النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ -
بنات ، وإنما كان يورث كلالة ... والحديث الثانى عن جابر أشبه بنزول هذه
الآية(١). (هذا، وقوله - تعالى - (دبوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ
الأنثيين )، بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإناث.
وقوله (( يوصيكم)، من الوصية ، وهى - كما يقول الراغب - : التقدم
إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم: أرض واصية أى متصلة النبات
ويقال: أوصاه ووصاه ... ويقال: تواصى القوم إذا أوصى بعضهم
بعضا ... ))(٢) والمراد بقوله ((يوصيكم)): أى يأمركم أمرا مؤكدا
والأولاد : جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد - والولد : اسم للإبن
ذكرا كان أو أنثى والحظ : النصيب المقدر .
والمعنى: يعهد الله إليكم ويأمركم أمر" مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم
من بعد موتكم أن يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين .
وصدر - سبحانه - هذه الأحكام بقوله ((يوصيكم)) إهتماما بشأنها ،
وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها، إذ الوصية من الله - تعالى -.
إيجاب مؤكد، بدليل قوله - تعالى - ,ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا
بالحق ذلكم وصاكم به، أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجاما
مؤكداً .
وحرف (( فى)) هنا للظرفية المجازية ، ومجرورها محذوف قام المضاف
إليه مقامه، لأن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية. والتقدير: يوصيكم
الله فی تو ریث أولادکے أو فی شأنهم .
وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد، لأنهم أقرب الناس إلى الإنسان،
ولأن تعلق الإنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٧
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٥٢٥ للراغب الأصفهانى.
١ ٦ - سورة النساء؟

- ٨٢ --
وقوله , للذكر مثل حظ الأنثيين)) جملة مستأنفة لا محل لهامن الإعراب
لأنها فى موضع التفصيل والبيان لجملة (( يوصيكم الله فى أولادكم)).
وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن التكليفات
المالية على الأفى تقل كثيراً عن التكليفات المالية على الذكر، إذ الرجل
مكلف بالنفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما
المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه مشارك .
وبهذا يتبين أن الإسلام قد أ كرم المرأة غاية الإكرام حيث أعطاهاهذا
النصيب الخاص به! من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئاً.
ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأفى، لأن الضعف قد يصدق
على المثلين فصاعدا ، فلا يكون نصا .
ولم يقل الأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأفى نصف حظ الذكر، لأن
المقصود تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى .
وعبر بالذكر والأفى دون الرجال والنساء ، التنصيص على استواء
الكبار والصغار من الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل البلوغ والكبر
فى ذلك أصلا ، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال
ـولا النساء .
وبعد أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا
ذكورا وإناثا ، عقب ذلك بيان كيفية تقسيم التركة إذا كان الورثة من
الأولاد الإناث فقط فقال - تعالى -: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا
مارك .
قال الألوسى: الضمير للأولاد مطلقا، ولزوم تغليب الإناث على الذكور
لا يضر ، لأن ذلك ما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له . ويجوز
أن يعود إلى المولودات أو البنات اللاتى فى ضمن مطلق الأولاد ... والمراد من

- ٨٣ ٠
الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية ... (١).
٢٠
والمعنى: فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على أنفتين
بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى .
وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين
وهو الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب البنتين بالقول الصريح .
وقد روى عن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصا عدا
وأما فرص البنتين فهو النصف . ودليله صريح منطوق الآية ، فقد اشترطت
أن أخذ ثلثى التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا ، وذلك
ينفى حصول الثلثين البنتين .
: ت ء
- وقال جمهور العلماء: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان إذا اقفردتا
عن البنين كما أن البنات لهن الثلثان كذلك . 3
وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن البنتين الثلثان كالبنات
فقاد ما ملخصه :
وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. قالوا: وإنما
عرفنا ذلك بوجوه: أولها: من قوله- تعالى- ((للذكر مثل حظ الأنثيين)
وذلك لأن من مات وترك إبنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين
لقوله - تعالى - : للذكر مثل حظ الأنثیین ، وإذا كان نصيبالذ کر مثل نصيب
الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب
الإبنتين الثلثين .
وز الثانى: إذا مات وترك إبنا وبنتا فهنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل
وللذكر مثل حظ الأنثيين ، فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث
فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أننى هو الثلثان أولى، لأن الذكر أقوى
من الأنثى .
(١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٢١١ - بتصرف وتلخيص.

