النص المفهرس
صفحات 801-820
:٨٠١ سورة البقرة شبه هذا الإنسان فى حسرته وألمه وحزنه بحال ذلك الشيخ الكبير العاجز الذى له ذرية ضعفاء لا يملك سوى حديقة بائعة يعتمد عليها فى معاشه هو وأولاده، فنزل إعصار فيه فار عليها فأحرقها ودمرها تدميراً . وحذف - سبحانه - حالة المشبه وهو الذى يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما يشبه ذلك ، لظهورها من المقام . وقد وصف - سبحانه - تلك الجنة بثلاث صفات: وصفها أولا بأنهامن تخيل وأعناب أى معظمها من هذين الجنسين النفيسين اللذين هما أنفع الفوا که، .. وأجملها منظراً . ووصفها ثانياً بأنها تجرى من تحتها الأنهار، أى تجرى من تحت أشجارها لا هار التى تسر النفس، وقبيج القلب، وتزيد فى حسن الجنة وبهائها. ووصفها ثالثاً بأنها زاخرة بكل أنواع الثمار التى تنفع صاحبها، وتغنيه عن الاحتياج إلى غيره، فهى جنة قد جمعت بين حسن المنظر، وكثرة النفع، وهذا نهاية ما يتمناه كل إنسان لما ملكه . أما صاحبها فقد وصفه - سبحانه - بأنه إنسان قد أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، أى أنه فى منتهى الاحتياج إليها، لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب - عن غيرها، ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحو سواه. تلك هى حالة الجنة، وحالة صاحبها فى احتياجه إليها، فماذا حدث بعد .. ذلك؟ لقد أصابها , إعصار فيه نار فاحترقت، ١! فماذا يكون حال هذا - الإنسان الذى أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو فى أشد الحاجة إلى ظلها وثمازها ومنافعها؟ إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب هذا البائس من غم وهم -وحزن وحسرة، وهو يرى جنته قد احترقت وهو فى أشد أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها !؟ ولكأن الله - تعالى - يقول للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر: ( م٥١ - البقرة) ٨٠٢ الجزء الثالث أحذروا أن تبطلوا أعمالكم الصالحة بارتكابكم لما نهى الله عنه ، فلا تجدون .. لها نفعاً يوم القيامة وأنتم فى أشد الحاجة إليها فى هذا اليوم العصيب، لأنكم إذا فعلتم ذلك كان مثلكم فى التحر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذى احترقت جنته وهو فى أشد الحاجة إليها . وأنه لتصوير قرآنى فى أسمى درجات البلاغة والتأثير، وفى أعلا ألوان. التأديب والتهذيب . قال القرطى: روى البخارى عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب .. - رضى الله عنه - يوماً لأصحاب التى (صلى الله عليه وسلم) فبم ترون هذه هذه الآية نزلت ومى قوله - تعالى -: ((أبودأحدكم أن تكون له جنة ... الآية، قالوا الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: فى نفسى منها شىء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخى. قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لرجل غنى عمل بطاعة .. الله . ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أحرق عمله. وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية وقال: هذا مثل ضربه الله للإنسان. يعمل عملا صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل. العمل السىء، (١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: (كذلك يبين الله لكم. الآيات املكم تتفكرون، أى: كما يبين أنه فى هذه الآيةمايهديكم وينفعكم يبين لـكم آياته وهداياته فى سائر أمور دينكم لكن تفكروا فيها يصلحكم، وتعملوا ما يرضى خالقكم . ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتحروا فى نفقتهم. الحلال الطيب ، بعد أن حضهم على الإنفاق بسخاء وإخلاص. (١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢١٨ ے ٨٠٣ سورة البقرة فقال - تعالى -: يَأَيُّهَ الَّذِينَءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنْ طَيِّئَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَعِمَّ أَخْرَجْنَالَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَعَّمُواْ الْخَبِثَ مِنْهُ تُفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِشَاخِذِيٍ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيُّ حَيْدٌ ﴿َ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُ الْفَقْرَ وَيَأْمُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُ كُم ٠٠٠٠٠٤٠٠٠ = مَّغْفِرَةٌ مِنْهُ وَفَضْلًاٌ وَاللهُ وَاسِعٌّ عَلِيمٌ (٥) يُؤْتِى الْحِكْمَةً مَن يَشَآءُ وَمَنْ يُؤْتَ آلْحِكْمَةَ فَقَدْ أَوِىَ خَيْرًا كَثِيرًاً وَمَا يَدَّثُ إِلَّ أَوْلُواْ ٥٤٠/ ٢٦٩ الألبب قال ابن كثير: عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - فى قول الله تعالى. (( يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كستم ... الآية، قال: نزات فى الأنصار . كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من نخيلها البسر فعلقوه على حبل بين الاسط وانتين فى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف - أى التمر الردى .