النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ الجزء الثالث من الآفات، وبما تطلقون به من إنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله، ولتختبرن أيضا فى (( أنفسكم)) بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد، وفضلا عن ذلك فإنكم (( لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وهم اليهود والنصارى ((ومن الذين أشر كوا، وهم كفار العرب، لتسمعن من هؤلاء جميعاً، أذى كثيراً، كالطعن فى دينكم ، والاستهزاء بعقيدتكم، والسخرية من شريمتكم والاستخفاف بالتعاليم التى أقاكم بها نبيكم، والتفنن فيما يضركم. وقد رقب - سبحانه - ما يصيب المؤمنين ترتيباً تدريجياً، فبتدأ بأدنى ألوان البلاء وهو الإصابة فى المال ، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة فى النفس لأنها أغلى من المال ، ثم ختم ألوان الإبتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهى التى تختص بالإصابة فى الدين ، وقد عبر عنها بقوله: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ،. وإنما كانت الإصابة فى الدين أعلى أنواع البلاء، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ما له ؛ وتهون عليه نفسه، ولكنه لايهون عليه دينه ، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى فى ماله ونفسه ولكن ليس من السهل عليه أن يؤذى فى دينه ... ولقد كان أبو بكر الصديق مشهوراً بلينه ورقته. ولكنه مع ذلك - لقوة إيمانه - لم يحتمل من ((فنحاص، اليهودى أن يصف الخالق - عز وجل - بأنه فقير ، بل ما كان من الصديق إلا أن شج وجه فنحاص عند ما قال ذلك القول الباطل . وقد جمع - سبحانه - بين أهل الكتاب وبين المشركين فى عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين، الإشعار بأن الكفر ملة واحدة ، وأن العالم بالكتاب (٣١ - سورة آل عمران) ٤٨٢ سورة آل عمران والجاهل به يستويان فى معاداتهم للحق، لأن العناد إذا إستولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا، وزاد العالمين حقدا وحسدا . ثم أرشد. سبحانه - المؤمنين إلى العلاج الذى يمين على التغلب على هذا البلاء فقال: ((وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)). أى: وإن تصبروا على تلك الشدائد، وتقابلوها بضبط النفس ، وقوة الاحتمال. ((وتتقوا، الله فى كل ما أمركم به ونها كم عنه، تنالوا رضاه - سبحانه - وتنجوا من كيد أعدائكم. والإشارة فى قوله ((فإن ذلك من عزم الأمور)) تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التى يجب أن بسير عليها كل عاقل ، لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر. وقوله ((فإن ذلك من عزم الأمور، دليل جواب الشرط. والتقدير: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور. فالآية الكريمة إستئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين، وتنبيههم إلى سنة من سنن الحياة، وهى أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك ، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر . ولقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قوة الإيمان وشدة البلاء متلازمان ، فقد روى الترمذى عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : قلت يا رسول الله، أى الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على حسب دینه. فإن كان دينه ملبا إشتد بلاؤه ، وإن كان فى دينه رقة إبتلى على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة ). ٤٨٣ الجزء الثالث ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيئته الناس ولا تكتمونه)). الميثاق: هو العهد الموثق المؤكد. وقد أخذ - سبحانه - العهد على الذين أوتوا الكتاب بأمرين: أولهما بيان ما فى الكتاب من أحكام وأخبار . وثانيهما: عدم كنمان شىء مما فى هذا الكتاب . والمعنى : وأذكر أيها الخاطب وقت أن أخذ القه العهد المؤكد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يبينوا جميع ما فى الكتاب من أحكام وأخبار وبشارات بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وألا يكتموا شيئا من ذلك، لأن كنانهم للحق سيؤدى إلى سوء عاقبتهم فى الدنيا والآخرة. والضمير فى قوله ( لتبيننه، يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع والأحكام والبشارات الخاصة بمبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -. أى لتبينن ما فى هذا الكتاب الذى بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار وإشارات وقيل الضمير يعود إلى الميثاق ، ويسكون المراد من العهد الذى وثقه الله عليهم هو تعاليمه وشرعه واوره. وقوله((ولا تكتمونه، عطف على ((لتبينته))، وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا. وجمع - سبحانه - بين أمرهم المؤكد بالبيان وبين نيهم عن المكتمان مبالغة فى إيجاب ما أمروا به حتى لا يقصروا فى إظهار ما فى الكتاب من حقائق وحتى لا يلجأوا إلى كنمان هذه الحقائق أو تحريفها. ولكن أهل الكتاب - ولا سيما العلماء منهم نقضوا عهودهم مع الله - تعالی ۔ ؛ وقد حکی - سبحانه ذلك فى قوله : فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ). النبذ: الطرح والترك والإهمال. ٤٨٤ سورة آل عمران أى أن أصل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما فى الكتاب ولا يكتموا شيئا منه، لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل إنهم نبذوا ما عاهدم الله عليه، وطرحوه وراء ظهرهم باستهانة وعدم إعتداد. وأخذوا فى مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيراً من متاع الدنيا وحطامها ، فبئس الفعل فعلهم. والتعبير عنهم بقوله (فنبذوه وراء ظهورهم، كناية عن إستهانتهم بالمنبوذ وإعراضهم عنه بالكلية، وإهمالهم له إهمالا تاما، لأن من شأن الشىء المنبوذ أن يهمل ويترك، كما أن من شأن الشىء الذى هو محل إهتمام أن يحرس ويجعل نصب الدين . والضمير فى قوله ((فنبذوه)) يعود على الميثاق بإعتبارأنه موضع الحديث 4 إبتداء. ويصح أن يعود إلى الكتاب ، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام والكتاب وعاؤها ، فنبذ الكتاب فبذ للعهد . والمراد ((بالتمن القليل، ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوى من غيرهم فى مقابل عدم بيانهم لما فى الكتاب من حقائق، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة . وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى مقابل نبذم لكتاب الله وعموده، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل الاقليلا وان بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - تعالى -. وقوله ((فبئس ما يشترون) أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن. فا فكرة منصوبة مفسرة لفا على بئس، وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالدم محذوف ٤٨٥ الجزء الثالث وقيل (( ما) مصدرية فاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أى بقس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب إظهار الحق، وتحريم كتان ... ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس ، وألا يكتموامنه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم وغيرة من أن ينسب إلى غيرهم. وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار ، وعن على - رضى الله عنه - قال : ما أخذاقه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا،(١). وقال ابن كثير عند تفسيره للآبة الكريمة : هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوابمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ينوهوا بذكره فى الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير فى الدنيا والآخرة بالدون الطفيف ، والحظ الدنيوى السخيف ، فبأست الصفقه صفقتهم، وبثست البيعة بيعتهم. وفى هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم. ويسلك بهم مسلكهم ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، ولا يكتموا منه شيئا ... ، (٢). ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص٣٤٦ بتصرف يسير -. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٣٦ ٤٨٦ سورةآل عمران وهى أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أقوا، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال: ((لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ،. والخطاب فى قوله (( لا تحسبن)) موجه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له الخطاب . والنهى موجه إلى حسبان أن يكون فى هؤلاء الأشرار خير . أى أن الله - تعالى - ينهى نبيه - صلى الله عليه وسلم - نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا فى هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . و((المفازة)) مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هى اسم مكان أى محل فوز ونجاة . والمعنى. لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار ((الذين يفرحون بما أتوا)) أى يفرحون بمافعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذى هو أدنى بالذى هو خير، والذين («يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أى يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود ، ومن إظهار الحق وعدم كنماته، فإنهم فعلوا الشرور والآثام، ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آ نام، بل يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات ، فهم من قال الله فيهم ( أفمن زین له سوء عمله فرآه حسنا)). لا نحسين هؤلاء الأشرار «بمفازة من العذاب: أى بمنجاة منه، بل هم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات. وقوله (الذين يفرحون ... ، هو المفعول الأول لتحصب، والمفعول الثانى محذوف والتقدير: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن بحمدوا بما لم يفعلوا موفقين