النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
الجزء الثالث
وقـ علل - سبحانه - هذا الحكم العادل بحملة مستأنفة عامة فقال:
((من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين).
أى كل من أوفى بعهد الله فآمن بثبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -
وإستقامة على دينه، واتقى مانهى الله عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك
من المحرمات، فإن الله يحبه ويرضى عنه، ومن لم يفعل ذلك فإن أذ يبعضه
ولا يحبه ويعذبه العذاب الأليم .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة الله لعبده تتوفر بأمرين:
أولهما: الوفاء بالعهد. فكل ما يلتزمه الإنسان من عمود فالوفاء بها واجب.
وفى مقدمة هذه العهود، العهد الذى أخذه الله على عباده بتوحيده الإيمان برسله
وعلى رأسهم محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وثانيهما: تقوى الله بمعنى أن يجتنب مانهى الله عنه وحر مه عليه، ولا يفعل
إلا ما أحله الله له وأذن له فيه .
وقد خلا اليهود من هذين الأمرين، لأنهم لم يفوا بعمودهم، ولم يتقوا الله
فلبت عنهم محبته، وإستحقوا غضبه - سبحانه - ونقمته.
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - ((بلى. إثبات لما نفوه من السبيل
عليهم فى الأميين؛ أى بلى عليهم سبيل فيهم . وقوله ((من أوفى بعهده واتقى،
جملة مستأنفة مقررة الجملة التى سدت «بلى ، مسدها. والضمير فى ((بعهده))
راجع إلى ((من أوفى، على أن كل من أوفى بما عاهد عليه وانقى بأن ترك
الخيانة والغدر فإن الله يحبه .
فإن قلت: فهذا عام أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة
لكبوا محبة الله؟ قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شىء
بالعهد الأعظم وهوما أخذ عليهم فى كتابهم من الإيمان برسول مصدق لمامعهم
ولو اتقوا الله فى ترك الخيانه لا تقوه فى ترك الكذب على الله وتحريف
کلمه . وبحوز أن يرجع الضمیر فی (( بعهده، إلی اقه، علی أن کل من وقی بعهد

٢٠٢
سورةآلعمران
الله واتقاه فإن الله يحبه ويدخل فى ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب
إنقاؤه من الكفر وأعمال السوء .
فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من ؟ قلت: عموم المتقين
قام مقام رجوع الضمير)) (١).
وبهذا يكون القرآن قد كشف عن مكر اليهود وخداءهم . ورد عليهم فيما
إفتروه من أقوال باطلة ، وأثبت أنهم يكذبون فيما بدءون عن تعمد وإصرار
وبين أن أداء الأمانة واجب على كل إنسان، وأن كل من وفى بعهود اله
واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه .
٠
ثم توعد الله - تعالى - الذين يخونون العهود، ويحلفون كذبا بالعذاب
الأليم، ونعى على فربق من اليهود تحريفهم الكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء
المصير فقال - تعالى -.
(( إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأَنِاَنِهِم ثمناً قليلاً أولئكَ لا خلاقَ
لَهُم فى الآخرةِ، ولا يَكُلِّمهم اللهُ ولا ينُظر إليهم يومَ القيامةِ ولايزَ كِيهم
ولَهُم عذابٌ أليمٌ (٧٧) وإنَّ مِنْهُم لفريقً يلوُونَ ألسنتَهم بالكتابِ
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتابِ وما هو من الكتابِ، ويقولونَ هو مِنْ عند
اللهِوَمَاهُوَ مِنْ عِندِ اللهِ ويقولُونَ على الهِ الكَذِبَ وَهُم يعَونَ(٧٨)).
روى المفسرون فى سبب تزول قوله - تعالى ... .إن الذين يشترون ..
الآية)) روايات منها: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول
اقه - صلى الله عليه وسلم - قال: من حلف على مال أمرى. مسلم بغير حقله
(١) تفسير الکشاف ج ١ ص ٢٧٥.

