النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الجزء الثالث
غزوة ((أحد)) تلك الغزوة التى كانت لها.آثارها الهامة فى حياة المسدين
وأحوالهم .
وأمل من الخير - قبل أن نبدأ فى تفسير الآيات الكريمة التى وردت فى
سورة آل عمران بشأن هذه الغزوة - أن نسوق خلاصة تاريخية هذه الغزوة
تعين على فهم الآيات المتعلقة بها ؛ فنقول :
كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة فى تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد
انتصر أتباعها انتصارا مؤزرا على كفار قريش ...
وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من المسلمين جمعوا جموعهم
وخرجوا فى جيش كبير ، ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ذلك أبلغ فى استماتة
الرجال فى القتال .
ووصل مشركو فريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة فى أوائل
شوال من السنة الثالثة ، وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل .
واستشار النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى شأن هؤلاء المشركين
الزاحفين إلى المدينة .
فكان رأى بعضهم - ومعظمهم من الشباب - الخروج لملاقاة المشركين
خارج المدينة .
وكان من رأى فريق آخر من الصحابة، إستدراج المشركين إلى
أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها ، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم -
يميل إلى رأى هذا الفريق، إلا أنه آثر الأخذ برأى الفريق الأول الذى
يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينه، نظرا لكثرة عدد
ثائلين بذلك .
ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - بيته، ثم خرج منه وقد لبس
لة حربه، وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبى - صلى الله عليه
(٢١ - سورة آل عمران)

٣٢٢
سورة آل عمران
وسلم - على القتال، فأظهر وا له الرغبة فى النزول على رأيه، إلا أنه لم يستجب
لهم، وقال كلمته التى تعلم الناس الحزم وعدم التردد: «ما ينبغى لنبى لأمته أن
يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم
إلا الخروج عليكم بتقوى الله والصبر عند البأس. وانظروا ما أمركم الله
به فافعلوه .
ثم خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ألف مقاتل من المسلمين حتى
نزل قريباً من جبل (( أحد، إلا أن ((عبد الله بن أبي بن سلول) انح فى
الطريق بثلث الناس محتجا بأن الغبى - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ برأيه،
بل أخذ برأى غيره. ١.
وعسكر المسلمون بالشعب من أحد، جاءلين ظهرهم إلى الجبل، ورسم
التى - صلى الله عليه وسلم - الخطة لكسب المعركة، فجاءت خطة محكمة
رائعة . فقد وزع الرماء على أماكنهم وكانوا خمسين راميا- ، وقال لهم:
انضحوا الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا . إن كانت لنا أو علينا فالزموا
أما کنكم لا تؤتین من قبلكم ،.
وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: أحموا ظهورنا، وإن
وأيتمونا نقتل فلا تنصرونا. وإن رأيتمونا نغتم فلا تشركونا!".
وأخيرا التقى الجمعان، وأذن الغبى - صلى الله عليه وسلم - لأتباعه أن
يحالدوا أعداءهم، وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإقدام، وكان
شعارهم فى هذا الالتحام (( أمت أمت)).
وما هى إلا جولات فى أوائل المعركة، حتى ولى المشركون الأدبار،
ولم يغن عن المشركين شيئا ما كانت تقوم به فسوتهم من تحريض واستهاعي
للعزائم .
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله - تعالى - نصره، وصدق وعده ، خشوم
بالسيوف حتى كشعوهم عن المعسكر ، وكانت الهزيمه لاشك فيها .

