النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الجزء الثالث وإن سر هذا القرآن فواتح السور،: وروى عن ابن عباس أنه قال: ((عجزت العلماء عن إدراكها ، .. وعن على بن أبى طالب أنه قال ((إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى، وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال : (مراقه فلا تطلبوه ) : ومن الإعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفوائح غير مفهوم للناس، لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد بها، وكذلك بعض الصحابة المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور . وهناك مناقشات للعلماء حول هذ الرأى لا مجال لذكرها هنا. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها معلوم. وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه . وأصحاب الرأى قد إختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى: ١ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النبى - صلى الله عليه وسلم - ( من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح). وبدليل إشتهار بعض السور بالقسمية بها، كسورة (ص). وسورة (يس) وسورة (ق). الخ. ولا يخلو هذا القوا من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها أن تكون جميع الحروف المقطعة أسماء للسبور التى بدئت بها. ولأن كثيرا من السورقد إفتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء السور لم تتكرر لمعان مختلفة، لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه. ٢٢ سورة آل عمران ٢ - وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلا للدلالة على إنقضاء سورة وإبتداء أخرى . ٣ - وقيل : إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله - تعالى -، وبعضها من صفاته، فمثلا: ( ألم ) أصلها أنا الله أعلم. ٤ - وقيل: إنها إسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال. والتى أوصلها السيوطى فى كتابه ( الإتقان) إلى أكثر من .. عشرين قولا . ٥ - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى إفتتاح بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه الذين تحدام القرآن . فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله: ماكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم . ومنظومه من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تعظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شقتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك . ١ . ومسا يشهد لصحة هذا الرأى: أن الآيات التى على هذه الحروف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل، وعن كونه معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم- فى أغلب المواضع . وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما نتصدر صراحة باسم الإشارة الذى يعود إلى القرآن كما فى قوله - تعالى -: ( ألم. ذلك الكتاب لاريب فيه ٠٠٠) أو ضمنا كما فى قوله - تعالى -: (ألمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك خرج منه٠٠٠) وأيضا فان هذه السور التى افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها من أولها إلى آخرما ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن طريق هذا الكتاب الدى جعله الله - تعالى - معجزة لنبيه - صلی الله عليه وسلم- ٢٣ الجزء الثالث هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية . ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء فى هذا الموضوع(١). ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يليق به من جلال وكمال فقال: «الله لا إله إلا هو الحى القيوم)). ولفظ الجلالة , الله، يقول بعض العلماء: إن أصله إله، دخلت عليه أداة التعريف( أل)، وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله قال القرطبى: قوله( الله، هذا الإسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها.حتى قال بعضهم: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع. نا الله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو - سبحانه -،(٢). ولفظ « إله، قالوا: إنه من أله أى عبد. فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقبل هو من أله أى تحير ... وذلك لأن العبد إذا تفكر فى صفاته - تعالى - تحير فيها، ولذا قيل: تفكروا فى آلا. الله ولا تتفكروا فى أمه ،(٣). و، الحى، أى: المتصف بالحياة التى لا بدء ولا فناء لها . و(«القيوم ) الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، والمعطى لهم مابه قوام حياتهم، وهو مبالغة فى القيام. وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره . . والمعنى: الله - تعالى هو الإله الحق المتفرد بالألوهية التى لا يشاركه فيها سواه. وهو المعبود الحق وكل معبود