النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ الجزء الثالث وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنذرت الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم، وساقت لهم ما زبد ذلك من واقع ماشاهدوه، وبشرت المؤمنين بنصر الله لهم، وحثتهم على الاتعاظ والاعتبار، لأن من شأن المعتبرين أن يكونوا مراقبين الله - تعالى - ومنفذين لأوامره، ومبتعدين عن نواهيه، ومن كان كذلك كان الله معه بنصره وتأييده .. ثم بين - سبحانه - أهم الشهوات التى يؤدى الانهماك في طلبها إلى الانحراف فى التفكير ، وإلى عدم التبصر والاعتبار، ودعا الناس إلى التزود من العمل الصالح الذى يفضى بهم إلى رضاه - سبحانه - فقال: (زُيِّنَ النَّاسِ حُبُّ الشَّهواتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِنَ وَالْقَنَاطِيرِ المَنْظَرَةِ مِنَ الدَّهَبِ والفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنسَمِ والْحُرْتِ، ذلك متاعُ الحياةِ الدُّنْيَ والله عِنْدَه حُسْنِ المَآبِ (١٤) قَلْ أَوْنَبئكم بخيرٍ مِنْ ذلِكُم؟ للذينّ اتَّقَوْا عِنْدِرَبِّهم جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها، وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ، واللّهُ بِصِيرٌ بالعبادِ (١٥) الذينَ يَقُولُونَ رَبَّنَ إِنَّنَا أَمَنَّا فاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبِنَا وقنا عذابَ النَّارَ (١٦) الصَّابِرِينَ، والصَّادِقِينَ، والقَانِتِينَ، والمنفقينَ، والمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحَرِ (١٧))). فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما من الله - تعالى - لأهم متع الحياة الدنيا وشهواتها ، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات . ما أعده الله لعباده المتقين من جنات وخيرات . وقوله ((زين)) من التزبين وهو تصيير الشىء زينا أى حسنا. والزينة هى مافى الشىء من المحاسن التى ترغب الناظرين فى اقتنائه . ٦٢ سورة آل عمران قال الراغب: والزينة بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة . وزينة بدنية كالقوة وطول القامة، وزينة خارجية كالمال والجاه ... وقد نسب اللّه التزيين فى مواضع إلى نفسه كما فى قوله - تعالى- « ولكن الله حيب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم، ونسبه فى مواضع إلى الشيطان كماقوله ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وذكره فى مواضع غير مسمى فاعله كما فى قوله - تعالى - ، زين للناس حب الشهوات ... (١). والشهوات جمع شهوة، وهى ثور أن النفس وميلها نحو الشىء المشتهى. والمراد بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء والبنين ٠٠٠ الخ وعبر عنها بالشهوات الإشارة - كما يقول الآلوسى - إلى ماركز فى الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها، كما قيل لمريض: ماتشتهى؟ فقال: اشتهى أن اشتهى أو تنبيها على خستها ؛ لأن الشهوات خسيسة عند الحمكماء والعقلاء ففى ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله. ثم قال: والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها فى القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة؛ لأنه لا خالق إلا هو. وبطلق ويراد به الحض على تعاطى الشهوات المحظورة، فتزيينها بالمعنى الثانى مضاف إلى الشيطان تنز بلالوسوسته وتحسينه منز! الأمر بها والحض على تعاطيها (٢). ثم بين - سبحانه - أهم المشتهيات التى يحبها الناس، وتهفو إليها قلوبهم، وترغب فيها نفوسهم ، فأجملها فى أمورسته . أما أولها: فقد عبر عنه القرآن بقوله: ((من النساء، ولاشك أن المحبة بين الرجال والنساء شىء فطرى فى الطبيعة الإنساني، ويكفى أن الله - تعالى- قد قار فى العلاقة بين الرجل والمرأة ((هن لباس لكم وأنتم لباس لان)،(٣) (١) المفردات فى غريب القرآن للراعب لأمته، ص ٢١٨. (٢) تفسير الألوسى ج ٣ ص ٩٩، بتشخيص. (٣) -ورة البقرة الآية ١٨٧ ٦٣ الجزء الثالث وقال - تعالى فى آية ثانية ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة))(١) وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شىء فى سبيل الوصول إلى المرأة التى يهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول الله حيث يقول : ماتركت بعدی فتنة أضر على الرجال من النساء، (٢).