٢٢٣
الجزء الثالث
-
ورأى الرماة الهزيمة وهى تحل بقريش ، فتطلعت نفوسهم إلى الغنائم ،
وحاول أميرهم ((عبد الله بن جبير، أن يمنعهم من ترك أماكنهم عملا بوصية
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن معظمهم تركوا أما كمنهم ونزلوا إلى
ساحة المعركة ليشاركوا فى جميع الغنائم والأسلاب .
١
وأدرك خالد بن الوليد - وكان مازال مشركا - أن ظهور المسلمين قد
الكشف بترك الرماة لأماكنهم، فاهتيل الفرصة على عجل، واستدار بمن
معه من خيل المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم، وأخذ فى مها جمتهم من
مكان ما كانوا ليظنوا أنهم سيهاجمون منه، فقد كانوا يعتمدون على الرماة
فى حماية ظهورهم .
وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين، بعد أن رأوا مافعله
((خالد ، ومن معه .
واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجىء الذى حدث لهم ، إلا أن
فريقاً منهم أخذ يقاتل ببسالة وصبر .. واستشهد عدد كبير منهم وهم يحاولون
شق طريقهم .
" وأصيب النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال ذلك بجروح بالغة وأشيع
أنه قد قتل، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل يصيح بالمسلمين: إلى
عباد الله، إلى عباد الله .. فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا، ودافعوا عنه
دفاع الأبطال المخلصين .
ومرت على المسلمين ساعة من أحرج الساعات فى تاريخ الدعوة الإسلامية
فقد كان المشركون يهاجمون النبى - صلى الله عليه وسلمـ واصم به بعناد وحقد،
وكان المسدون مستميتين فى الدفاع عن رسرهم وعن أنفسهم .
وكان لهذه الاستماتة آثارها فى تراجع المشركين، وقد ظوا أنهم قد
أخذوا شارم من المسدين.

٣٢٤
سورة آل عمران
وخشى النى - صلى الله عليه وسلم - أن يكون تراجع المشركين من
أجل مهاجمة المدينة ، فقال لعلى بن أبى طالب: أخرج فى آثار القوم فانظر
ماذا يصنعون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكا.
وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة، فوالذى نفسى بيده
لمن أرادوها لأسیرن إلیهم، ثم لأناجزنهم فيها.
قال على: خرجت فى آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل،
واتجهوا إلى مكة .
وعندما لقصرف أبو سفيان فادى: إن موعدكم بدر العام المقبل ، فقال
الرسول - صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل له: نعم بينك وبينك موعد.
وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالى سبعين صحابيا من بينهم حمزة أبن
عبد المطلب ومصعب بن عمير ، وسعد بن الربيع ... وغيرهم من الأبطال
الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه.
وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما روتها كتب السيرة .
والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم، لنتدبر حديثه الحكيم
عن هذه الغزوة، ولنستمع إليه بقلوب متفتحة، وآذان واعية، وهو يبدأ
حديثه عنها فيقول :
((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوَّى، المؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْفِتَلِ وَاللهُ
سميعٌ لِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمْتْ طَيُقِتَنٍ مِنْكَم أَنْ تَفْثَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَ وَى
القُهِ فِلْيَتَوَكلِ الؤْمِنُونَ (١٢٢) ولقدْ نَصَرَ كُم اللهُ بِبَدْرٍ وَأَتُمْ أَذِلّةٌ
ثاثْقُوا اللهَ لَمَاكُ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إذْ تَقُولُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ
يَكْفِكُمْ أَنْ يَمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَّ الملائِكَةِ مُنْزِ لِينَ (١٣٤)
كَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتْقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِمِ هَذَا يُمْدِدْكَمْ رَبُّكُم