سواه فهو باطل ، وهو ذو الحياة (١) راجع الإنقان فى علوم القرآن اسيوطى جدص ٣١ طبعة مكتبة المشهد الحسين (٢) تفسير القرطبى = ١ ص ٠٢) (٣) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ٢١ ٢٤ سورة آل عمران الكاملة. وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلو وحياطتهم ورعايتهم وإحياتهم وإما نتهم . قال الآلوسي: «ولفظ الجلالة ((اقه، مبتدأ. وما بعده خبر. والجملة مستأنفة، أى: هو المستحق للعبودية لا غيره. و((الحى القيوم)) خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف أى: هو الحى القيوم ... وأياً ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به - سبحانه - أخرج الطبرانى وابن مردويه من حديث أبى أمامة مرفوعاً أن اسم الله الأعظم فى ثلاث سور. فى - ورة البقرة ، وآل عمران ، وطه. وقال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت فى البقرة («الله لا إله إلا هو الحى القيوم » . وفى آل عمران ( التمه لا إله إلا هو الحى القيوم)، وفى طه ,وعنت الوجوه الحى القيوم، (١) . وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده المستحق للعبودية، أتبع ذلك ببيان بعض مظاهر فضله ورحمته فقال: ((نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه)). والكتاب - كما يقول الراغب - فى الأصل مصدر، ثم سمى الممكتوب فيه كتابا . والكاب فى الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه . والكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفى التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ،(٢). والمراد بالكتاب المنزل: القرآن الكريم . وفى التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة . فكأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ماعداه كما يلوح به التصريح باسمى التوراة والإنجيل. (١) تفسير الآلوسي؛ م ص٧٤. (٢) مفردات القرآن ص ٤٢٣ الراغب الأصفهانى بتصرف وتلخيص. ٢٥ الجزء الثالث وعبر بنزل - بصيغة التضعيف - الإشارة إلى أن نزول القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - كان منجما لم يكن دفعة واحدة. ومن المعروف أن القرآن قد نزل على النبى - صلى الله عليه وسلم - على حسب الوقائع الحوداث وغيرها فى مدة تزيد على عشرين سنة . وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لنزول القرآن منجما منها: تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقوية قلبه، ومنها: التدرج فى تربية الأمة وتربية قويمة سليمة، ومنها: مسايرة الحوادث فى تجددها وتفرقها. ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه ، ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها : الإجابة على أسئلة السائلين، وبيان حكم الله - تعالى - فيما يحصل من قضايا، ولفت أنظار المخطئين إلى ما وقوا فيه من أخطاء، وكشف حال الكافرين والمنافقين. ومنها: الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند الله - تعالى - ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . . فأنت تقرأ ما نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن فى مكة ، وما نزل عليه فى المدينة، فترى الجمع محكم السرد، دقيق السبك، وصين الأسلوب، بليغ التراكيب، فصيح الألفاظ .. بينما ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف فى جودته من وقت إلى وقت، ومن موضوع إلى موضوع ... )(١). وقد بين - سبحانه - أن هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلابهما : أما أولهمافهو قوله: « بالحق). وأما ثانيهما فهو قوله: « مصدقا لما بين يديه، أى: الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو ، والذى هو الحى القيوم ، (١) إن شئت المزيد من المعرفة عن الحكم والأسرار فى تنجيم القرآن فراجع - - على سبيل المثال - كتاب ((مناهل العربان فى علوم القرآن)) ج ١ ص ٤٦ إلى ٥٦ الفضية أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى: ٢٦ سورةآل عمران هو الذى نزل عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبا بالحق، ومصاحبا له ، ومقترنا به ، ومشتملا عليه، فكل ما فيه من أوامر، ونواه ، وقصص. وأحكام ، وعقائد، وآداب، وشرائع وأخبار .. حق لا يحوم حوله باطل وصدق لا يتطرق إليه كذب . وهو الذى جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ومؤبدا لما اشتمات عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، وإلى الوصايا والشرائع التى تسعد الناس فى كل زمان ومكان . وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة فى جوهرها وأصولها (( قال - تعالى - : شرع لكم من الدين ما وصى به فوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... )(١). وقوله، بالحق , متعلق بمحذوف فيكون فى محل نصب على الحال من الكتاب. وقوله ((مصدقا، حال مؤكدة من الكتاب. أى نزله فى حال تصديقه