النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
الجزء الثالث
.
لا ينقصهم - فى الغالب - العلم بالحق وبالباطل ، وبالهدى وبالهلال
وإنما الذى بنقصهم هو القلب السليم الذى يسارع إلى الحق فيعتفقه ويدافع عنه
بإخلاص وإصرار. ولذا وجدنا القرآن فى هذه الآية - وفى عشرات الآيات
غيرها - يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المنقون فيقول: «هذا بيان المناس
وهذى وموعظة للمتقين )).
وبعد هذا البيان الحكم ، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية
فيتهاهم عن أسباب الفشل والضعف . ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين، ويبشرم
بأنهم هم الأعلون فيقول: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأقم الأعلون إن كنتم مؤمنين،
وقوله منهنوا، من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف.
وأصله ضعف الذات كما فى قوله - تعالى - حکایة عن ز کریا ، « قال رب إنى
وهن العظم متى :. ، أى ضعف جسمى .
وهو هنا بجاز عن خور العزيمة، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء
بأسا والشجاعة جبنا، واليقين شكا. ولذلك نهوا عنه.
وقوله («تحزنوا)) من الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإنسان عند فقد
ما يجب أو عدم إدراكه، أو عند نزول أمر يجعل النفس فى هم وقلق .
والمقصود من النهى عن الوهن والحزن، النهى عن سببهما وعمن الاسترسال
فى الألم مما أصابهم فى غزوة أحد .
والمعنى: لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - فى الهم والألم مما أصابكم فى يوم
أحد ، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين
ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم
السامية عند الله .
وقوله ((وأنتم الأعلون) جملة حالية من ضمير الجماعة فى ولاتهنوا ولا
تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم.

٣٦٢
سورةآل عمران
أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم،
فأنتم قد أصبتم منهم فى غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم فى غزوة أحد وأنتم
تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت.
أنتم سيكون لكم النصر عليهم فى النهاية؛ لأن الله - تعالى - قدو عدكم
بذلك فهو القائل: « إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد ،(١).
وقوله (( إن كنتم مؤمنين) جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف دل
عليه ما قبله .
أى : إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم،
ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة القلب ، وصدق
العزيمة . والصمود فى وجه الأعداء ، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة
الله می العلیا .
والتعليق بالشرط فى قوله (( إن كنتم مؤمنين)) المراد منه التهييج لنفوسهم.
حتی یکون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى،إذ قد علم الله - تعالى - أنهممؤمنون،
ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن سبب ما أصابهم فى أحد صاروا بمنزلة
من ضعف يقينه ، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن
وجدوا فى قتال أعدائكم، فإن سنة الله فى خلقه اقتضت أن تصيبوا من
أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم .
فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر، وتشجيع على القتال،
وتسلية لهم عما أصابهم ، وبشارة بأن النصر فى النهاية سيكون حليفهم .
ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم، فأخبرهم بأن ما أصابهم
(١) سورة غافر الآية ٥١

٣٦٣
الجزء الثالث
من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم . بمثله فقال - تعالى -: ((إن يمسسكم
فرح فقد مس القوم قرح مثله ، .
قال الفخر الرازى: واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى -,ولا تهنوا
ولا تحزنوا وأنتم الأعلون .. ، فبين - تعالى - أن الذى يصيبهم من الفرح
لايصح أن يزيل جدهم واجتهادهم فى جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك
فقد أصاب عدوم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم
يفتروا لأجل ذلك فى الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك
بالحق أولى (١).
والمراد بالمس هنا: الإصابة بالجراح ونحوها .
والقرح - بفتح القاف - الجرح الذى يصيب الإنسان، والقرح
- بضم القاف - الألم الذى يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد
وهو الجرح وأثره .
والمعنى: إن تكونوا - أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين
فى غزوة أحد، فأتم قد أزاتم بهم من الجراح فى غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم
فى أحد ، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم، فأنتم أولى بسبب إيمانكم
ويقينكم الاتهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم فى أحد وأن تعقدوا العزم على
منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون .
، وقيل: إن المعنى إن تصبكم الجراح فى أحد فقد أصيب القوم بجراح
مثلها فى هذه الممر که ذاتها .
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال : والمعنى: إن قالوا منكم
يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ، ولم يثبطهم
عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه ,ولا تهنوا فى ابتغاء
القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجونمن الله مالا يرجون»
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٤)