٣٢٠
الجزء الثالث
بَخَيْسَةِ آلافٍ مِنَ الملائِكَةِ مُسْوِّمِينَ (١٢٥) وما جَعَلَهُ اللهُ
إِلَّبُشْرَى لَكُمْ، وَلِنْطِئْ قُلُوبِكُم به، وما النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الهِ
العزيز الحكيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طرَةً مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يُكْبِتِهِم
فَيَنْقَلِبِوا خَائِبِينَ (١٢٧) لبْسَ لَكَ مِنْ الْأمْرِ شىءٍ أَوْ يتوبَ عَلَيْهم
أَوْ يُعَذِّبَهم فإنّهم ظالمونَ (١٢٨) وقُهِ ما فى السموات وما فى الأرضِ
ينفِرُ لِمَنْ بِشَاءُ ويعذّبُ مَنْ بِشَاءُ وَاللهُ غفورٌ رَحِيمٌ (١٢٩))).
ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد ،
تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا وبعتصموا بحبل الله جميعاً
ولا يتفرقوا .
وقوله - تعالى - ((غدوت)) من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، بقال:
غدا يغدو من باب سما يسمو .
و((من، فى قوله ((من أهلك، للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة
- رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على
حذف مضاف يدل عليه فعل ((غدوت)) والتقدير: من بيت أهلك.
وقوله ((قبوىء) أصله من التبوء وهو إتخاذ المنزل. يقال: بوأنه، وبوأت
4 منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويهم وتهيئتهم"
القتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص .
والعامل فى (( إذ)) فعل مضمر تقديره، واذكر.
والمعنى: واذكر لهم يامحمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من
حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد .
وقوله ((تبوى. المؤمنين مقاعد القتال)) أى تنزلهم وقسوى لهم بالتنظيم
والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل
إستعداد لملاقاة أعدائهم.

٣٢٦
سورة آل عمران
قال الجمل: ويستعمل الفعل ، غدوت)) بمعنى صار عند بعضهم، فيكون
ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر ... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه ،
وإذ غدوت أى صرت نبوى المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال ، وهذا
أظهر من المعنى الآخر ، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد
صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدير
لهم أمر الحرب،(١).
فالجملة الكريمة تشير إلى مافعله النبى - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه
قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى
تكفل لهم النصر. وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك،
ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما
وأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبي - صلى
الله عليه وسلم -«اترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب))؟
إلا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.
وجملة (، قبوىء، حال من فاعل ((غدوت)).
والفعل ((تبوى.)) يحتاج لمفعولين أو لهما قوله ((المؤمنين)) وثانيهما قوله
((مقاعد، وقوله ((للقتال، متعلق بقوله , نبوى.)).
والمرادبقوله (( مقاعد للقتال، أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث
يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمه إلا أن القرآن الكريم
عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإشارة إلى وجوب
الثبات فيها كما يثبت القاعدة فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرجوا أماكنهم إلا
بإذن قائدهم - صلى الله عليه وسلم -.
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣١٠.

٣٢٧
الجزء الثالث
وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: (( والله سميع عليم، لبيان أنه مطلع
على كل شىء ، وعلى ما كان يجرى بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين أعمابه
من مشاورات ومناقشات ...
فهو - سبحانه -. سميع، لما نطقت به ألسنتهم «عليم، بما مخفيه صدورهم
وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب وسيج زى غيرهم من
ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين ، حتى
لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد ، حيث خالفوا وصية
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل ،
عندما رأوا زعيم المنافقين عبداته بن أبى يتخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -:
((إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ..
الهم: هو حديث النفس وإتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه
فاذا أخدت فى تنفيذه مار إرادة وعزما و تصميما.
وتفشلا من الفشل وهو الجبن والخور والضعف. يقال: فشل - كعب .
◌َ يفضَل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.
أى: وأذ رلهم وقت أن همت طائفتان منكم يامعشر المؤمنين أن قفشلا
وتضعفا ونجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريمة .
وقوله« والله وليهما، أى ناصرهما ويتولى أمرهما.
وهاتان الطائفتان هى بنو سله من الخزرخ، وبنو حارثه من الأوس ،
.وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد .
روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت ,إذ همت

٣٢٨
سورة آل عمران
طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ، قال . نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو
سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - ((والله وليهما، (١).
أى: لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى -
عليهم ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولابه. وأن ما حدثوا به أنفسهم
لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل ، بل
سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسوله - صلى الله
عليه وسلم -.
ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة
من الخزرج وبنو حارته من الأوس ... هموا بإتباع عبد الله بن أبى عندما
اتخذل بثلك الناس وقال : يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فعصمهم الله
فضوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد
فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند
الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على
إحتمال المكروه .. ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الآية ... )، (٢).
١٠
وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال .
(« وعلى الله فليتوكل المؤمنون)).
١
والتوكل : تفعتُّل من وكل فلان أمره إلى فلان، إذا إعتمد فى كفايته عليه
ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شراعها
الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإنسان النتائج للخالق - عز وجل -
(١) صحيح البخارى باب ((إذ همت طائفتان)). من كتاب التفسير ج٦ وأخرجه
مسلم فى كتاب «فضائل الصحابة)) = ٧ ص ١
(٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٠٩