الكتب . وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإيمان بالمنزل، وتنبيههم على وجوبه؛ فإن الإيمان بالمصدق يوجب الإيمان بما يصدقه حما . قال الجمل : وقوله , مصدقا لما بين يديه ، فيه نوع مجاز ؛ لأن ما بین بديه هو أمامه، فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره. واللام فى . !! )، لتقوية العامل. نحو قوله - تعالى -: ((فعّال لما يريد)). وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة»(٢). (١) سورة الشورى. الاية ١٣ (٢) تعسير القرطبى : ٣ ص ٥ ٢٧ الجزء الثالث ثم أخير - سبحانه - عن بعض الكتب الأخرى التى أنزلها فقال: « وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان)). والتوراة: اسم عبرانى للكتاب الذى أنزله اته - تعالى - على موسى - عليه السلام - ليكون شريعة له ولقومه. قال القرطى ملخصة: والتوراة معناها الضياء والنور. مشتقة من ورَ»، الزند ووري لغتان إذا خرجت ناره .. وقيل مأخوذة من التورية، وهى التعريض بالشىء والكتمان لغيره: فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح . والجمهور على القول الأول لقوله - تعالى -: ((ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً المتقين، يعنى التوراة، (١) .. والإنجيل : كلمة يونانية معناها البشارة، وهى اسم للكتاب الذى أنزله الله على عيسى . قالوا: والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل، يقال: لمن اللّه ناجليه أى والديه. وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من نجلت الشىء إذا استخرجته وأظهرته، ويقال الماء الذى يخرج من البشر: نجل: وقيل: هو من النجل الذى هو سعة فى العين. ومنه طعنة نجلاء أى واسعة. وسمى الإنجيل بذلك لأنه سعة وفور وضياء أخرجه الله - تعالى - لبنى إسرائيل على بد عيسى عليه السلام (٢). وهذا الكلام الذى نقلناه عن القرطى والفخر الرازى هو قول لبعض (١) تفسير القرطبى : ٣ ص ٥ (٢) التفسير الكبير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧١ طبعة عبد الرحمن محمد سنة ١٣٠٧ - ٠١٩٣٨ ٢٨ . سورة آو عمران العلماء الذين يرون أن لفظى التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف . وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتعريف لأنهما أسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين . قال الفخر الرازى بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضاه للذهب الذى يرى أصحابة أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف: « فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان: أحدهما بالعبربه، والآخر بالسريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن كلا يلتفت إلى هذه المباحث،(١). وقوله ((من قبل، متعلق بأنزل )،و (( هدى)) حال من التوراة " والإنجيل ولم يثن لأنه مصدر. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه أنزل . أى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذى من جملته الإيمان بالنى - صفى الله عليه وسلم - واتباعه حين يبعث، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على طاعته . قالوا. فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل. ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم تكن متعبدين أى مكلفين ومأمورين بشرع من قبلنا ؛ لأن فيهما ما يفيد التوحيد وصفات البارى والبشارة بالنبى - صلى الله عليه وسلم -»(٢). = قال الآلوسى: وعبر فى جانب التوراة والإنجيل بقوله (( أنزل، (١) تفسير الفخر الرازى - ٧ ص ٧١). (٢) تفسير الآلوسي = ٣ ص ٧٦ ٢٩ الجزء الثالث للإشارة إلى أنهما لم يكن لهما سوى نزول واحد، بخلاف القرآن فإن له نزولين: نزولا من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنياجملة واحدة، ونزولا من ذلك إليه - صلى الله عليه وسلم - منجما فى ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه نزل وأنزل ... ، (١). هذا، وليست التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم هى التوراة التى أنزلها الله على موسى ، فقد بين القرآن فى أكثر من آية أن بعض أهل الكتاب قد امتدت أيديهم الأنيمة إلى التوراة خرفوا منها ما حرفوا، ومن ذلك قوله - تعالى -: (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا ما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ... ). وقوله تعالى -: فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية بحرفون الكلم عن مواضعه ونوا حظا ما ذكروا به،. . ومن الأدلة على أن التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم ليست هى التى أنزلها الله على موسى: انقطاع سندها، واشتمالها على كثير من القصص والعبارات والمتناقضات التى تتزه الكتب السماوية عن ذكرها (٢). وكذلك الحال بالنسبة للإنجيل ؛ إذ ليست هذه الأناجيل التى يقرؤها المسيحيون اليوم هى