النص المفهرس

صفحات 781-800

٧٨١
سورة البقرة
الإفك لم تلبث يوما أو بعض يوم فى الموت كما تظن، بل لبثت مائة عام. فإن
كنت فى شك من ذلك فانظر إلى طعامك،شرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل
-قدرتنا، فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام
بل بقى على حالته. وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه، وتفرقت أو صاله،
مما يشهد بأنه قد مرت عليه السنوات الطويلة .
وقوله ((ولنجعلك آية للناس، معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر
-قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق، والتقدير: فعلنا ما فعلنا لترى
. وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله، ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث
وقوله: ((وانظ إلى العظام كيف تنشرها ثم نكسوها لحما، أى انظر وتأمل
فى هذه العظام کیف تر کب بعضها فى بعض بعد أن نو جدها !.
وقيل المعنى: وانظر إلى العظام أى عظام حمارك التى تفرقت وتناثرت
لتشاهد كيف ترفعها من الأرض فتردها إلى أما كنها فى جسده ..
قال ابن كثير: قال الندى وغيره: تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله
-فنظر إليها وهى تلوح من بياضها، فبعث الله ريها فجمعتها من كل موضع، ثم
ركب كل عظم فى موضعه، وذلك كله بمرأى من العزير، (١).
وجاء الضمير فى قوله : لم يتسنه)) بالإفراد مع أن المتقدم طعام وشراب،
لأنهما متلازمان بمعنى أن أحدهما لا يكتفى به عن الآخر فصارا بمنزلة شىء
واحد ، فكأنه قال : انظر إلى غذائك .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: (( فلما تبين له قال أعلم أن الله علی کل
شىء قدير)) أى: فلما تبين له بالأدلة الناصعة، وبالمشاهدة الحسية قدرة الله
- تعالى- على الإحياء والإماقة، وعلى البعث والنشور قال أعلم أى أستيقن وأومن
وأعتقد أن الله - تعالى - على كل شىء قدير، وأنه - سبحانه - لا بعجزه شى ..
والفاء فى قوله (فلما تبين له ... ) عاطفة على مقدر يستدعيه المقام فكأنه قيل :
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣١٤.

٧٨٢
الجزء الثالث
رفع الله العظام من أماكنها وأكساما لحما فلما تبين له ذلك وتيقته قال أعلى.
أن الله على كل شىء قدير. وفاعل (قبين) مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير:
فلما تبين له كيفية الإحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء
الموتى قال أعلم أن الله على كل شىء قدير .
تلك هى القصة الأولى التى ساقها الله - تعالى كدليل على قدرته وعلى
صحة البعث والنشور . أما القصة الثانية التى تؤكد هذا المعنى فقد حكاها
القرآن فى قوله: ( وإذ قال إبراهيم رب أرى كيف تحمى الموتى) أى:
وأذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قال إبراهيم - عليه السلام- مخاطباً
خالقه - سبحانه - : رب أرنى بعينى كيف تعيد الحياة إلى الموتى.
وفى قوله (رب) تصريح بكال أدبه مع خالقه - عز وجل - فهو قبل أن
يدعوه يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة، والألوهية التامة، ويلتمس منه.
معرفة كيفية إحياء الموتى، فهو لا يشك فى قدرة الله ولا فى صحة البعثة.
- وحاشاه أن يفعل ذلك - فهو رسول من أولى العزم من الرسل، وإنماهو
يريد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن مرتبة البرمان إلى.
مرتبة العيان، فإن العيان يغرس فى القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة.
والاطمئنان .
وقد ذكر المفسرون السؤال إبراهيم - عليه السلام - أسبابامنها: أنه لما قاله
النمرود ( ربى الذى يحيى ويميت) أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة.
وقد أجاب الخالق - عز وجل - على طلب إبراهيم بقوله: (أو لم تؤمن) أى:
أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنى قادر على الإحياء وعلى كل شىء ؟
فالجملة الكريمة استئناف مبنى على السؤال، وهى معطوفة على مقدر ،.
والاستفهام للتقرير. وهنا يحكى القرآن جواب إبراهيم على خالقه-عز وجل-
فيقول: ((قال بلى ولكن ليطمئن قلبىء. أى قال إبراهيم فى الرد على سؤال ربه لهم