مـ
٣٦٤
سورة آل عمران
وقيل : كان ذلك يوم أحد ، فقد قالوا منهم قبل مخالفتهم أمر رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -.
فإن قلت: كيف قيل (« قرح مثله، وما كان قرحهم يوم أحد مثل فرح
المشركين ؟ قلت: بلى كان مثله. ولقد قتل يؤمنذ خلق من الكفار. ألا ترى
إلى قوله - تعالى - ((ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا
فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ماتحبون ... »(١) .
ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر
وأحد ، لأن الله - تعالى - ،قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن
ما أصابهم فى أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين
فى غزوة بدر ، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك
((وتلك الأيام نداولها بين الناس، يؤيد هذا المعنى - كما سنبيته بعد قليل -.
وجواب الشرط فىقوله « إن يمسسكم قرح إلخ ... ، محذوف. والتقدير
إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم ، فقد
مسهم فرح مثلة قبل ذلك.
وعبر عما أصاب المسلمين فى أحد بصيغة المضارع (( يمسسكم، لقربه من
زمن الحال ، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضى لبعده ؛ لأن ما أصابهم كان
فى غزوة بدر .
وقوله «وتلك الأيام نداولها بين الناس، بيان لسنة الله الجارية فى كونه،
وتسلية للمؤمنين عما أصابهم فى أحد .
وقوله (( نداولها، من المداولة، وهى نقل الشىء من واحد إلى آخر".
يقال: هذا الشىء تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر ....
والمعنى: لاتجزءوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح فى أحد على أيدى
المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك فى غزوة بدر ، وإن أيام الدنيا هى
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤١٨.

٣٦٥
الجزء الثالث
دول بين الناس ، لا يدوم سرورها ولاغمها لأحد منهم ، فمن سره زمن ساءته
أزمان، ومن أمثال العرب. الحرب سجال، والأيام دول فهى قارة هؤلاء
وتارة لأولئك ، كما قال الشاعر :
في الخير خير ولا الشرشر
فلا وأبى الناس لا يعلمون
فيوم علينا، ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
وإسم الاشارة ((تلك)) مشاربه إلى ما بعده، كما فى الضمائر المبهمة التى
يفسرها ما بعدها ، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم .
والمراد بالأيام: الأوقات والأزمان المختلفة لاالأيام العرفية التى يتكون
الواحد منها من مدة معينه ,
وقد فر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل القصر ، فقال : وقوله:
(( وتلك الأيام، تلك مبتدأ، والأيام صفته ((ونداولها، خبره.
ويجوز أن يكون ((تلك الأيام. مبتدأ وخبرا، كما تقول: هى الأيام تبلى
كل جديد.
والمواد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. وندأولها: نصرفها بين الناس،
نديل قارة لهؤلاء وقارة هؤلاء ... )(١).
وقد تكلم الامام الرازى عن الحكمة فى مداولة الأيام بين الناس فقال
ما ملخصه: وأعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر
المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين ، وذلك لأن نصرة اللّه منصب شريف،
وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد
المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه ،
الأول: أنه - سبحانه - لو شد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات
وأزالها عن المؤمنين فى جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطرارى بأن الايمان
فتتعاه
(١) تقدير الكشاف ج ١ ص ٤١٨

١
٣٦٦
سورة آل عمران
حق وما سواه باطل . ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب،
فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر
لتكون الشبهات باقية ، والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة
على محمة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله .
والثانى: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى، فيكون تشديد المحنة عليه
فى الدنيا أدبا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من اللّه
عليه .. ،(١).
ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث
فى غزوة أحد، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى -. وليعلم
الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء».
أی فعلنا ما فعلنا فى أحد . واقتضت حکتنا أن نداول الأيام بينكم وبين
عدوكم، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون -، وليتميز قوى الايمان من ضعيفه.
فمعنى علم الله هو تحقق ماقدره فى الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله - تعالى
واقعا حاضراً، وذلك لأن العلم الغيى لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما
يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا فى الحس .
قال صاحب الکشاف : و قوله (( و ليعلم الله الذين آمنوا، فيه وجهان:
أحدهما أن يكون المغلل محذوفا والمعنى: وليتميز الثابتون على الايمان منكم
من الذين على حرف فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل . بمعنى : فعلنا ذلك فعل
من يريد أن يعلم من الثابت على الايمان منكم من غير الثابت ، وإلا فاقه
- عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها، والثانى: أن تكون العلة
محذوفة ، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله.
(١) تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ١٥