- ٨٤ -
الثالث: أن قوله - تعالى - ((للذكر مثل حظ الأنثيين)) بعيد أن حظم
الأتنيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل
حظ الأفى الواحدة وذلك خلاف النص . وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد
من حظ الواحدة فنقول : وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل
بالفرق
والرابع : أنا ذكرنا فى سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم - أعطى.
بنتى سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ماقلناه .
الخامس: أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم الواحدة من البنات
وحكم الثلاث فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى شرحميراث الأخوات.
- فى آخر السورة - ((إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك)
فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة.
والأختين دون الأخوات ، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة
من وجه ومبينة من وجه فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان
أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين ... والوجوه الثلاثمة الأول
مستنبطة من الآية. والرابع مأخوذ من السنة. والخامس من القياس الجلى،١١)
هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإجماع.
على أن البنتين الثلثان .
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال:((وإن كانت
واحدة فلما النصف ، .
أى وإن كانت المولودة امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف.
أى نصف ما تركه المتوفى .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص٢٠٦.

- ٨٥ -
وإلى هنا تكون الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث :
الأولى : أن يترك الميت ذكورا وإنائا . وفى هذه الحالة يكون الميراث
بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين .
الثانية : أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر: وفى هذه
الحالة يكون لهما أولهن الثلثان خلافا لابن عباس فى البنتين - كما سبق أن بينا.
الثالثة: أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخ ذكر. وفى هذه الحالة
يكون لها النصف .
قال بعض العلماء: هذا توريث الأولاد. ويلاحظ ما يأتي:
أولا : أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا إنما يكون بعد أن يأخذ
الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم . فاذا كان المتوفى أب
وزوجة وأبناء وبنات، فان القسمة للذكر مثل حظ الأمنيين تكون بعد أخذ
الأب والزوجة نصيببهما.
ثانيا : أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه: أى أبناؤه
وأبناء أبنائه وبنات أبنائه. أما أولاد بناته فلنهن لا يكن من أولاده. وقد
خالف فى ذلك الشيعة فلم يفرقوا فى نسبة الأولاد بين ما يكون من أولادالظهور
ومن يكون من أولاد البطون. أى : لا يفرقون بين من تتوسط بينه و بين
المتوفى أفى ومن لا تتوسط .
ثالثا : أن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنه . أى:
أن الطبقة الأولى تمنع من يليها :
رابعا : أن بنات الإبن يأخذن حكم البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد
قط لاذكور ولا إناث ... )) (١)
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: مجلة لوا.
الإسلام السنة الثالثة عشرة ص ٧١٥

- ٨٦ -
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد عقبه بيان مبراث الأبوين فقال:
((ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ؛ فان لم يكن له
ولد وورثة أبو اه فلأمه الللث . فان كان له أخوه فلأمه السدس)).
وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات للأبوين .
أما الحالة الأولى فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد منهما
السدس إذا كان للميت ولد . وقد عبر - سبحانه - عن هذه الحالة بقوله:
ولأبو به، أى لأبوى الميت ذكرا كان أو أنثى. والضمير فى «أبويه، كتابة
عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه .
والمراد بالأبوين: الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
وقوله (( لكل واحد منهما)) بدل من قوله ((ولأبويه)، بتكرير العامل وهو
اللام فى قوله (( لكل». وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لكان
ظاهره اشتراكهما فيه .
وقوله («السدس)) بيان للنصيب الذى يستحقه كل واحد من الأبوين.
أى: أن لمكل واحد من أيوى الميت السدس مما ترك من المال ((إن كان
له ولد ، أى : إن كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر
قال القرطبى: فرض الله - تعالى - لسكل واحد من الأبوين مع الولد
السدس ، وأبهم الواد فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فان مات رجل وترك
أبنا وأبو ين فلأبويه لكل واحد منهما السدس وما بقى فللأين . فان ترك
أبنة أو أبوين فللأ بنة النصف وللأبوين السدسان وما بقى فلأقرب عصبة وهو
الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقت الفرائض فلأولى رجل
ذكر، فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين التعصيب والفرض) (١).
(١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٧١