٧٨٣
سورة البقرة
( أو لم تؤمن )؟ بلى يارب آمنت بك وبقدرتك وبوحدانيتك إيمانا صادقه:
كاملا، ولكنى سألت هذا السؤال ليزداد قلبى سكونا واطمئنانا وإيمانا لآن.
من شأن المشاهدة أن تغرس فى القلب سكونا أعمق، واطمئنانا أشد، وإيمانا.
أقوى، وأنا فى جميع أحوالى مؤمن كل الإيمان بقدرتك ووحدانيتك.
يارب العالمين.
قال القرطبى ما ملخصه: لم يكن إبراهيم شاكافى إحياء الله الموزّ قط.
وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به،
ولهذاجاء فى الحديث (ليس الخبر كالمعاينة)، قال الأخفش: لم يرد إبراهيم
رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسين: سأل ليزداد بقينا
إلى يقينه .
وأما قول الرسول - عيّ الجه -: «نحن أحق بالشك من إبراهيم.
فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه ، ونحن لا نشك فإبراهيم
- عليه السلام - أحرى ألا يشك، فالحديث مبنى على نفى الشك عن إبراهيم ..
وإذا تأملت سؤاله - عليه السلام - وسائر الفاظه الآتية لم تعط شكا ، وذلك ..
أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شىء موجود متقرر الوجودعند
السائل والمسؤول، وكيف هنا إنما هى استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء.
متقرر، - فسؤال إبراهيم إنما هو عن الكيفية لا عن أصل القضية ... )) (١).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال له ،أو لم تؤمن)) وقد علم
أنه أثبت الناس إيمانا؟ قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة
السامعين. و «بلى (( إيجاب لما بعد النفى معناه: بلى آمنت. وقوله ((ولكن.
ليطمئن قلبى، أى ليزداد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة - أى علم.
المشاهدة - إلى علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضرورى،
فأراد بطمأنينة القلب العلم الذى لا مجال فيه للتشكيك . فإن قلت: بم تعلقت ..
(١) تفسير القرطبى = ٣ ص ٢٩٧.

٧٨٤
الجزء الثالث
"اللام فى قوله (( ليطمئن)) قلت بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة
طمأنينة القلب)، (١).
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كان من جواب الخالق - عزوجل -على نبيه
إبراهيم فقال: (( قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل
جبل منهن جزءا ثم ادعهن باتينك سعيأ).
قوله ( فصرهن إليك) أى فاضممن إليك - قرىء بضم الصادوكسرها
وتخفيف الراء - يقال: صاره يصوره ويصيره، أى أماله وضمه إليه. ويقال
- أيضاً صار الشىء بمعنى قطعه وفصله والمعنى: قال الله - تعالى - لإبراهيم:
إذا أردت معرفةما سألت عنه فخذ أربعة من الطير فاضمعهن إليك لتتأملين
وتعرف أشكالهن وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإحياء، ثم اذبحهن
وجزئهن أجزاء ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) أى ثم اجمل على
كل مكان مرتفع من الأرض جزءا من كل طائر من تلك الطيور ثمنادهن
بأنينك مسرعات إليك . والفاء فى قوله (فخذ) هى التى تسمى بالفاء
الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أى : إذا أردت ذلك فخذ ..
وقوله ( من الطير ) متعلق بمحذوف صفة لأربعة أى فخذ أربعة كائنة من
الطير، أو متعلق بقوله (خذ) أى خذ من الطير. والطير اسم جمع-كر كب.
وسفر - وقيل هو جمع طائر مثل تأجر وتجر. قالوا: وهذه الطيور الأربعة
هى الطاووس والنسر والغراب والديك .
ومما قالوه فى اختيار الطير لهذه الحالة : أن الطير من صفاته الطيران،
وأنه لا يستأنس بالإنسان بل يطير بمجرد رؤيته لسهولة تأتى ما يفعل به من
التجزئة والتفرقة .
وقوله (( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، معطوف على محذوف دل
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٠٨.

٠ ٧٨٥
سورة البقرة
عليه قوله ((جزءاء لأن تجز ئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير: فأذبحهن ثم
*جعل .. الخ. وقوله ,ثم ادعهن، أى قل هن تعالين بإذن الله.
وقوله ( يأتينك) جواب الأمر فهو فى محل جزم، (سعياً) منصوب
على المصدر النوعى، لأن السعى نوع من الإنيان فكأنه قيل : يأتينك
إتيانا سريعاً:
قال الفخر الرازى : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن،
وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض-وفعل
٤) أمره الله، ثم قال لهن تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعدأن أنضم كل
جز. إلى أصله - ثم قال: ولكن أبا مسلم أنكر ذلك وقال: إن إبراهيم !!
طلب إحياء الميت من الله - تعالى - أراه الله مثالا قرب به الأمر عليه،
والمراد بصرهن إليك: الإمالة والتمرين على الإجابة. أى: فعود الطيور
الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأنتك، فإذا صارت كذلك
فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته، ثم ادعونيأنينك سعياً، والغرض.
منه ذكر مثال محسوس فى عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل
: السهولة .. )(١).
والذى يطمئن إليه القلب هو رأى الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة
تجرى على بد إبراهيم وهى إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل
الذى أماته الله مائة عام والذى جاء ذكره فى الآية السابقة، ولأن ظاهر
. الآية صريح فى أنه حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها على
مرتفع من الأرض، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز حمل المعنى على غير
- هذا الظاهر، كما لا يجوز تحميل الألفاظ ما لا تحتمله. وما ذهب إليه
أبو مسلم هو قول بلا دليل فضلا عن مخالفته لما عليه إجماع المفسرين.
ثم ختم - سبحانه-الآية بقوله (واعلم أن الله عزيز حكيم) أى واعلم أن
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٤٤ (٢ ٥٠ - البقرة)

