . تقول: أكرمت النسؤة اللاقى حضرن. وتقول: نزعت الأثواب التى كنت ألبسها . وهذا هو الرأى المختار . وبعضهم يسوى بينهما فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل : اللاتى . وقوله (( بأتين)) من الإتيان ويطلق فى الأصل على المجىء إلى شىء. والمراد به هنا الفعل. أى واللاتي يعملن ((الفاحشة من نسائكم)). والفاحشة : هى الفعلة القبيحة . وهى مصدر كالماقبة . يقال خش الرجل يفحش حها . وأخش: إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل . والمراد بها هنا : الزنا . . -- وقوله: (( من نسائکم، متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ((يأتين ) أى: يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم. والمراد بالنساء فى قوله «من نسائكم)): النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أ كن مازلن فى عصمة أزواجهن أم لا. وهذا رأى جمهور الفقهاء . وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكاراً . والمعنى: أن الله - تعالى - يبين لمباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول : - ١٠٢ - أخبركم - أيها المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم، بأن فعلن هذه الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج . ((فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، أى : فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار . وقوله: (( فإن شهدوا فأمسكومن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت، أى فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة ، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة فى البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى هذه الفاحشة المنكرة، وليستمر الأمر على ذلك ((حتى يتوفاهن الموت؛ أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو حتى يتوفاهن ملك الموت . وقوله: (( أو يجعل الله لهن سبيلا، أى: أو يجعل الله لهن مخرجا من هذا الإمساك فى البيوت ، بأن يشرع طن حكما آخر . وقوله: (( واللاقى)) فى محل رفع مبتدأ. وجملة (فاستشهد واعليهن أربعة منكم، خبره. وجاز دخول الفائدة الزائدة فى الخبر. لأن المبتدأ أشبه الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل . وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله: ((يأتين، لمزيد التقبيع والتشنيع على فاعلها: لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها . ، واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار ؛لأن الرمى بالزنا من أخش ماترمى به المرأة والرجل ، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه الفاحشة أبلغ مايكون القشديد ، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إن بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء. قال : الزهرى : مضت السنة من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود. - ١٠٣ - وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع، ولذا قال (( فإن شهدوا، أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها، وشهدوا على ما عاينور وأبصروه (( فأمسكوهن فى البيوت). وحتى فى قوله. « حتى يتوفاهن الموت)، بمعنى إلى . والفعل بعدها منصوب إضمار أن. وهى متعلقة بقوله (( فأمسكوهن)) غاية له. والمراد بالتوفى أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول: توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك . والكلام على حذف مضاف أى : حتى يقبض أرواحهن الموت . أو حتى يتوفامن ملائكة الموت . وأو فى قوله (( أويجعل الله لهن سبيلا، للعطف، فقد عطفت قوله «يجعل)) على قوله: (( يتوفاهن )) فيكون الجعل غاية لإماكهن أيضا . فيكون المعنى. أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت، أو إلى أن يجعل الله لهن سيلا أى مخرجا من هذه العقوبة . وقد جعل الله - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود. بأن جعل عقوبة الزانى البكر : الجلد . وجعل عقوبة الزانى اهيب : الرجم. وقد رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك الأسلمى، ورجم الغامدية ، وكانا محصنين . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: كان الحكم فى ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زفاها بالبيئة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال - تعالى -: ((واللافى يأتين الفاحشة من نسائكم .... الآية،. فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإمساكين فى البيوت حتى يتوفاهن الموت - . قال ابن عباس : كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم . - ١٠٤ - و کذلك روی عن عكر مه وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد ابن أسلم والضحاك أنها منسوخة . وهو أمر متفق عليه. روى الإمام أحمد عن عبادة بن "صامت قال: (( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالقيب . والبسكر بالبكر . الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة وففى سنة)). وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عبادة بن الصامت)) (١). هذا وماذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإسلام، ثم نسخ بما جاء فى سورة النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت ، هو مذهب جمهور العلماء . وقال صاحب الكشاف : ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يتركذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ، ويوصى بإمسا كهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ماجرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. (( أو يجعل الله لهن سبيلا، هو النكاح الذى يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل : الحد، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت)،(٢). وقال أبو سليمان الخطابى: هذه الآية ليست منسوخة، لأن قوله « فأمسكوهن فى البيوت ، الخ ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد الى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا، وذلك السبيل كان محملا، فلما قال النبى - صلى الله عليه وسلم- خذوا عنى. ألخ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخالها)،(٣). (١) تفسير ابن كثير ــ١ ص ٠٤٦٢ (٢) تفسير الكشاف -١ ص ٤٨٧ (٣) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠٣٦٥ - ١٠٥ - ثم بين - سبحانه - حكما آخر فقال: «واللذان يأتيلها منكم فآذوعماء. أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما باشتم -والتوبيع والزجر الشديد ليندما على مافعلا، ولير تدع سواهما بهما . وقد اختلف العلماء فى المراد بقوله ((واللذان)). فمنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة البكر ان اللذان لم يحصنا . ومنهم من قال المراد بهما الرجلان يفعلان اللواط . ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لافرق بين بكر وثيب . والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول، قالوا: لأن الله - تعالى- .ذكر فى هاتين الآيتين حكمين: أحدهما الحبس فى البيوت والثانى الإيذاء. ولاشك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثانى ، والشرغ يخفف فى البكر ويشدد على الديب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد، جعلنا الحكم الشديدوهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر . قالوا: وقـ نسخ حكم هذه الآية بآية النور، حيث جعل حكم الزافيين · اللذين لم يحصنا جلد مائة . فقد أخرجه ابن جرير عن الحسن البصرى وعكرمة قالا فى قوله -تعالى- (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ... الآية)، نسخ ذلك بآية الجلدوهى قوله - تعالى - فى سورة النور: «الزانية والزافى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ... الآية )(١) . ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور ، فإن العقوبة ذكرت هنا مجملة غير واصحة المقدار لأنها مجرد الإيذاء ، وذكرت بعد ذلك (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٩٧. - ١٠٦ - مفصلة بينة المقدار فى سورة الدور. أى أن ماذكر هنا من قبيل المجمل ، وما ذكر فى سورة النور من قبيل المفصل ، وأنه لا نسخ بين الآيتين . هذا، ولأبى مسلم الأصفهانى رأى آخر فى تفسير هاتين الآيتين ، فهو يرى أن المراد باللاقى فى قوله ((واللاتى يأتين انفاحشة من نسائكم، النساء السحاقات اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس ، والمراد بقوله (( واللذان يأتيانها منكم، اللائطون من الرجال وحدهم الإيذاء. وأما حكم الزناة فسيأتى فى سورة النور . قال الآلوسي: وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد ، وبأن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللوطى ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نصر يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست فى ذلك . وأيضاً جعل الحبس فى البيت عقوبة السحاق لا معنى له . لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا . فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة هن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج . وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاقى باتين الفاحشة الزانيات ... ))(١). والذى نراه أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين منسوخ ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة . أما الكتاب فهو قوله - تعالى - فى سورة النور (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة .... الآية)). وأما السنة حديث عبادة بن الصامت الذى سبق ذكره . وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ماذكر فيهما من الحبس والإيذاء هو تمام العقوبة، مع أنه لم يثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه عاقب أحدا من الزناة بالحبس أو بالإيذاء بعد نزول آية سورة النور. (١) راجع تفسير الألوسى جـ ٥ ص ١٣٦ - طبعة منير الدمشقى. - ١٠٧ - بل الثابت عنه أنه كان يجلد البسكر من الرجال والنساء، ويرجم المحصن منهما، ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبا أو إيذاء ، فثبت أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين قد نسخ . ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزانى والزانية عن جريمتهما فقال: ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما)). أى فإن تابا عما فعلا من الفاحشة، وأصلحا أعمالهما (( فأعرضوا عنهما)) أى فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما «إن الله كان توابا، أى مبالغا فى قبول التوبة ممن قاب قوبة صادقة نصوحاً((رحيما)) أى واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل بتوبون إليه منها توبة صادقة . ٠٠٠ وبعد أن وصف - سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك. ببيان من تقبل منهم التوبة ، ومن لا تقبل منهم فقال : ((إِنَّا التوبةُ عَلَى اللهِ لَّذِينَ يعملونَ السُّوءَ بجهالَةٍ ثم يَتُوبُونَ مِنْ قريبٍ ، فأُولئكَ يتوبُ اللهُ عليهم وكانَ اللهُ علياً حكيماً (١٧) وليسَتِ التوبةُ للذينَ يعملونَ السيئَتِ حتى إذا حضَرَ أَحَدَهُم الموتُ قالَ إنى تبتُ الآنَ، ولا الذينَ يَموتونَ ومُ كفّارٌ أُولئكَ أعْتَدْناَ لهم عَذا؟ أليماً (١٨). والتوبة: هى الرجوع إلى الله - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيها مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه . والمراد بها هنا قبولها من العمد . فهى مصدر قاب عليه إذا قبل توبته . - ١٠٨ -- والمراد من الجهالة فى قوله ويعملون السوء بجهالة»: الجهل والسفه بارتكاب مالا يليق بالعاقل ، لا عدم العلم، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة. قال مجاهد : كل من عصى الله عمداً أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . وقال قتادة : اجتمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأوا أن كل شىء عصى الله به فهو جهالة عدا كان أو غيره ))(١)) . قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : «رب السجن أحب إلى مما يدعو انی إلیه وإلا تصرف عنی کیدهن أُصب إليهن وأ کن من الجاهلين » . وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - ((أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ». وقال - سبحانه - مخاطبا فوحا - عليه السلام - ((فلا تسألن ماليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين ». ووجه تسمية العاصى جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل مامعه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه ، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم له ، فسمى العاصى جاهلا لذلك، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا . والمعنى: إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله - تعالى - لعباده الذين يعملون السوء، ويقعون فى المعاصى بجهالة أى يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل . (١) تفسير ابن كثير حـ ١ ص ٠٤٦٣ - ١٠٩ - وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر، للإشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، هم الذين يقبل الله توبتهم ، و یقیل عثرتمم وعبر - سبحانه - بلفظ عنى فقال: ((إنما التوبة على الله)) للدلالة على تحقق الثبوت، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين ((يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، من الواجبات عليه ، لأنه - سبحانه - قد وعد بقبول التوبة ؛ وإذا وعد بشىء أنجزه، إذا الخلف ليس من صفاته - تعالى - بل هو مجال فى حقه - عز وجل - . ولفظ ((التوبة، مبتدأ. وقوله ((للذين يعملون السوء بجهالة)) متعلق بمحذوف خبر . وقوله , على الله: متعلق بمحذوف صفة للتوبة . أى : إنما التربة الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ... وقوله ((بجهالة، متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ((يعملون، أى: يعملون السوء جاهلين سفهاء. أو متعلق بقوله ((يعملون، فتكون الباء للسببية أى : يعملون السوء بسبب الجهالة . وقوله ( ثم يتوبون من قر یب ) أی ثم بتوبون فى زمن قريب من وقت عمل السوء، ولا يسترسلون فى الشر استرسالا ويستمرتونه ويتعودون عليه بدون مبالاة بارتكابه . ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة فى أعقاب ارتكابه للمعصية. كان ذلك أرجى لقبولها عند الله - تعالى - وهذا مايفيده ظاهر الآية. ومنهم من فسر قوله ((من قريب، بما قبل حضور الموت. وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال: قوله: (( من قريب، أى: من زمان قريب . والزمان القريب: ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ((حتى إذا حضر أحدم الموت قال إنى تبت الآن٠٠٠)، فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذى - ١١٠ - لا تقبل فيه القوبة، فبقى ماوراء ذلك فى حكم القريب. وعن ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت . وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهى قريب، وفى الحديث الشريف: (( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) - أى ما لم تتردد الروح فى الحلق (١) _ والذى نراه أن ماذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله ((من قريب» معناه: من قبل حضور الموت، لا يتعارض مع الرأى القائل بأن قوله (( من قريب، معناه: تم يتوبون فى وقت قريب من وقت عمل السوء، لأن ماذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذى تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده ، أما الوأى الثانى فهو بيان للزمن الذى يكون أرجى قبولا لها عند الله. والعاقل من الناس هو الذى يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلاتراخ، لأنه لا يدرى متى يفاجئه الموت، ولأن تأخيرها يؤدى إلى قسوة القلب ، وضعف النفس ، واستسلامها الأهواء والشهوات . وقوله: ((فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكما)، يان للوعد الحسن الذى وعد الله به عباده الذين عملوا السوء جهالة ثم تابوا من قريب. أى: فأولئك المتصفون بما ذكر، يقبل الله قوبتهم، ويأخذ بيدهم إلى الهداية والتوفيق ، ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب، وكان الله عليما بأحوال عباده وبما هم عليه من ضعف ، حكيما يضع الأمور فى مواضعها حسبما تقتضيه مشيئته ورحمته بهم . وقوله (( فأولئك)، مبتدأ. وقوله , يترب الله عليهم، خبره. وأشار إنهم بلفظ « أولئك، للإيذان بسمومرتبتهم، وعلو مكانتهم، وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على خوفهم من خالقهم عزوجل - وقوله ((وكان الله عليما