أو مهتدين ، أو صالحين . ٤٨٧ الجزء الثالث وحذف هذا المفعول الثانى لدلالة ما بعده عليه وهو قوله ، فلا تحسبتهم بمفازة .... ولتذهب النفسر كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذى وصفهم به - سبحانه -، وهو أنهم يفعلون القبيح ويحبون أن يحمده الناس عليه. وقوله (( فلا تحسينهم بمفازة من العذاب)) بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة وهو تأكيد لقوله (ولا تحسبن .. )). قال الزجاج : جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب وما أشبهه ، للإعلام بأن الذى جرى متصل بالكلام الأول ومتصل به : فتقول. لا تظن زيدا إذا جاء وكلك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد لا تظنن توكيدا وتوضيحاً))(1). والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله - تعالى - , بمفازة، للإشعار بأن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم، ولكنهم أن ينجو منه أبدا، ولذا أكد - سبحانه - عدم نجاتهم بقوله (ولهم عذاب أليم)). فذكر - سبحانه - عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب ، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه . وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه . هذا. وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريمة نزلت فى شأن أحبار اليهود فقد روى الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن حميدبن عبد الرحمن ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع: أذهب بارافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرىء منافرح بما أوتى وأحب أن يحمدبما لم يفعل لنعذ بن جميعا. فقال ابن عباس : مالكم وهذه، إنما نزلت هذه فى أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب .... إلى قوله ((ولهم عذاب أليم)) وقال ابن عباس: سألهم النبى - صلى الله عليه وسلم - عن شىء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه (١) تفسير الآلوسي = ٤ ص ٠١٠١ ٤٨٨ سورةآل عمران بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أنوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه». وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين، فقدروى البخارى عن أبى سعيد الخدرى أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو وتخلفوا عنه ، فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو، إعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمد وابما لم يفعلوا فنزلت ((لا تحسبن الذين يفرحون ... )) (١). قال العلماء : ولا منافاة بين الروايتين، لأن الآية عامة فى جميع ماذكر. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب، فقد حكت قولهم ((إن الله فقير ونحن أغنياء، وحكت قولهم لن نؤمن الرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار)) ووصفتهم بكنمان الحق ونبذه وراء ظهورهم ، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أقوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها، وأنذرتهم بسوء مصيرهم، وساقت للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم مصابهم ، ويجعلهم يسيرون فى هذه الحياة بعزم ثابت ، وهمة عالية ، ونفس مطمئنة . ثم ختم - سبحانة - سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته. وأدلة وحدانيته . وبشر أصحاب العقول السليمة الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره برضوانه وجنته. وأمر عباده بألا يفتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاء فإنه - سبحانه - قد جعل العاقبة للمتقين، كما أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال -تعالى -: ٠ (١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير ج ٦ ص٥١ باب «لا تحسبن الدين بفرحون بما أنوا ... )). ٤٨٩ الجزء الثالث ((وقُرِ مُلكُ السمواتِ والأرضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إنَّ فى خَاقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنََّرِ لَآيَاتٍ لْأولى الألبابِ (١٩٠) الذينَ يذكُرُونَ الله قياماً وتُعوداً وَلَى جُنُوبهم ويتفكّرُونَ فى خَلْقِ السمواتٍ والأرْضِ، ربَّ ما خلقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبحانَكَ فَقْنَاَ عذابَ النَّار (١٩١) ربَّا إِنكَ مَنْ تَدْخِلِ النَّارَ فقد أخْزِيَتَهُ وما للظالمينَ مِنْ أَنْصَار (١٩٢) ربََّ إِنّنَ سَمِنَاَ مُنَدِيَا يُنَدِى للإيمانِ أن آمِنُوا بربكمُ فَآمَنَّا رَبَّنَاَ اغْفِرْ لِنَ ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عنا سبئَتِنَ وَتَوَفَنَاَ معَ الْأَبْرَار (١٩٣) ربَّناً وَآتِنَاَ ما وعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنَ يومَ القيامةِ إِنكَ لا تُخْلِفُ الميعاد (١٩٤) فاستَجَاب لهم رَبّهم أنى لا أضيعُ عملَ عَمِلٍ مِنْكُم مِنْ ذَكَرٍ أَ وَأُنْثِى بعضُم مِنْ بَعْضٍ ، فالذِينَ هَاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِمٍ، وأُوذُوا فى سبيلى، وقاتلُوا وَقُتِلُوا، لأ كَفْرَنَّ عنهم سيئَتِهِم، ولأدْخِنَّهم جناتٍ تَجْرِى مِنْ تحتهاَ الأنهارُ تَوَاباً مِنْ عِند اللهِ واللهَ عندهُ حسن الثَّوَاب (١٩٥) لا يُغُرَّكَ تَقَلُّبُ الذِينَ كَفَرُوا فى البلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قليلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُم جهنّم وَبِئْسَ المِاَدِ (١٩٧) لكن الذينَ اتقَوْا رَبَّهم لهم جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهارُ خالدين فيها نُزُلاَ مِنْ عند اللهِ، وما عند الله خَيْرٌ الأبْرَارِ (١٩٨) وإنَّ مِنْ أَهْلِ الكتابِ لمنْ يُؤمِنُ بالهِ وما أُنْزِلَ إليكم وما أُنْزِلَ إليهم خَشِينَ قُّمِ لا يَشْتَرُونَ بَآيَاتِ الَّهِ ثمناً قليلاً ، أولئكَ لهم أَجْرُ عند رَيِّهم إنَّ الهَ سَرِيع الحِسَاب (١٩٩) ٤٩٠ سورة آل عمران بَأَيُّهَ الذينَ آمنُوا اصْبِرُوا وصَبرُوا وَرَابِطُوا، وَاتَّقُوا الهَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُون (٢٠٠))). قوله - تعالى - :ولله ملك السموات والأرض والله على كل شىء قدير)) أى له وحده - سبحانه - ملك السموات والأرض بما فيهما، فهو وحده صاحب السلطان القاهر فى هذا العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار: إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإنابة، وهو - سبحانه - على كل شىء قدير ، لا يعجزه أمر، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع عقابه مانع ، فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن نحذروا غضبه ونقمته. وبعد أن بين - سبحانه - أن ملك السموات والأرض بقبضته، أشار - سبحانه - إلى مافيهما من عبر وعظات فقال: ((إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب)). أى: إن فى إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار ... وفى إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة، وفى اختلافهما طولا وقصرا .. فى كل ذلك لأمارات واضحة ، وأدلة ساطعة ، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وباهر حكمته . وصدرت الجملة الكريمة بحرف( إن الاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة . أى إن فى إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ماهما عليه من العجائب ، وما اشتملتا عليه من البدائع، وفى اختلاف الليل والنهار .. إن فى كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية اقه، وكال قدرته وحكمته . والمراد بأولى الألباب: أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب الشىء هو خلاصته وصفوته. ٤٩١ الجزء الثالث ولقد قال الزمخشرى فى صفة أولى الألباب: «الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفى الحكم: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما فى جملة هذه العجائب ، متفكرا فى قدرة مقدرها، متدبرا فى حكمة مديرها ، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر،(!). هذا، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار فى فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت بها سورة آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير - رحمه الله - : وقد ثبت أن رسول الله .. صلى الله عليه وسلم - كان يقرأهذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل للتجهد . فقد روى البخارى - رحمة الله - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: بت عند خالتى ميمونة، فتحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أهله ساعة ثم رقد: فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ((إن فى خلق السموات والأرض ..... الآيات)). ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرةركعة. ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح . وروى مسلم وأبو داود والنسائى عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ، إن فى خلق السموات والأرض ... إلى آخر السورة. ثم قال : اللهم أجعل فى قلبى أوراً، وفى سمعى نوراً، وفى بصرى فوراً، وعن يمينى فوراً. وعن شمالى فوراً، ومن بين يدى أوراً، ومن خلفى أوراً، ومن فوقى فوراً، ومن تحتى فوراً، وأعظم فى نوراً يوم القيامة)). وروى ابن مردويه عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى الله عنها - فدخلنا عليها وبيننا، بينها حجاب .... فقال (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣٤٨ ٤٩٢ سورةآل عمران لها ابن عمر: أخبرينا بأعجب مارأيتيه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فبكت وقالت : كل أمره كان عجبا ! ! أنانی فی لیلتی حتى مس جلده جىلدى ثم قال : يا عائشة: ذرينى أنعبد لربى - عز وجل، قالت: فقلت والله إنى لا حب قربك وانی أحب أن تعيد ربك . فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم إضطجع على جنبه فبكى ... حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال: ويحك يا بلال !! وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله على فى هذه الليلة: ((إن فى خلق السموات والأرض الخ الآيات. ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، (١) . ثم وصف - سبحانه - اولى الألباب بصفات كريمة فقال: الذين يذكرون الله قياما وقعوداً وعلى جنوبهم ... فقوله, الذين يذكرون ... ألخ، فى موضع جر على أنه نعت الأولى الألباب . ويجوز أن يكون فى موضع رفع أو نصب على المدح . أى: إن فى خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار ، لآ يات واضحات على وحدانيته وقدرته، لأصحاب العقول السليمة ، الذين من صفاتهم أنهم (( يذكرون الله، أى يستحضرون عظمته فى قلوبهم، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك فى جميع أحوالهم، فهم يذكرونه قاتمين، ويذكرونه قاعدين ، ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله (( قياماً وقعوداً على جنوبهم، أن ذكرهم الله - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحو الهم، . وقوله , قياما وقعودا، منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل فى قوله : ((یذکرون». (١) تفسير ابن كثير ج ١، ص٠٤٣٩ ٤٩٣ الجزء الثالث وقوله («وعلى جنوبهم «متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى: وكائنين على جنوبهم أى مضطجعين . ثم وصفهم - سبحانه - بوصف آخر فقال: ((ويتفكرون فى خلق السموات والأرض، أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى -، ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر التدر ولتفكر فى هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة ، وبديع المخلوقات، ليصلوا من وراء ذلك إلى الإيمان العميق، والإذعان التام. والاعتراف الكامل بوحدانية لقه . وعظيم قدرته ... فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات الله ومافيها من عجائب المصنوعات . وغرائب المبتدعات . ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه - فيعلموا أن لهذا الكون قادراً مديراً حكيما. لأن عظم آثاره وأفعاله. تدل على عظم خالقها . ولقد ذكر العلماء كثيراً من الأقوال التى تحض على التفكير السليم . وعلى التدبر فى عجائب صنع الله. ومن ذلك قول سليمان الداراني: إنى أخرج من بيتى فما يقع صرى على شىء إلا رأيت الله على فيه نعمة. ولى فيه عبرة)» وقال الحسن البصرى: تفكر ساعة خير من قيام ليلة . وقال الفخر الرازى: دلائل التوحيد محصورة فى قسمين: دلائل الآفاق. ودلائل الأنفس . ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم. كما قال - تعالى -: (الخلفى السموات والأرض أكبر من خلق الناس ... » ولما كان الأمر كذلك. لا جرم أمر فى هذه الآية بالتفكر فى خلق السموات والأرض. لأن دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم .... (١). وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١١٠ ٦ ٢:٠ م ٤٩٤ سورة آل عمران فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال - تعالى - «وكأى من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وم مشركون، ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم فى خلقه فقال: ((ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار .. أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم فى بدائع صنع الله تفكيراً سليما، استشعروا عظمة آله استشعاراً ،لك عليهم جوارحهم، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم: ياربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الثأن عبئاً، أو ماريا عن الحكمة، أو خاليا من المصلحة، ((وسبحانك، أى تنزهك تنزيها قاماً عن كل ما لا يليق بك , فقنا عذاب النار، أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب الغار . وقوله «ربنا ما خلقت هذا باطلا ... إلخ) جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله: أى يتفكرون قائلين ربنا .. لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء . وقوله: باطلا صقة لمصدر محذوف أى خلقاً باطلا، أو حال من المفعول والمعنى باربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عارياً عن الحكمة ، خالياً من المصلحة ، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة ، منتظما لمصالح عظيمة . وكان نداؤم لخالقهم - عز وجل - بلفظ («ربنا، اعترافاً منهم بأنه هو مر بيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع. وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أى تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق وجىء بناء التعقيب فى حكاية قولهم ( فقنا عذاب النار، لأنه ترقب على اعتقادهم بأنه ٤٩٥ الجزء الثالث سبحانه - لم يخلق هذا الكون عبئاً أن هناك نواباً وعقاباً، فسألوا الله - تعالى أن يجعلهم من أهل الجنة