٧٨٦
الجزء الثالث
الله - تعالى - غالب على أمره، قاهر فوق عباده، حكيم فى كل شئونه وأفعاله.
وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على قدرة الله
- تعالى - وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع، وعلى أن ما أخبر به من
صحة البعث والنشور حق لا ريب فيه .
ثم حض الله - تعالى - عباده على الإنفاق فى سبيله، ووعدهم على ذلك
بجزيل الثواب ، فقال - تعالى - :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ
كُثَلِ حَبَّةٍ أَنْيَقَتْ سَبْعَ سَنَاِلَ فِى كُلِّ سُنْلَةٍ مِنَّةُ حَّةٍ وَاللهُ
قد
: يُضِّفُ لِمِنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٦) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَهُمْ
فِى سَبِلِ الهِثُمَ لَ يْعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّى ◌َّهُمْ أَجُهُمْ عِنَْ
:(رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفٌ عَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (َ
ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا فى صدقة عبد الرحمن بنعوف
وعثمان بن عفان، وذلك أن رسول الله - صَّ له- لما حث الناس حين أراد
الخروج إلى غزوة تبوك، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال: يارسول ..
الله كانت لى ثمانية آلاف فأمسكت لنفسى واعيالى أربعة آلاف ، وأربعة
آلاف أفرضتها لربى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بارك الله
لك فما أمسكت وفيما أعطيت)). وجاء عثمان بألف دينار فى جيش العسرة
فصبها فى حجر الرسول - بطي - قال عبد الرحمن بن سمرة - راوى».
الحديث - فرأيته - صلى الله عليه وسلم - يدخل يده فيها ويقلبها ويقول:

٧٨٧
سورة البقرة
«ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان)). وقال
أبو سعيد الخدرى: رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - رافعا يديه يدهو
امثمان ویقول: (( يا رب عثمان إنی رضیت عن عثمان فارض عنه».
ونزول هاتين الآيتين فى شأن صدقة هذين الصحابيين الجليلين لا يمنع
من شمولهما لكل من نهج نهجهما، وبذل من ماله فى سبيله الله.
و«المثل، الشبه والنظير، ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة
مضربه لمورده الذى ورد فيه أولا. ثم أستعير للصفة أو الحال أو القصة
إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية.
و((الحية، كما يقول القرطبى - اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم
ويقتاته، وأشهر ذلك البُرُ فكثيرا ما يراد بالحب .
وسنبلة - بوزن فنعلة - من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أى استرسل
بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال. وقيل: معناه صار فيه حب مستور كما
يستر الشىء باسبال الستر عليه. والجمع سنابل.
والمعنى: مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، أى : فى
طاعته، كمثل حبة ألقيت فى أرض طيبة ، أصابها الغيث ، فخرجت الحبة
على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت فى الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل
فى كل سنبلة مائة حبة .
فأنت ترى أن الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التى يبذلها المؤمن
فى سبيل الله فيكافته الله - تعالى- عليها بالثواب العظيم، بحال الحبة التى تلقى
فى الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب، فى كل
شعبة سنبلة ، وفى كل سنبلة مائة حبة . وفى هذا التشبيه ما فيه من الحض على
الإنفاق فى وجوه الخير، ومن الترغيب فى فعل البر ولا سيما النفقة فى
الجهاد فى سبيل الله .
(١) تفسير القرطبى : ٣ ص ٣٠٢، ٠٣٠٦