حكيما، جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها (١) تفسير الكشاف «١ ص ١٨٩ - ١١١ - ثم بين - سبحانه - من لا تقبل توبتهم بعد بيانه لمن تقبل توبتهم فقال: « وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار ... ، أى: وليست التوبة مقبولة عند الله بالنسبة للذين يعملون السيئات ، ويقترفون المعاصى، ويستمرون على ذلك «حتى إذا حضر أحدهم الموت). بأن شاهد الأحوال التى لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا ، وانقطع منه حبل الرجاء فى الحياة ((قال إنى تبت الآن)) أى قال فى هذا الوقت الذى لا فائدة من التوبة فيه : إنى تبت الآن . وقوله: ((ولا الذين يموتون وهم كفار)، أى وليست التوبة مقبولة أيضا من الذبن يموتون وهم على غير دين الإسلام . فالآية الكريمة قد نفت قبول التوبة من فريقين من الناس. أولهما: الذين يرتكبون السيئات صغيرها وكبيرها، ويستمرون على ذلك بدون توبة أو قدم حتى إذا حضرهم الموت ، ورأوا أهواله ، قال قائلهم: إنى تبت الآن وقد كرر القرآن هذا المعنى فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى -: «فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، (١). وقوله - تعالى - حكاية عن فرعون، ((حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين ، الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ٥ فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ... (٢))) . وعدم قبول توبة هؤلاء فى هذا الوقت سيبه أنهم نطقوا بها فى حالة الاضطرار لا فى حالة الاختيار ، ولأنهم نطقوا بها فى غير وقت التكليف. (١) سورة غافر الآية. ص ٨٥ (٢) سورة يونس الآيات : ٩١، ٩٢، ٩٣ ١١٢٠٠٠ - وثانيهما : الذين يموتون وهم على غير دين الإسلام . فقد أخرج الامام أحمد عن أبي ذر الغفارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: إن لله يقبل قوبة عبده مالم يقع الحجاب . قيل: وما الحجاب ؟ قال أن تموت النفس وهى مشركة . وكثير من العلماء يرى أن المراد بالفريق الثانى: للكفار، لأن العطف. يقتضى المغايرة . ومنهم من يرى أن الفريق الأول شامل للكفار ولعصاة المؤمنين فيكون عطف قوله ((ولا الذين يموتون وهم كفار، من باب عطف الخاص على العام لإفادة التأكيد . و((حتى)» فى قوله: «حتى إذا حضر ... )) حرف ابتداء .. والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها . أى ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ويستمرون على ذلك فإذا حضر أحدهم الموت قال كيت وكيت . وقوله (( ولا الذين يموتون وهم كفار، معطوف على الموصول قبله. أى ليس قبول التوبة لهؤلاء الذين يعملون السيئات ... ولا لهؤلاء الذين يموتون وهم كفار . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال - تعالى -: ((أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ، أى أولئك الذين تابوافى غير وقت قبول التوبة هيأنا لهم عذابا مؤلما موجعا بسبب إرتكاسهم فى المعاصى؛ وابتعادهم عن الصراط المستقيم الذى يرضاه - سبحانه - لعباده . ٥ ٥ ٥ ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم فيه عما كان شائعا فى الجاهلية من ظلم للنساء ؛ وإهدار لكرامتهن، وأمرهم بحسن معاشرتهن ، وبعدم أخذ شىء من حقوقهن فقال - تعالى : - - ١١٣ - ((يَُّهَ الذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُ لَكَمُ أنْ تَرِثُوا النساءِ كَرْهاً، ولا تَعْضَلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبعضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أَنْ يأتيْنَ بِفَحِشةٍ مُبَيِّةٍ ، وعاشِرُوهُنَّ بالمُرُوفِ، فإنْ كَرِهْتُومُنْ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً (١٩) وإنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زوج. مكانَ زوجٍ وأتيّ إحداهُنَّ قنطاراً فلا تَأْخُذُوا منهُ شَيئاً أَتْأْخُذُونَه بِهِتَنً وإنماَ مُبِيناً (٢٠) وكيفَ تَأْخُذُونَهُ وقد أَفْضَى بَعضُكُم إلى بَعضٍ وأَخَذْنَ مِنكُم مِيثانً غليظاً (٢١))). قال القرطبى عند تفسيره الآية الأولى: اختلفت الروايات وأقوال المفسرين فى سبب نزولها ؛ فروى البخارى عن ابن عباس قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لميزوجوها، فهم أحقبها من أهلها فنزلت هذه الآية: ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .... وقال الزهرى وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أولياتها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت غيرتها . فأنزل الله هذه الآية: يأيها الذين آمنوالايحل لكم. أن ترثوا النساء كرها .. الآية . وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو نموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية . (٨ - سورة النساء) - ١١٤ - ثم قال القرطبى: والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .. ))(١). وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما ، وهى قريبة فى معناها ، أورده القرطى، لذا ! كتمينا بما ساقه القرطبي. وكلمة «كرها، قرأها حمزة والكائى بضم الكاف. وقرأها الباقون يفتحها قال الكسائى: وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإكراه. وبالضم بمعنى المشقة . فما أكره عليه الإنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم -. والمعنى: يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند الله، لا يحل لسكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه ، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التى حرمها الإسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويطلموهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل: « لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، أى: أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أومكرهات)،(١). وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال: ((يأيها الذين آمنوا)) ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم . وفى مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتجريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة الله - تعالى -. (١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ٠٩٤ (٢) تفسير الكشاف ج١ ص ٠٤٩٠ - (١١ - وضيفة , لا يحل لكم)) صيغة تحريم صريح؛ لأن الحل هو الإباحة فى لسان العرب ولسان الشريعة . فنفيه يرادف معنى التحريم. وليس النهى فى قوله: (( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهى منصب على إرث المرأة ذاتها كما كانوا يفعلون فى الجاهلية ؛ إذ كانوا يحملون ذات المرأة كالمال فير ئونها من قريبهم کما یر ثون ماله . وقوله « كرها، مصدر منصوب على أنه حال من النساء . أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه . والتقييد بالكره لايدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشىء بالذكر لا يدل على ففى ما عداه، كما فى قوله - تعالى -: «ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق » . وقوله: (( ولا قعضلوهن لتذهبوا بعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. وهو معطوف على قوله: ((أن ترثوا ... )). وأعيد حرف ((لا)) للتوكيد . أى: لا يحل لكم أن ترتوا النساء كرها، ولا يحل لمكم أن تعضلوهن. " وأصل العضل: التضييق والحبس والمنع . يقال: عضلت الناقة بولدها، إذا نشب فى بطنها وتعسر عليه الخروج. وهو: أعضل به الأمر، إذا أشتد وأصر . ٠٠ والمراد به هنا: منع المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك ، سيرا. أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قوله - تعالى -: ((ولا تعضلوهن)). يقول: ولاتقهروهن لتذهبوا ببعض ما آ تيتموهن، يعنى الرجل تكون - ١١٦ - له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - أى: لتفقدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أومال - (١). وقيل: كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت ، أو حتى تموت فيرئوها . والمعنى: لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها، ولا أن تمنعوهن من الزواج , لتذهبوا ببعض ماآ تيتموهن)) من الصداق أو غيره، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن، فإن هذا الفعل يبغضه الله - تعالى - . ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان يتناول جمع المكلفين - ، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء، لأنهم - فى الغالب - هم الذين كانوا يفعلون ذلك . ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله: , ولا تعضلوهن » ٠٠ ((وأولى الأقوال التى ذكر ناها بالصحة فى تأويل قوله: ((ولا تعضلوهن)) قول من قال: «نهى اللّه زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق . - وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لاسبيل لأحد إلى عضل المرأة إلالأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها ... ليأخذ منها ما آتاها ... أو لوليها الذى إليه إنكاحها . ولما كان الولى معلوما أنه ليس من آتاها شيئا . كان معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهيه عن عضلها هو زوجها الذى له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه»(٢) . (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ض ٠٣٠٨ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٣٠٩ - بتصرف وتلخيص. - ١١٧ - والاستثناء فى قوله: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، متصل من أعم العلل والأسباب، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. لسوء أخلاقهن ، وكاشفة عن أحوالهن . كالزنا والنشوز ، وسوء الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وخمش القول ونحوه ، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب الخلع متهن ، وأخذ ما آقيمتوهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لامن جهكم . والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى - ((ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آ تبتموهن شيئاً إلا أن يخاما ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، تلك حدود الله فلا تعتدوها ... » ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آ تبتمومن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ الممر الذى آ تيتموهن إياه أو أخذ بعضه . ثم أمر الله - تعالى - الرجال-وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال: ((وعاشروهن بالمعروف)). والمعاشرة: مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة . أى: وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة. قال ابن كثير: قوله - تعالى - ((وعاشروهن بالمعروف، أى: طبيوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله. كما قال - تعالى - ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف.» وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خير كم خيركم لأهله وأنا خيركم لأملى)). وكان من أخر قه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه جميل العشرة، دائم البشر ، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه. حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - بتودد