٣٦٧
الجزء الثالث
وإنما حذف للإبذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسلهم عماجرى
عليهم ، وليبصرهم بأن العبد يسوءه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن
قه فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه،(١).
وقوله (( ويتخذ منكم شهداء، بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين
يوم أحد .
أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم فى التضحية
بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن الحق، وهو - سبحانه - يجب
الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - «ويتخذمنكم شهداء، أى يكرمكم
بالشهادة، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل:
لهذا قيل شهيد .
وقيل : سمى شهيداً لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمى شهيدا ؛ لأن
أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد
أى الحاضر للجنة . والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى فضلها قوله - تعالى -
(( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... الآية)).
وفى الحديث الشريف أن رجلا قال : يارسول الله، ما بال المؤمنين يفتون
فى قبورهم إلا الشهيد؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - «كفى ببارقة السيوف
على رأسه فتنة،(٢).
وقوله - تعالى - تعالى ((والله لا يحب الظالمين) جملة معترضة لتقدير
مضمون ما قبلها .
أى : والله - تعالى - لا يجب الناس الذين ظلوا أنفسهم بسبب كفرم
١
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٢٠
(٢) تفسير ٥قرطب ج ٤ ص ٢٨١

٣٦٨
سورة آل عمران
ونفافهم وتخاذهم عن نصرة الحق، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق .
المجاهدين بأنفسهم وأموالهم فى سبيل إعلاء دين الله، ونصرة شريعته.
ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى المؤمنين فى غزوة أحد
فقال: (( ولمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)).
وقوله ((ولمحص، من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال. محصت
الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث . أو من التمحيص
بمعنى الابتلاء والاختبار .
وقوله ((ويمحق)) من المحق وهو محمو الشىء والذهاب به وأصله نقص
الشىء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه.
ومنه المحاق ، لآخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى.
والمعنى: ولقد فعل - سبحاه - ما فعل فى غزوة أحد، لكى يطهر المؤمنين
ويصفيهم من الذنوب ، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم، ولكى بهلك
الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر أربع حكم لما حدث المؤمنين فى
غزوة أحد وهى: تحقق على اله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم
بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلا الدرجات. وتطهير المؤمنين وتخليصهم
من ذنوبهم ومن المنافقين ، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا.
ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنه محفوف بالمكاره، وأن الوصول إلى
رضا الله - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم، وصهر طويل فقال - تعالى -:
« أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوامنكم ويعلم الصابرين»
و((أم، هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة، بمعنى بل الانتقاليه، لأن
الكلام إنتقال من تسليتهم إلى معاقبتهم على ما حدث منهم فى غزوة أحد من
مخالفة بعضهم لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-وفرارهم عنه فى ساعة الشدة.
والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد.
وقوله (( أم حسبتم .. )) معطوف على جملة ((ولا تهنوا ... )، وذلك أنهم