- فيدخله مع أفناء البسر يظن أن ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك الآية، (١). والمعنى: يأيها الذين آمنوا اجملوا نفقتكم التى تنفقونها فى سبيل الله من أطيب أموالكم التى اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها. قال ابن عباس: أمرهم الله - تعالى - بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودفيئه وخبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً،. قال - تعالى - لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)). وقوله ((وما أخرجنا لكم من الأرض، معطوف على ما قبله أى أنفقوا ٨٠٤ الجزء الثالث من طيبات أموالكم التى اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها. وترك -سبحانه - ذكر كلمة الطيبات فى هذه الجملة لسبق ذ کرها فى الجملة التى قبلها . فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا فى نفقتهم المال الطيب فى كل وجه من وجوهه، بأن يكون جيداً نفيساً فى صنفه، وحلالا مشروعاً فى أصله وقد أكد الله - تعالى - هذا الأمر محملتين كريمتين فقال: (((ولا يمموا الخبيث منه تتفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه)). قوله - تعالى- ((ولانيمموا، أى ولا نقصدوا وتتعمدوا. يقال: فيممت الثى. وبعدمته إذا قصدته . وبقال: يممت جهة كذا إذا قصدته. ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد وأصل تيممو اقتيمموا فحذفت إحداهما تخفيفاً والخبيث هو الردىء من كل شىء، وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير لأنه ينفى الردى .. وبطلق الخبيث على الشىء الحرام والمستقذر. والإغماض فى اللغة - كما يقول الرازى - غض النظر وإطباق جفن على جفن، وأصله من الغموض وهو الخفاء، والمراد بالإغماض ها هنا المساهلة وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه الثلايرى ذلك. ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة فى البيع وغيره إغماضاً ، (٢). والمعنى: أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها ، ولا تتحروا ونقصدوا أن يكون إنفاقكم من الحديث الردىء، والحال أنكم لا فأخذونه إن أعطى لكم هبة أوشراء أو غير ذلك إلا أن تتساهلوافى قبوله، وتغضوا الطرف عن رداءته ، وإذا كان هذا شأنكم فى قبول ما هو ردى. فكيف تقدمونه لغيركم ؟ إن الله - تعالى - يتهاكم عن ذلك لأن من شأن المؤمن الصادق فى إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يحب أن يفعله لنفسه، ولا يعطى من شىء إلا ما يحب أن يعطى إليه، ففى الحديث الشريف : (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٢٠ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٦٨ ٨٠٥ سورة البقرة ((عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به،. قال الآلوسي: وقوله: ((منه تنفقون ، الضمير المجرور بعود للخبيث، وهو متعلق بتنفقون، والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل «قيمموا، أى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من الخبيث أبى مختصاً به الإنفاق، وأيا ما كان لا يرد أنه يقتضى أن يكون النهى عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخارط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة . وقوله ((ولستم بآخذيه، حال من ضمير ((تنفقون)) أى: والحال أنكم لستم بأخذيه فى وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه إلا وقت إغماضكم فيه، (١) ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((واعلموا أن الله غنى حميد، أى واعلموا أن الله - تعالى - غنى عن صدقاتكم وإنما أمركم بها لمنفعتكم، ((حميد، يجازى المحسن أفضل الجزاء، وهو - سبحانه - المستحق للحمد الحقيقى دون سواه ، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا فى سبيله الجيد من أموالكم شكراً له على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلاته. ثم حذر الله - تعالى - المؤمنين من وساوس الشيطان وخطواته فقال: الشيطان يعد كم الفقر ويأمر كم بالفحشاء ،. قوله (( يعدكم)) من الوعد، وهو فى أصل وضعه لغة شائع فى الخير والشر، وأما فى الاستعمال الشائع فالوعد فى الخير والإيعاد فى الشر. وقد أستعمل هنا فى الشر نظراً إلى أصل الوضع، لأن الفقر ما يراه الإنسان شراً ولذلك بخوف الشيطان به المنفقين فيقول لهم : لا تنفقوا الجيد من أموالكم لأن إنفاقكم هذا يؤدى إلى فقركم ونضوب ما بين أيديكم من أموال. والفقر هو ما يصيب