إليها بذلك . قالت : سابقنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم - ١١٨ - سابقته بعد ماحملت اللحم فسبقنى . فقال: هذه بتلك . وكان - صلى الله عليه. وسلم - يجمع نساءه كل ليلة فى بيت التى يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها . وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد . يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار . وكان إذا على انعشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهن بذلك - صلى الله عليه وسلم - . وقد قال - تعالى - لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة))(١) . هذا، والإمام الغزالی کلام حسن فی کتابه الإحياء عند حد یته عن آداب معاشرة النساء، فقد قال ما ملخصه: ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن ، واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال - تعالى -: «وعاشروهن بالمعروف)). وقال فى تعظيم حقهن، وأخذن منكم ميثاقا غلبظا ). ثم قال: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام. ومن آداب المعاشرة - أيضاً. أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهى التى تطيب قلوب النساء . وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال . وقال عمر - رضى الله عنه - ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى. فإذا المسوا ما عنده وجدوه رجلا . وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول:« إنى - لأتزين لامر أتى كما تتزين لی،(٢) . (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٠٤٦٦ (٢) من كتاب «إحياء علوم الدين)) للغزالى جـ ٢ ص ٣٩. - ١١٩ - ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لايصح للرجال أن يسترسلوا فى كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن خلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره فقال - تعالى -: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ،. أى: فإن كرهتم صحبتهن وإمسا كهن فلا تتعجلوا فى مفارقتهن، لأنهعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم فى الصبر علية وعدم إنفاذه خيراً كثيراً فى الدنيا والآخرة . فالجملة الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها وهى ناحية البغض الحب .. وأن ينظر فى العلاقة التى بيتعوبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة ، لا بعين الهوى .. وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه. فربما كرهت النفس ماهو أصلح فى الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ماهو بضد ذلك، وربما يكون الشىء الذى كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل فى كراهيته سيجعل الله فيه خيراً كثيراً فى المستقبل. قال - تعالى - ((وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهوشر لكم واته يعلم وأنتم لا تعلمون)). قال الفرطى : روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول أنه - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضى منها آخر ، أى : لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها . أى لا ينبغى له ذلك، بل يغفر سبئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب . - والفرك البغض الكلى الذى تنسى معه كل المحاسز -. وقال مكحول: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما - يقول: إن الرجل ليستخير الله - تعالى - فيخار له، فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر فى العاقبة فإذا هو قد خير له ،١١). (١) تفسير القرطبي جـ . ص١ ٩٨. - ١٢٠ - وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز الرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أنت بفاحشة مبينة ... عقب ذلك بيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أنت بفاحشة فقال - تعالى - ((وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ، والاستبدال : طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى . والتخطار : أعمله من قنطرت الشىء إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها ينا. مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثير الذى هو أقصى مايتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة. والمعنى: وإن أردتم أيها الأزواج (( استبدال زوج، أى تزوج امرأة ترغبون فيها((مكان زوج)، أى مكان امرأة لا ترغبون فيها ، بل ترغبون فى طلاقها , وآتيتم إحداهن قنطارا، أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيراً على سبيل الصداق لها،فلا تأخذوا منه شيئا ، أى فلا تأخذوا من المال الكثير الذى أعطيمتوه لهن شيئا أياً كان هذا الشىء ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لامن جانبهن . وعبر - سبحانه - بـ «إن، التى تفيد الشك فى وقوع الفعل؛ للتنبيه على أن الإرادة قد تكون غير سليمة ، وغير مبنية على أسباب قوية ، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور. والمراد بالزوج فى قوله ((استبدال زوج مكان زوج) الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج . والمراد من الإيتاء فى قوله «وآتيتم، الالتزام والضمان. أى: التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير . والجملة حالية بتقدير ((فد). أى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج والحال أنكم «قد» آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطاراً فلا تأخذوامنه شيئا.