- ٨٧ -
والحالة الثانية وهى ما إذا مات وور ثه أبو اه ، وقد بين سبحانه ـ حكمها
بقوله : ( فان لم يكن له ولد وورثة أبواه فلأمه الثلث ).
أى فإن لم يكن الميت وأد ولا ولد ابن وورثه أبواه فقط ، ففى هذه
الحالة يكون لأم الميت ثلث التركة، ولأبيه الباقى من التركة وهو الثلثان، إذ
لا وارث له سواهما. فاذا كان معهما أحد الزوجين كان الأم ثلث الباقى !
بعد نصيب الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى جمهور الصحابة وهو
الذى اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الأمصار.
أما الحالة الثالثة وهى ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو
أخوات فقد بين - سبحانه - حكمها بقوله: « فان كان له إخوة فلاً مه السدس
أى: فان كان للميت إخوة من الأب والأم. أو من الأب فقط ، أومن الأم
فقط ذكورا كانوا أو أناثا أو مختلطين فى هذه الحالة يكون لأم الميت سدس
التركة والباقى للأب ولا ميراث للإخوة لحجبهم بالأبوبهذا نرى أن إخوة
الميت ينقصون الأم من الثلث إلى السدس .
وإذ شرط الله فى انقاص نصيبها من الثلث الى السدس الجماعة من الإخوة
علم أن الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث .
أما الأخوان فيرى جمهور الصحابه والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من
الثلث الى السدس . لأنه قد ورد فى اللغة اطلاق الجمع على الأثنين كما فى
قوله - تعالى - ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما .... ). ولأن الشارع
قد جعل الأختين كالثلاث فى الميراث . وكذلك جعل البنتين كالثلاث. ولا
فرق بين الذكور والاناث .
ويروى عن ابن عباس أن الاخوين لا ينقصان الأم من الثلث الى السدس فشأنهما
شأن الأخ الواحد لأن الله - تعالى - قال (فان كان له إخوة) بصيغة الجمع،
والجمع أقله ثلاثة بخلاف التثنية . والعمل على ماذهب إليه الجمهور .

- ٨٨ -
وإلى هنا تكون الآية الكريمة ود بينث ميراث الأولاد والأبوين. ثم
عقبت ذلك ببيان الوقف الذى تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من الورثة
فقالت : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين) .
أى هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى
بها الميت الى الثلث . ومن بعد قضاء دين على الميت.
فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم قبلها من قسمة المورايث ؛ فكأنه
قال : قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها الميت ومن بعد قضاء
دين عليه.
ثم بين - سبحانه -- حكمة هذا التقسيم، وأكد وجوب تنفيذه فقال:
آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان
عليما حكما).
قال الألوسى: الخطاب للورثة. وقوله (آباؤكم) مبتدأ ، وقوله (وأبناؤكم)
معطوف عليه. وقوله ( لاندرون) مع ما فى حيزه خبرله. وأى اما استفهامية
مبتدأ. وقوله ((أقرب)، خبره والفعل معلق عنها فهى سادة مسد الفعلين. واما
موصولة، وقوله (( أقرب، خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول. وهو
مفعول أول مبنى على الضم لإضافته وحذف صدر صلته . والمفعول الثانى
محذوف. وقوله ( نفعا) نصب على التمييز وهو منقول من الفاعلية . وجملة
(آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) اعتراضية مؤكدة لوجوب
تنفيذ الوصية ) (١).
والمعنى أن الله - تعالى - قد فرض لكم هذه الفرائض، وقسم بينكم الميراث
هذا التقسيم العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله التى قسمها لكم، ولا يصح
(١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢٢٧

- ٨٩ ٠-
لكم أن تحكموا أهواءكم فى أموالكم، فإنكم لا تعلمون من أنفع لكم من
أصولكم وفروعكم فى دنيا كم وآخر تكم.
وقد عدر - سبحانه - الجملة السكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم
واتحاد اتصالهم، ومع ذلك لا يدرون النافع منهم ، لأن الله - تعالى - وحده
هو العليم بأحوال عباده، وبما تسره وتعلنه نفوسهم.
ثم أكد الله - تعالى - وجوب الانقياد لما شرعه لهم فى شأن المواريث
بتأكيدين :
أولهما: قوله - تعالى - ((فريضة من الله)).
أى: فرض الله ذلك التقسيم للميراث فريضة، وقدره تقديرا فلا يجوز
لكم أن تخالفوه، لأنه تقدير الله وقسمته، وليس لأحد أن يخالف قسمة
الله وشرعه .
وقوله ((فريضة)) منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه، على حد قولهم؛
هذا ابنى حقا، لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره، فيكون فعله الناصب له
محذوفا وجوبا . أى فرض ذلك فريضة من الله .
وأنا التأكيد الثانى فهو قوله - تعالى -: (( إن أقه كان عليما حكيما،
أى إن الله - تعالى - كان عليها بما يصلح أمر العباد فى دنياهم وآخرتهم،
حكيما فيما قضنى وقدر من شئون وتشريعات ، فعليكم أن تقفوا عندما قضى
وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه .
قال الفخر الرازى ما ملخصه : ومناسبة هذا الكلام هنا أنه -- تعالى -
لما ذكر أنصباء الأولاد والأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة .. والإنسان
ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت أنفع له
وأصلح، لاسيما وقد كانت قسمة العرب المواريث مخالفة لما جاء به الإسلام.