٧٨٨
الجزء الثالث
قال ابن كثير : وهذا المثل أبلغ فى النفوس من ذكر عدد للسبعمائة .
فإن هذا فيه اشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - تعالى - لأصحابها كما
ينمى الزرع لمن بذره فى الأرض الطيبة ، (١).
وقال - سبحانه ـ«كمثل حبة أفبتت، فأسند الإنبات إلى الحبة، مع أن
المنبت فى الحقيقة هو الله، وذلك لأنها سبب لوجود تلك السنابل المليئة
بالحبات ، ولأنها هى الأصل لما تولد عنها .
ثم قال - تعالى - ((والله يضاعف لمن يشاء، أى والله - تعالى -
يضاعف الثواب والجزاء أضعافاً كثيرة لمن يشاء من عباده ، فيعطى
بعضهم سبعمائة ضعف ، ويعطى بعضهم أكثر من ذلك، لأن الصدقة مختلف
ثوابها باختلاف حال المتصدق ، فمتى خرجت منه بنية خالصة، وقلب سليم،
ونفس صافية، ومن مال حلال، ووضعت فى موضعها المناسب، متى كانت
كذلك كان الجزاء عليها أوفر، والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف،
إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود ، وثوابه ليس له حساب
معدود .
ولذا ختم - سبحانه - الآية بقوله: (والله واسع عليم، أى والله - تعالى-
عطاؤه واسع، وجوده عميم، وفضله كبير، وهو - تعالى- عليم بنيات عباده
وبأقوالهم وبأفعالهم وبسائر شئونهم ، فيجازى كل إنسان على حسب
فيته وعمله .
وقوله - تعالى -: ((الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، استئناف جىءبه
لبيان كيفية الإنفاق الذى يحبه الله، ويجازى عليه المنفقين بالجزاء العظيم.
وقوله (( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، تحذير للمتصدق من هاتين
الصفتين الذميمتين لأنهم: مبطلتان لثواب الصدقة .
والمن معناه: أن يتطاول الحسن بإحسانه على من أحسن إليه، ويتفاخر
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٣١٦

٧٨٩
سورة البقرة
عليه بسبب ما أعطاه من عطايا . كأن يقول على سبيل التفاخر والتعبير:
لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك .
قال الإمام الرازى ما ملخصه: والمن فى اللغة على وجوه: فقد
بأتى بمعنى الإنعام . يقال: قد من اللّه على فلان. إذا أنعم عليه
بنعمة. وقد يأتى بمعنى النقص من الحق والبخس له . قال - تعالى -
((وإن لك لأجرا غير منون ، أى غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت
منونا لأنه يقطع الأعمار، ومن هذا الباب المئة المذمومة لأنها تنقص النعمة
وتكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة .
والمراد بالمن فى الآية المن المذموم الذى هو بمعنى إظهار الاصطناع
إليهم)، (١).
وقال صاحب الكشاف: المن: أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه،
ويربه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاله، وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة
فانسوها . ولبعضهم .
وإن أمرأ أسدى إلى صنيعة وذكرفيها إنه الثيم.
وفى قوابغ الكلم: صفوان: من منح سائله ومن، ومن منع فائله وضن»(٢)
والمراد بالأذى فى الآية : أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه، أو يفعل
معه فعلا يسى. به إليه، وهو أعم من المن، إذ المن نوع من الآذی لکنه نص
عليه لكثرة وقوعه .
وجاء العطف بثم فى الجملة الكريمة ، لإظهار التفاوت الشديد فى الرقبة بين
الإنفاق الذى يحبه الله، وبين الإنفاق الذى يصاحبه المن والأذى، والإشعار
بأن المن والأذى بغيضين عند الإنفاق وبعده، فعلى المتفق أن يستمر فى أدبه
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص ٤٩.
(٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣١١

٧٩٠
الجزء الثالث
وإخلاصه وقت الإنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه، إذالمن والأذى مبطلان
الثواب فى أى وقت يحصلان فيه .
قال الشيخ ابن المنير مبيناً أن ((ثم)) هنا تفيد استمرار الفعل بجانب
إفادتها للتفاوت فى الرتبة: وعندى فيها - أى فى ثم - وجه آخر محتمل
فى هذه الآية ونحوها . وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء
الطول فى استصحابه . فهى على هذا لم تخرج عن الإشعار ببعد الزمن، ولكن
معناها الأصلى تراخى زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناها المستعار إليه دوام
وجود الفعل وتراخى زمن بقائه. وعليه حمل قوله - ((ان الذين قالوا
ربنا اله ثم استقاموا، أى: داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا محمد
الأمد .. وكذلك قوله هنا (« ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، أى
بدومون على تناسى الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان
والأذى .. )) (١)
وكرر - سبحانه - النفى فى قوله «ثم لا يتبعون ما أنفقوامنا ولا أذى))
التأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما، أى يجب ألا يقع منهم أى نوع
من أنواع المن ولا أى نوع من أنواع الأذى . حتى لقد قال بعض الصالحين:
(« أنن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغى بها وجه الله،
فلا تسلم عليه » .
مسـ
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال: لهم
أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أى: لهم جزاؤهم العظيم
مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم ، عند مربيهم ومالك أمرهم ، ولا خوف
عليهم مما سيجدونه فى مستقبلهم، ولا هم يحزنون على ما ضيهم، وذلك
لأن الله - تعالى - قد أحاطهم برعايته فى دنياهم وأخراهم وعوضهم عمافارقوه
خير عوض وأكرمه .
(١) حاشية تفسير الكشافى ج ١ ص ٣١١ للشيخ أحمد بن المنير.