٣٦٩
الجزء الثالث
لما مسهم القرح خزفوا واعتراهم شى. من الضعف، بين الله لهم أن لا وجه
لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون، والأيام دول، وما أصابهم فقد سبق
أن أصيب بمثله أعداؤهم، ثم بين لهم هنا: أن دخول الجنة لا يحصل لهم إذا
لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم فى سبيل الله، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا.
والمعنى: بل أحستم أن تدخلوا الجنة، وتغالوا كرامة ربكم، وشرف
المنازل عنده مع أنكم إتجاهدوا فى سبيل الله جهاد "صابرين على شدائده ومتاعبه
ومطالبه إن كنتم تحبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإقلاع عنه.
ويحتمل أن تكون (أم، هنا المعادلة، بمعنى أنها متصلة لامنقطعة ويكون
المعنى عليه: أعلمتم أن لله - تعالى - سننا فى النصر والهزيمة، وأن الأيام
دول وأن الوصول إلى الجنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر ... أم حسبتم
وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟.
وقوله «ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، معناه: ولم تجاهدوا جهاد
الصابرين فيعلم الله ذلك منكم .
قال صاحب الكشاف: وقوله (( ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، بمعنى
ولما تجاهدوا، لأن العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفى العلم منزلة : فى متعلقه،
لأنه منتف باتفائه. يقول الرجل: ماعلم الله من فلان خيراً، بريد مافيه خير
حتى يعلمه، و((لما)، بمعنى، لم، إلا أن فيها ضرباً من التوقع، فدل على نفى
الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدنى أن يفعل كذا ولما.
تريد . ولما يعمل، وأنا أقوقع فعله ، (١) .
وجملة («ولما يعلم الذين جاهدوا منكم، حالية من ضمير («تدخلوا))
مؤكدة للإنكار ، فإن رجاء الأجر من غير عمل مسقبعد عند ذوي العقول
السليمة ، ولذا قال بعضهم :
(١) تفسير الكشاف جـ ١ س ٤٠٢
(٢٤ - سورة آل عمران)

٣٧٠
سورة آل عمران
ترجو النجاة ولم تسلك مالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس
وقال بعض الحكماء ((طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب،
وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء الرحمة من لا يطاع.
حمو وجهالة ،.
وقوله ، ويعلم الصابرين)) أى ويتميز الصابرون فى جهادهم عن غيرهم
فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المحاهدين الصادقين
فى جهادهم ، الثابتين فى البأساء والضراء من غيرهم، وأن تميز الصابرين الذين
يتحملون مشاق لقتال وقبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون
ولكنهم تطبش أحلامهم عند الشدائد والأموال .
فالجهاد فى سبيل أنه يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس
نجاحه ولقد مثل بعضهم عن الشجاعة فقال . الشجاعة صبر ساعة.
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم.
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على لموت أصبرا
ولقد كان عدم صبر الرماه فى غزوة أحد ، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم،
من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين فى تلك المعركة .
1
والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه
كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد، ولا يصل إلى غايته
إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)).
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال
((ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن نلقوه، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)).
قال ابن جرير ما ملخصه : كان قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه

٣٧١
الجزء الثالث
وسلم - من لم يشهد بدرا، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون
الله من أنفسهم خيرا، وينالون من الأجر مثل ما قال أهل بدر، فلما كان يوم
أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أو فى بما كان غاهد الله عليه قبل ذلك.
فعاقب الله من فر منهم بقوله: ((ولقد كنتم تمنون الموت ... الآية ).
وعن الحسن قال: بلغنى أن رجالا من أصحاب النبى - صلى الله عليه
وسلم - كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - المشركين
لتفعلن ولتفعلن، فابتلوا بذلك - فى أحد -، فلا واقه ما كلهم صدق
فأنزل الله - تعالى - ((ولقد كنتم ... الآية)) (١).
والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة فى غزوة
أحد ، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام.
والمراد بالموت هنا الشهادة فى سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما
بۆ دبان إلى الموت ،
والمعنى: ولقد كنتم - يا مشر المؤمنين -( تتمنون الموت، أى الحرب
أو الشهادة فى سبيل الله ((من قبل أن تلقوه)) أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله
,فقد رأيتموه)، أى فقد رأيتم ما قتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى
الحرب وما يترقب عليها من جراح وآلام وقتل «وانتم تنظر ون. أى رأيتموه
معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأناربكم
وشارهتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا .
وقوله ((من قبل أن تلقوه)) متعلق بقوله(، تمنور)) مبين لب إقدامهم على
التمنى . أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعه.
ففى الجمله لكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرادون أو بقدر وا شدته عليهم،
ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته ونعاته .
(١) تفسير ابن جرير ج ٤ س ١٠٩