الإنجيل الذى أنزله الله على عيسى، وإنما هى مؤلفات ألفت بعد عيسى - عليه السلام - ونسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه: أما الإنجيل الذى أنزله الله على عيسى، والذى وصفه الله بأنه هداية للناس فهو غير هذه الأناجيل(٣). (١) تفسير الآاوسى حـ ٣ ص ٧٩. (٢) راجع ما كتبناء فى ذلك في كتابنا ((بنوا إسرائيل فى القران والسنة)» -١) - من س ٨٦ - ص ٩٣. (٣) راجع تاريخ الأناجيل فى كتاب (محاضرات النصرانية)) لفضيلة أستاذنا المرحوم محمد أبو زهرة . ٣٠ سورةآل عمران و«الفرقان، كل ما فرق به بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وهو مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقا وفرقاناً . ١ - والمراد به عند أكثر المفسرين: الكتب السماوية التى سبق ذكرها وهى التوراة والإنجيل والقرآن. أى: أزل بهذه الكتب ما يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، وبذلك لا يكون لأحد عذر فى جحودها والكفر بها . وأعيد ذكرما بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال ، تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى . ٢. وقال بعضهم المراد بالفرقان هنا "قرآن. وإنما أعاده بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه، ورفعا لمكانه ، ومدحا له بكونه فارقا بين الحق والباطل، والإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله - تعالى-، وأنه تتميم لما سبقة، وأنه كمال الشرائع كلها : ٢ وقال بعضهم: المراد به جفر الكتب السماوية التى أنزلها الله - تعالى - على رسله لهداية الناس وسعادتهم. وقد عبر عنها بالفرقان ليشمل هذا الوصف ما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم ، إثر م تخصيص مشاهيرها بالذكر . وقد ذكر صاحب الكشاف هذه الأقوال وغيرها فقال: , فإن قلت : ما المراد بالفرقان؟ قلت: جنس الكتب السماوية لأنها كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل . أو الكتب التى ذكرها. كأن قال بعد ذكر الكتب الثلاثة : وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب . أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. أو كرر ذكر القرآن بما هو فعت له من كونه فارقا بين الحق والباطل ... ، (١). : (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣٦ طبعة دار الكتاب العربي ببيروت . ٣١ الجزء الثالث أما الفخر الرازى فإنه لم يرتض كل هذه الأقوال، بل أتى رأى جديد فقال - ما ملخصه -: ١ ٤ - ((والمختار عندى أن المراد من هذا الفرقان: المعجزات التى قرنها الله - تعالى - بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أنوا بهذه الكتب، وأدعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله، افتقروا فى إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله على وفق دعواهم تلك المعجزات ، حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب. فالمعجزة هى الفرقان. فلما ذكر الله أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه - تعالى - أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو المعجز القاهر الذى يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سار الكتب المختلفة .... (١) . والذى تراه أقرب إلى القبول أن المراد بالفرقان هنا جنس الكتب السماوية لأنها جميعها فارقة بين الحق والباطل فيندرج تحتها القرآن وغيره من الكتب السماوية . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المنحرفين عن طريق الحق ، الكافرين بآيات الله، فقال: (( إن الذين كمروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام، أى: إن الذين كفروا بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، وصدق رسله فيما يبلغون عنه ، هم عذاب شديد منه - سبحانه - بسبب كفرهم وجحودهم ((والله عزيز، أى منيع الجانب ، غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وفى قوله «والله عزيز، إشارة إلى القدرة التامة على العقاب. وفى قوله (١) التفسير السكبير للفخر الرازى = ٧ من ٠١٧٣ ٣٢ سورة آل عمران (((ذو إنتقام، إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب، ينزله متى شاء، وكيف شاء، بمقتعنى قدرته وحكمته وإرادته . والوصف الأول صفة للذات ، والثانى صفة للفعل . ثم أخبر - سبحانه - عن شمول عليه لكل شىء فقال: ((إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء)). أى أنه - سبحانه - هو المطلع على كل صغير كبير، وجليل وحقير، . فى هذا الكون، لأنه هو الخالق له، والمهيمن على شئونه. وصدق - سبحانه- حيث يقول: (( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)). وذكر - سبحانه - السماء والأرض، الإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شىء، وسع السموات والأرض، وليس الإنسان بالنسبة لهما إلا اتنا صغير! فكيف لا يعلم - سبحانه - ما يسره هذا الإنسان وما يخفيه ؟ وفى تكرير حرف النهى (( لا)، تأكيد لنفى خفاء أى شىء عليه - سبحانه .. والآية الكريمة وعيد شديد للكافرين بآياته ، لأنه - سبحانه - هو العليم بما يسرونه وما يعلنونه، وسيجازيهم بمقتضى علمه بما يستحقونه. ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول قدرته وعلمه فقال: «هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم». وقوله : يصوركم، من التصوير وهو جعل الشيء على صورة لم يكن عليها. وهو مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه . أو من صاره إلى كدا بمعنى أماله و حوله . والله - تعالى - القادر على كل شىء قد حكى لنا أطوار خلق الإنسان فى آيات متعددة منها قوله - تعالى -: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة ٣٣ الجزء الثالث خلقنا العلقة مضغة، خلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ». والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع النطفة فى بطن المرأة، ومكان تربية الجنين ونموه وتكوينه بالطريقة التى يشاؤها الله، حتى يبرزه إلى الوجود بشراً سوياً . والمعنى: اللّه الذى لا إله إلا هو، والذى هو الحى القيوم، هو الذى يصوركم فى أرحام أمهاتكم كيف يشاء، بأن جعل مضكم طويلا وبعضكم قصيرا، وهذا أبيض وذاك أسود، وهذا ذكر وتلك أشى، فهو وحده القادر على تصوير خلقه بتلك الصور المختلفة المتفاوته ، ومن كان شأنه كذلك . فهو المستحق للعبادة والخضوع. لا إله إلا هو (( العزيز، الذى يقهر كل شىء بقوته وقدرته ((الحكيم، فى كل شئونه وقصر فاته. وهده الآية الكريمة فى مقام التعليل الآية التى قبلها. لأن انتى قبلها بينت أن الله لا يخفى عليه شى فى الأرض ولا في السماء، إذ هو العليم بما يسره الإنسان من كفر أو إيمان أو غيرهما. وهذه الآية تفيد أنه - سبحانه - يعلم أحوال الإنسان لا بعد إستوائه بشرا سويا، بل يعلم أحواله وهو نطقه فى الأرحام، بل إنه - سبحانه ليعلم أحواله قبل أن يكون شيئا مذكورا، فهو - كما يقول القرطبى - العالم بما كان وما لا يكون. " ومن كان هذا شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم - سبحانه - فى بطون أمهاتهم ، ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن يعبدوه ولا يشر كوا به شيئا . وقوله - تعالى - ،كيف يشاء, إخبار منه - سبحانه - بأن هذا التكوين والتصوير فى الأرحام تبع لمشيئه وقدرته ، وليس خاضعا لقانون الأسباب والمسبيات ، إذ هو الفعال لما يريد. فمن شاء هدايته هداه، ومن شاء إضلاله أضله. و«كيف، فى موضع نصب على أنه حال ، وناصبه الفعل الذى بعده وهو (٣ - سورة آل عمر. ن) ٣٤ سورةآل عمران ((يشاء)). ومفعول المشيئة محذوف والتقدير: هو الذى بصوركم فى الأرحام كيف يشاء تصويركم، من ذكر وأنثى، وجبل ودميم ، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف فى الصور والأشكال والعقول والميول . وقوله - تعالى - ((لا إله إلا هو العزيز الحكيم، تأكيد لما قبله، من إنفراده بالألوهية، وحقيقة المعبودية بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ذلك من كونه حيا قيوما ، منزلا للكتب الهادية للناس إلى الحق ، عالما بكل شىء ، مصورا لخلقه وهم فى أرحام أمهاتهم كيف يشاء ... وكل ذى عقل سليم يتدبر هذه الآيات الكريمة ، يقبل على الإيمان بالحق بقوة وإخلاص؛ ويسارع إلى العمل الصالح بقلب منيب. وفية سأدقة . هذا، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى يضع وثمانين آية منها قد نزل فى وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى السنة التاسعة من الهجرة، ليناقشره فى شأن عيسى - عليه السلام - وقد رد عليهم - صلى الله عليه وسلم - بما يبطل أقوالهم التى تخالف الحق، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام، الذى إرتضاه الله لعباده دينا. وسنذكر قصة هذا الوفد عند تغير نالآية المباهلة وهى قوله - تعالى - فى هذه السورة ، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساؤنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم فيتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، الآية ٦١. وبعد أقام - سبحانه - الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة. عقب ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وببيان موقف الناس منهما فقال - تعالى - : (( هُو الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكُتّابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هَنَّ أُمُ الكِتَابِ وَأَخَرُ مَتَشَهاَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَنَِّمُونَ ٣٥ الجزء الثالث ٢٠ مَ نَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِفَء الغِنَةِ وَابْتِنَاَءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يُعْلَ تَأْوِيلهُ إلَّاللهُ، وَالرَّاسِخُونَ فى العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبْناَ ومَاَ يَذَ كَّرَ إِلاَّ أُولُوا الألبابَ (٧) ». قوله - تعالى -: ((محكمات، من الإحكام - بكر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة، ترجع إلى شىء واحد هو المنع . يقال: أحكم الأمر أى أنقنه ومنعه عن الفساد. ويقال: أحكمه عن الشىء. أى رجعه عنه ومنعه منه. ويقال حكم نفسه وحكم الناس. أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق. ويقال أحكم الفرس أى جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب ... وقوله : ( من أم الكتاب، أى أصله الذى فيه عماد الدين وفرائضه . وحدوده وما يحتاج إليه الناس فى دفياهم وآخرتهم . وأم كل شىء : أصله وعماده. قال ابن جرير : والعرب تسمى الأمر الجامع لمعظم الشىء أمًّا له. فيمون راية القوم التى تجمعهم فى العساكر أمهم . ويسمون المدير لمعظم أى البلدة والقرية أمها ... )(١). وقوله ((متشابهات)، من القشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر وممائلا ومشا كلا له مشكلة تؤدى إلى الانتباس غالبا. يقال: أمور. • شابهة ومشبهة - كمعظمة - أى مشكلة. ويقال : شبه عليه الأمر تشفيها: لبس عليه . ولقد جاء فى القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما فى قوله - تعالى - (١) تفسير ابن جرير = ٣ ص ١٧٠ طعة مصطفى الحلبى. ٣٦ سورة آل عمران ( كتاب أحكمت آياته ... وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما فى قوله. تعالى - «الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها ... وجاء فيه ما يدل على أن بعض محكم وبعضهم شابه كم فى الآية التى نحن بصدد تفسيرها. ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله : أنه متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو إضطراب. ومعنى كونه كله متشايها أنه يشبه بعضه بعضا فى بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته. ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه فستبنه بعد سرد بعض الأقوال التي قالها العداء فى تحديد معنى كل منهما . فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل النخ، والمتشابهة هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعده كقيام الساعة ، والروح . ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان . والمتشابه هو الدى لا يستقل بنفسه ، بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا ، وتارة يبين بكدا، لحصول الاختلاف فى تأويله . ومنهم من يرى أن المحكم هو الذى لا يحتمل فى تأويله إلا وجها واحد والمتشابه هو الذى يحتمل أوجها. ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر . أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة ، وهو المجمل والمؤل والمشكل . هذه بعض الأقوال فى تحديد معنى المحكم والمتشابه (١)، وقد إختار كثير من المحققين هذا القول الأخير . ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا التمهيد الموجز: (١) إذا أردت المزيد فراجع الاققان السيوطى. وتفسير الألوسى ج ٣ ص ٨٠ والسب الفخر الرازى = ٧ ص ٠١٨٧ ٣٧ الجزء الثالث الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، والذى أنزل الكتب السماوية لهداية الناس، والذى صورهم فى الأرحام كيف يشاء، هو الذى أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل هذا الكتاب ٨٠٠ آيات محكمات، أى واضحات الدلالة، محكمات التراكيب ، جليات المعانى، متقنات النظم والتعبير، حاويات لكل ما يسعد الناس فى معاشهم ومعادهم، بينات لا التباس فيها ولا اشتباه . . وقوله, هن أم الكتاب) أى هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة المافعات من الوقوع فى التباس لانكشاف معافيها لكل ذو عقل سليم، من أصل الكتاب الذى يعول عليه فى معرفة الأحكام ، ويرجع إليه فى التمييز بين الحلال والحرام ، وبرد إليه ما نشابه من آياته، وما استشكل من معانيها . والجار والمجرور , منه، خبر مقدم، و. آيات، مبتدأمؤخر، و(«محكمات)، صفة الآيات. وقوله, هن أم الكتاب، صفية ثانية للآيات. قال الجمل: وأخبر بلفظ الواحد وهو (( أم)) عن الجمع وهو, هن، لأن الآيات كلها فى تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام الله واحد . أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى -: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية، أى كل واحد منهما. أو لأنه مفرد واقع موقع الجمع .: ، (١). وقوله (( وأخر متشابهات)) أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التى تتحدث عن صفات الله - تعالى - مثل: الاستواء، واليد والغضب ، ونحو ذلك من الآيات التى تحدثت عن صفاته - سبحانه -، وكالآيات التى (١) حاشية الجمل على الجلالين - بتصرف يسير - ج ١ ص ٢٤٢ ٣٨ سورة آل عمران تتحدث عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن الجن والملائكة وكالحروف المقطعة فى أوائل السور . قال الشيخ الزرقانى ما ملخصه: ومنشأ التشابه إجمالا هو خقاء مراد الشارع من كلامه. أما تفصيلا فندكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته كلفظ الأب فى قوله ـ تعالى ـ((وفاكهة وآبا، أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما فى قوله - تعالى - ((فراغ عليهم ضربا باليمين)) أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه ، أو بقوة ، أو بسبب اليمين التى حلفها . ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجى لأن التشابه والخفاء فى المراد منها جاء من ناحية ألفاظها. ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ، ومثاله كل ما جاء فى القرآن وصفاته - تعالى - أو لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة ... فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال يوم القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار ..... ثم قال - رحمه الله -: ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع: النوع الأول : ما لا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته ، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه ... النوع الثانى : مايستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس . كالمتشابهات التى نشأ التشابه فيها من جهة الإجمال والبسط والترتيب . والأمثلة على ذلك. كثيرة، فمثال التشابه بسبب الإجمال قوله - تعالى -. ((وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء .. فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه: والأصل: وإن ٢٩ الجزء الثالث خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غير هن ما طاب لكم من النساء . النوع الثالث : ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم، ولذلك أمثلة كثيرة من المعانى العالية التى تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند قدبرم لكتاب الله))(١) . ثم بين - سبحانه - موقف الذين فى قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال: ((فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فالجملة الكريمة تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق . والزيغ - كما يقول القرطبى - الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال : زاغ يزيغ زيما إذا ترك القصد، ومنه قوله - تعالى - : فلما زاغرا أزاغ الله قلوبهم)). وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها فى ذلك الوقت إلى نصارى نجران ... )). والابتغاء : الاجتهاد فى الطلب. يقال: بغيت الشىء وابتغيته، إذا طلبته بجد ونشاط . . والفتنة: من الفتن: وأمن الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته والمرادبها هنا الإضلال وإثارة الشكوك حول الحق . (١) مناهل العرفان فى علوم القرآن لفضيلة الشيخ محمد عبد العظيم الزرة فى ج ٢ ص ٠١٧٤ سورة آل عمران والتأ؛ يل: يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان. ويطلق بمعنى حقيقة الشىء، ما يثوز إليه أمره. مأخوذ من الأوز وهو الرجوع إلى الأصل. يقال: آل الأمر إلى كذابثول أولا أى رجع وأولته إليه رجعته. 1 والمعنى لقد اقتضت حكمتنا - يامحمد - أن نزل عليك القرآن مشتملا على آيات محكمات هن أم الكتاب ، وعلى أخر متشابهات فأما الفاسقون الذين فى قلوبهم انحراف عن طلب الحق ، وميل عن المنهج القويم. وانصراف عن القصد السوى (( فيتبعون ماتشابه منه، أى: يتعلقون بذلك وحده، ويعكفون على الخوض فيه، ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ايردوا المتشابه إليه. وإنما يلازمون الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم ، وسوء نياتهم ، وتحكم أهوائهم وشهواتهم . وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء الزائفين للتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين : أولهما:، ابتغاء الفتنة ، أى طلبا الفتنة المؤمنين فى دينهم، وتشكيكهم فى عقيدتهم، وإقارة الريب فى قلوبهم بأوهام بلقونها حول المتشابه الذى جاء به القرآن، بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم .. أندا متنا وكنا ترابا أننا لفى خلق جديد)). وبأن يقولوا: كيف بكون نعم الجنة ((وما حقيقة. الروح ولماذا يعذبنا الله على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شىء، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة التى يثيرها الذين فى قلوبهم زيغ طلبا التشكيك المؤمنین فی دینهم". وثانيهما: ((وابتغاء تأويله، أى: ويتعلقون بالمتشابه ويقبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا، وتفسيرها تفسيرا فاسدا بعيدا عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه ، لأنه يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وميولهم الأثيمة .