النص المفهرس

صفحات 761-780

٠٧٦١
سورة البقرة
من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من يبخل عن الإنفاق فى سبيل الله.
بسوء العاقبة، لأنه تشبه بالكافرين فى بخلهم وإمساكهم عن بذل أموالهم.
فى وجوه الخير .
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالإنفاق فىوجوه الخير، وذ کرهم بأهو ال.
يوم القيامة ، أتمع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده - سبحانه - فيت
كمال سلطانه، وشمول علمه. وسابغ نعمه على خلقه. استمع إلى القرآن الكريم.
وهو بصف لك الخالق - عز وجل - بأكمل الصفات وأعظمها فيقول:
+
« اللّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
で
لُتَأْخُذُهُم ◌ِنَةٌ وَلَوْ لَّهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَنِ الْأَرْضُِّ مِنْ ذَا
الَّى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَّنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَهُمَّ وَلَا
اُمِطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِهٍِ إِلَّ بِمَاشَةً وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَنَوَاتِ
﴿وَالْأَرْضَّ وَلَا يَعُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
٢٥٥
قال بعضهم: هذه آية الكرسى أفضل آية فى القرآن. ومعنى الفضل أن
الثواب على قراءتها أكثر منه على غيرها من الآيات . هذا هو التحقيق فى.
تفضيل بعض آيات القرآن على بعض. وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من.
أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى. جاء.
فى الحديث الشريف عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

٧٦٢
الجزء الثالث
قال: لكل شىء سنام وإن سنام القرآن البقرة، وفيها آية هى سيدة القرآن
- أى أفضله - وهى آية الكرسى، (١).
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات
الله الجليلة - وفعوته السامية. أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل فى قوله
- تعالى -: ((اللّه لا إله إلا هو الحى القيوم)).
ولفظ الجلالة ( الله)) يقول العلماء: إن أصله إله دخلت عليه أداة
التعريف ((أل)، وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله.
قال القرطبى: قوله (( الله)) هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها،
حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم.
يجمع. فالله اسم الموجود الحق الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت
الربوبية ، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -))(٢).
ولفظ (« إله)) قالوا إنه من أله فلان يأله أى عبد. فالإله على هذا المعنى
هو المعبود، وقيل هو من أله أى تحير ... وذلك أن العبد إذا تفكر فى
صفاته - سبحانه - تحير فيها؛ ولذا قيل : تفكروا فى آلا. الله ولا تفكروا
فى الله .. )،(٣).
و((الحى)) أى الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لا فناء لها. لم تحدث
له الحياة بعد موت، ولا يعتريه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء سواء
يعقريهم الموت والفناء.
و (القيوم ) أى: الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم ، والمعطى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ٢٠٦.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١ صفحة ٠١٠٢
(٣) مفردات القرآن للراغب الأصفهال صفحة ٢١.

٧٦٣
سورة البقرة
لهم ما به قوامهم. وهو مبالغة فى القيام. وأصله قيروم - بوزن فيمول -
من قام بالأمر إذا حفظه ودبره .
والمعنى: الله - عز وجل - هو الإله الحق المنفرد بالألوهية التى لا يشاركه
فيها سواه، وهو المعبود بحق وكل معبود سواه فهو باطل، وهو ذو الحياة
الكاملة، وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق وحياطتهم ورعايتهم
وإحياتهم وإمالتهم ..
والجملة الثالثه قوله - تعالى - (لا تأخذه سنة ولا نوم) وهى جملة سلبية
مؤكدة للوصف الإيجابى السابق، فإن قيامه على كل نفس بما كسبت، وعلى
تدبير شئون خلقه يقتضى ألا تعرض له غفلة، ولأن السنة والنوم من صفات
الحوادث وهو - سبحانه - مخالف لها،
والسنة: الفتور الذى يكون فى أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك.
ويقال له غفوة . يقال: وسن الرجل يوسن وسناً وسنة فهو وسن ووسنان
إذا نس والمراد أنه - سبحانه - لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبداً ،
.ولا يحجب علمه شيء حجباًنصيراً أو طويلا، ولا يدركه ما يدرك الأجسام
من الفتور أو النعاس ، أو النوم .؟
وتقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفى السنة بدل على آفى
النوم بالأولى، فنفيه ثانيا صريحاً يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام
يفيد التوكيد أى لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه فوم.
وفى قوله ( لا تأخذه) دلالة على أن النوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذاً
وفقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهراً، ولكنه - سبحانه - وهو القاهر
فرق عباده - منزه عن ذلك ، ومبرأ من أن يعقريه ما يعقدى الحوادث.
وقوله - سبحانه - فى الجملة الرابعة (له ما فى السموات وما فى الأرض)
تقرير لا نفراده بالألوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لا تصافه
بالقيومية ، لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون
قائما بتدبير أمرها .