٧٩١
سورة البقرة
ثم كرر - سبحانه - التحذير من المن والأذى، مناديا المؤمنين بأن
يحتنبوا فى صدقاتهم هاتين الرذيفتين ، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من
إعطائه مع إيذائه، استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى وغيرها
بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول :
٤قَوْلُ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ.
خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَبَعُهَا أَذّى وَاللّهُغَنِىّ حَلِيمٌ(٥) يَدَأَيُّهَا الّذِينَ ءَأَنْوة
لَاتُطْلُوْ صَدَقَاتِكُمْ بِآلْمَنِّ وَاْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُورِفَآءَ النَّاسِ
وَلَيُؤْمِنُ بِلَّهِ وَالْيَوْمِآَخِ فَتَلُكَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ ◌َُبٌ فَأْصَابَهُ.
وَإِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًّا لََّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ فَِّّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا،
يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ()
والمعنى: ((قول معروف، بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجربه
خاطره، ويحفظ له كرامته ، ومغفرة، لما وقع منه من إلحاف فى السؤال ،
وستر لحاله وصفح عنه، «خير من صدقة يتبعها أذى ، أى خير من صدقة
يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه .
لأن الكلمة الطيبة للسائل، والستر عليه، والعفو عنه فيما صدر منه، كل
ذلك يؤدى إلى رفع الدرجات عند الله، وإلى تهذيب النفوس، وتأليف القلوب
وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال. أما الصدقة التى يتبعها
الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدى إلى ذهاب ثوابها، وإلى زيادة
الآلام عند السائلين ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم ، وعلى
صيانة ما. وجوههم، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا فى نفوسهم

٧٩٢
الجزء الثالث
من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى، لأن ألم الحرمان يخفف الصبر الذى . .
وراءه الفرج، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها قصيب النفوس .
الكريمة بالجراح التى من العسير النشائها وشفاؤها.
قال القرطبی : روى مسلم فى صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه ..
وسلم - قال: «الكلمة الطيبة صدقة ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه.
طلق)). فعلى المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة ...
والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعفوراً إن منع. وقد قال بعض الحكماء:
الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره)» (١).
وقوله: ((قول معروف) مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها.
وقوله: ((ومغفرة)) عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرةإذ.
التقدیر ومغفرةالسائل أو منالله و قوله:(خیر) خبر عنهما وقوله، يتبعها أذى» ...
فى محل جر صفة لصدقة .
ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ((والله غنى حليم)، أى والله - تعالى -.
غنى عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين . وإنما أمرهم بهما المصلحة تعود
عليهم. أو غنى عن الصدقة المصحوبة بالأذى فلا يقبلها. ((حليم)، فلا يعجل.
بالعقوبة على مستحقها، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل.
والجملة الكريمة قذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد ، والترغيب
والترهيب .
وقوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى» ..
نداء منه - سبحانه - للمؤمنين بكرر فيه نهيهم عن المن والأذى، لأنهما
يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله - تعالى - وإلى عدم الشكر من الناس ، ..
(١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٠٣٠٩

٧٩٣
سورة البقرة
وإذا جاء فى الحديث الشريف: إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر.
ويمحق الأجر .
ثم أكد - سبحانه - هذا النهى عن المن والأذى بذكر مثلين فقال فى ..
أولهما: (( كالذى ينفق ماله راء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)).
والمعنى. يا من آمنتم بالله - تعالى - لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا.
أجرها، وتمحقوا ثمارها، بسبب المن والأذى ، فيكون مثلكم فى هذا
الإبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام ، كمثل المنافق الذى ينفق
ماله من أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغى به رضاء اللّه ولا ثواب.
الآخرة، لأنه كفر بالله، وكفر بحساب الآخرة.
وفى هذا التشبيه تنغير شديد من المن والأذى لأنه - سبحانه - شبه حال
المتصدق المنصف بهما فى إبطال عمله بسببها بحال هذا المنافق المرائى الذى.
لا يؤمن باللهواليومالآخر و قوله«کالذی .. ، الكاف فى محل نصب على أنها نعت
وقوله «كالذى ... )، الكاف فى محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف
أى: لا تبطلوها إبطالا كابطال الذى ينفق ماله رثاء الناس ... أو فى محل.
نصب على الحال من فاعل ((قبطلوا، أى لا تبطلوها مشابهين الذى ينفق.
ماله رثاء الناس .
وقوله («رثاء)) منصوب على أنه مفعول لأجله أى : كالذى ينفق ماله من.
أجل بقاء الناس. وأما المثال الثاني فقال - سبحانه - فيه: (( فمثله كمثل ..
صفوان عليه .
وأما المثال الثاني فقال - سبحانه -: ((فمثله كمثل صفوان عليه فأصابه.
وأبل فتركه صلداً لا يقدرون على شىء مما كسبوا)).
((الصفوان) اسم جنس جمعى واحده صفوانة كشجر وشجرة وهو.
الحجر الكبير الأملس ، مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشىء مايشوبه.
يقال: يوم صفوان أى صافى الشمس. وقيل هو مفرد كحجر. و((الوابل» ..
المطر الشديد. يقال: وبلت السماء قبل وبلا ووبولا. اشتد مطرها، و(الصلد».