٣٢٩
الجزء الثالث
يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده ، كما
پؤدن به تقديم الجار والمجرور .
أى وعلى الله وحده لا على غيره فليتوكل المؤمنون فى أمورهم، بعد إتخاذ
الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فانهم متى فعلوا ذلك تولاهم
- سبحانه - بتأييده ورعايته .
ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال
- تعالى -: ((ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)).
وبدر: إسم لماء مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من
قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين
ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبامن ألف رجل ، ومع
ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى : - جمع قلة ،
وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين . وذلتهم : ما كان
بهم من ضعف الحال ، وقلة السلاح والمال والمر كوب ، وذلك أنهم خرجوا
على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد ، وما كان معهم إلا فرس
واحد. وقلتهم: أنهم كانواثلاثمائه وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة
· زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح
والقوة -، (١).
وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أبهم كانوا ضعاف النفوس ، أو كانوا
وأضين بالهوان ... وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى
الأموال وفى وسائل القتال .
وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر ؛ تنبيه لهم إلى وجوب
تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرا ما تنتصر
(١) تفسير الكفاف ج ١ ص ٤١١.

٣٣٠
سورةآل عمران
على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: (فاتقوا الله
لعلكم تشكرون ».
أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، ونجدذوا ما نها كم عنه، وتفعلوا
ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قام بواجب شكر ما أنعم به عليكم من
نعم لا تحصى.
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى - صلى الله عليه وسلم -
من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -,إذ تقول للمؤمنين
ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ... ».
قال ابن كثير: إختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أويوم
أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى - إذ تقول للمؤمنين)) متعلق بقوله
(ولقد نصركم الله بيدى)) وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنسر وغيرهم ..
فعن الحسن فى قوله ((إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ... إلخ، قال هذا يوم
بدر . وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابريريدأن تمد
المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى-
,(ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ... إلى قوله
((مسودين)) قال: فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين ...
وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم ماروا ثلاثة آلاف،
ثم صاروا خمسة آلاف .
٠
فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر
. ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ... إلى قوله (((إن الله عزيز حكيم)) (١)
فالجواب : أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها
لقوله - تعالى - ((مردفين ، بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف آخر مثلهم .
(١) سورة الأنفال .

٣٣١
الجزء الثالث
وهذا السياق شبيه بهذا السياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك
كان يومٍ بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان بدر:
والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله ((وإذ غدوت من
أهلك تبوى. المؤمنين مقاعد للقتال ... ، وذلك يوم. أحد وهو قول مجاهد
وعكرمة والضحاك وغيرهم . لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف،
لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله
- تعالى -: ((بلى إن تصبرا وتتقوا، فلم يصبروا، بل فروا فلم يعدرا بملك
واحد ،(١) .
ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر ، فقد
قال : فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر ...
وهذا ما تسكن إليه النفس، لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان
يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوافى بدر قليلى العدد والعدد ، وكانت غزوة بدر
أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات
يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر
وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم - صلى الله عليه
وسلم - حتى لا يعودوا إلى ماحدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول
- صلى الله عليه وسلم -.
وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى - ((إذ تقول للمؤمنين، متعلقا بقوله
((ولقد نصركم، أى: أذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر
وأنتم قلة فى العدد والعدد، وكان رسولكم - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك
الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: ((ألن يكفيكم أن يمدكم
ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، أى منزلين من السماء النصرتكم
وتقويتكم ودحر أعدائكم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ س ٤٠١
1