الإنسان من سوء فى الحال ومن ضعف بسبب قلة المال، وأصل الفقر فى اللغة كسر فقار الظهر، ثم وصف الإنسان المحتاج (١) تغير الألوسى ج ٣ ص ٣٩ بتلخيص. ٨٠٦ الجزء الثالث الضعيف بأنه فقير تشبيها له بمن كسر فقار ظهره فأصبح عاجزاً عن الحركة لأن الظهر هو مجمع الحركات، ومنه تسميتهم المصيبة فاقره، وتاصمة الظهر. والفحشاء والفحش والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ، ويرى كثير من العلماء أن المراد بالفحشاء فى الآبه البخل الشديد فإن كلمة الفاحش تطلق فى لغة العرب على البخيل الشديد البخل ، ومن ذلك قول طرفة بن العبد . أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقلية مال الفاحش المتشدد (١) والمعنى : الشيطان يوعدكم إذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال، ويحذركم من الصدقة بما يوسوس فى نفوسكم من شرور وآثام، ويغريكم بارتكاب المعاصى التى من أقبحها البخل الشديد، والشح المهلك، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من أموالكم فى سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته. قال الجمل: وفى هذه الآية لطيفة وهى أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ثم بتوصل هذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء وهو البخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة وهى التخويف من الفقر فلهذا قال: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)، (٢)، وروى الترمذى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الشيطان لمة باين آدم، والملك لمة - أى حمة وخطرة ققع فى القلب - فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإبعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، (١) يعتام: أى بخنار. والعقيلة: أ كريم المال. والفاحش: البخيل والمعنى: أرى الموت يختار الكرام ويختار أفضل مال البخيل وما دام الأمر كذلك فلا فائدة من البخل . (٢) تفسير الجمل = ١ صفحة ٠٢٢٣ ٨٠٧ سورة البقرة . ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ: الشيطان بعد كم الفقر ـويأمر كم بالفحشاء .. )) (١). هذا ما يعده الشيطان للإنسان، فما الذى يعده الله - تعالى - لعباده؟ ·لقد بين - سبحانه - ذلك فقال: والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله .. واسع عليم) . أى: إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، فاته - تعالى - يعدكم مغفرة منه لذنوبكم على ما تنفقونه من أموالكم فى سبيله ففى الحديث الشريف ((الصدقة تطفىء الخطيئة)). ويعدكم - أيضاً - ((فضلا، أى نما. وزيادة فى أموالكم، فإن الصدقات تزيد البركة فى الرزق فيصير القليل منه فى يد السخى كثيراً بتوفيق الله وتأييده. وصدر - سبحانه - الجملة بلفظ الجلالة ، للإشارة إلى أن الوعد الذى . وعد به المنفقين وعد حق لا يمكن أن يخالطهشك أو ريب، لأنه وعد من الله الذى لا يخلف وعده، وإذا كان الشيطان يهدد الناس بالفقر عند العطاء، ويأمركم بالفحشاء، فالله - تعالى - يبشر عباده بمغفرته ورضوانه ، بسبب · إنفاقهم فى السراء والضراء، ويعدهم على ذلك بالرزق الوفير، والفضل : الكبير فى الدنيا والآخرة . وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: «والله واسع عليم) تأكيداً لوعده : الذى وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم من فضله، أى والله - تعالى- مواسع الجود والعطاء والرحمة ، وسبحقق لكم ما وعدكم به من المغفرة . وتضعيف ما تنفقونه ، وهو مع ذلك عليم بأحوال عباده صغير هاوكبيرها، . وسيجازى الذين اتبعوا أوامره بجزيل الثواب، كما سيجازى الذين اتبعوا . وسوسة الشيطان بسوء العذاب. (١) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٠٣٢٩ ٨٠٨ الجزء الثالث ثم قال - تعالى - يؤتى الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوقى .. خيراً كثيراً ، . قال الإمام الرازى: « أعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل، فيه -.. على أن الأمر الذى أوجب لأجله ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ووعد الشيطان ترجحه الشهوة .. والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال .. والوهم . ولاشك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ. والخلل، وحكم والشهوة والنفس يوقع الإنسان فى البلاء الحكمة، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول، فهذا هو وجه النظم، (١). و «الحكمة، مشتقة من حكم بمعنى منع، لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فى الخطأ والضلال، ومنه سميت الحديدة التى فى اللجام وتجعل فى فم الفرس حكمة لأنها تمنعه من الجموح. أو هى فى الأصل مصدر من الإحكام وهو الإتقان فى علم أو عمل أو قول أو فيها