٧٩٤
الجزء الثالث
هو الشىء الأجرد النقى من التراب الذى كان عليه. ومنه رأس أصلد إذا
كان لا ينبت شعراً، والأصلد الأجرد الذى لا ينبت شيئاً مأخوذً من
عاد يصاد صلدا فهو صلد .
والمعنى: يأيها المؤمنون لاقبطلوا صدقائكم بالمن والأذى فيكسون مثلكم
كمثل المنافق الذى ينفق ماله من أجل الرياء لامن أجل رضا الله، وإن
مثل هذا المنافق فى انكشاف أمره وعدم انتفاء، بما ينفقه رباء وحباً للظهور
كمثل حجر أملس لا يثبت شيئاً ولكن عليه قليل من التراب الموهم اللناظر
إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته
وقبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإنبات أى شىء عليه.
فالتشبيه فى الجملة الكريمة بين الذى ينفق ماله رباء وبين الحجر الكبير
الأملس الذى عليه قدر رقيق من التراب سفر حاله، ثم ينزل المطر فيزيل
التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائى عارياً من أىشى. يستره. وكذلك
المنافق المرانى فى إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف
أمره لأن ثوب الرياء يشف دائماً بعما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه.
ومن المفرين من يرى أن التشبيه فى الجملة الكريمة بين المنفق الذى يبطل
صدقة بالمن والأذى وبين الحجر الأملس، وأن الضمير فى قوله, فمثله كمثل
صفوان. ، يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى. فيكون المعنى: لا
تبطلواصدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذى عليه
تراب كان يجى أن يكون منبتاً لزرع فنزل المطر فأزال التراب فيطل إنتاجه،
فالمن والأذى يطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع، كما يزيل المطر
التراب الذى يؤمل منه الإنبات من فوق الحجر الأملس.
والذى نراه أن عودة الضمير فى قوله ((فمثله، على الذى ينفق الهراء الناس
أظهر لأنه أقرب مذ كور، ولأن التشبيه فى قوله ((فمثله كمثل صفوان، قد جاء
بلفظ المفرد وهو المناسب الذى ينفق ما له رثاء الناس لأنه مفرد مثله ، بخلاف
قوله، لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، فإن الضمير فيه بلفظ الجمع،

٧٩٥
سورة البقرة
من الأولى أن يعود الضمير فى قوله (فمثله) إلى المرائى لتوافقهما فى الأفراد
ثم قال - تعالى - ( لا يقدرون على شىء مما كسبوا) أى أن الذين
يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا يقدرون
على تحصيل شىء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن
"أذى محق بر كتها، وأذهب ثمرتها، وأزال أوابها.
أو المعنى: أن أولئك المنانين والمراءون ليس عندهم قدرة على شىء من
المال الذى بين أيديهم وإنما هذا المال ملك الله وهو - سبحانه - الذى أنعم
به عليهم ، فعليهم أن يشكروه على هذه النعمة ، وأن ينفقوه بدون من
أو أذى أو مراءاة، حتى يظفروا بحسن المندوبة منه - سبحانه -.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: (والله لا يهدي القوم
(الكازين) أى لا يهدهم إلى ما ينفعهم لأهم آزوا الكفر على الإيمان.
والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفيها إشارة إلى أن
الإنفاق المصحوب بالمن والأذى والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنماهو
من صفات الكافرين، فعلى المؤمنين أن يحتنبوا هذه الصفات التى لا تليق بهم
والذى ينظر فى هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد حذر المنفقين
من المن والأذى فى ثلاث آيات متواليات ، كما حذرهم من الرياء، وساق
:أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات التى لا تكون خالصة لوجه الله فلماذا
كل هذا التشديد فى النهى ؟
والجواب عن ذلك: أن المن والأذى فى الإنفاق كثيراً ما يحصلان بسبب
استعلاء كاذب، أو رغبة فى إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف: وكلا
الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة ، ولا يتلاقى مطلقاً مع الحكم التى من
أجلها شرعت الصدقات بل إنه ليتكافر معها تنافراً تاماً لأن الغدقات شر عها الله
لتهذيب النفوس وتقطهر القلوب وتربط بين الأغنياء والفقرأه برباط المحبة والمودة
والإخاء، فإذا ماصا حبها المن والأذى أثمرت نقيض ماشرعت له، لأنها تثير
فى نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات الذميمة،

