النص المفهرس
صفحات 221-240
٣٢١ الجزء الثالث ويجوز أن تكون موصولة، ويكون قوله، فأولئك الفاسقون ، هو الخبر والضمير فى قوله ((تولى)) يعود على، من)) بالإفراد باعتبار لفظها، ويعود عليها بصيغة الجمع فى قوله فأولئك، باعتبار معناها. وبعد أن بين - سبحانه - أن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حق لا ريب فيه، وأنه واجب على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، عقب ذلك ببيان أن كل من كره الإيمان بما جاءبه محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه يكون بعيدا عن الدين الحق ، مستحقا للعقاب الأليم فقال - تعالى - (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) والاستفهام للافكار والتوبيخ، وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف والفاء الداخلة على ( غير) عاطفة لجملة ( يبغون) على ذلك المحذوى الذى دل عليه الاستفهام وعينه المقام . والمعنى: أيتولون عن الإيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين الله الذى هو الإسلام . ومعنى ( يبغون) يطلبون. يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بعضم الباء - أى طلبه. وقوله .. تعالى - ( وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها.) جملة حالية. أى أيفون دينا غير دين الله والحال أن قه - تعالى - إستسلم وإنقاد وخضع له من فى السموات والأرض طوعا وكرها. أى طائعين و كارهين فهما مصدران فى موضع الحال . والمراد أن كل من فى السموات والأرض قد إنقادواوخضعو الله .. تعالى- إما عن طواعية وإختياروهم المؤمنون لأنهم راضون فى كل الأحوالبقضائه وقدره، ومستجيبون له فى المنشط والمكره واسر واليسر وإما عن تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة ، فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضاته - سبحانه -، وإذن فهم خاضعون لسلطانه - عز وجل - لأنهم لاسبيل لهم ولا لغيره إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم ٢٢٢ سورةآل عمران هذا، وقد ساق الفخر الرازى جملة آراء فى معنى الآية الكريمة تم إختار أحدها فقال ما ملخصه: فى خضوع من فى السموات والأرض لله وجوه : أصمها عندى أن كل ما سوى الله - سبحانه - ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده، ولا يعدم إلا بإعدامه ؛ فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله فى طرفى وجوده وعدمه. وهذا هو نهاية الخضوع والإنقياد ثم إن فى هذا الوجه لطيفة أخرى: وهى أن قوله، وله أسلم، يفيد الحصر ، أى وله كل ما فى السموات والأرض لا لغيره. فهذه الآية تفيد أن واحب الوجود واحد، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد ١ إلا بتكوينه. ولا يفنى إلا بإفتائه. (١) والآبات فى هذه المعنى كثيرة. وقوله (( وإليه يرجعون، أى إليه وحده برجع الخلق فيجازى كل مخلوق بما يستحقه من خير أو شر . ففى الجملة الكريمه تحذير من الإعراض عن دينه، لأنه مادام مرجع الخلق جميعا إليه - سبحانه - فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه إختيار أ قبل أن يسلمها إضطرارا، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه، حتى ينال رضاه. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت الناس الأدلة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - وأمرتهم بالدخول فى دينه، وحذرتهم من الإعراض عنه بأجلى بيان وأقوى برهان . وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر الله - تعالى - نبيه مجما - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن على الدنيا كلمة الحق التى يؤمن بها، وأن يخبر كل من يتأنى له الخطاب بأن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وأن كل دين سواه فهو باطل. لأن رسالته - صلى الله عليه وسلم - هى خاتمة الرسالات، ودين الإسلام الذى أتى به ناسخ لكل دين سواه. استمع (٢) إلى القرآن وهو يبين ذلك فيقول : (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٣٠ (٢) سورة الأعراف الآية ٦٠) ٢٢٣ الجزء الثالث (( قُلْ آمنًّا بالقُهِ وما أُنزلَ علينا، وما أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ وَالْأسْبَطِ، وما أُوْ فِىَ مُوسَى وعيسى وما أُوْ فِى النَّبِيونَ من بريِهم، لا تُفَرِّقُ بينَ أَحدٍ منهم ونحن له مسلمونَ (٨٤) ومَنْ يُبْتَغَ ، غيرَ الإِسلامِ دِينَا فَلَنْ يَقْبَلَ منهُ، وهُو فى الآخرةِ من الخاسرينَ (٨٥) قوله. والأسباط، جمع سبط وهو الحفيد، والمراد بهم أولاد يعقوب- عليه السلام - وكانوا إثنى عشر ولدا قال - تعالى -: «وقطعناهم إننتى عشرة أسباطا أما) وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام -. والمعنى: ((قل، يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل وجحدوا الحق مع علمهم به، قل لهم ولغيرهم « آمنا بالله، أى آمنت أنا وأتباعى بوجود الله ووحدانيته, واستجبنا له كل ما أمرنا به، أو نهانا عنه. آمنا كذلك بما « أنزل علينا، من قرآن يهدى إلى الرشد، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . وآمنا أيضا بما أنزله الله - تعالى - من وحى وصحف على «إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط)). وآمنا - أيضا - بماآتاه الله لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من المعجزات، وبماآتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على مدقهم . (( لا نفرق بين أحد منهم، أى لانفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم ((نؤمن ببعض وتكفر ببعض)) وهم فى الحقيقة ٢٢٤ سورة آل عمران كافرون بهم جميعا، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر بهم جميعا، ولذا فنحن معاشر المسلمين تؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو إستثناء ((ونحن له مسدون)، أى خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية مستجيبون *فى كل ما أمرنا به وما نها نا عنه. فالآ ية الكريمة تأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر عن نفسه وعن معه بأنهم آمنوا بالله وبمكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم، لأنها شرائع الله - تعالى - التى أنزلها على أنبيائه، كلها مرتبط بعضها بعض، وكلها تتفق على كلمة واحدة هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والطاعة .. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم عدى أنزل فى هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها - فى سورة البقرة - بحرف الانتهاء؟ قلت: لوجود المعنيين جميعا، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل ، بلجا. تمارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ومن قال إنما قيل هنا((علينا، لقوله, قل، وقيل هناك ,إليناء لة وله «قولوا، تفرقة بين الرسل والمؤمنين، لأن الرسول بأتيه الوحى على طريق الإستعلاء، وبأنيهم على وجه الانتهاء، من قال ذلك تعسف ألا ترى إلى قوله ((بما أنزل اليك، وإلى قوله ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا .. (١)، وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر ، لأن أهل الكتاب يزعمون أنهم يؤمنون بهم ويتبعونهم. فأراد القرآن أن يبين لهم أن زعهم باطل، لأنهم ان يكونوامؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد - صلى الله علية وسلم- وقوله - تعالى - ((لا نفرق بين أحد منهم)) بيان لثمرة الإيمان الحق الذى رسخ فى قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هادهم ومرشدهم محمد - صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم بصدقون بأن رسل الله جميعاقد أرسلهم. (١) تفسير التكشاف ج ١ ص ٣٩١. ١ ٢٢٥ الجزء الثالث سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وإذا وجد تفاضل اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون فى أمور أخرى سوى الإيمان ـه وإفراده بالعبودية، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى ق وإلى مكارم الأخلاق. وقد جاءت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - نغمة الرسالات ، وجامعه لكل ما فيها من محامن فوجب الإيمار بها، لا كان الكفر بها كفراً بجميع الرسالات السابقة عليها . وقوله ((ونحن له مسلمون)) يفيد الحصر، أى نحن له وحده أسلمنا جوهنا . وأخلصنا عبادتنا، لا لغيره كئنا من كان هذا الغير . وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة لقهرب العالمين. ثم بين - سبحانه - أن كل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر ل - تعالى -: ((ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ... )). أى: ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذى أتى به محمد - عليه الصلاة السلام - فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام، لأن دين الإسلام ى جاء به محمد، هو الدين الذى ارتضاه الله لعباده قال - تعالى - ((اليوم كملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا(*) ولأنه الدين الذى ختم الله به الديانات ، وجمع فيه محاسنها . أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دن الإسلام فقد بينها - سبحه- . له: (( وهو فى الآخرة من الخاسرين)). أى وهو فى الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، ستحقاقهم لعقابه جزاء ماقدمت أيديهم من كفر وخلال . وفى الحديث الشريف ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، أى مردود 4، وغير مقبول منه. (١) سورة المائدة آية ٣. (١٥ - سورة آل عمران) ٢٢٦ سورةآل عمران وفى الاخبار بالخسران عن الذى يبغى أى يطلب دينا سوى الإسلام، إشعار بأن من يقبع دينا سوى دين الإسلام يكون أشد خسرانا، وأسوأ حالا، لأن الطلب أقل شرا من الاتباع الفعلى. وبعد أن عظم - سبحانه - شأن الإسلام، وبين أنه هو الدبن المقبول عنده، أتبع ذلك ببيان أن سنته جرت فى خلقه بأن يزيد الذين اهتدوا هدى، أما الجاحدون للحق عن علم، والمتبعون لأهوائهم وشهواتهم فهم بعيدون عن هداية الله، وأن يقبلهم - سبحانه - إلا إذا تابوا عن ضلالهم، وأصلحوا ما قد منهم، استمع إلى القرآن وهو يصور هذا المعنى بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : «كيفَ يَهْدِى اللهُ قوماً كفرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَشَهِدُ وا أَنَّ الرسولَ حقٌّ وَجَاءَهُم البَيِّنََّتُ، والله لا يهدي القوم الظالمينَ (٨٦) أولئكَ جَزَاؤُ هُمْ أَنَّ عَليهِم لعنةُ اللهِ وَالملائكةِ وَالنّاسِ أَجمعِينَ (٨٧) خالدين فيها لا يخفّفُ عنهم العذابُ ولا هُمْ يُنْظَرِونَ (٨٨) إلّ الذين تابوا من بَعد ذلكَ وَأَصلِحُوا فإنَّ اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ" (٨٩))). روى المفسرون روايات فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة منها ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال: إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لى رسول الله - صلى الله عليه. وسلم - - هل لى من توبة؟ في قومه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هل له من توبة؟ فنزات هذه الآيات، فأرسل إليه قومه فأسلم. وعن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبى - صلى الله عليه وسلم- ثم کفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله هذه الآيات. قال : فملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك واقه - ما علمت ٢٢٧ الجزء الثالث سدوق ، و إن رسول الله صلی الله علیه وسلم - لأصدق منك ،وإن اق عز جل لأصدق الثلاثة ، قال : فرجع الحارث فأسلم حسن إسلامه وعن الحسن بصرى أنه قال: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبى صلى الله عليه وسلم - فى كتابهم وأقروا به، وشهدوا أنه حق، فلما بعث ن غيرهم جسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرم (١). ۔ هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، ويبدو لنا أن أقربها إلى سياق الآيات هى الرواية التى جاءت عن الحسن البصرى بأن المقصود بالآيات أهل الكتاب، وذلك لأن الحديث معهم من أول السورة . ولأن القرآن قد ذكر فى غير موضع أن أهل الكتاب كانوا يعرفون مدق النبى - صلى الله عليه وسلم - كما يعرفون أبناءهم، وأنهم كانوا يستفتحون به ( على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). ومع هذا فليس هناك ما يمنع من أن يكون حكم هذه الآيات شاملا لكل من ذكرتهم الروايات لكل من يشابههم ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السهب . قال ابن جرير - بعد أن ساق هذه الروايات - ما ملخصه: وأشبه هذه الأقوال بظاهر التنزيل ما قاله الحسن: من أن هذه الآيات معنى بها أهل الكتاب على ما قال ، وجائز أن يكون الله - تعالى - أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا إرقدوا عن الإسلام لجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم فى إزتداده عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فى هذه الآيات ، ثم عرف عباده سنته فيهم؛ فيكون داخلا فى ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن. بعث، وكل من كان كافراتم أسلم على عهده - صلى الله عليه وسلم - ثم (١) تفسير ابن جرير جـ ٣ س ٣٤٠. وتفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٣٧٩ ٢٢٨٠ سورةآل عمران إرتد وهوحى عن إسلامه، فيكون معنيا بالآبات جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان يمثل معناهما . بل ذلك كذلك إن شاء اقه (١) . والاستفهام فى قوله - تعالى - «كيف يهدى اله قوما كفروا بعد إيمانهم ... )، للتفى ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط المستقيم وهم على هذا الحال من الارتكاس فى الكفر والضلال، مع علمهم بالحق وإيمانهم به لفترة من الوقت . والمعنى: أن الله - تعالى - جرت سنته فى خلقه ألا يهدى إلى الصراط المستقيم ، قوما, كفروا بعد إيمانهم، أى إرتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا، وبعد أن، شهدواً أن الرسول، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ((حق)، وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وبعد