النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الجزء الثالث وتكرير هاء التنبيه فى قوله ,ها أنتم هؤلاء)) يشعر بغرابة ماهم عليه من جهل، ومجاناته لكل منطق سليم . قال الرازى: وقوله («ها أتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم حقيقة، وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه فكيف تحاجونه فيما لا على لكم به ألبتة، (١). وقوله - تعالى - «والله يعلم وأنتم لا تعلمون، تذبيل قصد به تأكيد على الله الشامل، وففى العلم عن أهل الكتاب فى شأن إبراهيم. أى واقه - تعالى - يعلم حال إبراهيم ودينه، ويعلم كل شىء فى هذا الوجود , وأنتم لا تعلمون ذلك. ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من دين يخالف دين الإسلام فقال - تعالى -: « ما كار إبراهيم هوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ملا وما كان من المشركين،. ٪ وقوله (( حنيفا، من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الإستقامة ،بعكس الحنف فهو ميل عن الإستقامة إلى الضلال. ويقال: نحنف الرجل أى تحرى طريق الاستقامة . أى: ما كان إبراهيم - عليه السلام - فى يوم من الأيام يهوديا كماقال . الچهود، ولا نصر انيا كما قال النصارى، ولكنه كان حنيفا أى عائلا عن العقائد الزائفة ، متحريا طريق الاستقامة، وكان ((مسلما)) أى مستسلماقه - تعالى - منقادة له مخلصا له العبادة ((وما كان من المشركين)) الذين يشركون مع الله آلهة أخرى، بأن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة، أو يقولوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله، أو غير ذلك من الأقوال الباطلة، والأفعال الفاسدة. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص٩٥. ١٨٢ سورة آل عمران ففى هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم، وتعريض بأولئك الكافرين من أهل الكتاب الذين يدعون أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا بأنهم هم. المشر كون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرءا من ذلك . ثم أصدر - سبحانه - حكمه الجاسم العادل فى هذه القضية التى كثر الجدل. فيها فقال: ((إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا والله ولى المؤمنين)). وقوله - تعالى -(أولى، أفعل تفضيل من الولى وهو القرب. والمعنى: إن أقرب الناس من إبراهيم، وأخصهم به، وأحقهم بالإنتساب إليه أصناف ثلاثة: آوهم : بینه الله بقوله (( الذین إتبعوه, أی الذین أجابوا دعو ته فیحیاته وأقبعوا دينه وشريعته بعد مماته . وقد أكد الله - تعالى - حكمه هذا بحرف ((إن)) وبأفعل التفضيل (( أولى ، وباللام فى قوله (( للذين إتبعوه)، ايرد على أقاويل أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديا أو نصرانيا . وثانى هذه الأصناف: بينه - سبحانه - بقوله ((وهذا النبى)، والمراد به محمد - صلى الله عليه وسلم - الداعى إلى التوحيد الذى دعا إليه إبراهيم. والجملة الكريمه من عطف الخاص على العام الإهتمام به وللإشعار بأنه - صلى الله عليه وسلم - قد تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم - عليه السلام - . وثالث هذه الأصناف: بينه الله - تعالى - بقوله ((والذين آمنوا)) أى الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وإتبعوه. وفى هذا تنويه بشأن الأمة الإسلامية، وتقرير بأن إتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - أحق بالانتساب إلى إبراهيم من أهل الكتاب، لأن المؤمنين ١٨٣ الجزء الثالث طلبوا الحق وآمنوا به ، أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم بدنياهم ، وتركوا ١ الحق جريا وراء شهواتهم. وقوله (( والله ولى المؤمنين)) تذييل مقصود به تبشير المؤمنين بأن الله - تعالى هو ناصرهم ومتولى أمورهم . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يقول الله - تعالى - إن أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين إتبعوه على دينه؛ وهذا التى يعنى محمداً - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم . فعن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لكل فى ولاة من النبيين وإن ولى منهم أبى وخليل ربى إبراهيم. ثم قرأ: إن أولى الناس بإبراهيم الذينَ إتبعوه .. الآية)، (١). ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال بل يحاولون أن يضلوا غيرهم فقار - تعالى -: «ودت طائفة من أهل الكتاب أو يضلونكم ، .. وقوله - تعالى - (ودت)) من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه . أى تمنت وأحيت جمساعة من أهل الكتاب إضلال كم عن الحق - أيها المؤمنون- ، وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذى هداكم الله إليه ، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب. ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحدهم عند هذا التمنى ، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم ! (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٧٢. ١٨٤ سورةآل عمران قال القرضى: نزلت - هذه الآية - فى معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وفريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية (١) . والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم. ومن للتبعيض، وهى مع مجرورها فى محل رفع نعت لطائفة . . و((لو)) فى قوله، أو يضلونكم، مصدرية أى ودت طائفة من أهل الكتاب بـ إضلالكم. وقوله ((وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) جملة حالية. أى: والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم. وإستيلاء الأهواء على قلوبهم، وإيثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء حملهم فرأوه حسنا . وأما النداء الثالث الذى إشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله: « يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأمتم تشهدون). أى: لماذا تكفرون بآيات الله - تعالى - التى يتلوما عليكم نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينا كعلم المشاهدة والعيان، وتعرفون أنه فى حقا كانعرفون أبناءكم. والإستفهام فى قوله ((لم تكفرون)) لتوبيخهم، والتعجب من شأنهم ، وإنكار ما هم عليه من كفر بآيات مع علمهم بصدقها . وفى هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه - صلى الله عليه وسلم - والتى تتناول القرآن الكريم، والحجج والمعجزات التى جاءهم بها - صلى الله عليه وسلم - . (١) تفسير القرطبى ج ٤ ص ١١٠ ١٨٥ الجزء الثالث ثم وجه إليهم - سبحانه - نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن كتمان الحق بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال - تعالى -: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتمكتمون الحق وأنتم تعلمون )). وقوله: ((تلبسون)) أى تخلطون، من اللبس - بفتح اللام - أى الخلط وفعله لبس من باب ضرب . تقول: لبت عليه الأمر ألبه إذا مزجت بينه بمشكله وحقة يباطله فى ستر وخفاء . أى: يا أهل الكتاب لماذا تخلطون الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم إرضاء لأهوائكم؟ ولماذا تكتمون الحق الذى تعرفونه كما تعرفون أبناءكم بغية إنصراف الناس عنه، لأن من جهل شيئا عاداه. وفى تكرار النداء والاستفهام زيادة فى توبيخهم والافكار عليهم، والتعجيب من شأنهم، ذلك لأنهم جمعوا أخش أنواع الرذائل التى على رأسها كفرم بآيات الله، وخلطهم الحق بالباطل وكنمان الحق عمن يريده. ٠ ولدعاة الضلالة طريقتان فى إغواء الناس : إحداهما: طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهى المشار اليها بقوله - تعالى -: «لم تلبسون الحق بالباطل)). والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر ، وهى المشار إليها بقوله - تعالى -: ((وتكتمون الحق :. وقد استعمل أهل الكتاب الطريقتين لصرف الناس عن الاسلام . فقد كان بعضهم يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم- تأويلا فاسدا، يخلط فيه الحق بالباطل ليوهموا العامة أنه ليس ١٨٦ سورةآل عمران هو النى المنتظر. وكان بعضهم باقى حول الحق شبها ليوقع ضعفاء الإيمان فى حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - أو التى لا توافق أهواءهم .. وقوله: ((وأنتم تعلمون، جملة حالية. أى وأنتم تعلمون أن ما أخفيتموه وما لبستموه هو الحق. أو وأنتم من ذوى العلم ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق أو يخلطه بالباطل ، وإذا كان هذا الفعل يعد من كبائر الذنوب حتى ولو وقع من شخص عادى ، فإن وقعه يكون أقبح وفساده أكبر وعاقبته أشأم، متى صدر من عالم فاهم يميز بين الحق والباطل . قال أبو حيان : وهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد فى النهى عن اللبس والكم ، إلا أنها لا قدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل إذ الجاهل بحال الشىء لا يدرى كونه حقا أو باطلا. وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل »(١) . وبعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب، والحجج الباهرة التى ساقها لهم على صحة هذا الدين، والتوبيخات المتعددة التى وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك، أخذ القرآن فى سرد بعد المسالك الخبيثة التى سلكها اليهودلكيد الإسلام والمسلمين، فبدأ بيان مسلك الثيم من مسالكهم الكثيرة، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم يرجع عنه إلى الكفر ، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد أن دخله فوجده دينا ليس بشىء - فى زعمه - ... استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكى يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروم ، فيقول : (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ٠ جـ ١ ص ١٨٠ ١٨٧ سورة آل عمران ((وقَلَتْ طائفةٌ من أهلِ الكتابِ آمنُوا بالذى أُنزِل على الذين آمنُوا وجْه النّهارِ واكفرُوا آخِرَهُ اللَّهم يِرْ جِعُون (٧٢) ولا تؤثِنُوا إلاَّ لَمنْ تَبِع دينكمُ، قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤَنِى أحدٌ مِثْلَ مَا أُوتِتُمْ أو يُحَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُم، قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيّدِ الهِ يُرَّتِهِ مَنْ شاءَ وَالُهُ واسعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصِّبْرَ حْمَتِهِ مَنْ يَشَاءِ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العظيم (٧٤)» فأنت إذا تأملت فى هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة ماكرة لقيمة، هى تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم ، حتى إذاما أطمأن الماس إليهم جاهروا بكفرهم، ورجعوا إلى ما كانوا عليه، ليوهموا حديثى العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة ، وأنهم لبس عندهم أى عداء للنبى - صلى الله عليه وسلم - بل إن الذى حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم فى الإسلام، وجدوه دينا باطلا . وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والإختبار وإمعان النظر فى دين الإسلام. ولا شك أن هذه الطريقة التى سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن الإسلام من أقوى ما نفت عنه قد ببرهم الشيطانى ؛ لأن إعلانهم الكفر بعد الإسلام، وبعد إظهارهم الإيمان به، من شأنه أن يدخل الشك فى القلوب ويوقع ضعاف الإيمان فى حيره واضطراب ، خاصة وأن العرب . فى مجموعهم - قوم أميون: ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل العقيدة والدين . فيظن أنهم ما أوتدوا عن الإسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص فى تعاليمه. والمتقبح لمراحل التاريخ قديما وحديثا، يرى أن الدهاة فى السياسة والحروب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب فى صفوف أعدائه . ١٨٨ الجزء الثالث فاز الأستاذ الشيخ محمد عبده - رحمه الله -: هذا النوع الذى تحكيه الآيات من صدي اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية فى البشر، وهى أن من علامة الحق أن لايرجع عنه من يعرفه. وقد فقه هذا، هرقل، ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبى - صلى الله عليه وسلم - أن قال له: «هل يرتد أحد من أتباع محمد -خطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فقال أبو سفيان: لا،. وقد أرادت هذه الطائفة أن تلبس على الناس من هذه الناحيه ايقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، وأطلعوا على بواطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب .. ، ١١). هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة كلما تدور حول المعنى الذى قرر ناه . ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال فى قوله - تعالى - ((وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ... ألخ)، قال بعض أهل الكتاب لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم ما تكرهونه فى دينهم، وهو أجيدر أن يرجعوا عن دينهم ». وعن السدى: كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية أثنى عشر حبرا، فقالوا لبعضهم: أدخلوا فى دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدا حق صادق. فإذا كان آخر النهارفاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارها فسألناه . حدثونا أن محمدا كاذب ، وأسكم لستم على شىء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون كفو معنا أول النهار فما بالهم؟ فأخبر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ،(٢) . (١) تفسير المنار ج ٣ ص ٣٢٣. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٠٣١١ ١٨٩ الجزء الثالث والمعنى .. وقالت طائفة من أهل الكتاب، أى: فيما بينهم ليليسوا على الضعفاء أمر دينهم ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، أى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا التصديق بالإسلام وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن ((وجه النهار، أى فى أول النهار . وسمى أول النهار وجها ، لأنه أول ما يواجهك منه ، وأول وقت ظهوره ووضوحه. وقوله , واكفروا آخرة لعلهم يرجعون)) معطوف على (( آمنوا)). أى: آمنوا فى أول النهار وا كفروا فى آخره، بأن تعودوا إلى اليهودية ، أملا فی أن ینخدع بحیلتكم هذه بعض المسلمين ، فیشکوا فىدينهم ، وبعودوا إلى الكفر بعد دخولهم فى الإسلام. وقوله (« لعلهم يرجعون)) كشف عن مقصده الخبيث، وهو إبتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل . قال الفخر الرازى: والفائدة فى إخبار الله - تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه : الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً . ١ الثانى: أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أز فى قلوب المؤمنين ، ولولاهذا الإعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة فى قلب بعض من كان فى إيمانه ضعف . ١٩٠ سورة آل عمران الثالث : أن القوم لما افتضحوا فى هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس(1). ثم