٧٩٦
الجزء الثالث
وتثير فى نفس الآخذ شعوراً بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه وبذلك.
تمقطع الروابط ، ويتمزق المجتمع ، وتتحول المحبة إلى عداوة .
ولقد تحدث الإمام الرازى عن الآثار السيئة للمن والإذى فقال ما ملخصه :-
وإنما كان المن مذموماً لوجوه: الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر
القلب لأجل حاجته إلى صدقة، فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار الإمعام زاد.
ذلك فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرة بعد المنفعة، وفى حكم المسىء إليه
بعد أن أحسن إليه. والثانى: أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة فى صدقته
إذا اشتهر من طريق ذلك. الثالث: أن المعطى يجب أن يعتقد أن هذه النعمة.
من الله - تعالى- عليه - وأن يعتقد أن اللّه عليه نعما عظيمة حيث وفقه هذا العمل.
ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منة على الغير الرابع أن المعطى
فى الحقيقة هو الله، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه، أما إذا اعتقد غير ذلك.
فإنه يكون فى درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول ،
وعن الآثار إلى المؤثر ... وأما الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسىء إلى ..
الفقير بأن يقول له: فرج الله عنى منك، وأفت أبدا أنى إلى بما يؤلم. ألخ (١).
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عدداً من الأحاديث الشريفة التى تهت عن،
المن والأذی ومن ذلك ما جاء فى صحيحمسلم عن أبى ذر قال : قال رسول.
الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم
ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق.
سلعته بالحلف الكاذب ، وروی النسائى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله .
عليه وسلم - أنه قال: (( لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاق لو الديه »
ولا منان)) (٢).
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ صفحة ٠٤٩
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣١٨.

٧٩٧
سورة البقرة
وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين براءون فى صدقتهم ، ويفسدون
ثمارها بالمن والأذى ، أقبع ذلك بيان حسن عاقبته الذين ينفقون أموالهم
ابتغاء رضا الله، فقال - تعالى -:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمَوَهُمُ أَبْتِغَاءٌ
عُرْضَاتِ اللهِ وَتًَِّ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَثَلِ جَنَِّرَبُوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ
◌ُكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنٍ فَإِ لَّْ يُصِبْهَ وَائِلٌ فَطَلٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
1
مصيرفي٣
التثبيت : تحقيق الشىء وترسيخه ،
والجنة - كما يقول الراغب -: كل بستان ذى شجريز بأشجار.
الأرض . وأصل الجن ستر الشىء على الحاسة ، يقال : جمه الليل وأجنه أى
سعره. وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره. و«الربوة - بضم
الراء وفتحها - المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم: ربا الشىء
يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الربا الزيادة المأخوذة على أصل الشىء.
والمعنى: ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضى الله - تعالى - ((وتثبيتا
من أنفسهم، أى : وتوظينا لأنفسهم على حفظ هذه الطاعة وعلى ترك ما
يفسدها، كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر كثير فأخرجت
ثمرها ((ضعفين، أى ضعفاً بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير، أو فأعنات
صاحبها أو الناس مثلى ما كانت تشعر فى سائر الأوقات بسبب ما أصابها من
المطر الغزير. أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان.
والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين فى زكائها وماتها عند الله
بتلك الحديقة اليافعة المرتفعة التى ننزل عليها المطر الغزير فآتت أكلها
=.

٧٩٨
الجزء الثالث
مضاعفاً، وأخرجت للناس من كل زوج بهيج.
وقوله (( ابتغاء)) مفعول لأجله أى يبذلون نفقتهم من أجل رضا الله
- عز وجل - أو حال من فاعل ينفقون. أى ينفقون أموالهم طالبين
رضا الله .
وقوله ((وتثبيتا من أنفسهم)) معطوف على سابقه، وقد ذكر صاحب
الكشاف أوجها فى معنى هذه الجملة الكريمة فقال: قوله , وتشبيتاً من أنفسهم»:
أى وليثبتوا منها يبذل المال الذى هو شقيق الروح على سائر العبادات الشاقة.
وعلى الإيمان، لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها، وتكليفها ما يصعب
عليها ذلت خاضعة لصاحبها وفل طعمها فى أقباعه لشهواتها وبالعكس، فكان.
إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين . و((من) على هذا الوجه للتبعيض،
مثلها فى قوهم : هز من عطفه وحرك من نشاطه . ويچوز أزیراد من قوله.
- تعالى - وتثبيتا من أنفسهم، أى: وتصديقا الإسلام وتحقيقاً للجزاء من
أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله فى سبيل الله، علم أن تصديقه.
وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. و ((من)) على هذا الوجه.
لا بتدأ الغاية، كقوله - تعالى - ((حسدا من عند أنفسهم)). ويحتمل أن
يكون المعنى: وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه،
وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد: وتبيينا من أنفسهم: فإن قلت: فما معنى
التبعيض ؟ قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ،
ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذی ثبتها کاما كما فىقوله - تعالى-وتجاهدون
فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم»(١).
:
وخصص الجنة بأنها بربوة، لأن الأشجار فى المكان المرتفع من
الأرض تكون عادة أحسن منظرا، وأزكى ثمرا ، للطاقة هوائها ،
فكان من فوائد هذا القيد إعطاء وجه الشبه - وهو تضعيف المنفعة وجمالها.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣١٣ بتصرف يسير.