كلها . والحكمة بالنسبة للإنسان صفة نفسية هى أساس المعرفة السليمة التى .. توافق الحق، وتوجه الإنسان نحو عمل الخير، وتمنعه من عمل الشر». فهى فيه مانعة ضابطة كسير به نحو الكمال والاستعانة. والعلماء فى المراد بها فى الآية الكريمة أقوال كثيرة أرجحها أن المرادبها: إصابة الحق فى القول والعمل، أو مى العلم النافع الذى يكون معه العمل به. والمعنى: أن الله - تعالى - الفاعل لكل شىء يؤت الحكمة لمن يشاء من. عباده، ومن « يؤت الحكمة فقد أونى خيراً كثيراً، لأن الإنسان إذا أوتى الحكمة يكون قد اهتدى إلى العلم النافع، وإلى العمل الصالح الموافق لماعلمه، وإلى الإيما بالحق، وإلى الاستجابة لكل خير والابتعاد من كل شر، وبذلك. یکون سعيداً فى دنياه وأخراه . (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٧٣ ٨٠٩ - سورة البقرة وفى الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (( لا حسد - أى لا غبطة - إلا فى اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على ملكته فى الحق، ورجل آتاه الله - تعالى- الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها)). ثم قال - تعالى - ((وما يذكر إلا أولو الألباب)). والألباب جمع لب وهو فى الأصل خلاصة الشىء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإنسان لأنه أنفع شىء فيه . والمراد بأولى الألباب هنا أصحاب العقول السليمة التى تخلصت من. شوائب الهوى، ودوافع الشر، فقد جرت عادة القرآن ألا يستعمل هذا التعبير إلا مع أصحاب العقول المستقيمة. أى : وما يتعظ بهذه التوجيهات القرآنية، وينتفع بشارها إلا أصحاب .. العقول الراجحة والنفوس الصافية التى اهتدت إلى الحق وعملت به، والتى أنفقت فى سبيل الله أجود الأموال وأطيبها لا أصحاب العقول الفاسدة. والتى استحوذ عليها الشيطان فأنساها ذكر الله، والتى ترى أن البخل بالمال هو الحكمة، وأن الإنفاق فى سبيل الله هو نوع من الإسراف والتبذير. فالجملة الكريمة تذييل قصد به مدح أولئك المؤمنين الصادقين، الذيين. استجابوا لتوجيهات دينهم ، فأصابوا الحق فى أقوالهم وأعمالهم. ثم بين - سبحانه - أنه عليم بما ينفقه المنفقون من صدقات سواء أكانت. سرأ أو جهراً وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب فقال - تعالى -: وَمَا أَنْفَقْتُ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّنْ نَذْرٍ فَإِنَّ الَهَيَعْلَهُ. ◌ُمَا لِلطّلِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿ إِن تُبُدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِمَّا هِىَّ وَ إِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْنُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكْ وَيُكَفِرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّه ◌ِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ نـ ٢٧١ ٨١٠ الجزء الثالث النفقة: هى العطاء العاجل فى باب من أبواب الخير. أما النذر: فهو التزام قربة من القربات أو صدقة من الصدقات بأن يقول: لله على نذر أن أفعل كذا من أنواع البر. أو إن شفى الله مريضى فسأفعل كذا. والمعنى: وما أنفقتم - أيها المؤمنون - من نفقة عاجلة قليلة أو كثيرة، أو التزمتم بنفقة مستقبلة وعاهدقم الله - تعالى - على القيام بها، فإنه - سبحانه- يعلم كل شىء ، ويعلم ما صاحب نياتكم من إخلاص أو رياء ، ويعلم ما أنفقتموه أهو من جيد أموالكم أم من رديتها، وسيجازى المحسن بإحسانه والمى. بإساءته. فالآية الكريمة بيان لحكم كلى شامل لجميع أفراد النفقات إثر بيان حكم ما كان منها فى سبيل الله - تعالى -. و(دماء فى قوله ((وما أنفقتم، شرطية أو موصولة والفاء فى قوله ((فإن الله يعلمه، رابطة لجواب الشرط إذا اعتبرنا ما شرطية، ومزبدة فى الخير إذا اعتبر ناها موصولة. و((من)) فى قوله(( من نفقة، بيانية أو زائدة. وقوله ((فإن الله يعلمه، كناية عن الجزاء عليه، لأن علم الله - تعالى - بالكائنات لايشك فيه السامعون، فأريد لازم معناه وهو الجزاء. وإنما كان لازما له لأن القادر لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المئ . . وهذه الجملة الكريمة مع إيجازها قد أفادت الوعد العظيم للمطيعين والوعيد الشديد للمتمردين، لأن الإنسان إذا أيقن أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه، فإن هذا اليقين سيحمله على الطاعة والإخلاص، وسيحضه على المسارعة فى الخيرات، خصوصاً وإن الجملة قد صدرت بأن المؤكدة، وقليت بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق الكامل للألوهية. قال بعضهم. وإنما قال - سبحانه - فإن اللّه يعلمه)، ولم يقل يعلمها لوجهين: الأول: أن الضمير عائد إلى الأخير - وهو النذر -، كما فى .