٢٠٣
الجزء الثالث
لقى الله وهو عليه غضبان،. قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من
كتاب الله، (( إن الذين يشترون بعيد الله .. الخ)).
وفى رواية قال: ((من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله : هو
عليه غضبان ، فأنزل الله - تعالى - تصديق ذلك. (( إن الذين يشترون بعم.4
الله ... )). قال عبدالله: فدخل الأشعث بنقيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن
قلنا: كذا وكذا فقال: صدق. فىّ نزات، كان بينى وبين رجل خصومة فى
بتر، فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله
- صلى الله صلى الله عليه وسلم - : شاهداك أو يمينه؟ قلت: إنه إذاً يحلم
ولا يبالى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من حلف على يمين ليقتطع
بها مال أمرى. مسلم هو فيها فاجر اقى الله وهو عليه غضبان، ونزلت: «إن
الذين يشترون ... )، (١) .
وروى البخارى عن عبدالله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة فى السوق :خلف
بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيبارجلا من المسلمين، فنزلت إن الذين
يشترون ... )) (٢).
وقال الفخر الرازى: قال عكرمة إنها نوات فى أحبار اليهود ، كتموا
ما عهد الله إليهم فى التوراة من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتبوا بأيديهم
غيره، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشاء (٣).
هذه ثلاث روايات فى سبب نزول تلك الآية الكريمة ، وأرجحها رواية
الشيخين، ولذا وجب الأخذ بها. إلا أن نزول الآية فى حادثة معينة لا يمنع شمول
(١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير باب ((إن الذين يشترون)) جـ ٦ س ٤٤٢
وأخرجه مسلم فى كتاب الإيمان
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير باب إن الذين يشترون (ج٦ ص ٤٣.
(٣) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٤١

٢٠٤
سورة آل عمران
حكمها لكل ما يصه هذة القصة أو الحادثة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب - كما يرى جمهور العلماء .
فكل من حلف بالله كاذبا ، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا، حقت
عليه العقوبة التى بينتها الآية الكريمة. ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا
أولئك اليهود الذين خانو أعهد الله بإنكارهم لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم-
مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جلية .
والمراد بقوله (« يشترون)) أى يستبدلون، وذلك لأن المشترى يأخذشيئا
ويعطى شيئا ، فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر.
والمراد (بعهد الله)) كل ما يجب الوفاء به فيدخل فيه ما أوجبه الله
- تعالى - على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر، كما يدخل فيه - أيضا - ما أوجبه الله على أهل الكتاب من
الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذى يحدون نمته فى كتبهم، ويعرفون
صدقه كما يعر فون أبناءهم .
والباء فى قوله - تعالى -: ((بعهد الله)) داخلة على المتروك الذى تر وه
وأخذوا فى مقابله الثمن القليل .
وقوله: (( وأيمانهم ((معطوف على عهد الله.
والمراد بأيمانهم تلك: الأيمان الكاذبة التى يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون
تأكيده من أقوال أو أفعال .
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع
الزائلة ، التى أخذوما نظير تركهم لمهد الله، وحلفهم الكاذب .
١
وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هومن
الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عمود تحقيراً له إذ أنه لا يكون
إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده.

٢٠٥
الجزء الثالث "
وقوله ((أولئك لا خلاق لهم فى الآخرة)) أى: الذين يخرفون عهد الله ويحلفون
الأيمان الكاذبة فى مقابل عرض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولاحظ
من نعيم الآخرة بسبب ما إرتكبوه من غدر وافتراء.
وقوله (( ولا يكلمهم الله، أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوم
ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة، .
أو أن عدم كلام أقه - تعالى لهم: كناية عن عدم محبته لهم، لأن من
عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه. أما المبغض لشىء ، فإنه
ينصرف عنه .
وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازى فقد قال ما ملخصه: وقوله - تعالى -.
((ولا يكلمهم الله، فيه سؤال وهو: أنه - تعالى - قال: «فوربك لنسألهم
أجمعين . عما كانوا يعملون، فكيف الجمع بين الآية التى معنا وبين قوله
((لنسألنهم أجمعين،؟ والجواب: أن المقصود من كل هذه الكلمات: بيان
شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه ؛ فإنما ذلك بخط عليه ،
وإذا سخط إنسان على آخر قال له : لا أكلك وقد بأمر بحجته عنه ويقول:
لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل ، فثبت أن الآية
كناية عن شدة الغضب نعوذ باله منه. وهذا هو الجواب الصحيح ... ))(١).
وقوله (( ولا ينظر إليهم، أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن
إليهم، وذلك كما يقول القائل لغيره: انظر إلى . يريد: ارحمنى واعطف على.
ويقال: فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك ففى الإحسان إليه
وترك الاعتداد به ، فقد جرت العادة بأن من إعتد بإنسان وعطف عليه
التفت إليه .
قالوا: فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله - تعالى - إلى هؤلاء الخائنين
رة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة بهم.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١١٢.