٧٦٤
الجزء الثالث
والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيها ومن الأمور الخارجة
عنهما المتمكنة فيها من العقلاء وغيرهم. فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة
لرب العالمين لكل ما فى هذا الوجود من شمس وقمر وحيوان ونباتوجماد.
وغير ذلك من المخلوقات. وصدرت الجملة بالجار والمجرور ((له ، لإفادة
القصر أى ملك السموات والأرض له وحده وليس لأحد سواء شىء معه.
والاستفهام فى قوله فى الجملة الخامسة ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه))
الذفى والإنكار أى: لا أحد يستطيع أن يشفع عنده - سبحانه - إلا بإذنه
ورضاه. قال - تعالى - (وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم.
شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى).
والمقصود من هذه الجملة - كما يقول الآلوسى - بيان كبرياء شأنه
- تعالى -، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده
دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بد فعه
عنادا أو مناصبة وعداوة . وفى ذلك تينيس للكفار حيث زعموا أن آلتهم.
شفعاء لهم عند الله، (١).
وقوله - سبحانه - فى الجملة السادسة ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم).
تأكيد لكمال سلطانه فى هذا الوجود، وبيان لشمول علمه على كل شىء.
والضمير فى (أيديهم ) وخلفَهم) يعود إلى ( ما) فى قوله قبل ذلك
( له ما في السموات وما في الأرض) وعبر بضمير الذكور العقلاء، تغليياً
لجانبهم على جانب غير العقلاء.
والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه - سبحانه -
بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، وما يعرفونه من شؤونهم الدنيوية.
وما لا يعرفونه .
وقوله - تعالى - فى الجملة السابقة (ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما.
شاء) معطوف على قوله ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) لأنه مكمل لمعناه.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣ صفحة ٠٩

٧٦٥
سورة البقرة
والمراد بالعلم المعلوم . والإحاطة بالشىء معناها العلم الكامل به.
أى: لا يعلمون شيئا من معلوماته - سبحانه - إلا بالقدر الذى أراد أن
يعلمهم إياه على ألسنة رسله . فهو كقوله - تعالى - (عالم الغيب فلا يظهر
على غيبه أحداً ، إلا من أرقضى من رسول ... ).
فالجملة الكريمة بيان لكال علم الله - تعالى -، ولنقصان علم لسواه،
إذ أن البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل، وهذا القليل ناقص لأنه ليس علم
إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشىء ووجوده وجنسه
وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده، إذ العلم الكامل بالشىء لا يكون
إلا لله رب العالمين.
ثم قال - تعالى - فى الجملة الثامنة: ((وسع كرسيه السموات والأرض)).
قال الراغب : الكرسى فى تعارف العامة : اسم للشىء الذى يقعد عليه ،
وهو فى الأصل منسوب إلى الكرس أى الشىء المجتمع، ومنه الكراسة لأنها
تجمع العلم ... وكل مجتمع من الشىء كرس ... )) (١).
والعلماء اتجاهان مشهوران فى تفسير معنى الكرسى فى الجملة الكريمة.
فالسلف بقولون: إن لله - تعالى - كرسيا علينا أن نؤمن بوجودهوإن
كنا لا نعرف حقيقته، لأن ذلك ليس فى مقدور البشر.
والخلف يقولون: الكرسى فى الآية كناية عن عظم السلطان، ونفوذ
n
٠
القدرة، وسعة العلم، وكمال الإحاطة .
ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء فى ذلك ، فقد قال
- رحمه الله -: وفى قوله ((وسع كرسيه، أربعة أوجه: أحدها أن كرسيه
لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته
ولا كرسى ثمة ولا قعود ولا قاعد . .
1
والثانى: وسع علمه، وسمى العلم كرسيا قسمية بمكانه الذى هو كرسى العالم
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى صفحة ٤٢٨ بتلخيص.