٣٧٢
سورة آل عمران
والفاء فى قوله , فقد رأيتموه، الإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر
الكلام. والتقدير: إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ماتمنبتموه ورأ يتموه
رأى العين ، فأين بلاؤكم وصبركم ونبائكم؟
وقوله ((وأنتم تنظرون)) جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى
وأيتموه. أى رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس فى
عينى علة : أى رأيته رؤية حقيقية لاخفاء فيها ولا التباس.
والتعبير بالمضارع ((تنظرون)) يفيد التصوير، وإحضار الصورة الواقعة
فى الماضى كأنها واقعة فى الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت ، وكما ظهرت
فى الوجود .
والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله ((وأنتم تنظرون، يتضمن "
النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر فى أول الأمر للمسلمين؛ ثم كيف
كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا . ثم كيف
تفرقت صفوفهم بعد إجتماعها، وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها.
وقوتها .
ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت، وليس فى
ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن المؤمن الصادق هو
الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ولقد قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - « لوددت أني أقتل فى سبيل الله، ثم !حى. ثم أقتل،
ثم أحي ثم أقتل ،.
وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - . اللهم إنى أسألك شهادة
فى سبيلك)). ولكن الذى يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا ينى
بما تمناه، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل مامن شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق
فی سبیل اله .
ولذا قال الألوسى: والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على نمنيهم

٢٧٣
الجزء الثالث
شهادة، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم هائم
بينهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك بما لاعتاب عليه كماوم(١)).
فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى فكروا فى عواقبه،
بعدوا أنفسهم له ، ويلتزموا الوفاء بما نمنوه عند نحققه، ولقد رسم النبى
صلى الله عليه وسلم - الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه المسلم فى حياته
نال فى حديثه الصحيح: « أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله
مافيه، فإذا لقيتموهم فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف(٢).
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا
حوال من سبقهم، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون مزضلال وعصيان
أن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم. وأن يعلموا
، الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من
طيب، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق ، وصبر
ويل، وجهاد شديد، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه ...
ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان
هم عندما أشيع بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قتل، وترشدهم إلى
،الآجال بيد الله، وأن المؤمنين الصادقين فاتلوا مع أنياتهم فى سبيل إعلاء
ه الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك، وأن الله - تعالى -
. تكفل بأن يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرم الجزيل فى
.نيا والآخرة
استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه اللميع الحكيم
نول :
(١) تفسير الألوسى - ٤ ص ٧٢
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد جـ ٤ ص ٦٢ ومسلم فى كتاب الجهاد
سير ج ٥ ص ١٣٩ ٠

٣٧٤
سورةآل عمران
(( وما محمدٌ إِلَّرَسُولٌ قد خَاتْ مِنْ قَبْلِهْ الرُّسِلُ، أفلِزْ ماتَ أَوْقَتْلَ
انقلبتُمْ على أَعْقَبِكم، ومَنْ ينقلبْ على عقِيَّةٍ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً
وسيَجْزِى الله الشاكرينَ (١٤٤) وما كانَ لِنَفْسِ أن تموتَ إلا إذْنِ اللهِ
كتاباً مؤجَّلاً، ومَنْ يرِدْ ثوابَ الدُّنياَ نؤتِهِ منها، ومَنْ يرِدْ ثوابَ
الآخِرَةِ نُؤْتِه منها، وستَجزِى الشاكرينَ (١٤٥) وكَأَيُّنْ مِنْ نِّ
قاتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كثيرٌ فما وهَنوا لِمَاَ أصابَهم فى سبيلِ اللهِ وما ضّعُفوا
وما اسْتكانُوا والله يحبُ الصابرينَ (١٤٦) وما كازَ قولَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا؛
وَبَّنَ اغفر لنا ذنوبنا وإسْرَافناً فِى أَمْرِنَ وثبّتْ أقْدَامَنا وانْصُرْنَاَ على.
القوْمِ العكافرينَ (١٤٧) فآتَمُ اللهُ ثوابَ الدُّنْيَاً وحُسْنَ ثوابٍ
الآخرةِ واللهُ يحبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨))).
-
قال ابن كثير : لما انهزم من أنهزم من المسلمين يوم أحد. وقتل من قتل
منهم ، نادى الشيطان : ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين
فقال لهم: قتلت محمـا. وإنما كان قد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
فشجه فى رأسه : فوقع ذلك فى قلوب كثير من الناس ، واعتقدوا أن رسول
أقه - صلى الله عليه وسلم - قد قتل ... فصل ضعف ووهن وتأخر - بين
المسلمين - عن القتال . ففى ذلك أنزل الله - تعالى - ,وما محمد إلا رسول قد
خلت من قبله الرسل ... ، الآيه(١).
وقوله - تعالى -((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل٠٠» تقرير
لحقيقة ثابتة، ولأمر مؤ كد، وهو أن محمداً - - صلى الله عليه وسلم -واحد من
البشر، وأنه سيموت كما يموث جميع البشر، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر
البشر سوى الرسالة التى وهبها أبقه - تعالى - له، ومنحه إياها، وأن هذه الرساله
(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٤٠٩.