٢٠٦
·سورة آل عمران
ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر البهم، عدم رؤيتهم ، لأنه
- سبحانه - يراهم كما يرى غيرهم من خلقه .
وقوله - تعالى -,ولا يزكبهم، أى أنه - سبحانه - لا يطهرهم من
دفر ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها. أو أنه - سبحانه -
لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده، بل بسخط عليهم وينتقم منهم
جزاء غدرهم .
ثم ختم - سبحانه - الاية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم
فقال: «ولهم عذاب أليم ..
أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما إرتكبوه من آثام وسيئات.
فأنت ترى أن الاية الكريمة قد وعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله
وإيمانهم ثمنا قليلا بأنهم لاحظ لهم من نعيم الآخرة وأنهم ليسوا أهلا لرضا
ألقه ورحمته وإحسانه، وأنهم سيتالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت
أیدهم .
ثم بين - سبحانه - بعض الرذائل التى صدرت عن فريق من أهل الكتاب
فقال - تعالى -: ((وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من
الكتاب وما هو من الكتاب، والضمير فى قوله - تعالى - ((منهم، يعود إلى
أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفاً من رذائلهم ومالكهم الخبيثة فيما سبق١
قال الفخر الرازى: أعم أن هذه الآية , وإن منهم لفريقاً ... ، تدل
على أن الآية المتقدمة وهى قوله - تعالى - ((إن الذين يشترون ... )) نازلة
فى اليهود بلا شك، لأن هذه الآية نازله فى حق اليهود وهى معطوفة على
ماقبلها، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة فى السجود أيضاً)) (1).
وقال ابن كثير: يخبر - سبحانه - عن اليهود عليهم لعائن الله -
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١١٣

٢٠٧
الجزء الثالث
أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويدلون كلام الله، ويزيلونه عن
المراد ليوهموا الجهلة أنه فى كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله. وهم يعلمون
من أنفسهم أنهم قد كديوا وافتروا فى ذلك كله ... )، (١).
وقوله (( يلوون)) مأخوذ من اللى. وأصل اللى الميل يقال: لوى بيده
ولوى برأسه وإذا أماله. والنوى الشىء إذا انحرف ومال عن الإستقامة إلى
الاعوجاج والمعنى: وإن من هؤلاء اليهود الذين كتموا الحق واشتر وابعهد
اته وبأيمانهم ثمنا قليلا ... إن منهم لفريقا يلوون ألنيهم بالكتاب، أى
يعمدون إلى كتاب الله فينطقور بعض ألفاظه نطقا مائلا محرفا يتغير به المعنى
عن الصحيح الذى يفيده ظهر المفظ إلى معنى آخر مقيم لا يدل عليه اللفظ
ولكنه يوافق أهواءهم. وفو اياهم السيئة ، ومقاصدهم الذميمة:
وذلك كأن يخطقوا بكلمة («راعنا، نطقاً ملتويا يوافق فى لفتهم كلمة
قبيحة يقصدون بها الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -. وقد نهى الله
- تعالى - المؤمنين عن مخاطبة السى + صلى الله عليه وسلم - بأمثال هذه
الألفاظ حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبي - صلى الله علية وسلم
فقال - تعالى ، ((يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا ...
وكأن ينطقوا بكلمة (( السلام عليكم)) بقولهم: « السام عليكم، بحذف اللام
يعنون الموت عليكم لأن السام معناه الموت .
وكأن يغيروا لفظا من كتابهم فيه ما يشهد بصدق النبى- صلى الله عليه وسلم
بلفظ آخر، أو بؤولوا المعانى تأويلا فاسدا، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا
التحريف فى كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى -
. أفتطعمون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحر فونه
من بعد ماعقلوه وهم يعلمون))(٢). وقوله - تعالى -: (من الذين هادوا بحرفون
الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ... )) (٢).
(١) تفسير ابن كثير ١٥ س ٢٧٦
(٢) سورة النساء الآية ٤٦
(٢) سورة البقرة الآية : ٧