- ٩٠ -
لما كان الأمر كذلك أزال اله هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم
لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم فى شىء أنه صالح لكم وهو عين المضرة ،
وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة، وأما الإله الحكيم
الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فاقركوا تقدير المواريث بالمقادير
التى تستحسنها عقولكم، وكوفوا مطيعين لأمر الله فى هذه التقديرات التى
قدرها لكم، فقوله (( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، إشارة
إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة. وقوله: «فريضة
من الله، إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التى قدرها الشرع
وقضى بها .. ،((:
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث
الزوج فقال - تعالى - : (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد.
فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن )).
أى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن.
لهؤلاء الزوجات الموروثات ولد ذكرا كان أو أنى. واحدا كان أو متعددا ،
منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم أيها الازواج الربع مما
تركز من المال .
وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين : حالة يأخذ فيها نصف ما تركته.
زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب بنيها
أو بنى بنيها ... إلخ، فإن تركت ولدا على التفصيل السابق كان لزوجها ربع.
ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج ، ويكون الباقى فى الصورتين
لبقية الورقة .
وقوله ((من بعد وصية بوصين بها أو دين)) متعلق بكلتا الصورتين .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢١٨

- ٩١ -
أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن
من ديون .
ثم بين - سبحانه - نصيب الزوجة فقال ((ولهن الربع ما تركتم إن لم
يكن لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ..
أى أن للزوجات ربع المال الذى تركة أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء
الأزواج الأموات ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى فيهم .. إلخ فإن
ترك الأزواج من خلفهم ولدا فالزوجات ثمن المال الذى تركه أزواجهن .
ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
ونرى من هذا أن الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج، وهو قاعدة
عامة فى قسمة الميراث بالنسبة للذكر والأنثى، ولم يستثن إلا الإخوة لأم ،
والأبوين فى بعض الأحوال .
وقوله (( من بعد وصية توصون بها أو دين ، متعلق بما قيله.
أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم
من ديون .
ثم أبين - سبحانه، ميراث الإخوة والأخوات لأم فقال - تعالى - :
((وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما
السدس . فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث ،
والمكلالة ؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما الكلالة؟ قلت: ينطلق على واحد من ثلاثة:
على من لم يخلف ولدا ولا والداءوعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين
وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة
كما تقول: ما صمت عن عى ، وماكف عن جبن .

- ٩٢ -
والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعين،
قال الأعشى :
فآليت لا أرتى لها من كلاله
فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإضافة إلى قرابتهما
كآلة ضعيفة ... وعن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة
"فقال: الكلالة : من لا ولد له ولا والد ... ))(١)
والظاهر أن كلمة « كلالة هنا وصف للميت المورزث، لأنها حال من
قائب فاعل قوله: ((يورث، وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير: وإن
كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أى؛ لم يترك ولدا ولا والدا . ويرى
بعضهم أن كلمة كلالة هنا: وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت.
لأن هؤلاء الو ار ثین یتکللونالمیت من جوانبه، وليسوا فىعمود نسبه، کالإ كليل
يحيط بالرأس ، ووسط الرأس منه خال . من تكلله الشىء إذا أحاط به .
فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة ،
لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه ... وعلى هذا الرأى يكون المعنى
وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة. أى أن وارثه ليس
بولد ولا والد له .
والمراد بالإخوة والأخوات هنا: الإخوه والاخوات لأم، بدليل
قراءة سعد بن أبى وقاص: ((وله أخ أو أخت من أم) . ويدل عليه
- أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإخوة مرتين: هنامرة، ومرة
أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله: « يستفتونك قل الله يفتيكم
٠٠ ..
فى الكلالة .
وفد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس والأكثر الثلث
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٨١ - بتصرف وتلخيص -

- ٩٣ -
شركة، وجعل فى الآيه التى فى آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللاثنتين
الثلثين ، فوجب أن يكون الإخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه.
لما كان الإخوة لأب وأم أو لأب حسب أقرب من الإخوة لأم، وقد أعطى -
سبحانه - الأخت والأختين والإخوة فى آخر السورة نصيباً أو فر، فقد
وجب حمل الإخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإخوة لأب . كما وجب
حمل الإخوة والأخوات هنا على الإخوة لأم.
والمعنى: ((وإن كان رجل يورث كلالة ، أى : يورث من غير أصوله.
أو فروعه («أوامرأة «أى: تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها.
والضمير فى قوله (( وله، يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام.
أولواحد منهما - أى الرجل والمرأة .. والتذكير التغليب . أو يعود الرجل
واكتفى يحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فى هذا الحكم.
وقوله: ((أخ أو أخت، أى: من الأم فقط (فلكل واحد منهما) أى:
الأخ والاخت (السدس) ماترك ذلك المتوفى من غير تفضيل للذكر على الاتى،
لأنهما يتساويان فى الإدلاء إلى المبت بمحض الافوثة . (فإن كانوا ) أى :
الإخوة والأخوات لأم ( أكثر من واحد فهم شركاء فى الثلث ) يقتسمونه
فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناتهم، والباقى من المال المورث يقسم بين
أصحاب الفروض والعصبات من الورثة .
وبذلك نرى أن الإخوة والأخوات من الأم لهم حالتان : إحداهما :
أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا أنفردا.
والثانية : أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفى وهذه الحالة يكون
نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية بلا فرق بين الذكر والأنثى .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ( من بعد وصية يوصى بها.
أو دين غير مضار وصية من الله، والله علي حليم ).
أى: هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة للإخوة للأم
إنما تتم بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ماعليه من ديون ، من غير ضرار للووثة

- ٩٤ -
بوصيته أو دينه. وفى قوله «يوصى، قراء تان سبعيتان: إحداهما بالبناء
للمفعل أى ((يوصى) - بفتح الصاد - فيكون قوله (( غير مضار) حال من
فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد وصية يوصى بها او دين
حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار، أى غير متسبب فى ضرر الورثة
والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى (( يوصى)) - بكسر الصاد - ويسكون قوله
(غير مضار)) حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير (( يوصى).
أن: يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه ((غير مضار، أى غير
مدخل الضرر على الورثة . وبهذا نرى أن مرتبة الورثة فى التقسيم تأتى بعده
سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع
مرات فى هاتين الآيتين تأ كيدا لحق الدائنين والموصى لهم وقبرئة لذمة المتوفى
فقد قال بعد بيان ميراث الأولاد والأبوين ((من بعد وصية يوصى بها أزدين))
وقال بعد بیان میراث الزوج (( من بعد وصیة یوصین بها أودين)) وقال
بعد ميراث الزوجة: (( من بعد وصية أوصون بها أو دين ) وقال بعد بيان
مبرات الإخوة والأخوات لأم: ((من بعد وصية يوصى بها أو دين
غير مضار ..
وقـ قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن
الدين فى السداد ، وذلك للتشديد فى تنفيذها ، إذ هى مظنه الإهمال أو مظنة ،
الإخفاء ، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس ،
فكان من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من مظاهر هذه
العناية تقديمها فى الذكر .
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: لم قدمت الوصية
على الدين والدين مقدم عليها فى الشريعة؟ قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث
فى كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجهاما يشق على الورثة ويتعاظمهم
ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم

- ٩٥ -
مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى
إخراجها مع الدين .
فإن قلت : مامعنى أو ؟ قلت معناها الإباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو
كلاهما ، قدم على قسمة الميراث كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين .
فأوهنا جىء بها للتسوية بينهما فى الوجوب ... )،(١)
وقوله - تعالى - , غير مضار: يفيد النهى المورث عن إلحاق الضرر
بورثته عن طريق الوصية أو بسبب الديون .
والضرر بالورثه عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من
الثلث ، أو به فأقل مع قصده الإضرار بالورثه فقد روى النسائى فى سننه عن
ابن عباس أنه قال: الضرار فى الوصية من الكبائر)). وقال قتادة : كره اله
الضرار فى الحياة وعند الممات وفهى عنه .
والضرر بالورقة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه
دين دفعا للميراث عن الورثة ، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره قد
استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل شىء من ذلك.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهى قوله ((غير مضار، بعد حديثه
عن ميراث الإخوة والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم ، وتحريضا على
أدائها، لان حقوقهم مظنة الضياع والإهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون
يهملون نصيب الإخوة لأم .
وقوله ((وصية من الله) نصبت كلمة (( وصية، فيه على أنها مصدر مؤكد
أى: يوصيكم الله بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم. والجار والمجرور
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٨٤