أن ((جاءهم البينات، أى البراهين والححج الناطقة بحقية ما يدعيه ، من قرآن كريم عجز البشرعن الإتيان بسورة من مثله ومن معجزات باهرة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم -. فأنت ترى أن حالهم التى أوجبت هذا التفى والاستبعاد تتمثل فى أنهم كانوا مؤمنين، وكانوا يشهدون بأن الرسول حق، وجاءتهم البينات اليقينية الملومة التى تؤيد إيمانهم وشهادتهم، ومع كل ذلك إستحبوا العمى على الهدى، وإختاروا الكفر على الإيمان، واستولى عليهم التعصب بالباطل فأردام وحرمهم من هداية الله حتى يغيروا ما بأنفسهم ويتوبوا عن غيهم ، ويصلحوا ! ما أفسدوه، ويخلصوا وينيبوا إلى خالقهم وبارتهم. قال صاحب الكشاف: قوله (( كيف يهدى اللّه قوما ... ، أى كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف ، لما علم أنه من تصميمهم على كفرم ، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم ؛ وبعد ماشهدوا بأن الرسول حق وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التى تثبت بمثلها النبوة. (١) تفسير ابن جرير ج ٣ ص٠٤١ ٢٢٩ الجزء الثالث - وهم اليهود - كفروا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن كانوا مؤمنين .، وذلك حين عاينوا ما يوجب قوة إيمانهم من البينات. فإن قلت: علام عطف قوله(( وشهدوا)؟ قلت: فيه وجهان: أن يعطف ـلى ما فى إيمانهم من معنى الفعل، لأن معناه بعد أن آمنوا ... ويجوز أن مكون الواو للحال إضمار (قد)، بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول ق )) (١) ٠ ٫ وقوله - تعالى - ((والله لا يهدي القوم الظالمين، جملة حالية أو معترضة. ؛ المعنى: أنه - سبحانه - قد مضت منته فى خلفة أنه لايهدى إلى الحق ولئك الذين آثروا الكفر على الإيمان ، عن تعمد وإصرار، ووضعواالشىء ، غير موضعه مع علمهم بسوء صنيعهم. وفى تذييل الآية الكريمة بهذه الجملة مع إطلاق لفظ العلم، إشعار بأنهم ـد ظلوا أنفسهم بإيقاعها فى مهاوي الردى والعذاب وظلوا الرسول الذى سهدوا له بأن ما جاء به هو الحق ثم كفروا به، وظلموا الحقائق والبراهين فى نطقت بأحقية الإيمان ويطلان الكفر ثم تركوا هذه الحقائق والبراهين انقادوا لأهوائهم وشهواتهم ومطامعهم . وإن الظلم متى سيطر على النفوس أفقدها وشدها وإدراكها للأمور درا كا سليما، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: «اتقوا ظلم فإنه ظلمات يوم القيامة ». ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الظالمين فقال: ((أولئك جزاؤهم أن لميهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )). قال الراغب: اللعن: الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من الله (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٨١ ٢٣٠ سورة آل عمران - تعالى - فى الآخرة عقوبة، وفى الدنيا إنقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره .... )) (!). والمعنى: أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة ((جزاؤهم أن عليهم لعنة. الله، أى جزاؤهم أن عليهم غضب الله وسخطه بسبب إستحبابهم الكفر على الإيمان , والملائكة والناس أجمعين) أى وعليهم كذلك سخط الملائكة والناس أجمعين وغضبهم ، ودعاؤهم عليهم باللعنة والطرد من رحمة انه . ٠ وقوله (( أولئك)) مبتدأ. وقوله (( جزاؤهم، مبتدأ ثان، وقوله أن عليهم. لسنة انه ... ألخ، خبر المبتدأ الثانى، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول. ١ والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على هؤلاء القوم، صادرة من أنهوهى أشد ألوان اللعن، وصادرة من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وصادرة من الناس أجمعين أى أن الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم. الحق بعد أن عرفوه وشهدوا به، وقامت بين أيديهم الأدلة على أنه حق . قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل لم عم جميع الناس مع أن من. وافقهم فى كفرهم لا يلعنهم؟ قلنا فيه وجوه: منها أنهم فى الآخرة بلعن بعضهم. بمضا كما قال - تعالى - «كلما دخلت أمة لعنت أختها)). فعلى هذا التقدير يكون اللعن قد حصل للكفار من الكفار. ومنها كأن الناس م المؤمنون ، والكفار. ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال (( أجمعين). ومنها وهو الأصح عندى: أن جميع الخلق يلمنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد فى نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر، فاذا لمن الكافر وكان هو فى علم أنه كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك، (٢). ثم أكد - سبحانه - تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على (١) مفردات القرآن ص ٤٥١ المراغب الأصفهانى (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٣٧. ٢٣١ الجزء الثالث ك الحالة الشنيعة فقال - تعالى - ,خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب »بسبب مرارهم على الكفر فى الدنيا، وأنغماسهم فيما يغضب الله ((ولا هم ينظرون، ى ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب بل عذابهم عاجل لا يقبل الإممال والتأخير بسبب ما ارتكوه فى الدنيا من شرور وآثام . ولكن القرآن - مع هذا - يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب، وينهى ناس عن أن يقنطوا من رحمة الله متى تابوا. وأنابوا وأصلحوا فيقول - بعد تلك الحملة المرعبة التى شنها على الكفر والكافرين - ((إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)). أى: أن اللجنة مستمرة على هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وهم خالدون فى المذاب يوم القيامة بدون إمهال أو تأخير، إلا الذين تابوا منهم عن الكفر الذى ارتكبوه ، وعن الظلم الذى اقترفوه، وأصلحوا ما أفسدوه بأن قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريق الحق، وحافظوا على أداء الأعمال الصالحة ((فإن الله - تعالى - غفور رحيم)) أى فإنه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم من كفر وظلم . ففى هذه الآية الكريمة إغراء للكافرين بأن يقلعوا عن كفرهم، والمذنبين بأن يتوبوا إلى رشدهم وبأن يقوبوا إلى ربهم، فإنه - سبحانه - يغفر الذنوب جميعاً لمن يتوب ويحسن التوبة، فهو القائل ((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له .... (١). أما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يتوبون إلى رشدهم، بل يصرون على الكفر فيزدادون كفراً، والذين يرتكون فى كفرهم وضلالهم حتى تغلتر منهم الفرصة، وينتهى أمد الاختبار، ويأتى دور الجزاء، فهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة ، فقد قال - تعالى - بعد هذه الآيات : (١) سورة الزمر الآية ٥٣. ٢٣٢ سورة آل عمران ((إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِمِ ثْم ازدَادُوا كُفْراً، أَنْ تَقْبَلَ قَوبَتَهُم وَأُولَئِكَ مَ الضَّالُونَ (٩٠) إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَمْ كُفَّارِ فَلَنْ يُقْبَلَ من أَحدِمِ ملء الأرْضِ ذَهَباً ولو افتَدى به، أُولئكَ لهم عذابٌ أَليمُ وما لهُم من نَصِرِين (٩١) لَنْ تَنَلُوا البرَّحتى تُنْفِقِوا مما تُحِبُونَ، وما تُتْفِقِوا مِنْ شىءٍ فإِنَّ اللّهَ به عليمٌ (٩٢))). قوله - تعالى - ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا)). قال قتادة وعطاء: نزلت فى اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم. بموسى والتوراة. ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن . وقال أبو العالمية والحسن: نزلت فى أهل الكتاب جميعا، آمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فى نبوته فى كل وقت، وعداوتهم له ، ونقضهم لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق، وسخريتهم بآيات اقه . ويمكن أن يقال: إن الآية الكريمة على عمومها فهى تتناول كل من آمن ثم أرتد عن الإيمان إلى الكفر، وازداد كفرا بمقاومته للحق، وإيذاته لأتباعه، وإصراره على كفره وعناده وجحوده . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: «لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون،٠ أى إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وعنادا وجحودا للحق ((ان تقبل توبتهم، أى أن تتوقع منهم قوبة حتى تقبل، لأنهم بإصرارهم على كفرهم، ورسوخهم فيه، وتلاعبهم بالإيمان، قد صاروا غير أهل للتوفيق ٢٢٣ الجزء الثالث لها ، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هى بألسنتهم لحسب ، أما قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم كلا توبة . وبعضهم جمل عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت، والتوبة فى هذا الوقت لا قيمة لها . أ قال القرطبى: وهذا قول حسن كما قال - تعالى -: وليست التوبة الذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن)). وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم ماتواعلى الكفر، وإلى هذا المعنى إنه صاحب الكشاف فقد قال: فان قلت: قد علم أن المرتد كيفما إزداد كفرا فافه مقبول التوبة إذا قاب فما معنى « لن تقبل توبتهم))؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر ، لأن الذى لا تقبل توبته من الكفار هو الذى يموت على الكفر . كأنه قيل إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر ، داخلون فى جملة من لا تقبل قوبتهم . فإن قلت: فأى فائدة فى هذه الكتابة؟ أعنى أن كنى عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة ؟ قلت : الفائدة فيها جليلة وهى التغلظ فى شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم فى صورة حالة الآيسين من الرحمة التى هى أغلظ الأحوال وأشدها ألاترى أن الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة،(١) والذى يبدو لنا أن الآية الكريمة أشد ما نكون إنطباقا على أولئك الذين تتكرر منهم الردة من الإيمان إلى الكفر فهم لفساد قلوبهم وانطماس بصيرتهم وإستيلاء الأهواء والمطامع على نفوسهم أصبح الايمان لا استقرارله فى قلوبهم بل بتلاعبون به، وبقيعونه نظير عرض قليل من أعراض الدنيا ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة النساء ((إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا (١) تفسير الكهاف = ١ ص ٣٨٣. ٢٢٤ سورة آل عمران م كفروا، ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا)) وقوله ((وأولئك هم الضالون)) أى الكاملون فى الضلال، البعيدون عن طريق الحق ، المستحقون لسخط الله وعذابه . ثم صرح - سبحانه - ببيان عاقبة الذين تموقون على الكفر فقال - تعالى- إن الذين كفروا وماتوا وم كفار». أى إستمروا على كفرهم وضلالهم حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكان الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاثة أصناف من الكافرين: قسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل صالحا فقبل اله قوبته ، وهذا القسم هو الذى إستثناء الله بقوله (( إلا الذين تابوامن بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)). وقسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة ، فلم يقبلها الله - تعالى - منه . وهو الذى قال الله فى شأنه فى الآية السابقة, إن الذين كفروا بعد إيمانهم تم إزدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون: وقسم كان كافرا واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه أية توبة، وهو الذى أخبر عنه - سبحانه - فى هذه الآية بقوله: (( إن الذين كفروا وماتوا وهم كمار ، . ١ أى ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه. وقد بين الله - تعالى - سوء مصيرهم بقوله: ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو إفتدى به). أى أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله - تعالى - من أحدم ما كان قد انفقه فى الدنيا ولو كان هذا المنفق مل. الأرض ذهبا ، لأن کفرہ قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال - تعالى - (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه مباء منثوراً: (١). (١) سورة الفرقان الآية ٢٣. ١ ٢٣٥ الجزء الثالث وكذلك لن يقبل الله - تعالى - من أحدهم فدية من عقابه الشديد له بسبب موته على الكفر، ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهبا، لأن ابنه - تعالى - غنى عنه وعن فديته - مهما عظمت - وسيعاقبه غلى كفره بما يستحق من عقاب . قال ابن كثير: قوله - تعالى - (فلن يقبل من أحدم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ). أى من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبداً ولو كان قد أنفق مل. الأرض ذهبا فيما يراه قربة كما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عبد الله ابن جدعان - وكان يقرى الضيف ، ويفك العانى، ويطعم الطعام - هل بنفسه ذلك ؟ فقال لا: ( إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئنى يوم الدين) وكذلك لو افتدى - نفسه فى الآخرة - بملء الأرض أيضا ذهباً ما قبل منه. كما قال - تعالى - (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة) وقال - تعالى - ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (١). ثم قال: وروى الشيخان والامام أحمد عن أنس بن مالك أن الفى - صلى الله عليه وسلم - قال: يقال الرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شىء أكنت مفتدياب.؟ قال: فيقول نعم . فيقول الله له : قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك فى ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن نشرك). وفى رواية الإمام أحمدعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك ؟ فيقول: أى رب، خير منزل فيقول الله - تعالى - له: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردفى إلى الدنيا فأقتل فى سبيلك عشر مرات - لما (١) سورة المائدة الآية ٢٦ ٢٣٦ سورةآل عمران رى من فضل الشهادة - ديؤتى بالرجل من أهل النارفيقول له: كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أى رب شر منزل. فيقول له: أتفتدى منه بملء الأرض ذهبا؟ فيقول: أى رب ! نعم فيقول: كذبت ! قد سألك أقل من ذلك وأيسر لم تفعل فيرد إلى النار)(١). 1 وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم قيل فى الآية السابقة ( لن تقبل وبتهم) بغير فاء. وقيل هنا (فلن يقبل من أحدهم) بوجود الفاه -؟ قلت: د أوذن بالغاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء، وأن سبب إمتناع قبول هديه هو الموت على الكفر ، وبترك الفاء أنه كلام مبتدأ أو خبر ولا دليل ه على التسبيب، كما تقول: الذى جاءنى له درهم ، لم تجعل المجىء سببا فى ستحقاق الدرهم ، بخلاف قولك : فله درهم)(٢). وقوله ( ذهبا ) منصوب على أنه تمییز . وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس. وقوله ( ولو افتدى به) جملة حالية ، والواو للحال . أى لا يقبل من الذى ات على كفره هذا الفداء ولو فى حال إفتراض تحقق هذا الفداء فى بده، تقديمه إباه لكى بدفعه لخالقه وينجو من العقوبة التی تو عده بها. أى أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذى مات على كفره، حتى وفرضنا أنه تصدق فى الدنيا بملء الأرض ذهبا، وحتى لو فرضنا أنه ملك ذا المقدار الفيس الكثير من الأموال فى الآخرة وقدمه فدية لنفسه من مذاب ، فإن كل ذلك غير مقبول منة ، ولا بد من نزول العذاب به. وقد أشار ابن المنير إلى هذا المعنى بقوله: ( قبول الفدية التى هى مل. أوض ذهبا يكون على أحوال: منها: أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية عن (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص٣٨٠ - بتصريف وتلخيص. (٢) تفسير الكشاف = ١ ص ٣٨٢ ٢٣٧ الجزء الثالث نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول. ومنها أن يقول المفتدى فى التقدير: أفدى نفسى بكذا وقد لا يفعل . ومنها أن يقول هذا القول وينجز المقدار الذى يفدى به نفسه ويجعله حاضراً عنيدا، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن منه قبول فديته. وإذا تعددت الأحوال فالمراد من الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهو أن يفتدى بمل. الأرض ذهبا اقتداء محققا بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا مع ذلك لا يقبل منه، فمجرد قوله أبذل المال وأقدر عليه أو ما يجرى هذا المجرى بطريق الأولى. فيكون دخول الواو والحالة هذه على بابها تنيها على أن ثم أحو الا أحر لا ينفع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة .... وهذا كله تسجيل بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من العذاب ، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن الفلس فى ذلك اليوم. ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل: لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إلى فى يدى هذه)،(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: (( أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين » . أى أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم، ومالهم من قاصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ، أو تخفيف وقعه عليهم. ومن مزبدة لاستغراق النفى وتأ كيده، أى لا يوجد أحد كائنامن كان ينقذهم من عذاب الله، أو يجيرهم من أليم عقابه. وبذلك زى أن الآيتين الكريمتين قد توعدتا الكافرين بأشد ألوان العذاب، وأقسى أنواع العقاب، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويشوبوا إلى رشدهم . وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر ، وعلى بيان -و. عاقبة الكافرين، أتبعه بالحديث عن الطريق الذى يوصل المؤمنين (١) حاشية ابن المنير على الكشاف ج ١ ص ٢٨٣. ٢٣٨ سورةآلعمران إلى رضا الله وحسن مثوبته فقال - تعالى -: (( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم)). تغالوا: من النيل وهو إصابة الشىء والحصول عليه. يقال فال ينال فيلا، إذا أصاب الشىء ووجده وحصل عليه. والبر: الإحسان وكمال الخير. وأصله التوسع فى فعل الخير. يقال: بير العبد ربه أى توسع فى طاعته . والإنفاق الذل، ومنه إنفاق المال. وعن الحسن: كل شىء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه الله ويطلب أو ابه حتى التمرة يدخل فى هذه الآية . . والمعنى: لن تنالوا حقيقة البر ، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذى يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التى أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم ما تحبونه وتؤترونه من الأموال وغيرها فى سبيل الله، وما تنفقوا من شىء - ولو قليلا - فإن الله به عليم، وسيجاز بكم عليه بأكثر ما أنفقتم وبذلتم. ولقد حكى لنا التاريخ كثيرا من صور