٣٧٥
الجزء الثالث
تقتضى بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوارسالتهم فى الحياة
أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا .
وما دام الأمر كذلك فمحمد - صلى الله عليه وسلم - سيموت وينتقل
إلى الرفيق الأعلى كمامات الذين سبقوة من الأنبياء، وكماسيموت جميع البشر.
والقصر فى قوله - تعالى:((وما محمد إلا رسول، من باب قصر الموصوف
إلى الصفة، أى قصر محمد - صلى الله عليه وسلم - على وصف الرسالة قصراً
ضافياً
وفى هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف
حين أرجف المنافقون فى غزوة أحد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
د قتل .
فكأنه - تعالى - يقول لهم: إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول
من الرسول الذين أرسلهم الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون
مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأنسائر البشر الذين أصطفى الله
- تعالى - منهم رسله، إلا أن رسالته التى جاء بها من عند الله أن تموت من
بعده، بل تستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن
يضعف أتباعه فى عقيدتهم أو فى تبليغ رسالته من بعده ،بل عليهم أن يستمسكوا
بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ولذا فقد وبخ القه - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب
أو ضعف عندما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قد قتل فى غزوة أحد فقال - تعالى -: ((أفان مات أو قتل انقليتم على أعقابكم؟
أى: إذا مات محمد - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لاريب فيه،
أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته، ( انقلبتم على أعقابكم، أى: رجعتم

٣٧٦
سورةآل عمران
إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال . والانقلاب: الرجوع إلى المكان .
وهو هنا مجاز فى الرجوع إلى الحال التى كانوا عليها قبل الإسلام.
يقال لكل من رجع إلى حاله السى. الأول: نكص على عقبيه، وارتد
على عقبيه . والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب.
قال صاحب الكشاف: قوله ( أفان مات ... )) الفاء معلقة الجملة الشرطية
بالجملة قبلها على معنى القسبيب . والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله
سبباً لانقلابهم على أعضابهم بعد ملاكه بموت أو قتل ، مع علمهم أن خلو
الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد -
صلى الله عليه وسلم - لا للانقلاب عنه.
فإن قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل ؟ قلت : لكونه مجوزا عند
المخاطبين .
فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: ((والله يعصمك من الناس؟ قلت:
هذا مما يختص بالمداء منهم وذوى البصيرة ... (١)
1
وفى قوله (( انقلبتم على أعقابكم، تتغير شديد من الرجوع إلى الضلال
بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه .
فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال ، بحالة من رجع
إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هى التى تقوده إلى الخلف، وهو فى
حالة انتكاس ، بأن جعل إلى أسفل وعقبه إلى اعلا . ولا شك أن هذا
أفيح منظر بكون عليه الإنسان .
وقوله ((ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، الغرض منه تأكيد
الوعيد؛ لأن كل عاقل يعلم أن الله - تعالى - لا يضره كفر الكافرين.
أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن
يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئاً من الضرر
(١) تفسير الكشاف ج ٨ س ٤٢٣.