، ولذا قسم القرآن اشتها. من على كل شهوة، و((من)) فى قوله ((من النساء والبنين .. )) بياني، وهى مع مجر ورها فى محل نصب على الحال من الشهوات . واكتفى القرآن بذكر محبه الرجل للمرأة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغنى عن ذكر الطرفين معا؛ وما يستفاد بالإشارة إستغنى فيه عن العبارة خصوصا فى هذا المجال الذى يحرص فيه القرآن على تربية الحياء والأدب فى النفوس ، ولأن المرأة فى هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة، حتى لو كانت محبتها الرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذى يطلبها لاهى التى تطلبه ... وأما ثانى المشتهيات: فقد عبر عنه القرآن بقوله: والبنين، جمع أبن ، وهو معطوف على ما قبله ، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب النساء ، واكتفى بذكر البنين ، لأنهم موضع الفخر فى العادة. وحب الأولاد طبيعة فى النفس البشرية فهم ثمرات القلوب ، وفرة الاعين . ومهوى الأفئدة ، ومطمح الآمال، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يقول:، رب هب لى من الصالحين، وسيدنازكريايقول: ((رب لا تذرنى فرداً وأنت خير الوارثين ، . (١) سورة الروم الآية ص ٢١ (٢) أخرجه البخارى فى كتاب النكاح ، باب ما يتقى من شؤم المرأة. جـمص ١١ ٦٤ سورةآل عمران والإنسان فى سبيل حبه لأولاده يضحى براحته، وقد يجمع المال من اجلهم من حلال و من حرام، و قد یر تکب بعض الأعمال التی لا یر یدارتكابها إرضاء لهم وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضى ذلك. وصدق الله إذا يقول: ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة، وصدق رسوله- صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: ((الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة ، أى أن الأبناء يجعلور آباء هم يجبنون خوفا من الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتيم وآلامه ، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغى أن ينفق فيه إيثارالهم بالمال ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه. أما الأمر الثالث من المشهيات: فقد عبر عند القرآن بقوله ,والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والقناطير جمع قنطار، وهو مأخوذ من عقد الشىء وإحكامه، تقول العرب: قفطرت الشىء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها. قال الفخر الرازى : القنطار مال كثير يتواق الإنسان به فى دفع أصناف النوائب. وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: إنه وزن لايحد واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس من حاول تحديده . فعن ابن عباس: القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية ... ، (١). ولفظ «المقنطرة، مأخوذ من الفتطار، ومن عادة العرب أن يصفو الشىء بما يشتق منه المبالغة أى والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنطاراً قنطاراً، كقولهم : دراهم مدرهمة ، وإبل مؤبلة . وقوله (( من الذهب والفضة، بيان للقناطير، وهو موضع الحال منها. (١) التفسير الكبير الفخر الرازى جـ ٧ س ٢١٠ ٦٥ حبرد الساث والمراد أن الإنسان محب للمال حبا شديداً. قال - تعالى -((وإنه لحب الخير الشديد)، وقال - تعالى -,وتأكلون التراث أكلالما، وتحبون المال حباجما ،. ٠ وفى الحديث الشريف الذى رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من قاب،. والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة . وقالت السيدة - عائشة - رضى الله عنها - ((رأيت ذا المالى مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهيناً)). وقالت: (( إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال))(١). وإنما كان الذهب والفضة محبوبين ، لأنهما - كما يقول الرازى - جعلا منا لجميع الأشياء، فالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هى القدرة ، والقدرة صفة كمالٍ ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكال الذى هو محبوب لذاته - ومالا يوجد المحجوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محيو بين، (٢). وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى فى قوله - تعالى-،والخيل المسومة والأنعام والحرث». ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل مفرده فرس فهو فظير قوم ورهط ونساء. ويرى الأخفش أنه جمع تكير وواحده خائل ، فهو نظير راكب وركب، وطائر وطير. وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال فى مشيتها . () التاج الجامع الاصول فى أحاديث الرسول - ٥ ص ١٦٢ الشيخ منصدر على ناصف . (٢) التفسير الكبير للفخر الرازى = ٧ ص ٢١١ (٥ - سورة آل عمران) ٦٦ سورة آل عمران والمسومة: أى الراعية فى المروج والمراعى. يقال: سوم ماشيته إذا أرسلها فى المرعى . أو المطهعه الحسان؛ من السيما بمعنى الحسن . أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة . والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة، مهما تفعن البشر فى اختراع صفوف من المراكب يراً وبحراً وجواً. فمع وجود هذه المراكب المتنوعة مازال للخيل عشاقها الذين يعجهم ما فيها من جمال وإنطلاق وألفة، ويقتنونها للركوب والمسابقات ... و((الأنعام، جمع نعم، وهى الإبل ولبقر والغتم ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا الإبل خاصة فإنها غلبت عليها. والأنعام فيها زينة ، والإنسان فى حاجة شديدة إليها فى مركبه ومطعمه وغير ذلك . قال - تعالى - ((والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين أسمر حون ، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم (رءوف رحيم)،(١). ((والحرث، مصدر بمعنى المفعول أى المحروث. والمراد به المزروع - واء أكان حيوبا ام بفلا« أم ثمراً، إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان مطعمه وملبسه وأدوات زينته تلك هى أهم المشتهيات فى هذه الحياة إلى نفس الإنسان قد جمعها القرآن فى آية واحدة، وقد اختصها - سبحانه - بالذكر لأنها أوضح من غيرها فى الاحتياج إليها والتلذذ بها ، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية، أم مالية، أم غير ذلك من ألوان المتع، ومن مستلزمات الحياة . (١) سورة النحل الآية من ٥ - ٧ ٦٧ الجزء الثالث وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله , ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)،. واسم الإشارة، ذلك، يعود إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور السنة التى تسبق الحديث عنها . والمآب: مصدر میمی بوزن مفعل، من آب - كقال - إيابا وأوبا وآ با. إذا رجع . وأصله مأوب فقلت حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفا مثل متال . أى ذلك المذكور من النساء والبغين وما عطف عليهما هو موضع الزينة، ومطلب الناس الذى يستمتعون به، ويرغبون فيه، واشتهونه اشتهاء عظم) · فى حياتهم، والله - تعالى - عنده المرجع الحسن وهو الجنة، فهى الأحق بالرغبة فيها لبقائها دون المتع الفائية . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التى جبل الإنسان على الميل إليها، وصياغة الفعل للمجهول (( زين للناس) للإشارة إلى أن محبته هذه الأشياء واشتهاءها مركوز فى الفطرة الإنسانية منذ أوجد الله الإنسان فى هذه الحياة الدنيا . وهذه المشتهيات ليست خسيسة فى ذاتها ، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها فى ذاتها أو إلى التنفير منها، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا فى طلبها ، وأن يطلبوها من وجوهها المشروعة، وأن يضعوها فى مواضعها المشروعة، وأن يشكروا الله عليها، وألا يجعلوها غاية مقصدهم فى هذه الحياة. إن الإسلام لا يجاوب الفطرة الإنسانية التى تشتهى هذه الأشياء، وإنما يهذبها، ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الأشياء فى موضعها المناسب، بحيث لا تطفى عنى غيرها ولا تستعمل فى غير ما خلقها الله من أجله ، وبذلك يسعد الإنسان فى دينه ودنياه وآخرته . وللامام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه: يخبر الله - تعالى - عما زين للناس فى هذه الحياء الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد .. فأما إذا كان القصد بهن ٦٨ سورة آل عمران الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه كما وردت الأحاديث بذلك ... وحب الال وكذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر فيكون مذموما ، وتارة يكون النفقة فى وجوه البرفيكون محمودا ... وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى إحتاجوا البها غزوا عليها فهؤلاء ينابون. وتارة ترتبط فخراو فُوّا. لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة تربط للتعفف وإقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق الله فيها فهذه لصاحبها ستر. وفى الحديث الشريف أن رسول انه - صلى الله عليه وسلم - قال: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة)) والسكة النخل المصطف، والمأبورة الملقحة، (١) وفى الصحيحين عن أنس ابن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة، (٢). هذا، وفى ختام الآية الكريمة بقوله , ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، إشارة إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهى إلى زوال، أما اللذائذ الباقية الخالدة فهى التى أعدها الله - تعالى - لعبادة المتقين فى الدار الآخرة، ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك , قل أو نبئكم پنیر من ذلكم، . أى قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين وغيرهما ، قل لهم ألاتحبون أن أخبركم بماهو خير من تلك المشتهيات الدنيوية؟ والاستفهام للتقرير، والمراد به التحقيق والتثبيت فى نفوس المخاطبين ، أى تحقيق وتثبيت خيرية ما عند افقه وأفضليته على شهوات الدنيا ، وحضهم على الاستجابة لما سيلقى عليهم . وإفتتح الكلام بكلمة «قل، للاهتمام بالمفول، وتنبيه السامعين إلى أن ما سيلقى عليهم أمر يهمهم ، وما يقوى هذا التنبيه هنا: التعبير بقوله أو نبتكم (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥١ - بتصرف وتلخيص - (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٦ ٦٩ الجزء الثالث لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الشأن، والتعبير بقوله ((ذلكم، لاشتماله على الإشارة التى للبعيد الدالة على عظم شأن ماسيخبرهم. والتعبير بقوله(، خير» الذى يدل على الأفضلية ، لأن نعيم الآخرة خير محض ونعم الدنيا مشوب بالشرور والأضرار. ثم بين - سبحانه - المخبر عنه بعد أن مهد له بتلك التنبيهات التى تشوق إلى سماعه وتغرى بالاستجابة له فقال: (( الذين اتقوا عندربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ، . هذه هى المذائد والمتع التى أعدها الله - تعالى - لمن اتقاه، أى أدى ما أمره به وابتعد عما نهاه عنه . وأول هذه النعم: (( جنات تجرى من تحتها الأنهار، أى بساتين تجرى من تحت أشجارها الأنهار، وفى هذه الجنات ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت . ولا خطر على قلب بشر. وقوله)، الذين اتقوا، خبر مقدم، وقوله (( جنات)) مبتدأ مؤخر. وقوله ، عند ربهم)) فى محل نصب على الحال من جنات . وقوله ، نجری من تحتها الأنهار، صفة لجنات. وعلى هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله، من ذلك، وهذا هو المشهور عند العلماء. ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله (( الذين اتقوا)) ثم يبتدأ فيقال: عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار .. ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - ((عند ربهم، ثم يبتدأ فيقال: جنات تجرى من تحتها الأهار . قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - ((بخير من ذلكم))، والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: ((الذين اتقوا عندربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار)) ٧٠ سورة آل عمران فيكون مخرج ذلك مخرج الخير، وهو إبانة عن معنى الخبر الذى قال: أنبتكم به، فلا يكون بالكلام حيثذ حاجة إلى ضمير،(١). وثانى هذه النعم عبر عنه - سبحانه - بقوله « خالدين فيها، أى أنهؤلاء الذين اتقوا ربهم خالدين فى تلك الجنات التى فيها ماتشتهية الأنفس وتلذ الأعين خلودا أبديا ، بخلاف أولئك المنعمين بنعم الدنيا فإن نسيمهم إلى فناء وزوال. وثالث هذه النعم قوله - تعالى - «وأزواج مطهرة)». والأزواج: جمع زوجه وهى المرأة يختص بها الرجل. أى ولهم فى تلك الجنات أزواج مطهرة غاية التطهير من كل دفسر وقدر حسى ومعنوى ، فقد وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل فى المرأة . ورابع هذه النعم قوله - تعالى - ((ورضوان من الله)) وهذه النعمة هى أعظم النعم وأجلها أى لهم رضا عظيم من خالق الخلق ، ومبدع الكون، ومنشىء الوجود. وهو مصدر كالرضا ، ولكن يزيد عليه أنه الرضنا العظيم ، لأن زيادة المبنى، تدل على زيادة المعنى، ولأن التفكير قصدبه التفخيم والتعظيم. وقوله ((من اللّه)) صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة. روى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله - عز وجل - يقول لأهل الجنة يوم القيامة: يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك .. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا ترضى وقد أعطيقنا ما لم تعط أحدا من خلفك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: ياربنا وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: ((أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا))(٢). (١) تفسير ابن جـ ٣ ص٢٠٦ طبعة مصطفى الحلى الطبعة الثانية سنة ١٣٧٣هـ ١٩٥٤م. (٢) أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق ، باب صفة الجنة والنارج ٩ ص ١٤٨ ٧١ الجزء الثالث هذه هى اللذائذ والمتع والنعم التى أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((وأقه بصير بالعباد)) أى - سبحانه - عليم بأحوال عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ففى هذا التذييل وعد للمتقين ووعيد السيئين. ثم حكى - سبحانه - أقوال هؤلاء المتقين ومدحهم على إيمانهم وصلاحهم فقال - تعالى -: ((الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، أى أن هذه الجنات وغيرها من أنواع النعم قد أعدها الله - تعالى- لهؤلاء المتقين الذين يضرعون إلى الله ملتمسين منه المغفرة فيقولون: ياربنا إننا آمنا بك وصدقنا رسولك فى كل ما جاء به من عندك ، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا فى أمرنا فأنت الففار الرحيم .. . وقنا عذاب النار، أى جنبنا هذا العذاب الأليم يا أرحم الراحمين . وفى حكاية هذا القول عنهم بصيغة المضارعة ((يقولون)) إشعار بأنهم بجددون التوبة إلى الله دائما لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم، وإحساسهم بأنهم مهما قدموا من طاعات فهى قليلة بجانب فضل الله عليهم، ولذلك فهم يلتمسون منه الستر والغفران، والوقاية من النار ، وهذا شأن الأخيار من الناس . وقوله - سبحانه - الذين يقولون ... )) بدل أو عطف بيان من قوله (( الذين اتقوا، ويجوز أن يكون فى محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والجملة منهما جواب عن سؤال كأنه قيل: من أولئك المتقون؟ فقيل: م الذين يقولون ربنا إننا آمنا .... ويجوز أن يكون فى موضع نصب على المدح. ثم وصفهم - سبحانه - بخمس صفات كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسى بهم فقال: الصابرين والصادقين والقانتين، والمنفقين والمستغفرين . بالأسحار)). وفى كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم. وإذعانهم للحق حق الإذعان . فهم صابرون ، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس من أكبر ٧٢ سورة آل عمران البراهين على سلامة اليقين . وقد حث القرآن أتباءه على التحلى بهذه الصفة فى أكثر من سبعين موضعا. وهم صادقون، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية وأشرفها، وقد أمر الله عباده أن يتحلوا به فى كثير من آيات كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى - ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكوزا مع الصادقين )) . وهم قانتون، والقافت هو المداوم على طاعة الله - تعالى - غير متململ منها ولا متبرم بها، ولا خارج على حدودها . فالقنوت بصور الإذعان المطلق لرب العالمين . وهم منفقون أموالهم فى طاعة الله - تعالى - وبالطريقة التى شرعها وأمر بها . وهم مستغفرون بالأسحار. أى يسألون الله - تعالى - أن يغفر لهم خطاياهم فى كل وقت، ولا سيما فى الأسعار . والأسحار جمع سحر وهو الوقت الذى يكون قبل الفجر. روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ينزل ربنا-عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له، من ذا الذى يسألنى فأعطيه، من ذا الذى يستغفر فى فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر وخص وقت الأسعار بالذكر لأن النفس تكون فيه أصفى ، والقلب فيه أجمع ، ولا ٩٠ وقت يستلذ فيه الكثيرون النوم، فإذا أعرض المؤمن عن تلك اللذة وأقبل على ذكر الله كانت الطاعة أكمل وأقرب إلى القبول، وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد كشفت عن المشتهيات التى يميل إليها الناس فى دنياهم بمقتضى فطرتهم، وأرشدتهم إلى ماهو أسمى وأعلا وأنقى من ذلك، وبشرتهم برضوان الله وجذاته، متى استقاموا على طريقه، واستجابوالتعاليمه . (( والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم،. (١) تفسير القرطبى = ٤ ص ٣٩ ٧٣ الجزء الثالث وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للمتقين، وذكر صفانهم ، عقب ذلك ببيان أساس التقوى وهو عقيدة التوحيد، وبيان أن الإسلام هو الدين الذى ارتضاه الله - تعالى - للناس، وأن من يعارض فى ذلك فمعارضته داحضة وسيعاقبه الله بما يستحقه. استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : . ((شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُو والملائكةُ وأُولوا العلْمِ قائماً بالقِسْطِ لاّ إِلهَ إِلاَّ هُو العَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ، وما اختَلَفَ الذينَ أُوتوا الكتابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءهُ العِلْمُ بْياً بَيْهِمْ، ومَنْ يَكْهُرِ بَآَيَتِ اللهِ فَإنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فإنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وجْهِىَ لُهِ وَمَنْ اتَّبَعَنْ، وَقُلْ لَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ وَالْأَمَّيْنَ أَأَسْلَمْتُمْ، فإنْ أَسْلَموا فقد اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغُ، والله بَصِيرٌ بالعِبَادِ (٢٠))). قال القرطى: لما ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حيران من أحبار أهل الشام فنا أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة التى الذى يخرج فى آخر الزمان! فلما دخلا على النى - صلى الله عليه وسلم - عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له. أنت محمد؟ قال نعم. قالا : وأنت أحد ؟ قال : نعم قالا: نمالك عن شهادة فإن أنت آخر قنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهارسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سلانى. فقالا : أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، فأسلم الرجلان «وصدقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، وقوله: تعالى - ((شهد الله، أى بين وأعلم كما يقول: شهد فلان عند القاضى ٧٤ سورةآل عمران إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج : الشاهد هو الذى يعلم الشىء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين، (١). والمعنى: أخبر الله - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على فيه . وبالآيات الكونية التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد بو أحدافيه، وأنه لامعبود بحق سواه. وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع عبيدة وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ماعداه. وشهد بذلك, الملائكة، بأن أقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضا ( أولو العلم، بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم - به الرسول - عليه الصلاة والسلام - وبلغوا ذلك لغيرهم. قال الزمخشرى: شبهت دلالته عنى وحدانيته بأفعاله الخاصة التى لا يقدر. عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسى وغيرهما بشهادة الشاهد فى البيان والكشف ، وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك وإحتجاجهم عليه,(٢). قالوا: وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنهلو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف العام لنبيه - على أتم عليه وسلم - ، وقل رب زدنى علما)) فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه ن يسأنه المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال - صلى الله عليه وسلم - ((إن العلماء ورثة الأنبياء، وقال: «العلماء أمناء الله على خلقه،. وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير) (٢). (١) تفسير القرطبى ج٤ ص ١ ٤ (٢) تفسير الكشاف جـ ص ٤٤٤ ] (٣) تفسير القرطبي ج ٤ ص ٤١. ٧٥ الجزء الثالث ، والمراد بأولى العلمهنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف فى خدمة عقيدتهم ، وفيما ينفعهم وينفع غيرم، وأخلصوا لله فى عبادتهم ، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم . وقدم - سبحانه - الملائكة على أولى العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى ذويه، ولأن علمهم كله ضرورى بخلاف البشر فإن علمهم منه ما هو ضرورى ، ومنه ما هو إ كتسابى . وقوله - تعالى - ,قائما بالقسط، بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إربيان كاله فى ذاته والقسط: العدل . يقال قسط بقسط قسطا، وأقط إقساطا فهو مقسط إذا عدل ومنة (( إن الله يحب المقسطين)). ويطلق القسط على الجور والفاعل قاسط، ومنه ((وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)). ٠ أى: مقيما العدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه . وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال ، وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه. قال الجمل (( وقائما، منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، فتكون الحال أيضا فى حيز الشهادة ، فيكون المشهود به أمرين: الوحدانية والقيام بالقسط ، وهذا أحسن من جعله حالامن الإسم الجليل لفاعل بشهد، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط. والحال