قوله - تعالى - ((ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً)). والثانى: أن الكتابة عادت إلى مافى قوله (( وما أنفقتم من نفقة، لأنها ٨١١ سورة البقرة اسم كقوله: ((وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به، (١). وقوله (( وما للظالمين من أنصار، وعيد شديد للخارجين على طاعة الله أى: ليس للظالمين أى نصبر أو مغيث بمنع عقوبة الله عنهم. والمراد بالظالمين: الواضعون الأشياء فى غير موضعها التى يجب أن توضع فيها، والنار كون لما أمرهم الله به، فيندرج فيهم الذين يبطلون ضدقاتهم بالمن والأذى والرياء ، والذين يتصدقون بالردى. من أموالهم، والذين ينفقون أموالهم فى الوجوه التى نهى الله عنها، والذين لم يوفوا بنذورهم التى عاهدوا الله على الوفاء بها، كما يندرج فيهم كل من ارتكب ما نهى الله عنه أو أهمل فينا كلفه الله به. ثم بين - سبحانه - أن الصدقة متى صدرت عن المسلم بالطريقة التى دعت إليها تعاليم الإسلام فإنها تكون مرجوة القبول عند الله - تعالى- سواء أفعلها المسلم فى السر أم فى العلن، فقال - تعالى -: «إن تبدو الصدقات خعما هى وإن تختموها وتزفوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير)». الصدقات: جمع صدقة وهى ما يخرجه المسلم من ماله على جهة القربة، وتشمل الفرض والتطوع، وهى مأخوذة من الصدق بمعنى صدق النية .وتخليصها من كل ما نهى الله عنه، وسمى - سبحانه - مايخرجه المسلم من ماله . .صدقة لأن المال بها يزكو وينمو ويطهر . والفاء فى قوله: ((فنعما هى) واقعة فى جواب الشرط. و«نجماً. أصلها نعْمٍ ما، فأدغمت إحدى الميمين فى الأخرى ، ونعم فعل ماض، وما فكرة تامة بمعنى شىء، وهى منصوبة على أنها تمييز، والفاعل ضمير مستتر فى فهم . والمعنى: إن تبدو صدقاتكم - أيها المؤمنون-وتظهروما فنعم شيئاً إبداؤها وإعلانها، لأنه يرفع التهمة، وبدء و أهل الخير إلى الاقتداء بهذا الفعل الحسن. (١) تفسير الفخر الرازى × ٧ ص ٧٤ ٨١٢ الجزء الثالث وجاء التعبير بمدح المعلنين صدقتهم بقوله «فنعما هى) الإشارة إلى أن. المسلم متى دفع مدقته لمستحقيها بنية خالصة، فإنه يكون مدوحاً من الله - تعالى - وممدوحاً من الناس الذين شاهدوا عليه عمله الصالح. 1 هذه صدقة الجهر إذا خلصت من الرياء أما صدقة السر فقد أثنى الله على. فاعلها بقوله:(( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم، أى: وإن تخفوا الصدقات وتعطوها للفقراءسراً، دون أن يراكم أحد من الناس، فعملكم هذا خير لكم عند الله لأنكم بإخفائكم للصدقة ودفعها للفقير. سراً تكونون قد ابتعدتم عن الرياء، وسترتم حال هذا الفقير المحتاج. وقوله ((ويكفر عنكم من سيئاتكم، أى أنه - سبحانه - يستر السينات. التى يرتكبها الشخص، ويخفيها ولا يظهرها عند إثابته إياه على فعله الحسن لأن ما فعله من حسنات مسح ما فعله من سيئات فهو كقوله - تعالى - ((وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى. الذاكرين، و((من)) فى قوله (( من سيئاتكم، بيانية بمعنى أن الصدقات تكفر السيئات ، لأن المسلم إذا بذل ماله فى سبيل الله بصدق وإخلاص، كان أهلا المثوبة الله ومغفرته، ويجوز أن تكون للنبعيض أى يكفر عنكم بعض سيئاتكم .. بمقدار ما قدمتم من صدقات لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((والله بما تعملون خبير)) أى أن الله - تعالى - عليم عداً دقيقاً بكل ما تعملونه أيها المؤمنون ، فعليكم أن تخلصوا له أعمالكم، وأن تراقبوه فى مركم وجهر كم، وأن تسارعوا فى عمل الخيرات التى ترفع درجاتكم عند خالقكم . وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد مدحت صدقتى الجهر والسر متى كان المتصدق متبعاً آداب الإسلام وتوجيهاته، ومبتعداً عن كل ما يبطل. الصدقات ، ويحبط الأعمال . ثم ختمت السورة حديثها عن النفقة والمتفقين ببيان حسن عاقبة من. ٨١٣ سورة البقرة يبذل ماله فى سبيل الله، وبيان صفات بعض المستحقين للصدقة، وببيان أن هداية البشر إنما هى بيد الله - تعالى - وحده، فقال - تعالى -: ◌َّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنُهُمْ وَلَكِنَّ الَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيٍْ قَلِأَ نْفُسِكُمْ وَمَاتُنْعِقُونَ إِلّ ◌َبْتِغَاءٌ. وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنُمْ لَ ◌ُظْلُونَ (١) ◌ِلُغُقَرَآءِالّذِينَ أُحْصِرُواْفِى سَبِ اللهِلاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِ الْأَرْضِ يَحْسَبُ الْجَامِلُ أَغْنِيَةُ مِنَ التَّعَفَّفِ تَعرِفُهُم بِسِمَنُهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّسَ إِلَخَافَا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيٍْ فَإِنَّاللَّ بِهِ، عَلِيمُ ﴾ الّذِينَ يُنِّقُونَ أَمْوَهُ بِلَِّ وَالنَّهَارِ مِنَّا وَعَلَائَِةً فَهُمْ أَُْهُمْ عِندَ رَبِهِمْ أَلَا خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٤ قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى - : « ليس عليك هدام، هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبى (صلى الله عليه وسلم) فى سبب نزول - هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقرا. المسلمين قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا تقتصدقوا إلا على أهل دينكم). فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وروى عن ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بنى قريظة والنضير كانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم فى أن يسلموا إذا احتاجوا فتزات الآيه بسبب أولتك. ثم قال: قال علماؤنا: هذه الصدقة التى أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هى صدقة التطوع، وأما ٧١٤ الجزء الثالث المفروضة فلا يجزى. دفعها لكافر ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم)) (١). ١ والمعنى: ليس عليك يا محمد هداية من خالفك فى دينك. ولكن الله - تعالى - هدى من يشاء هداينه إلى أور الإيمان، وطريق الحق. وما دامٍ الأمر كذلك فعليك وعلى اتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة فى الخاق، وعدف على المحتاجين حتى ولو كانوا من المخالفين لكم فى الدين . وعلى هذا المعنى الذى يؤيده سبب النزول ! ون الضمير فى قوله ((هدأهم)) يعود على غير المسلمين. ومن المفسرين من يرى أن الضمير فى قوله «هداهم، يعود إلى المسلمين. المخاطبين فى الآيات السابقة، فيكون المعنى: لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعاً مهديين إلى الإتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والآذی والرباء فى صدقتهم، ولکن الله وحده هو الذى مدى من يشاء هدايته إلى الإستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف. قال الآلوسي: وعلى هذا الرأى تكون الجملة معترضة جىء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين (مَّ اللّه) مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة فى حملهم على الامتثال .. ثم قال: والدى يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير((هداهم) إلى الكفار، وحينئذ لا النفات، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط .... )، (٢). ثم خص - سبحانه - المؤمنين على الإنفاق فى وجوه الخير فقال: «وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ، أى : ما تقدمونه من مال فى وجوه البر - أيها المؤمنون - فإن نفعه سيعود عليكم بالسعادة فى الدنيا، وبالثواب الجزيل فى. الآخرة، فكونوا أ. خياء فى الإحسان إلى الفقراء، وابتعدوا عن وسوسة 1 (١) تفسير القرطبى = ٣ ص ٢٣٧ (٢) تفسير الآلوسى = ٣ ص ٤٥ بتصرف وتلخيص: ٢ ٨١٥ سورة البقرة الشيطان الذى (( بعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)). و ((ما)، شرطية جازمة لتنفقوا، وهى منتصبة به على المفعوليه، و((من)). للتبعيض وهى متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير : أى شىء تنفقوا كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به فى الآخرة غيرها . قال الفخر الرازى ما ملخصه: وقوله - تعالى - ((وما تنفقون إلا ابتغاء. وجه الله، يحتمل وجوها الأول: أن يكون المعنى: واستم فى صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبغون بذلك وجه اه فى صلة رحم ومدخلة مضطر» وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم . الثانى: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهى أى: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله. الثالث: أن قوله: ((وما تنفقون)) أى ولا تكونوا مثفقين مستحقين الاسم الذى يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. وفى ذكر الوجه تشريف عظيم. لأنك إذا قلت: فعلت هذا الشىء لوجه زيد فهو أشرف فى الذكر من قولك: فعلته له لأن وجه الشىء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ، وأيضاً فإن قولك: فعلت هذا الفعلى لوجهه يدل على أنك فعلت. الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة »(١). ثم ختم - سبحانه - الآبة بقوله: «وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم. لا تظلمون ، أى: أن ما تنفقونه من خير - أيها المؤمنون ستعود عليكم ثمار. ومنافعه فى الدنيا والآخرة ، أما فى الدنيا فإنكم بسبب هذا الإنفاق فتر كوا أموالكم، وتحسن سيرتكم بين الناس ، وأما فى الآخرة فإنكم تنالون من .. خالقكم ورازقكم أجزل الثواب ، وأفضل الدرجات . وقوله ((وأنتم لا تظلمون، أى لا تنقصون شيئاما وعدكم الله به على تفقتكم فى سبيله . (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ صفحة ٠٨٣ ٨١٦ الجزء الثالث قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله - تعالى - ((وما تنفقوا من خير يوف إليكم وقوله ((وأنتم لا تظدون، تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهى قوله: (( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)). وقوله (( وأنتم لا تظلون) جملةمن مبتدأ وخبر فى محل نصب على الحال من الضمير فى ((إليكم ، فالعامل فيها ((يوف، وهى تشبه الحال المؤ كدة لأن معناها مفهوم من قوله ((بوف إليكم، لأنهم إذا وفوا حقوقهم لم يظلموا . ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظالم فيندرج فيه قوفية أجورهم بسبب إنفاقهم فى طاعة الله - تعالى - اندراجا أولياً، (١). هذا، والذى يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التى وردت فى الحض على بذل المال فى وجوه الخير، فقد كرر فيها فعل «تنفقون)) ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله ، وجىء به مرتين بصيغة الشرط عندقصد جيان الملازمة بين الإنفاق والثواب ، وجاءت كل جملة منها مستقلة ببعض الأحكام لكى يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال . ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال فى وجوه الخير،خص - سبحانه - بالذكر طائفة من المؤمنين هى أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحملى العقلاء على المسارعة فى اكرام أفرادها وسد حاجتهم . استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائمة من المؤمنين تصويرا كريما فيلا يستجيش المشاعر، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفه المتعفقة فيقول. للفقراء، الذين أحصروا فى سبيل الله، لا يستطيعون ضربا فى الأرض ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم ، " لا يسألون الناس إلحافاً). (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ صفحة ٢٢٥. بتصرف يسير. ٨١٧ سورة البقرة لقد وصفهم الله - تعالى - أولا بالفقراء، أى الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ضروريات الحياة. وقوله «الفقراء، متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق والتقدير: اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه الإنفاق فى سبيل الله، وما يتعلق بذلك من آداب وفوائد. والجملة استئناف بيانى، فكانهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هى؟ فأ جيبوا بأنها لهؤلاء الذين ذكرت الآية صفائهم. ومن فوائد الحذف هنا المتعلق: تعليم المؤمنين الأدب فى عطائهم للفقراء بأن لا يصر حوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعروهم بالمذلة والضعف ، وأيضاً ففى هذا الحقف لون من الإيجاز البليغ الذى قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى . قال القرطبى: والمراد هؤلاء الفقراء، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر. وإنماخص ... فقراء المهاجرين بالذكر، لأنه لم يكن هناك -واهم، وهم أهل الصفة (١) وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء ومالهم أهل ولأمال فينيت لهم صفة فى المسجد النبوى بالمدينة فقيل لهم : ٠ أهل :"الصفة (٢). أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولى الناس بالعون ... والمساعدة فهى قوله - تعالى - ((الذين أحصروا فى سبيل الله)). والإحصار فى اللغة هو أن يعرض الرجل ما يحول بينه وبين ما يريده (١) الصفة - بضم الصاد وتشديد الماء - اسم الموضع بناء النبى - صلى الله - عليه وسلم - فى المسجد النبوى بالمدينة ليأوى إليه فقراء المهاجرين الذين تركوا أموالهم يمكة وهاجروا إلى المدينة لإعلاء كلمة الله . (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٠٣٣٩ (م ٥٢ - البقره ) ٨١٨ الجزء الثالث بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجرى مجرى». هذه الأشياء. والمعنى: إجعلوا الكثير ما تنفقونه - أيها المؤمنون - هؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات المتنوعة التى من أعظمها الجهاد فى سبيل الله، أو الذين منعوا من الكسب بسبب مرضهم. أو شيخوختهم ، أو غير ذلك من الأسباب التى جعلتهم فى حالة شديدة .. من الفاقة والاحتياج . وعمر فى الجملة الكريمة , بأحصروا)، بالبناء للمجهول، للإشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم فى مباشرة الأسباب، وإنما كان. لأسباب خارجة عن إرادتهم. وقوله (( فى سبيل الله، تكريم وتشريف لهم، أى أن ما نزل بجم من فقر واحتياج كان بسبب إيشارهم إعلاء كلمة الله على أى شىء آخر ، ففى سبيل الله هاجروا، وفى سبيل الله تركوا أموالهم فصارو فقراء، .. وفى سبيل الله وقفوا أنفسهم على الجهاد، وفى سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون أداء ما كلفهم - سبحانه - بأدائه. أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها(( لا يستطيعون ضربا فى الأرض». . والضرب فى الأرض هو السير فيها للكسب والتجارة وغيرهما . أى أنهم عاجزون عن السير فى الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم .. بالجهاد، أو بسبب ضعفهم وذلة ذات يدهم. والصفة الرابعة من صفاتهم هى قوله - تعالى - «يحسبهم الجاهل أغنيا. من التعفف ». والتعفف : ترك الشىء والتنزه عن طلبه، بقهر النفس والتغلب عليها. يقال عف عن الشىء يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن . أى يظنهم الجاهل بحالهم، أو الذى لا فراسة عنده، يظنهم أغنياء من .. ٨١٩ سورة البقرة أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال ، أما صاحب الفراسة الصادقة ، والبصيرة النافذة « فإنه يرحمهم ويعطف عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره. و ((من)) فى قوله((من التعفف، للتعليل، أو لابتداء الغاية لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان . أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى - ,تعرفهم بسيماهم)) والسيما والسيماء : العلامة التى يعرف بها الشىء ، وأصلها من الوسم بمعنى العلامه . ٠ والمعنى: تعرف فقرهم وحاجتهم - أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن. العاقل - بما ترى فى هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم. قال الإمام الرازى ما ملخصه : قال مجاهد: «سماهم، التخشع والتواضع. أى - تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم - وقال السدى : - تعرفهم بسيماهم - أى بأثر الجهد من الفقر والحاجة . وقال الضحاك : أى بصفرة ألوانهم. ورثاثة ثيابهم ... ثم قال - رحمه الله -: وعندى أنكل ذلك فيه نظر والمراد شىء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً فى قلوب الخلق، وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراكات روحانية ، لا علامات جسمانية . ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ماوقعت ، والبازى إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لاجسمانية فكذا هنا .... (١). وقد ذكر - سبحانه - فى الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من أجل تعففهم عن السؤال ، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم ، وذلك للإشعار بأن أنظار الناس تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم. فأصحاب الأنظار التى تأخذ الأمور بمظاهرها يظنوهم أغنياء ، أما أصحاب البصيرة المستنيرة ، والحس المرهف ، والفراسة الصائبة ، فإنهم يدر كون ما عليه أولئك القوم من احتياج ، بسبب ما منحهم الله من فكر صائب (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٨٦ ٨٢٠ الجزء الثانى ونظر نافذ، وفى الحديث الشريف: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، (١) . أما الصفة السادسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى -، ((لا يسألون الناس إلحافاً ، والإلحافى - كما يقول صاحب الكشاف -: هو الإلحاح بأن لا يفارق - السائل المسئول - إلا بشىء بعطاء. من قولهم: لأننى من فضل لحافه أى أعطانى من فضل ما عنده. ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وقيل هو نفى للسؤال والإلحاف)) (٢). والذى عليه المحققون من العلماء أن النفى منصب على السؤال وعلى الإلحاف أى أنهم لا يسألون أصلا تعففاً منهم، لأنهم لو كانوا يسألون ماظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس فى سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك. وإنما جاء النفى بهذه الطريقة التى يوهم ظاهرها أن النفى متجه إلى الإلجاف وحده، للموازنة بينهم وبين غيرهم ، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافاً فهم لا يألون مطلقاً لا بإلحافو لا بدونه، والدفى بهذه الطريقة فيه تعريض الملحفين وثناء على المتعففين . ولذا قال بعضهم: وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحاقاً والمراد الذفيه على -وطريقة من يسأل الناس إلحافاً، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور قليل الكلام، والآخر طياش بهذار -فيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت : فلان رجل عاقل وقور لا بخوض فى الترهات ولا يشرع فى السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض فى الترهات وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغنى عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمة الثانى. فالأمر هنا كذلك لأن قوله: « لا يسألون الناس إلحاقاً، بعد قوله (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٢٤ (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٧٨