حكى - سبحانه - لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال - تعالى - ((ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أو تقيم أو يحاجوكم عندربكم ... )). وقوله - سبحانه - حكاية عنهم ((ولا تؤمنوا ... ، معطوف على قوله - تعالى - فى الآية السابقة ((آمنوا بالذى أنزل ... )). وقد فسر بعضهم قوله ((ولا تؤمنوا)) بمعنى ولا تقروا، أو ولا تعترفوا، فتكون اللام فى قوله (( إلا لمن تبع دينكم) أصلية. وعليه يكون المعنى : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض. أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوادينهم الإسلام، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضاً على سيل المكر والخديعة، ولاتقروا ولا تعترفوا بأن أحداً من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل، أو بأن أحداً فى قدرته أن يحاججكم أى يبادلكم الحجة عند ربكم يوم القيامة، ولا تقروا ولا نعترفوا بشىء من ذلك ((إلا لمن تبع دينكم، أى إلا لمن كان على ملتكم اليهودي، دون غيرها . فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف ، والتقدير : ولا تؤمنوا أى تقروا وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحداً يؤتى مثل ١٠ أو تهتم أو بأن أحداً بحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين او غيرهم من هو على غير ملتكم سيؤدى إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين. فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوقوا مثلهم من (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٠١ ١٩١ الجزء الثالث الدين والفضائل عن طريق محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله رحمة العالمين، ولكنهم لشدة حدهم وبعضهم للنبى - صلى الله عليه وسلم ولأنباء»، قد قواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم، وصدق الله إذ يقول فى شأنهم (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعملون). وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره الآية بهذا الوجه فقال: قوله ((ولا تؤمنوا)) متعلق بقوله : . أن يؤتى ... ، وما بينهما اعتراض، أى: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أو قيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم . أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المدين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلا إلى أشياءكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لثلا يدعوهم إلى الإسلام (أو يحاجوكم عند ربكم) عطف على أن يؤتى. والضمير فى يحاجوكم لأحد، لأنه فى معنى الجمع، بمعنى : ، ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة ويغالبونكم عند (ن - تعالى - بالحجة ... ) (١). هذا هو الوجه الأول فى تفسير الآية الكريمة ؛ وهناك وجه آخر يرى أصحابه أن قوله - تعالى -، ولا تؤمنوا)، بمعنى ولاتصدقوا أو ولا نعتقدوا ، فتكون اللام فى قوله ((لمن تبع دينكم)) زائدة للتقوية . فيصير المعنى على هذا الوجه : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا الإسلام أول النهار وأكفروا آخره امل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذى كان عليه، ولا تصدقوا أن أحداً من البشر بۆنی مثل ما أوتيتم بابنى إسرائيل من الكتاب والنبوة، أو أن أحداً فى قدرته (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٧٣. ١٩٢ سورة آل عمران أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون فى الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج النبوة من بينكم إلى العرب، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيا منكم يقرر شرائع التوراة، أما من جاء بتغيير شىء من أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد - صلى الله عليه - فلا تصدقوه . فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله ((أحد)) المذكور فى الآية، والمستثنى هو قوله, إلا لمن قبع دينكم، * والتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاجحكم عند ربكم (( إلا لمن قبع دينكم، أى إلا من كان على ملتكم اليهودية . أما أن يكون من غيركم كهذا الغى العربى فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوقيتم من الكتاب والغبوة، لأنهما - فى زعمهم - حكر عل بنى إسرائيل . فهم على هذا الوجه من ال فسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلين قد أو توا كتاباودينا وقضائل مثل ما أوتواهم أى اليهود ، ويرون أنفسهم - لغرورهم وانطاس بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر . وعلى كل من الوحهين يكون قوله - تعالى - أن يؤتى أحد مثل ما أو تيتم. أو يحاجوكم عند ربكم «مفعول به لتؤمنوا. والتقدير. ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا يحاججكم عند ربكم. وعلى كل من الوجهين - أيضا - يكون قوله - تعالى -: ((ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ونوله ((أن يؤتى أحد مثل ما أو تهتم أو يحاجوكم عندربكم، حکایة من الله - تعالی ۔ ما تو اصی به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة. وأفكار ماكرة . ١٩٣ الجزء الثالث ويكون قوله - تعالى - (قل إن الهدى هدى الله) كلا ما معترهنا بين أقوالهم ساقه الله - تعالى - للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى بزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويزدادواهم رجسا إلى رجسهم، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد. أى قل لهم يا محمد أن هداية الله - تعالى - ملك له وحده، وهو الذى يهبها لمن يشاء من عباده، فهى ليست حكراً على أحد، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم، وإذا كانت القسوة قد ظلت فترة من الزمان فى بنى إسرائيل ،فاقه - تعالى - قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه عليها وأن يجعلها فى محمد العربى صلى الله عليه وسلم - لأنه أهل لها، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته. هذا ، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التى حكاها القرآن عنهم ند إنتهت بنهاية قوله - تعالى - (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) وأما أوله - تعالى - (قل إن الهدى هدى الله أن يؤنى أحد مثل ما أوتيتم أو بحاجوكم عند ربكم ) فهو من كلام الله - تعالى - وقد ساقه - سبحانه - لرد عليهم. فيكون المعنى عليه: أن بعض اليهود قد قال لبعض: أظهروا إسلامكم أول النهار وأكفروا آخره لعلى بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا، ولا تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له أثره فى بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام. وهنا يأمر اقه - تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالرد عليهم وبالمكشف عن مكرهم فيقول: فل لهم يا محمد إن الهدى هدى اته، أى إن هداية الله ملك له وحده، فهو الذى بهدى من يشاء وهو الذى يضل من شاء، وقد هدانا - سبحانه - إلى الإسلام واوتضيناه ديناً لنا وان رجع عنه . (١٣ - سورة آل عمران) ١٩٤ سورةآل عمران وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم: أمخافة أن يؤنى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة ، أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عندربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به ، أمخافة ذلك دبرتم ما ديرنم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثه؟ لاشك أنه: لا يحملكم على ذلك المكر الى إلا الحسد لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولقومه وزعمكم انكم أفضل منهم لأنكم - تدعون - أنكم أبناء الله وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأنباعه . قالوا: ويؤيد هذا توجه من التفسير الآية قراءة ابن كثير ( أ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم .. ) بههز تين أولاهما للاستفهام الذى قصد به التوبيخ والإنكار ، والثانية هى همزة أن المصدرية . وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازى فقال ما ملخصه: واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ... ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) من كلام الله - تعالى - فقد قرأ ابن كثير (آن يؤتى أحد .. ) بعد الألف على الاستفهام. ويكون الاستفهام للتوبيخ كقوله - تعالى - ( أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين). والمعنى امن أجل أن يؤنى احد شرائع مثل ما ارتيتم من الشرائع تفكرون اتباعه، ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير . يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه، وبعد كثرة إحسانه إليه : أمن قلة إحسانى إليك ؟ والمعنى امن أجل هذا فعلت ما فعلت .. (١). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠١٠٢ ١٩٥ الجزء الثالث ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد فقال: (قل إن المفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) أى قل لهم يا محمد: إن الفضل - الذى يتناول العبوة وغيرها من نعم الله على عباده - هذا الفضل وذلك العطاء بيدالله - تعالى - وحده، وهو - سبحانه - المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من عباده، و إذا كان - سبحانه - قد جعل النبوة فى بنى إسرائيل لفترة من الزمان . فذلك بفضل منه وبرحمته، وإذا كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها فى هذا الغى العربى فذلك - أيضا - بفضله ورحمته، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته، وهو - سبحانه - صاحب الإختيار المطلق فى أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده. وهو - سبحانه - «واسع الرحمة والفضل «عليم، بمن يستحقهما وبمن لا يستحقهما. ثم قال - تعالى -. يختص برحمته من إنشاء)) أى يختص بالنبوة وما يترقب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده، وقوله ((والله ذو الفضل العظيم)) أى هو - سبحانه - صاحب الجود العميم والفضل العظيم، فلا عظمة نساوى عظمة فضل الله - تعالى - على خلقه ، وإنما هو وحده صاحب النعم التى لا تحصى على عباده ، فعليهم أن يشكروه وأن بفردوه بالعبادة والخضوع . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد كشفت عن مسلك من مسالك اليهود الماكرة التى أرادوا من وراتها كيد الإسلام والمسلمين، وفى هذا الكتف تنبيه للمسلمين إلى ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء من شرور وأنام حتى بمفروم ثم حكى القرآن لونا آخر من ألوان مزاعم اليهود الباطلة. وأنا ويلهم الكاذبة وهو دعواهم أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، أى أن كل من كان على غير ملتهم فإنه مهدور الحقوق، ثم د عليهم بما يدحض مزاعمهم ويثبت أنهم لبوا أهلا لإختصاصهم بالنبوة والرحمة فقال تعالى : ١٩٦ سورة آل عمران ((ومن أَهْلِ الكتابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْه بقِنْطَرِ يُؤَدِّهِ إليكَ، ومنهم مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بدينارِ لا يؤدِّهِ إليك إلاما دمتَ عليهِ قَائماً، ذلكَ بأنهم قالُوا لِيس عَلَيْاَ فِى الْأَمَّيِّينَ سبيلٌ ويقولُونَ عَلَى اللهِالكذبَ وهم يعلمونَ (٢٥) ◌َى مَنْ أَوْفِى بِعَهْدِهِ وَالََّ فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المتقينَ (٧٦))) . قال الإمام الرازى : أعلم أن تعلق هذه الآية - وهى قوله - ومن أهل الكتاب ... بما قبلها من وجهين: الأول. أنه - تعالى - حكى عنهم فى الآية المتقدمة أنهم إدعو أنهم أوتوا من المناصب الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ثم إنه - تعالى - بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم . والثانى: أنه - تعالى - لما حكى عنهم فى الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا (لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) حكى فى هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس فى القليل والكثير . /. قال ابن عباس: أودع وجل عند عبدالله بن سلام ألفا ومائتى أوقية من ذهب فاداها الیه. وأودع رجل آخر عند فنخاص بن عازور اه اليهودی دینارا فانه فنزيت الآية ، (١) . والمعنى: إن من أهل الكتاب فريقا ان تأتمنه على الكثير والنفيس من الأموال يؤده اليك عند طلبه كاملا غير منقوص، وأن منهم فريقا آخر إن تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه اليك الا اذا دوام صاحب الحق على المطالبة بحمقه واستعمل كل الوسائل فى الحصول عليه . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٠٧. / ١٩٧ الجزء الثالث فالآ ية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الحق الذى استجاب للحق وآمن بالغى صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام وأمثاله من مؤمنى أهل الكتاب . وذمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذى لا يؤدى الأمانة ، ولم يستجب للحق، بل استمر على كفره وجحوده، وهذا القسم بمثل أكثرية أهل الكتاب . والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل. أى أن منهم من هو فى غاية الأمانة حتى أنه لو ائتمن على الأموال الكثيرة لأداها، ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى لوائتمن على الشيء القليل لجحده. وقوله , إلا مادمت عليه قائما، استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات. أى لا يؤده إليك فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا فى حال أو فى وقت مداومتك على طلبه، والإلحاح فى ذلك ، واستعمال كل الوسائل الوصول إلى حفك . قال الجمل: و((دمت، هذه هى الناقصة، ترفع وتنصب، وشرط أعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك. وأصل هذه المادة الدلالة على الثبوت والسكون: يقال دام الماء، أى سكن. وفى الحديث: (( لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم، أى الذى لا يجرى .. ومنه دام الشىء إذا امتد عليه زمان. ودومت الشمس إذا وقفت فى كبد السماء. وقوله ((عليه، متعلق بقوله «قائما، والمراد بالقيام الملازمة، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب؛ ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام(١). وقال ابن جرير: فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله بذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك ، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها؟ قيل: إنما أراد - عز وجل - بإخباره المؤمنين خبرهم على مابينه (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٢٨٨ ١٩٨ سورة آل عمران فى كتابه بهذه الآية، تحذير المؤمنين من أن بأنمنوهم على أموالهم ، وتخويفهم من الاغترار بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين (١). ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب التى جعلتهم يبررون حياة.