ليست فى حيز الشهادة١١) وقوله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، تكرير للمشهود به للتأكيد و التقرير. وفيه إشارة إلى مزيد الإعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل ، والاعتناء به قتضى الاعتناء بأداته. ((العزيز الحكيم، صفتان مقرونان لما رصف به ذاته من الوحدانية والعدل. أى لا إله فى هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله . العزيز، الذى (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٢٥١ ٧٦ سورة آل عمران لا يمتنع عليه شىء أراده، ((الحكيم)» فى تدبيره فلا يدخله خلل. قال ابن جرير: وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله - إ الله عليه وسلم - فى عيسى من النبوة، ومانسب إليه سائر أهل الشرك: من أن له شريكا، واتخاذه دونه أربابا، فأخبرهم أه عن نفسه ، أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما إتخذه كل كافر وكل مشرك رباد، نه ، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقة . فبدأ - جل ثناؤه - بنفسه نعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدوا فى أمورهم بذكره قبل ذکر غیره مؤدبا خلقه بذائے ، (١) هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه الإمام أحمدعن الزبير بن العوام قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة يقرأ هذه الآية، شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العام ... إلخ الآية ((فقال: وأنا على ذلك من الشاهدين يارب، وقال غالب القطان: أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه، فقام فى ليلة متهجدا فى بهذه الآية (( شهد الله أنه لا إله إلا هو .. ، فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهى على وديعة، «إن الدين عند الله الإسلام) - قالهامرارا - فقلت. لقد سمع فيها شينا فسألته فى ذلك فقال: حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - عبدى عهد إلى وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدى الجنة، (٢). وقوله (( إن الدين عند الله الإسلام، جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى اللغة الجزاء والحساب. يقال دفئه بما صنع أى جازبته على (١) تفسير ابن جرير الطبرى جـ ٣ ص ٢١٠ طبعة الحلبى. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣،٤ ٧٧٠ الجزء الثالث صنيعه ((ومنه قوهم: كماتدين تدان ای كمانفعل نجازى. وفى الحديث ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)) والمراد به هنا ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع ، أى: إن الشريعة المرضية عند الله - تعالى - هى الاسلام، والاسلام فى اللغة هو الاستسلام والانقياد يقال: أسلم أى أنقاد وإستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا - كما قال ابن جرير: شهادة أن لا إله إلا انه، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذى شرعه لنفسه وبحث به رسله ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى بالاحسان إلا به)) (١) وهو الدين الحنيف الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. . وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - ((إن الدين عند الله الإسلام)» إخبار منه - تعالى - بأنه لادين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو إتباع الرسل فيما يعتهم الله به فى كل حين حتى ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذى سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمن لقى أنه - تعالى - بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ((الآيه)). وقال فى هذه الآية مخبرا بانحضار الدين المتقبل عنده فى الإسلام (إن الدين عند الله الإسلام) (٢). وقوله : عند الله : ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل، أى الذى شرع عند الإسلام. ويصح أن يكون صفة للذين فيكون متعلقا بمذوف أى الكائن أو الثابت. عند الله الإسلام وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله (عند الله) وإعتبار (١) تفسير ابن جرير ج ٣ ص ٢١٢. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٤ ٧٨ سورة آل عمران الإسلام وحده هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل. الإسلام . لأن له ذلك الشرف الإضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه ، فزو دين الله الذى شرعه لخلقه . ثم بين - سبحانه - إن إختلاف أهل الكتاب فى شأنه لدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - وما إختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغياً بينهم، أى: وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه ، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سببه البغى والحسد والظلم فيما بينهم. وفى التعبير عنهم بأنهم « أوتوا الكتاب، زيادة تقبيح لهم، فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأخش، إذ الكتاب ما نزل إلا هدايتهم وسعادتهم، فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته وإقبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفها . وقوله (( إلا من بعد ما جاءهم العلم)) زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجىء العلم أزيد فى القبح والعناد . والاستثناء من أثم الأحوال أو الأوقات. أى ما إختلفوا فى حال من الأحوال أوفى وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق وحده لا يكفى فى الإيمان به، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مؤمن متفتح لطلبه ، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة قامة ولكنهم بحاربونه ويحاربون أهله ، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله إذ يقول: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)) (١) . . (١) - ورة البقرة الآية ١٤٦. ٧٩ الجزء الثالث فهم قد إختلفوا فى الحق مع علمهم أنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية ، والقلوب الواعية ، والأشدة المستقيمة . وقوله : بغيا بينهم ، مفعول لأجله ، والعامل فيه إختلف أى ما إختلفوا إلا للبغى لا لغيره قال الفرطى: وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما إختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا بعد ما جاءهم العلم، (١)، ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال: ((ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب)). أى: ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - : فإن الله محص عليه أعماله فى الدنيا وسيعاقبه بها. يستحقه فى الآخرة . فقوله(( فإن الله سريع الحساب، قائم مقام جواب الشرط وعلة له ، أى: ومن يكفر بآيات الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبة واقه سريع الحساب . وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى لخص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية .. ثم لقبن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى -: فإن حاجوك ففل أسلمت وجهى الله ومن اتبعن)). وقوله (( حاجوك، من الحاجة وهى أن يتبادل المتحادلان الحجة، بأن / (١) تفسير القرطبي ج ٤ ص ٠٤٤ ٨٠ سورة آل عمران يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعمه الحق الذى لا شك فيه . والمعنى: فإن جادلك - يامحمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة، والمغالطات الباطلة ، بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا أسر معهم فی لجاجتهم. ولا تلتفت إلى أكاذيبهم ، بل قل هم , أسلمت و جهی لله و من إقبعن، أى أخلصت عبادنى لله وحده، وأطعمه وأنقدت له، وكذلك من إتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه لله وأخلص له العبادة. والمراد بالون هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات، لأنه أشرف أعضاء الشخص، ولأنه هو الذى تكون ه المواجهة، وهو مجمع محامن الجسم .. فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة المكل . و((من)) فى قوله . ومن إتبعن، فى محل رفع عطفا على الضمير المتصلفى ((أسلمت، أى أسلمت أنا ومن اتبعنى. وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما . وقوله( وقل الذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم)) عطف على الجملة الشرطية، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. والاستفهام فى قوله, أ أسلمتم، الحضر على أن يسلموا وجوههم لله، ويتبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما إنبعه المسلمون. والمعنى: «إن جادلوك فى الدين - يا محمد - بعد أن تبين لمكل عاقل صدقك ، فقل لهؤلاء المعاندين إنى أسلمت وجهى له وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل الذين أوتوا الكتاب والأمبين أسلموا تسلموا فقد تبين لكم أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخلوا فيه وأن يترك العناد والمكابرة . قال صاحب الكشاف: وقوله (( أسلمتهم)) يعنى أنه قد أتاكم من البينات