- ٩٦ ٠٠
وهو ((من الله)) متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية: أى وصية كائنة من اللّه
فمن خالفها كان مستحقا لعقابه.
وقوله (( والله عليم حليم)) تذييل قصدبه تربية المهابة فى القلوب من خالقها
العليم بأحوالها . أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون ، وبما يصلح أحوالكم
وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم
لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. فعليكم
أن تستجيبوا لأحكامة ، حتى تكونوا أهلا لمثوبتة ورضاه.
#
ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه، وبشر المطيعين بحسن
الثواب . وأنذر العصاة بسوء العقاب فقال: [ تلك حدود الله ، ومن يطع الله
ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ]
واسم الإشارة ((تلك، يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث
وغيرها . والمعنى: تلك الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث
وغيرها , حدود الله)، أى شرائعه وتكاليفه التى شرعها لعباده.
والحدود جمع حد. وحد الشىء طرفه الذى يمتاز به عن غيره. ومنه
حدود البيت أى أطرافه التى تميزه عن بقية البيوت .
والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - لعباده بحيث
لا يجوز لهم تجاوزها ومخالفتها.
وقد أطلق - سبحانه - على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز
لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها .
ثم قال - تعالى - ((ومن يطع الله ورسوله)) أى فيما أمر به من الأحكام،
وفيما شرعه من شرائع تتعلق بالمواريث وغيرما .

- ٩٧ -
• يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، أى تجرى من تحت أشجارها
ومساكنها الأنهار خالدين فيها، أى باقيز فيها لا يموتونولا يفنوز ولايخرجون
منها وقوله ((وذلك الفوز العظيم)، أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة
الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم، والفلاح الذى ليس بعده فلاح .
ثم قال - تعالى - ((ومن يعص الله ورسوله)) أى فيما أمر به من أوامر
وفيما نهى عنه من منهيات ((ويتعد حدوده)) التى تتعلق بالمواريث وغيرها
بأن يتجاوزها ويخالف حكم انته فيها .
(( يدخله نارا خالدا فيها، أى . يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا فيها خلودا
أبديا إن كان من أهل الكفر والضلال. وخالداً فيها لمدة لا يعلمها إلا الله
إن كان من عصاة المؤمنين .
وقال هنا ((خالدا فيها، بالإفراد، وقال فى شأن المؤمنين (( خالدين فيها)
بالجمع، الإبذان بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. فإذا شفع أحدهم لغيره
وقبل الله شفاعته . دخل ذلك الغير معه فى رضوان الله .
أما أهل الكفر والمعاصى فليسوا أهلا للشفاعة، بل يبقون فرادى،
تحيط بهم الذلة والمهانة من كل جانب .
أو للاشعار بأن الخلود فى دار الثواب يكون على هيئة الاجتماع الذى
هو أجلب للأنس والبهجة .
وبأن الخلود فى دار العقاب يكون على هيئة الافراد الذى هو أشد
فى استجلاب الوحشة والهم .
وقوله (( وله عذاب مهين، أى لهذا الماصى شه ولرسوله، والمعتدى للحدود
التى رسمها الله ، عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله ، وماربك
بظلام للعبيد » .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان،
وأحكم تشريع، وبشرت المستجيبين لشرع الله بجزيل الثواب، وأنذرت
المعرضين عن ذلك بسوء المصير .
( ٧ - سورة النساء :