٢٠٨
سورة آل عمران
وقوله - تعالى -ـ ((وإن منهم لفريقا.)، إنصاف منه - سبحانه - للفريق
الذى لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه - عز وجل - . وتلك
مادة القرآن فى أحكاء. لا يظلم أحداً ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم
من يستحق الدم
وقوله , يلوون، صفة لقوله ، فريقا)).
والباء فى قوله (( بالكتاب، بمعنى (( فى، مع حذف المضاف. أى وإن متهم
لفريقا يلوون ألسنتهم فى حال قراءتهم الكتاب ، إما بحذف حروف بتغير
المعنى بحذفها ، أو بزيادة تفسد المعنى ، أو بغير ذلك من وجوه التغيير
والتبديل .
وقوله - تعالى - ,لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) بيان
لدوافع السيئة التى دفعتهم إلى إرتكاب هذا التحريف الذميم.
والضمير المنصوب فى قوله «لتحسبوه، وكذلك ضمير الغائب ((هو)):
يعودان إلى الكلام المحرف الذى لووابه ألسنتهم والمدلول عليه بقوله «يلوون)»
أى إ من هؤلاء اليهود فريقاً يلوون ألسنتهم فى نطقهم بالكتاب ويحرفونه
عزوج لصحيح لنظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذى لورابه ألسنتهم
من كتاب الله الذى أنزله على أنبيائه، والحق أن هذا المحرف ليس من كتاب
أنه فى شىء، وإنماهو من عند أنفسهم نطفوا به زورا وبهتاناً إرضاء لأهوائهم
وقوله (من الكتاب)) هو المفعول الثانى لقوله ((لتحسبوه)).
والمخاطب بقوله (لتحسبوه) هم المسلمون وقال (وما هو من الكتاب
بتكرار لفظ الكتاب ، ولم يقل وما هو منه، للتنبيه على أن كتاب الله المنزل
على موسى وعيسى - عليهما السلام - برىء كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم،
ومما يزعمونه ويفتروز عليه. ثم بين سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأه فى
الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذى حرفوه وغيروه من كتبهم إلى الله
- تعالى - فقال: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند انه، ويقولون
على اقه الكذب وم يعلمون).

٢٠٩
الجزء الثالث
يلوون ألسنتهم بالكتاب ؛ ليوهموا غيرهم
أو أن هؤلاء الذين
بأن هذا المحرف من الكتاب، لا يكتفون بهذا التحريف ، بل يقولون
«هو من عند الله، أى هذا المحرف هو نزل من عند اله هكذا، لم ننقص منه
حرفا ولم يزد عليه حرفا والحق أن هذا المحرف ليس منى عندالله ولكنهم قوم
صالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون .
ففى هذه الجملة الكريمة بان لإصرارهم على الباطل ، ولتحمدهم الكذب
على الله. وتوبيخ هم على هذا الافتراء العجيب. وقد أكد اله جر أنهم فى النطق
بالزور والبهتان بمؤكدات منها :
أن كدبهم لم يكن تعريضا وإنما كان فى غاية الصراحة، فهم يقولون عن المحرف
((هو من عند اله وما هو من عند الله ..
وأن كثبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله الذى خلقهم والذى يعلم
ما يسرون وما يعلنون ((ويقولون على اقه الكذب)).
وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على
هذا الكذب، وهذا ما يشهد به قوله - تعالى - وهم يعلمون، ,
وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود. ارتكبت
كل رذيلة ومنكر بدون تفكر فى العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع
وأمرت به العقول السليمة .
وفى هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة (الله، قد تكرر ثلاث مرات كذلك
لفظ (الكتاب)) تكرر ثلاث مرات, ولم يكتف بالضمير الذى يدل عليهما،
بوذلك لقصد الاهتمام باسم الله - تعالى - وباسم كتابه، وبالخبر المتعلق بهما.
ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره، وقدجاء ذلك
كثيرا فى أشعارهم ، ومنه قول الشاعر :
١
لا أرى الموت يسبق الموت شىء نقص الموت ذا الغنى والفقيرا
(١٤ - سورة آل عمران)

٢١٠
سورة آلعمران
فتعند الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه ونهوبل أمره .
وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد وعد الذين يشترون بعداته وبأيمانهم
ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد ، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض
اليهود ، وعن جرأتهم فى النطق بالكذب عن تعمد وإصرار، حتى يحذرهم
المسلون .
1.
ثم نزه الله - تعالى - أنبيا.٥ - عليهم الصلاء والسلام - وعلى رأسهم محمد
- صلى الله عليه وسلم - عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تغزيها
- سبحانه - لذاته عما تقوله عليه المفترون فقال - تعالى -:
((ما كانَ لبشرٍ أن يؤْتِيَ اللهُ الكتابَ والْمَكْم والنبوّةَ ثُمَّ يقولَ
الأَس كونُوا عباداً لى مِنْ دُونِ اللهِ، ولكِنْ كُونُوا رَبَّ تِيْنَ بماَ كُنْتُمْ
تُعدُّونَ الكتابَ وبما كنتُ تَدْرَسُونَ (٧٩) ولا يَأْمُرَكمْ أَنْ
تَتَّخِذُوا الملائِكَةَ والنََِّّ أَرباباً، أَيأْمُرُكُم بالكُفْرِ بَعْدَ إذ أتم
مَتْلِمُونَ (٨٠)» :.
قال ابن كثير : عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظى حين اجتمعت
الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجر أن عند رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ودعاهم إلى الإسلام: أزيد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى.
عيسى ابن مريم : فقال رجل نصرانى من أهل نجران يقال له الرئيس:
أو ذاك تريد منا يام. وإليه تدعونا؟ - أو كما قال - فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن تأمر بعبادة غير الله، ما بذلك
أمرفى ولا بذلك بعثنى. أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله فى ذلك
قوله - تعالى -: (( ما كان البشر ... ، إلى قوله: ((بعد إذ أنتم مسلمون)(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٧٧.