البذل والإنفاق التى قام بها السلف الصالح من أجل رضا الله وإعلاء كلمته، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس أبن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بير حاء - موضع بالمدينة - وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .. ، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، إن الله - تعالى - يقول فى كتابه «لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون)، وإن أحب أموالی إلی بیر جاء ، وإنها صدقة لله - تعالى - أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك اله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بخ بخ - كله استحسان. ٢٣٩ الجزء الثالث ومدح - أى: ذلك مال رايح - أى ذو ريح -، ذلك مال رايح وقد سمعت ماقات. وإني أرى أن تجعلها فى الأقربين . قال أبو طلحة: أفعل يارسول انه، فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه، !! ). قال القرطبى: وكذلك فعل زيد بن حارثة ، عمديهما يحب إلى فرس له يقال له، سَبَل، وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مالى أحب إلى من فرسى هذه، فجاء بها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا فى سبيل الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد: اقبضه ؛ فكانز يدا وجد من ذلك فى نفسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله قد قبلها منك .. واعتق عبد الله بن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبى عبيد: أظنه تأول قوله الله - تعالى - «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)). وقال الحسن البصرى: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على تكرهون (٢). وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما يحبون من أموالهم تقرا إلى الله - تعالى وشكرا له على نعمائه وعطائه، فرضى الله عنهم وأرضام. ثم عاد القرآن الكريم إلى الردعلى اليهود الذين جادلوا النبى - صلى الله عليه وسلم- فى كثير من القضايا، بعد أن ذكر فى الآيات السابقة طرفاً من مالكهم الخبيثة الى منها قواصيهم فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار وبكفروا آخره، وقـ حكى هنا جدهم فيما أحله الله وحرمه من الأطعمة فقال - تعالى -: (١) أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة .. باب الزكاة على الأقارب ج ٢ ص ١٤٨ وأخرجه مسلم فى كتاب الزكاة جـ ٣. (٢) تفسير القرطبي : ٤ ص ١٣٣. ٢٤٠ سورةآل عمران ((( كلُّ الطعامُ كانَ حِلاَّ لَبَنِى إسرائيلَ إلاَّ مَا حَرَّم إسرَائِيلُ عَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنَّ تَنَزَّلَ التوراةُ، قُلْ فَأَنُوا بالتوراةِ فائْلُوهَا إنْ كُنْتُم مَدِقِينَ (٩٣) فَتَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَّذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلكَ فَأُولئكَ هُمْ الَّالمُونَ (١٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِوا مِلهَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًاً وما كانَ. مِنَ المشركِينَ (٩٥))). ذكر بعض المفسرين أن تنبى - صلى الله عليه وسلم - قال لليهود فى معرض مناقشته لهم: أنا على ملة إبراهيم . فقال بعض اليهود: كيف تدعى ذلك وأنت نأكل لحوم الإبل وألبانها ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله. فقالوا: كل شى. أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل اللّه هذه الآيات تكذيبالهم)،(١). والطعام مصدر بمعنى المطعوم ، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل . وحلا : مصدر أيضاً بمعنى حلالا، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا ، لا نفس الطعام؛ لأن الحل كالحرمه مما لا يتعلق بالذوات . وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام -. والمعنى : كل أنواع الأطعمة كانت حلالا لينى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئا واحدا كان محرما عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم اسرائيل على نفسه؛ فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداءا به، فلما أنزل الله التوراة حرم عليهم فيها بعض الطبيات بسبب بغيهه وظلمهم . هذا هو الحق الذى لاشك فيه، فإن جادلوك با محمد فى هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدى: أحضروا التوراة فاقر. وها ليتبين الصادق منا من الكاذب، إن كنتم صادقين فى زعمكم أن ما جرمه الله عليكم فيها كان محر ما. على نوح وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام .. (١) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ٣ - بتصرف يسير.