٣٣٢
سورةآل عمران
أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان فى غزوة أحد ، فيكون قوله
- تعالى -, إذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم .... الخ، بدل من قوله
- تعالى - قبل ذلك. «وإذ غدوت من أهلك قبوى المؤمنين مقاعد
للقتال .... .
قال الآلوسي: ((والهمزة فى قوله (( ألن يكفيكم، الإنكار ألا يكفيهم،
ذلك . وأنى بلن لتأكيد النفى؛ وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من
النصر لقلة عددهم وعددهم . وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير
المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار. وقوله ((أن يمدكم)) فى
تأويل لمصدر فاعل (يكفيكم))، و((من الملائكة، بيان أو صفة لآلاف أولما
أضيف إليه. و(((منزلين)) صفه لثلاثة آلاف ,وقيل حال من الملائكة))(١).
وقوله - تعالى - ((بلى إن تصبروا وتتقوا .. )) إما من تتمة مقوله - صلى
الله عليه وسلم - للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييد
القول فإنه - صلى الله عليه وسلم - وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.
وقوله: بلى (( إيجاب لما بعد ((لن، أى: بل يكفيكم الإمداد بثلاثة
آلاف ولكنه سبحانه - يمدكم بأنكم (( إن تصبروا، على قتال أأعدائكم
وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا، أى وتتقوا الله وتخشوه
وتجتذبوا معاصيه ((ويأتوكم من فورهم هذا)) أى ويأتوكم المشركون
مسرعين إيجار بوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم ، إذا فعلتم ذلك.
يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، أى يمددكم ربكم بفضله
ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات.
مخصوصة .
(١) تفسير الآلوسي = ٤ ص ٤٤

٣٣٣
الجزء الثالث
وقرىء ((مسومين)) - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى -
بعلامات القتال . ومن القسويم ، وهو إظهار علامة الشىء .
قال صاحب الكشاف: وقوله، من فورهم هذا)) من قولك: قفل من
غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى ، وجاء فلان ورجع من فوره.
ومنه قول أبي حنيفة - رحمه الله -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو
مصدر من فارت القدر إذا غلت، فأستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى
لا ريث فيها .. فقيل: خرج منفوره كما نقول: خرح من ساعته، والمعنى:
أنهم يأتوكم من ساعتهم هذه (!)) ..
هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات .
أما الأمر الأول فهو : هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا
العدد الذى ذكر فى هذه الآية ؟
والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد
المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة ، لأنهم صبروا وإنقوا وأنام
المشركون من مكه فوراً حين إستنفرم أبو سفيان لإنقاذ العير. فكان المدد
خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف ، ثم صاروا ألفين ،ثم
صاروا ثلاثة آلاف. ثم صاروا خمسة آلاف لاغير، وإلى هذا الرأى ذهب
الحسن وقتادة .
وقال الشعبي: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن
كرزين جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند: فشو ذلك على
المسلمين فأنزل الله - تعالى - ((ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ... إلى قوله
(مسمومين،، فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يعمد الفقه المسلمين
بالخمسة الآلاف أيضا. أما ابن جرير فقد إختار أن المسلمين وعدوا بالمدد
بعد الألف؛ ولا دلالة فى الآية على أنهم امدوا بما زاد عن ذلك، ولا على انهم
لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال - رحمه الله - :
(١) تفسير الكشاف ج ٨ ص ٤١١

٣٣٤
سورة آل عمران
((وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمؤمنين: « ألن يكفيكم أن يعدكم ربكم
بثلاثة آلاف من الملائكة، .. فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مدد الهم
ثم وعدم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم وإفقوا الفه
ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف،
ولا على أنهم لم يمدوا بهم.
وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا
إنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك
وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخير تقوم الحجة به . ولا خبر به كذلك
فنسلم لأحد الفريقين قوم. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر
بألف. وذلك قوله - تعالى -: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى
ممدكم بألف من الملائكة مرَدفين» . أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين
منها فى أنهم أمدوا ، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما فيلى
منهم ... ، (9) :
والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.
وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة
فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت
المؤمنین فقط ؟ والجواب على ذلك أن کثیراً من العلماء يرى أن الملائكة قد
قاتلت مع المؤمنين .
قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدروقاتات
ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا : لو كنت.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٠٧٩