٢١١
الجزء الثالث
فقوله - تعالى - « ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة
ثم يقول للناس كونوا عبادالى من دون الله، ود على أولئك الجاهلين الذين
زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوا من دون أنه
والمعنى: لا يصح ولا ينبغى ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه الله - تعالى - وأعطاء
((الكتاب) الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهى عن الإشراك، وآتاه
( الحكم، أى العلم النافع والعمل به، وآتاه « النبوة، أى الرسالة التى يبلغها
عنه - سبحانه - إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق،
لا يصح له ولا ينبغى بعد كل هذه النعم أن يكفرها, ثم يقول للناس)» بعد
هذا العطاء العظيم الذى وهبه اقه له , كونوا عباداً لى من دون انه)،
أى: لا ينبغى ولا يعقل من بشر آتاه الله كل هذه النعم أن يقول للناس هذا
القول الشفيع وهو (( كونوا عباداً لى من دون الله، لأن الأنبياء الذين آتاهم
لقه الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من الله ، وإخلاصهم له ،
عن أن يقولوا هذا القول المنكر، كما يحجزهم عنه - أيضا - ما امتازوا به
من نفوس طاهرة، وقلوب فقية، وعقول سليمة ... لأنهم لو فرض أنهم
قالوا ذلك لأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر فهو - سبحانه - القائل:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين
ما منكم من أحد عنه حاجزين».
◌ُ والتعبير بقوله - تعالى - ((ما كان لبشر، تعبير قرآ نى بليغ، إذ يفيد
تفى الشأن، وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة فى الرسل الكرام
- عليهم الصلاة والسلام - وشبيه هذا التعبير قوله - تعالى -: ما كان لله أن
يتخذ من ولد و «ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ)).
: وجاء العطف بتم فى قوله «ثم يقول للناس .. ، للإشعار بالتفاوت العظيم
بين ما أعطاه انه - تعالى - أنبيائه من نعم. وبين هذا القول المنكر الذى
تعالى - سبحانه - عنه، وهو أن يقولوا للناس: اجملوا عباء تكم لنا ولا
تجعلوما له - تعالى -

٢١٢
سورة آل عمران
ثم بين .. سبحانه - ما يصح للأنبياء أن يقولوه الناس فقال - تعالى -
ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)).
و قوله (( ربانیین ، جمع ربانى نسبة إلى الرب - عز وجل - بزيادة الألف
والنون سماعا للمبالغة كمايقال فى غليظ الرقبة وقبانى، وللعظيم اللحية: لحياتى.
والمراد بالربانى: الإنسان الذى أخلص لله - تعالى - فى عبادته، وراقبه
فى كل أقواله وأفعاله، واتقاهٍ حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به،
وقضى حياته فى تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم .
والمعنى: لا يصح لبشر آ قاءاته ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدونى
من دون الله، ولكن الذى يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم : كونوا
(((ربانيين)) أى مقبلين على طاعة الله - تعالى - وعبادته وحده بحد ونشاط
وإخلاص، بسبب كونكم تعلمون غير كم الكتاب الذى أنزله الله لهداية الناس،
وبسبب كوفكم تعلمون غيركم الكتاب الذى أنزله الله لهداية الناس، وبسبب.
کو نیکم دار سین له ، أی قار ژین له بتمهل وتدبر .
وقوله - تعالى - ((ولكن كونوا ربانيين)، إستدر ك قصد به إثبات
ما ينبغى للرسل أن يقولوه ، بعد أن فى عنهم مالا ينبغى لهم أن ينطقوا به
أي: لا ينبغى لبشر آتاه الله نعما لا تحصى أن يقول للناس كونواعبادالى من
دون الله؛ ولكن الذى ينبغى له أن يقوله لهم هو قوله: كونوا ربانيين أى
مخلصين له - سبحانه - العبادة إخلاصا قاما.
ففى الجملة السكريمة إضمار، والتقدير: ولكن يقول لهم كونوا ربانيين،
فأضمر القول على حسب مذهب العرب فى جواز الإضمار إذا كان فى الكلام
ما يدل عليه، ونظيره قوله - تعالى - ((وأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم)»
أى فيقال لهم: أكفرثم، والياء فى قوله (( بما كنتم، السببية، وما مصدرية
أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له :.