٧٦٦
الجزء الثالث
والثالث. وسع ملكه، تسمية بمكانه الذى هو كرسى الملك.
والرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدى العرش دونه السموات.
والأرض. هو إلى العرش كأصغر شىء. وعن الحسن الكرسى هو العرش (١).
هذا وقد روى المفسرون عن ابن عباس أنه قال (« كرسيه علمه، (٢).
ولعل تفسير الكرسى بالعلم كما قال حبر الأمة هو أقرب الأقوال إلى الصواب،
لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال.
- تعالى -: ((ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم،.
(((بؤوده، معناه بثقله ويشق عليه. يقال آدنى الأمر بمعنى أثقلنى وتحملت
منه المشقة .
و «العلى، هو المتعالى عن الأشياء، والأنداد، والأمثال، والأضداد
وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث . وقيل هو من العلو الذى هو بمعنى.
القدرة وعلو الشأن ..
والمعنى: ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السموات والأرض ورعايتهما، وهو
المتعالى عن الأشباه والنظائر، المسيطر على خلقه، العظيم فى ذاته وصفاته،
ففى هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته، وعظيم رعايته لخلقه ، وتنزيهه- سبحانه ..
عن مشابهة الحوادث .
وبعد ، فهذه آية الكرسى إلى اشتملت على عشر جمل، كل جملة منها
تشمل على وصف أو أكثر من صفات الله الجليلة، ونعوته المجيدة، وألوهيته
الحقه، وقدرته النافذة، وعلمه المحيط بكل شىء، قد أقامت الأدلة الساطعة.
على وحدانية الله - تعالى -، ووجوب إفراده بالعبادة،
وقد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها، وبلاغة تراكيبها، ووجوه
(١) تفسير الكشاف ج ١ صفحة ٣٠١.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٠٢٧٦

٧٦٧
سورة البقرة
فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم فضلت هذه الآية
على غيرها حتى ورد فى فضلهاً ماورد ؟ قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص
من اشتمالها علىتوحيد الله وتعظيمه وتمجيده، وصفاته العظمى ولامذ كور
أعظم من رب العزة. فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار، (١).
ومن الأحاديث التى ساقها الإمام ابن كثير فى فضلها ما جاء عن أن بن كعب
أن النبى (صلى الله عليه وسلم) سأله: «أى آية فى كتاب الله أعظم؟ قال
الله ورسوله أعلم. فرددها مراراً ثم قال: آية الكرسى . فقال له الرسول
(صلى الله عليه وسلم) «ليهتك العلم أبا المنذر)).
وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
أنه قال : إن أعظم آية فى القرآن هى آية الكرسى».
وروى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - خرج ذات يوم على الناس
فقال: أيكم يخبرنى بأعظم آية ؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت .
سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يقول: أعظم آية فى القرآن , الله
لا إله إلا هو الحى القيوم ... الآية)) (٢).
.وبعد أن ساق - سبحانه -فى آية الكرسى الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته.
وتنزيهه عن صفات الحوادث ، عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى
لكل ذى عقل سليم، وأنه لا يقر أحد على الدخول فيه، فقال - تعالى -:
لَآ إكراه
فِى الَّذِينِ قَد تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّهُوتِ وَيُؤْمِنٌ
بِّ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَهَا وَاللهُ سَمِعَّ
عَلِيمٌ
٢٥٦
الإكراه معناه: حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخريفه
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٠٣
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٠٤ وما بعدها.