٧٩٩
سورة البقرة
قوة ووضوحا، كما أن من فوائده تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه.
عند السامع .
ثم قال - تعالى - ((فإن لم يصبها وابل فطل).
والطل: هو المطر القليل وجمعه طلال، وهو مبتدأ محذوف الخبر
أى فطل قليل يصيبها يكفيها .
والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتشمر كثر المطر النازل ..
عليها أوقل ، فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تز كو عند الله وتطيب كثرت ..
أو قلت، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله - تعالى - مضاعفة نامية.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((والله بما تعملون بصير).
أى أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية، وسيجازى.
المخلصين بما يرضينهم كما سيجازى المنافين والمرائين بما يستحقون . ففى
الجملة الكريمة ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.
وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق فى هذه الآية وسابقتها حالتين
متقابلتين: حالة الذى يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء ، ركيف تكون
عاقبته ونهايته . وحالة الذى ينفق ماله طلباً لرضا الله وتعويداً لنفسه على
فعل الطيبات وكيف يكون جزاؤه عند العليم الخبير ولقد صور القرآن.
هاتين الحالتين تصويراً مؤثراً بديعاً، من شأنه أن يهدى العقلاء إلى فعل
الخيرات ، وإخلاص النيات ، واجتناب السيئات.
ثم ساق القرآن آية كريمة حذر فيها الناس من ارتكاب ما نهى الله عنه-
وبين فيها كيف أن المن والأذى والرياء وما يشبه ذلك من رذائل يؤدى
"إلى ذهاب الشىء النافع من بين يدى صاحبه وهو أحوج ما يكون إليه ».
استمع إلى القرآن وهو يصور نهاية هذا الإنسان البائس.

٨٠٠
الجزء الثالث
فيقول - تعالى - :
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّنْ تَّخِلِ وَأَعْنَابِ تَجْرِى.
مِنْ تَخْهَ الْأَنْهُلَهُ فِيهَا مِنْ كُلّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ
◌ُعَفَاءَ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارُ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَقَتْ كَِّكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَهُ
اْأَتِ لَعَلَّكُمْ نَتَفَكَّرُونَ
٢٦٦
قوله ((أيود، هو من الود بمنى المحبة الكاملة للشىء وتمنى حصوله،
والإستفهام فيه للإفكار و«الإعصار، ريح عاصفة تنعكس من الأرض
إلى السماء مستديرة كالجمود، وهى التى يسميها بعض الناس زوبعة. وسميت
إعصاراً لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام، أو تلتف كما يلتف الثوب
المعصور. والربح مؤفئة وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر ولذا
قيل , فيه فار ، أى سموم وصواعق.
والمعنى: (« أيحب أحدكم - أيها المنانون المراءون - أن تكون له جنة))
معظم شجرها, من نخيل وأعتاب تجرى من، تحت أشجارها, الأنهار له
فيها من كل الثمرات، النافعة، والحال أنه قد أصابه الكبر الذى أقعده عن
الكسب من غير تلك الحديقة اليانعة، وله فضلا عن شيخوخته وعجزه
ذرية ضعفاء لا يقدرون على العمل، وبينما هو على هذه الحالة إذا بالجنة
ينزل عليها إعصار فيه نار فيحرقها ويدمرها ففقدها صاحبها وهو أحوج
ما يكون إليها، وبقى هو وأولاده فى حالة شديدة من البؤس والحيرة
والغم والحسرة ، لحرمانه من تلك الحديقة التى كانت مخط آماله.
فالآ ية الكريمة قد اشتملت على مثل آخر لحالة الذين يبطلون أعمالهم
وصدقاتهم بالمن والأذى والرياء، وغير ذلك من الأفعال القبيحة، والصفات
السيئة فقد شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الحسنة ثم يضم إليها
ما يفسدها فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة ذاهبة،