٢١٣
الجزء الثالث
١٠٠
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع ,تعلموز) - بإسكان الدين وفتح اللام -
من العقم أى بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له .
قال الرازى: دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كوين
الإنسان ربانيا ، فن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وغاب عمله ،
وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء موفقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ،
ولهذا قال - صلى اتّه عليه وسلم ـ (( نعوذ باقه من علم لا ينفع وقلب لا يخشع)).
وقوله - تعالى - ،ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، تأكيد
لنفى أن يقول أحد من البشر الذين آ قاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس
أعبدوفى من دون الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله.
وقوله ( ولا يأمركم، وردت فيه قراءتان مشهور تان .
أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على « يقول)) فى قوله , ثم يقول،
وتكون ((لا) مزيدة لتأكيد معنى النفى فى قوله ((ما كان بشر ... ، ويكون
فى الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب
والمعنى على هذه القراءة: ما كان لبشر أن يؤتيه الله ماذكر ثم يأمر الناس
بعبادة نفسه، أو يأمرهم باتخاذالملائكة والنبيين أوبابا. وذلك كقولك ما كان
لزيد أن أكرمه ثم يهينى ويستخف بى . وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة
وعاصم.
وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف
عليه للمسارعة إلى تحقيق الحق، ولبيان ما يليق بعأنه ويحق صدوره عنه.
وأما القراءة الثانية فقد قر أما الباقون برفع الراء فى « بأمركم، فتكون
الجملة مستأنفة، والمعنى: ولا يأمركم هذا البشر الذى أعطاه الله ما أعطاه
من نعمة أن تتخذوا املائکهـ و النبیین أربابا.
. وخصص الملائكة والنبيين الذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير
من الناس، فقد وقع فى عبادة الملائكه ((الصابتة، الذين كانوا يقيمون فى بلاد

٢١٤
سورة آل عمران
الكلدان ، وتبعهم بعض المشركين من العرب . ووقع فى عبادة بعض النيين
كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها بعبد وزعموه ابن أنه وكثير من
اليهود عبدوا عزيراً وزعموه ابن الله .
والاستفهام فى قوله ((أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون، الإنكار
الذى بمعنى النفى .
أى: أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن
هداهم الله - تعالى - عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين.
فالجملة الكريمة تأكيد أبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير:
ألقه، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن
الله - تعالى ح من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع.
قال بعضهم: وإذا كان ماذكر فى الآيتين لا يصلح لنى ولالمرسل، فلأنه.
لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن.
البصرى: لا ينبغى هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. ثم قال . وذلك أن
القوم - يعنى أمل الكتاب - كان يعبد بعضهم بعضا كما قال - تعالى -.
, اتخذوا أحبارهم ورهباتهم أربابا من دون أقه» ..
فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون فى هذا الذم، بخلاف الرسل وأتباعهم.
من العلماء العاملين ، فإنهم إنما يأمرون بما أمر الله به وينهون عما نهى اقه
- تعالى - عنه؛ ولذلك سعدوا وفازوا،(١).
وبعد أن نزه - سبحانه - الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو بأمروا بأمر
لم يأذن به الله، أتبع ذلك ببيان الميثاق الذى أخذه الله - تعالى - عليهم،
فقال - سبحانه -:
(١) تفسير ابن كثير تلخيصج ١ ص٣٣٧

٢١٥
سورةآل عمران
((وإِذْ أَ خِذَ اللهُ ميثاقَ النّبِيِّيْنَ لماَ آتَيْتْكُم من كتابٍ وحكمةٍ، ثم
جاءكم رسولٌ مُصَدِّقُ لِمَاَ مَعَكُم لَتُؤْمِنَّ بِهِ وَلَ صُرُنَه، قَالَ أَأَفْرَرْتَمَ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى؟ قَالُوا أَفرَرْنَ، قالَ فاشهدُوا وأنا معُكُم مِنّ
الشاهدينَ (٨١) فَنْ تَوَلَى بَعْدَ ذلكَ فأولئكَ مِ الفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ
دِينِ الهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِى السَّمَواتِ والْأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا
وإليْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣))).
قوله - تعالى - ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) الظروف ، إذ، منصوب
بفعل مقدر تقديره أذكر، والخطاب فيه للنبى - صلى اله عليه وسلم - أولكل
من يصلح للخطاب .
والميثاق : هو العقد المؤكد بيمين .
أى: اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين.
والمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان:
أولهما : - وهو رأى جمهور العلماء - أن المراد أن الله - تعالى - أخذ
الميثاق من النبيين .
وثانيهما : - وهو رأى بعض العلماء - أن المراد أن الأنبياء هم الذين
أخذوا المعاق من غير م
والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الأول - منهم الحسن والسدى
وسعيد بن جبير - :
أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأخذ
العهد على كل فى أن يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه ،
فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه. فأخذ - سبحانه - الميثاق من
موسى أن يؤمن بعيسى. ومن عيسى أن يؤمن بمحمد - صلوات أقه وسلامه
عليهم جميعا - وإذا كان هذا حكم الأنبياء، كانت الأمم بذلك أولى وأحرى.