- ٤٩ -
هذا، ومن الأحكام والفوائد التى يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى:
أولا: أن ترتيب الورثة قد جاءفى الآيتين الکریمتین على أحسنوجه، وأُتم
بيان، وأبلغ أسلوب وذلك لأن الوارث- كما يقول الإمام الرازى - إما أن يكون
متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة. فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال
إما أن يكون هو الفسب أو الزوجية ، فحصل هنا أقسام ثلاثة :
أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل إبتداء من جهة النسب ، وذلك هو قرابة
الولاد ويدخل فيها الأولادو الوالد ان، فالله - تعالى - ق.م حكم هذا القسم.
وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر
فى الشرف عن القسم الأول ! لأن الأول ذاتى وهذا الثانى عرض ، والذاتى
أشرف من العرض .
وثالثها: الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو متأخر
فى الشرف عن القسمين الأولين ، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية
وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية ، ولأنهما يتصلان بالميت بغير
واسطة بخلاف الكلالة ...
فما أحسن هذا الترتيب، وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات ... ،(١)
ثانيا : أن الآيتين الكريمتين قد بينا الوراثين والوارثات ونصيب كل
وارث بالأوصاف التى جعلها الله - تعالى - سبا فى استحقاق الإرث كالبنوة
والأبوة والزوجية والأخوة. وقد ألغتا بالنسبة إلى أصل الاستحقاق الذكورة
والأنوثة والصغر والكبر وجعلتا للكل حقا معينا فى الميرات . وبهذا أبطلتا
ما كان عليه الجاهليون من جعل الإرث بالنسب مقصورا على الرجال دون
النساء والأطفال، وكانوا يقولون: ((لايرث إلا من طاعن بالرماح ، وذاد
عن الحوزة ، وحاز الغنيمة)).
(١) تفسير لفخر الرازى جـ ٩ ص ٢٢٠.

- ٩٩ --
ثالثا: أن قوله - تعالى -: ((يوصيكم الله فى أولادكم .... إلخ)) يعم
أولاد المسلمين والكافرين والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدأو غير القاتلين ....
إلا أن السنة النبوية الشريفة قد خصصت بعض هذا العموم، حيث أخرجت
الكافر من هذا العموم لحديث :
(((لايرت المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، وعلى هذا سار جمهور المداء
فلم يور توا مسلما من كافر ولا كافرا من مسلم .
وذهب بعضهم إلى أن الكافر لايرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر.
كذلك قص العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان ؛ لأن العبد لا يملك ،
وعلى أن القاتل عمدا لايرث من قتله معاملة بنقيض مقصوده .
رابعا: أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكوراوإناثا يكون بعد أن يأخذ
الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم.
وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من صلبه. أى أبناؤه وأبناء
أبنائه ، وبنات أبنائه .
وأن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنائه. أى أن
الطبقة الأولى تمنع من يليها .
وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من أصل الاستحقاق
الميراث بحال ، إلا أنهم قد يؤثر عليهم وجود غيرهم فى المقدار المستحق .
وأنه متى اجتمع فى المستحقين للميراث ذكور وإناث ، أخذ الذكر مثل
حظ الأنثيين إلا ماسبق لنا استثناؤه .
خامسا : لا يجوز للمورث أن يسىء إلى ورثته لاعن طريق الوصية ولا عن
طريق الدين ولا عن أى طريق آخر ، لان الله - تعالى - قد نهى عن المضارة
فقال: ((من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله .. ).

- ١٠٠ -
وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله: (يوصيكم الله فى أولادكم ... )).
و ختم أولاهما بقوله: « فريضه من الله، وختم ثانيتهما بقوله ((وصية من
الله ، هذا البدء والختام لجديران بأن يغرسا الخشية من الله فى قلوب المؤمنين
الذين يخافون مقام ربهم، وينهون أنفسهم عن السير فى طريق الهوى
والشيطان .
سادساً: أنه يجب تقديم حقوق الميت على تقسيم التركة ، فقد كرر اق
- تعالى - قوله: (( من بعد وصية يوصى بها أو دين ، كما سبق أن بينا.
قال القرطى : ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية؛ فإذا مات المتوق
أخرح من تركته الحقوق المعينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديور
على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان فى معناها على مراتبها أيضا
ويكون الباقى ميراثا بين الورثة .
وجملهتم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم: الابن وابن الابن وإن سفل
والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا. والأح وابن الأخ. والعم وأبن العمن
والزوج وهولى النعمة .
ويرث من النساء سبع وهن : البنت وبنت الإبن وإن سفلت، والأ.
والجدة وإن علت. والأخت والزوجة. ومولاة النعمة وهى المعتقة ... ))(١)
٥٠٠
وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء. وبمعا شرتهن معاشر
كريمة ، وبين حقوقهن فى الميراث ، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى
الرجال والنساء إذا ماارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطي جـ ٥ ص ٠٦١