٣٣٥
الجزء الثالث
معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى
خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى)).
وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينمارجل من المسلمين يوم بدر يشتد
فى أثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت
الفارس بقول :. أقدم حيزوم، (١) فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد
خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حدثه بذلك فقال: صدقت: ذلك من مدد اسماء الثالثة، (٢).
ويرى فريق آخر من العداء أن الملائكة ما قائلت مع المسلمين يوم بدر،
وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم . ولتخذيل
المشركين ، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى -, إذ يوحى ربك
إلى الملائكة أبى معكم فثبتوا الذين آمنوا سأاقى فى قلوب الذين كفروا الرعب
فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بقان».
ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقدقال عند
تفسيره لقوله - تعالى - ((فثبتوا الذين آمنوا)): أى قروا عزائمهم، وصححوا
فيانهم فى قتال عدوهم من المشركين. وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم
بقتال أعدائهم ....
وقد حكى الآلومى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين
فى بدر وأنه قال: (( إن الملك الواحد يكفي فى إهلاك سائر الأرض كما فعل
جبريل بمدائن قوم لوط ... وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة
معه وهو القوى الأمين ، وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف
من قتلهم من المسلمين ... )).
(١) حيزوم : اسم فرش من خيل الملائكة .
(٢) تفسير القرطبي - بتصرف وتلخيص - ج ٤ ص ١٩٢

٢٣٦
سورةآل عمران
ولم يرتض الألوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه .. ولا يخفى إن
هذه الشبه لا يليق إبرادها بقوانين الشريعة ، ولا بمن يعترف بأنه .. سبحانه.
- قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس
عن ذلك ...
ثم قال الآلومى: فالواجب التسليم بكل ممكن جاءبه النبي - صلى الله عليه وسلم-
وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى-،!).
وزى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأي القائل بأن الملائكة أد قائلت
مع المؤمنين فى غزوة بدر .
وفحن لاترى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص
الواردة عن النبى .. صلى الله عليه وسلم - صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين
يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع
العقل السليم .
ولقد سئل الإمام السيكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أنجبريل قادر
على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه ؟
فأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبى - صلى الله عليه وسلم -
وأصحابه وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب
التى أجراها .. سبحانه - فى عباده،(٢).
ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال -تعالى-
((وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به».
أى وما جعل الله - تعالى - الإمداد الذى أمدكم به إلا يشارة لقلوبكم،
وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى ((جعله)، يعود إلى الإعداد المفهوم من الفعل:
(١) تفسير الآلوسي - بتصرف وتلخيص - ج ٤ ص ٤٨.
(٢) تقدير القاسمى = ص ٠٩٩٧

٣٣٧
الجزء الثالث
المقدار المدلول عليه بقوله « يمدكم، فكأنه قيل: فأمكر الله - تعالى - بما
ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن
قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة ، ونفوس
قوية .
وقوله ((بشرى) مفعول لأجله، والاستثناء مفرغ من أعم العال، أى
ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا البشارة لكم بأنكم
ستنصرون على أعدائكم.
وقوله ((ولنطمئن قلوبكم به، معطوف على ((بشرى، باعتبار موضعه
أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة .
وإنما جر قوله ((ولتطمئن، باللام لإختلال شرط من شروط نصبه على
أنه مفعول لأجله ، وهذا الشرط هو عدم إتحاد الفاعل ، فإن فاعل الجمل هو
الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو
((بشرى «لاستكمال شروطه، وجر المعطوف وهو, ولتطمئن لاختلال
شرط من شروطه .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وما النصر إلا من عند الله العزيز
الحكم،.
أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره.
الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته .
فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين،
وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، رايس من
الملائكه أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير
٧١ إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.
ولقد حرض القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب
(٢٢ - سورة آل عمران)
-