٢١٦
الجزء الثالث
والمعنى على رأى فريق آخر من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس
وقتادة: أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله
عليه وسلم - إذا أدركوه، وأن يأمروا أقوامهم بالإيمان به .
قالوا: ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن على بن أبى طالب قال: لم يبعث الله
نبياً: آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد - صلى الله عليه وسلم - لتز بعه
وهو حى ليؤمنن به ولينصرته. ويأمره فيأخذ العمد على قومه. ثم تلاالآية (١).
فكأن أصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم على أن الميثاق إنما
أخذه فته من النبيين، إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم لكى
يصدق بعضهم بعضاً .. والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم
فى شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
قال ابن كثير ما ملخصه: وما قاله الحسن ومن معه الإيضاد ما قاله على
وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه ... وقد روى الإمام أحمد عن
عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول.
الله: إنى مررت بأخ لى من بنى قريظة، فكتب لى جوامع من التوراة ألا
أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عبد اقه
ابن ثابت: فقلت له: ألا ترى مابوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسرى
عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وقال: ((والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم، إنكم حفظى من الأمم
وأنا حظكم من النبيين : .
وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لا تسألوا أهل
الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا يباطل وإما
أن تكذبوا بحق، وإنه واقه لو كان موسى حيا بين أظهركم ماجل له إلا أن
يتبعنى، وفى بعض الأحاديث: لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا أتباعى.
(١) تفسير الآلوسى ج ٣ ص ٢٠٩

٢١٧
الجزء الثالث
للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الأعظم الذى لو وجد فى أى
عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم ... )) (١).
هذا هو معنى الجملة الكريمة عند أصحاب الرأى الأول الذين يرون أن الله
- تعالى - إخذ الميثاق من النبيين. وأصحاب هذا الرأى كما سبق أن بينام
جمهور العلماء .
أما أصحاب الر أى الثانى الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء م
الذين أخذوا الميثاق من غيرهم ، فالمعنى عليه :
وأذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم
بأنه إذا بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وأدركوه، فعليهم أن يؤمنوا به
وبصدقوه وينصروه فكأن معنى الآية: وأذكر وقت أن أخذاقه الميثاق الذى
وثق الأنبياء على أقوامهم ..
هذا. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال:
(( ميثاق النبيين)) فيه غير وجه، أحدها : أن يكون على ظاهره من أخذ
الميثاق على النبيين بذلك . والثانى: أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى
الموثق لا إلى الموثق عليه. كما تقول: ميثاق الله وعبد الله كأنه قيل : وإذ
أخذ اللّه الميثاق الذى وثقه النبيون على أمهم . والثالث: أن يراد ميثاق أولاد
النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب
وأن يردزعمهم تهكا بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأن
أهل الكتاب ، ومنا كان النبيون) (١).
والذى تسكن إليه النفس فى معنى الآية. هو الرأى الأول الذى قال به
جمهور العلماء، وذلك لأن الآيات الكريمة مسوقة - كما يقول الفخر الرازى
لتحديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب ، ما يدل على نبوة محمد
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٧٨
(٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٧٩