٣٧٧
الجزء الثالث
إن قَلّ يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرماتها من الأجر
الثواب .
ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال: ((وسيجزى الله الشاكرين)»
ى: وسيتيب الله - تعالى- الثابتين على الحق، الصابرين على الشدائد، الشاكرين
. نعمه فى السراء والضراء، سيتيهم على ذلك بالنصر فى الدنيا ورضوانه
، الآخرة .
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر فى هذا الموطن
ظهر ؛ وذلك لأن الشكر فى هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء
المؤمنين الصادقين الذين وقفو إلى جانب النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ساعة
مسرة، لم : كتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى
ودود الشكر على هذه الشدائد التى ميزت الخبيث من الطيب ، فالشكر هنا صبر
زيادة، وقليل من الناس هو الذى يكون على هذه الشاكلة ، ولذا قال - تعالى
.(( وقليل من عبادي الشكور، فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا
أولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون
، غزوة أحد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قتل.
كما تضنت الثناء الجزيل على أرائك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر فى قوة
بمانهم تلك الأراجیف الكاذبة ، بل مضوا فی جهادهم و ثباتهم بدون تردد أو
زعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة
حد كثير بن ومن بينهم أنس بن النضر - رضى الله عنه -، فقد روى البخارى
بن أنس - رضى الله عنه - قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر ،
قال: يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، لئن أشهدنى
له قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد والكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما
سنع هؤلاء - يعنى المسلمين-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين ..

٢٧٨
سورة آلعمران
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ !! الجنة ورب
النضر إنى أحد ريحها من دون أحد .
قال سعد فما استطعت يا رسول الله أن أصنع ما صنع .
قال أنس: فوجدنا به يضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح ،
أو رمية بسهم ,ووجدناه قد قتل. وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا
أخته بينانه .
قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه.« من
المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ... (١)
كما تضمنت الآية الكريمة التحذير من الارتداد عن دين الله بعد وفاة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبيان أنه بشر من البشر ، وأنه يموت كما
يموت سائر البشر، وأن رسالته هى الخالدة الباقيه. فمن تمسك بها فقد سعد وفاز،
ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئا .
ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد الله وحده ، وأنه - سبحانه - قد جعل
لكل أجل وقتا محدداً لا يعدوه فقال - تعالى -: ((وما كان لنفس أن نموت
إلا بإذن الله كتابا مؤجلا».
أى: ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من.
الأسباب، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه - سبحانه - الذى كتب لكل نفس
عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.
والمراد بالنفس هنا: جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن اقه.
والمراد بإذنه -: أمره ومشيئته، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا.
موت إلا بإذنه .
(١) أخرجه البخاری فی کتاب الجهاد، باب( منالمؤمنين رجال ٠٠) جـ٤ ص٢٣

٣٧٩
الجزء الثالث
و(( كان، ناقصة. وقوله ((أن تموت)) فى محل رفع اسمها. وقوله (النفس))
تتعلق بمحذوف وقع خبرا لها . والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال
والأسباب . أى ما كان لها أن تموت فى حالة من الأحوال أو لسبب من
الأسباب إلا مأذونا لها منه - سبحانه -.
والباء فى قوله (( إلا بإذن الله) المصاحبة.
وقوله ((كتابا، مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التى قبله، وعامله
مضمر والتقدير: كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا يتقدم
عنه ولا یتأخر ، وهو آت لا ريب فيه .
وقوله. مؤجلا، صفة لقوله , كتابا).
ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة، فقال: (ومن
يرد ثواب الدنيا، فؤته منها أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها
كالأموال والغنائم نؤته منها ماشاء أن نؤتيه، ولا يكون له فى الآخرة
من نصيب .
وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله - صلى اله
عليه وسلم - أو بمن تركوا أماكنهم الى وضعهم فيها رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا، فنتج من ذلك هزيمة المسلمين
فى غزوة أحد .
ثم مدح - سبحانه - الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال: ومن
برد ثواب الآخرة فوته منها،.
أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده
المتقين من أجر جزيل نؤته منها مانشاء من عطائنا الذى تشتهيه النفوس،
ونقر له العيون .
وقوله «وسنجزى الشاكرين، تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد بالمزيد
من عطاء الله لمن يشكره على نعمه ويثبت على شرعه.