م وجحودهم لحقوق غيرهم فقال - تعالى -: « ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ». وقوله « ذلك إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه -. , لا يؤده)). والمراد بالأميين : العرب، خصاصاً من آمن منهم. وسمى العرب بالأميين نسبة إلى الأم ، وذلك لغلبة الأمية عليهم حتى لكأن الواحد منهم قد بقى على الحالة التى ولفتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة. والسبيل المراد به: الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق، ثم أطلق على الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للالزام وتحمل التبعات . أى : ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود، وجحود الأمانات والحقوق : من الفريق الخائن ، سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إنم أو قبعة فى إستحلال أموال العرب الأمبين وإستلابها منهم بأية طريقة ، لأن الأميين ليسوا على ملتهم . واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم، كما يحل لهم أخذ ماله بأى وسيلة . وهذا الخلق الذعيم معرق فى اليهود ، لأن أنافيتهم جعلتهم يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم ، فقد كانت التوراة تحرم الربا محربما مطلقا فتقول: (لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته) حرف اليهود. هذا النص ، إذ زادوا فيه كلمة الاسرائيلى فأصبح النص هكذا ( لا تأخذ ربا من أخيك الإسرائيلى إذا أقرضته). وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عنه. (١) تفسير ابن جرير ج ٢ ص ٣١٧. L ١٩٩ الجزء الثالث تعاملهم مع أنفسهم ويجلونه عند تعاملهم مع غيرهم. لأنهم لايشعرون بالأخوة الإنسانية العامة . قال الآلوسي: أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بايع اليهود رجال من المسلمين فى الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم تركم دينكم الذى كنتم عليه، وأدعوا أنهم وجدوا ذلك فى كتاهم . وقال الكلى. قالت اليهود :. الأموال كلها كانت لنا. فما فى أيدى العرب منها فهو لنا؛ وأنهم ظلمونا وغضبونا فلا إثم علينا فى أخذ أموالنا منهم)) (١). وقوله - تعالى - ،ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)) رد عليهم فيما قالوه من أنهم لير عليهم فى الأميين سبيل وتكريب لحم فيما زعموه، لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من سلطان. ولا يؤيده عقل سليم، إذ الباهى الطاقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم. والمعنى : أن هؤلاء اليهود الذين يحصدون الأمانات متذرعين بقولهم « ليس علينا فى الأمين سبيل)» يفترون على الله الكذب فى قولهم هذا ، م يعلمون أنهم كاذبون، لأنهم ليس عندهم فى كتبهم نص يتيح لهم إستخلال أموال العرب وخيانتهم، وإنما الذى تأمرهم ، كتبهم هو أداء الأمانة لمستحقيها بالمعروف. وقوله ((وهم يعلمون، جملة حالية من الضمير فى ((يقولون)) ومفعول العلم محذوف إقتصارا، أى وهم من ذوى العلم. أو إختصارا، أى يعلمون کذبهم وإفتراءهم ! ولقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر، ومن ذلك ما أخرحه ابن جرير عن سعيد ابن جبير أنه قال: لما نزلت: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ... الآية)) (١) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٢ ٠٠ ٢٠٠ سورة آل عمران قالى الفن صلى الله عليه وسلم: ((كذب أعداء الله !! ما فى شىء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر)) (١). واق سار أتباع النبى - صلى الله عليه وسلم- على مبدأ أداء الأمانة، وعدم أخذ شى. من أموال الغير إلا بوجه مشروع. قال ابن كثير: قال عبد الرازق: أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن أبى صعصعة بن يزيد، أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب فى الغزو من أموال أهل الدمة: الدجاجة والشاة . قال ابن عباس : فتقولون ماذا ؟ قال نقول : ليس علينا بذلك بأس. قال ابن عباس هذا كما قال أهل الكتاب « ليس علينا فى الأميين -- بيل إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم ٠ إلا بطيب أنفسهم ، (٢) . ثم أكد الله - تعالى - كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا: « ليس علينا فى الأميين سبيل بجملة أخرى فيها الرد الذى يخرس ألسنتهم ، ويدحضر مز أعمهم فقال - تعالى -: ((إلى من أو فى بعهد، وانقى فإن الله يحب المتقين)). و «بلى، حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق ، ولقد حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم فى الأميين سبيل، فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذى يثبت ما نفوه. ويبطل ما زعموه. والمعنى: ليس الأمر كمازعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم فى الأميين سبيل بل الحق أن عليكم فيهم سبيلا. وأنكم معذبون بسبب كفركم وإستحلالكم لأموالهم بدون حق، ومثابون إن آمنتم باقه وسوله ووفيتم بعهودكم، وصنتم أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى -. (١) تفسير أبى جرير جـ ٣ ص ٠٣٧١ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٧٤.