٣٣٨
سورةآل عمران
المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب، والوسائل التى بين أيديهم ،
ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا
إغتروا بالأساب والوسائل، ونسواخالقهما أقام الفشل من حيث لم يحتسبوا
وكان أمرم فرطا .
والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى -
بتدبر وإعتبار، بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها يحب أن يستجيب له فى
كل ما أمر أو نهى؛ وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترقت عليه
فقال - تعالى -: « ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين
ليس لك من الأر شىء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون).
وقوله ((ليقطع طرفا من الذين كفروا أو بكبتهم .. )) متعلق بقوله
, ولقد نصركم الله بدر وأنتم أذلة ... )) وما بينهما تحقيق لحقيته ، وبيان.
لكيفية وقوعه .
والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشى. مدركا بالبصر كالأجسام،
أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة .... والمراد به منا الإهلاك والقتل.
والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين
والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.
والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكيت،
والمراد به هنا الإذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة .
خائبين من الخيبة وهى إنقطاع الأمل فى الحصول على الشىء . يقال:
خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب .
والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - بيدر وأنتم فى قلة من العدد والعدد

٣٣٩
الجزء الثالث
« ليقطع طرفا من الذين كفروا، أى ليهلك طائفة من الذين كفروا
ويستأصلهم بالقتل وبنقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن
أموالهم بالغنيمة ((أو يكبتهم , أى بذهم ويخزبهم ويغيظهم غيظا شديدا
بسبب ما نزل بهم من هزيمة ، حتى يخبوصوت الكفر ، ويعلوصوت الإيمان.
وقوله ((فينقلبوا خائبين)) أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى
الآمال ، غير ظافرين بمبتغام .
قال الألوسى: ((ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال)
ليقطع طرفا، لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل:
لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا قاتلوا
الذين يلوفكم من الكفار)). وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم:
هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف
لتقدمهم فى السير .. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين
فيهم بالقتل والأسر . وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين
سبعين وأسروا سيعين .... (١).
و((أو) فى قوله (( أو يكبتهم)) للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقع!
للمشركين ، فهى ماتعة خلو .
وعبر عن عودتهم خائبين بقوله (، فينقلبوا خائبين، للإشارة إلى أن
مقاصدهم وأهدافهم قد إنقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام،
تذاب قصدهم ، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم
وصناديدهم، وزكوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.
أما الإسلام فقد إزداد فوره تألقا, وإزداد اتباعه إيمانا على إيمانهم،
ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين :
(١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٠٤٩

٣٤٠
سورة آل عمران
وقوله، ليس لك من الأمر شيء، أى: ليس لك من أمر الناس شىء ،
وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإرشاد ثم بعد ذلك
من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
وقوله ((أو يتوب عليهم)) أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإسلام
بعد كفرتم وضلالهم .
٠
وقوله (( أو يعذبهم فإنهم ظالمون، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على.
كفرهم وإجتراحهم للسيئات فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وماظلمهم
الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق، واستحبوا
العمى على الهدى .
7
وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ((ليسلك الأمر شىء، جملة معترضة بين
المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا :
ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر ، أو
يجزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم فى الدنيا.
والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند
انه - تعالى - مأمور بإیذاتهم وجهادهم .
وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله (( ليس لك من
الأمرشىء، إعتراض. والمعنى أن لقه مالك أمرهم فإما أى يهلكهم أويهزمهم
أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن اصروا على الكفر , وليس لك
من امرم شىء إنما أنت عبد مبعوث الإنذارهم ومجاهدتهم.
وقيل إن ((أو، بمعنى ((إلا ان)) كقولك: لألزمنك أو تقتضينى حتى،
على معنى لبس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو
يعدبهم فتقتفى منهم (١).
(١) الكشاف ج ١ ص ٤١٣ بتلخيص.