لامن أهل النار . وقوله - تعالى - حكاية عنهم («ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، فى مقام التعليل اضراعتهم بأن يبعدهم عن النار . أى: أبعدنا ياربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد . والخزى : مصدر خزى يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفى هذا التعليل مبالغة فى تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح فى طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كان رجاؤه فى القبول أشد، وإخلاصه أنم ، وشعوره بالعطاء أقوى. وقوله « وما للظالمين من أنصار، أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء. و (( من، للدلالة على استغراق النفى. أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر: وفى ذلك إشارة إلى انفراد الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإرادة. ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى - «ربنا إننا سمعنا مناديً بنادى الإيمان أن آمنوا بر بكرفاًمنا .... أى أتهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين: يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أى داعياً يدعو إلى الإيمان وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - فاستجبنا لدعوته. وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف. وفى وصفه - صلى الله عليه وسلم -بالمنادى. دلالة على كمال اعتفائه بشأن دعوته التى يدعو إليها. وأنه حريص على تبليغها للناس قبلينا تاما. قال صاحب الكثاف فإن قلت: فأى فائدة فى الجمع بين ((المنادى)) و((بنادى،؟ قلت: ذكر النداء مطلقا. ثم مقيداً بالإيمان. تفخي الشأن المنادى؛ ٤٩٦ سورة گل عر ان لأنه لا منادی أعظم من مناد ینادی للإيمان . و نحوه قولك :مررتبهاد یهدی للإسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوثم إلى مناد للحرب، أو لإغاثه المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادى قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك . فإذا قلت: ينادى للإيمان، ويهدى للإسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادی و څمته (!). و((أن)) فى قوله ((أن آمنوا، تفسير يه لمنا فى فعل («ينادى، من معنى القول دون حروفه. وجىء بضاء التعقيب فى قوله - تعالى - حكاية عنهم - «فآمنا))؛ للدلالة على المبادرة والسبق، إلى الإيمان، وأنهم قد أقبلوا على الداعى إلى الله بسرعة وامتثال، وفى ذلك دلالة على سلامة فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد . ثم حكى - سبحانه - مطلبهم فقال: «ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا وقوفنا مع الأبرار)). ٠ أى نسألك ياربنا بعد أن آمنا بنبيك ، واستجبنا للحق الذى جاء به، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزايلها وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بر وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه - تعالى - . فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، غفر ان الذنوب، وتكفير السيئات. والوفاة مع الأبرار الأخيار، وهى مطالب تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وزهدهم فى متع الحياة الدنيا . وقد جمعوا فى عطلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٥٠ ٤٩٧ الجزء الثالث عصيان فيه إساءة ، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفر ان والتكفير كلاهما فيه معنى الستر والتغطية، إلا أن الغفران يتضمن معنى عدم العقاب، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة . ومعنى «وفاتهم مع الأبرار) أن يموتوا على حالة البر والطاعة بأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم ، بل يستمروا . على الطاعة استمرارا تاما . وبذلك يكونون فى محبة الأبرار وفى جملتهم . ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم «ربنا وآتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد » . أی نسألك يا ربنا أن تعطینا و تمنحنا بعد وفاتنا ، وحین قیامنا من قبورنا يوم القيامة ، وما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا لهم، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم،ولا تخزنا يوم القيامة، أى ولا تذلنا أو تفضحها يوم الحشر على رءوس الأشهاد. إنك لا تخلف الميعاد، أى إنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك الصالحين . فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة ، ختاما لدعواتهم ؛ لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه. والمراد بقولهم، ما وعدتنا، الثواب والعطاء المكائن منه - سبحانه - و((ما، موصولة أى آتنا الذى وعدتنا به أو وعدتنا إياه. وقوله, على رسلك، فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من تراب. أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف دهوا اله بإنجاز ماوعد واقه لا يخلف الميعاد ؟ (٣٢ - سورة آل عمران) ٤٩٨ سورة آل عمران قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد. أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- (((يستغفرن مع علمهم بأنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم ، والتضرع إليه والملجأ الذى هو سيا العبودية، (١). تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب · العقول السليمة، وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها ؟ . لقد كانت نتيجة دعواتهم ، أن أجاب القه لهم سؤ الهم وحقق لهم مطلوبهم فقال - تعالى - ((فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ...!!. قال الحسن البصرى: ((ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم». وقال جعفر الصادق: «من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله ما يخاف، وأعطاه ما أراد». قيل: وكيف ذلك؟ قال: إقرء وا إن شئتم قوله - تعالى - ((الذين يذكرون الله قياما ... إلخ، فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءم . ودلت الفاء فى قوله ((فاستجاب، على سرعة الإجابة، لأن الفاء للتعقيب، فهم لأنهم دعوا الله بقلب سليم، أجاب لهم دعاءهم بدون إبطاء. واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء؛ إذ السين والتاء للتأكيد، مثل استوقد واستخلص . وقال بعضهم: أن استجاب أخص من أجاب ، لأن استجاب يقال لمن قَبل ما دُعى إليه، وأجاب أهم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد. (١) تفسير ابن كثير ج١ ص ٣٥١ ٤٩٩ الجزء الثالث والمعنى: أن الله - تعالى - قد بشر هؤلاء الأخبار برضاه عنهم، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه - سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى، وسيمنحهم من الثواب فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب، ولن يفرق فى عطائه بين ذكر وأنثى، لأن الذكر من الأثى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة . وفى التعبير باللفظ السامى: ربهم)) إشارة إلى أن الذى سيجزيهم هـو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، والرحيم بهم . ومعنى « لا أُضيع عمل منکم، لا أزیل نواب عمل أى عامل منكم ، بل أ کافئه عليه بما يستحقه، وأعطيه من ثوابى ورحتى ما يشرح صدره ، ويدخل البهجة والسرور على نفسه . وقوله (( من ذكر أو أنثى، بيان لعامل وتأكيد لعمومه، أى لا أضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكرا أم أنثى. ومعنى (« بعضكم من بعض، أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة . روى الترمذى عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله - تعالى - ذكر النساء فى الهجرة، فأنزل انه - تعالى -, فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ... ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التى استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه - سبحانه - فقال . فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا فى سبيلى، وقالوا وقتلوا، لأكفرن عنهم سيئاتهم ... ». أى : فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التى أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة الله ((وأخرجوا من ديارهم، فمراراً بدينهم من ظلم ٠٠ سورة آل عمران الظالمين ، واعتداء المعتدين ، «وأوذوا فى سبيلى، أى تحملوا الأذى والاضطهاد فى سبيل الحق الذى آمنوا به (( وقالوا، أعداء الله ((وقتلوا، وم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل .... هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك، وعدهم الله - تعالى - بالأجر العظيم فقال: (((لأكفرن عنهم سيئاتهم، أى لأمحمون عنهم ما ارتكبوه من سيئات، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا (( ولأ دخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التى فيها العسل المصفى، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . وقوله (( ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب)) أى لأنيبتهم ثوابا عظيما من عندى، والله - تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل؛ لأنهم قد هاجروا من الأرض التى أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة اقه، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال: « يامكه واقه لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت)). ولأنهم قد تحملوا ما تحملوا من الأخی فی سبیل اقه، ولأنهم قدجاهدوا أعداء الله وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة ألقه. وقوله (( فالذين هاجروا .. )) مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له، والتفخيم لشأنه ... وخبره قوله « لأكفرن عنهم سيئاتهم .. ،. وقوله ((وأخرجوا من ديارهم: معطوف على «هاجروا». وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارم ليبحثوا عن مكان أصلح لما.