٢١٨
سورة آل عمران
صلى الله عليه وسلم - قطعا لمذرهم. وإظهارالعنادهم، ومن جملة هذه الأشياء
ما ذكره - سبحانه - فى هذه الآية. وهو أنه - تعالى - أخذ الميثاق من الأنبياء
بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا
ذلك، وحكم - سبحانه .. بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين ..
فاصل الكلام أنه - تعالى - أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاه
مصدقاً لما معهم، ولا شك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا لما
معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به، (١) .
ولأن هذا المعنى هو الظاهر من الآية الكريمة، ولا تحتاج إلى تقدير
مضاف أو غيره، والأخذ بالمعنى الظاهر الذى لا يحتاج إلى تقدير أولى من
الأخذ بغيره .
ولأن أخذ العهد على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -
أعلى وأشرف لقدره - صلى الله عليه وسلم - من أخذه على أمهم وأقوامهم .
ولأن أخذ العهد على الأنبياء أخذ له على الأسم (( إذ كل أمة يجب أن
تصدق بما جاءها به نبيها .
واللام فى قوله - تعالى - لما آ تيتكم من كتاب وحكمة، قرأها الجمهور بالفتح
وقر أما حمزة بالكر .
وأما قراءة الفتح فلها وجهان: أولها: أن تجعل ((ما)، اسم موصول مبتدأ
وما بعده صلة له، وخبره قوله (( لتؤمنن به)).
والتقدير: وأذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين قائلا لهم: الذى آتبتكم
إياه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما أوتيتموه لنؤمن بهذا الرسول
ولتنصرفه . وعلى هذا الوجه تكون اللام فى قوله (( لما، للابتداء وحسن
دخولها هنا لأن قوله ((ما آتيتكم، فى مقام المقسم عليه، وقوله , وإذا أخذاقه
ميثاق السبيين، فى مقام القسم ، إذ هو بمنزلة الاستخلاف تقول : أخذت
ميثاقك اتفعلن كدا فكأنك قلت: استحلفتك لتفلن كذا ..
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٢٢

٢١٩
الجزء الثالث
وثانيهما: أن تجعل , ما، ههنا، إسم شرط جازم فى موضع نصب بأنيتكم
والتقدير : ما آتيتكم مر كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم،
لتؤمنن به ولتنصر نه.
وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين: الأولى ((آ نيتكم))
والثانية (، ثم جاءكم)) وهما معا فى محل جزم بما الشرطية. وقوله (( لتؤمنن به،
جواب القسم الذى تضمنه قوله: «وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ، وجواب
الشرط محذوف، لأن القاعدة النحوية أنه إذا إجتمع شرط وقسم فالجواب
المذكور للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا السابق هو القسم.
قال ابن مالك :
وأحذف لدى إجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
وأما قراءة الكسر التى قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل:
أذكر وقت أخذ الله ميثاق النبيين، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة ، ثم
مجىء من بصدقهم يوجب عليهم الإيمان بهذا الرسول المصدق لمامعهم ويوجب
عليهم نصرته :
والمراد بالكتاب: ما أنزله الله - تعالى - على هؤلاء النبيين من كتب
تنطق بالحق .
والمراد بالحكمة: الوحى الوارد بالتكاليف المفصلة التى لم يشتمل عليها
الكتاب .
أو المراد بها العلم النافع الذى أعطاه - سبحانه - لهم، ووفقهم للعمل به
و((من، فى قوله (( من كتاب)) للبيان.
١:
قال القرطى: والمراد بالرسول هنا محمد - صلى الله عليه وسلم - واللفظ
قوإن كان نكرة فالإشارة إلى معين، كقوله - تعالى - «ضرب الله مثلا
ويه كانت آمنة مطمئنة .... إلى قوله - تعالى - ((ولقد جاءهم رسول منهم

٢٢٠
سورةآل عمران
فكذبوه ، فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه
وسلم - وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذ بذلك الميثاق على أممهم،(١)
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإيمان بهذا الرسول
١
وبنصر ته فقال: «قال أقرر ثم وأخذتم على ذلكم إصری، ؟
والإصر: العهد. وأصله من الإصار- أى الحبال التى يعقد بها الشىء وبشد
وسمى العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود.
أى: قال الله - تعالى - النبيين: أأقررتم بهذا الذى أمرتكم به وقبلتم عهدى؟
والاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم الإستحالة معناه الحقيقى فى حقه- سبحانه
تم حكى - سبحانه - ما أجاب به الرسل ومارد به عليهم فقال:«قالوا أقرونا
قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين».
أى : قال الرسل مجيبين لخالقم - عز وجل - أقررنا ياربنا وقبلنا
عهدك وأضعناه .
فرد عليهم - سبحانه - بقوله: ((فاشهدوا، أى فليشهد بعضكم على بعض
بهذا الإقرار، وأنا على إقرارك وإشهاد بعضكم على بعض من الشاهدين.
وهذا توكيد عليهم ، وتحذير من الرجوع.
ثم بين - سبحانه - عاقبة الناكثين لعم ودهم فقال: « فمن تولى بعد ذلك
فأولئك هم الفاسقون)).
أى فمن أعرض عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعن نصرته ،
بعد أخذ الميثاق المؤكد عليه، فأولئك المعرضون مهم الفاسقون)، أى الخارجون
عن الإيمان إلى أفحش دركات الكفر والخيانة .
والفاء فى قوله ((فمن قولى، للتفريع، و((من ) يجوز أن تكون شرطية
ويكون قوله ((فأولئك هم الفاسقون، جوابها.
(١) تفسير القرطي ج ٤ ص ٠١٢٥