٧٦٨
الجزء الثالث
"أو التعذيب أو ما يشبه ذلك. والمراد بالدين دين الإسلام والألف واللام
فيه للعهد .
والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد
يرشد ويرشد أى اهتدى . والمراد هنا: الحق والهدى .
والغى ضد الرشد . مصدر من غوى يغوى إذا ضل فى معتقد
أو رأى ويرى بعض العلماء أن نفى الإكراه هنا خبر فى معنى النهى ، أى :
لا تكرهوا أحداً على الدخول فى دين الإسلام فإنه بين واضح فى دلائله
وبراهينه، فمن هداه الله له، وفور بصيرته دخل فيه على بصيرة، ومن أضله
وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه .
وقال بعض العلماء أن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى: ليس
فى الدين - الذى هو تصديق بالقلب، وإذعان فى النفس - إكراه وإجبار
من الله - تعالى - الأحد، لأن مبنى هذا الدين على التمكين والاختيار ،
وهو مقاط الثواب والعقاب ، ولولا ذلك لما حصل الإبتلاء والإختبار،
وأبطل الإمتحان .
أو المعنى: كمايرى بعضهم - إن من الواجب على العاقل بعد ظهور
الآيات البينات على أن الإيمان بدين الإسلام حق ورشد. وعلى أن الكفر
ج غى وضلال ، أن يدخل عن طواعية واختيار فى دين الإسلام الذى
ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قر أو تردد.
فالجملة الأولى وهى قوله - تعالى -: ((لا إكراه فى الدين: قنفى الإجياد
على الدخول فى الدين، لأن هذا الإجبار لا فائدة من ورائه ، إذ التدين
إذعان قلبى ، واتجاه بالنفس والجوارح إلى الله رب العالمين بإرادة حرة
مختارة، فإذا أكره عليه الإنسان إزداد كرماً له ونفوراً منه. فالإكراه
والتدين نقيضان لايجتمعان، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر .
والجملة الثانية وهى قوله - تعالى - ((قد تبين الرشد من الغي، بمثابة
العلة لنفى هذا الإكراه على الدخول فى الدين، أى قد ظهر الصبح الذى

٧٦٩
سورة البقرة
عينين، والكشف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وقامت الأداة
٠الساطعة على أن دين الإسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران
.ومادام الأمر كذلك فقد توافرت الأسباب التى تدعو إلى الدخول فی دین
الإسلام، ومن كفر به بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره، وسوء عاقبة أمره.
ثم قال - تعالى - (فمن بكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك
جالعروة الوثقى لانفصام لها، .
الطاغوت: الم لكل ما يطفى الإنسان، كالأصنام والأوثان والشيطان
.«وكل رأس فى العضلال، وكل ما عبد من دون الله. وهو مأخوذ من طعا
يطفى - كسعى يسعى - طفيا وطغياناً. أو من يطفو طفوا طغياناً، إذا
جاوز الحد وغلا فى الكمر وأسرف فى المعاصى والفجور .
والعروة فى أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشىء من عُراء أى من الجهة
التى يجب تعليقه منها، وتجمع على ما، والعروة من الدلو والكون
حقبضه ، ومن الثوب مدخل زره .
والوثقى : مؤنث الأوثق، وهو الشىء المحكم الموثق. يقال وثق
- بالضم - وثاقة أى: قوى وثبت فهو وثيق أى ثابت محكم.
والانضمام. الإنكار، والفصم كسر الشىء وقطعه .
والمعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة
ستغير الله، وآمن بالله - تعالى - إيماناً خالصاً صادقاً، فقد ثبت أمره واستقام
على الطريقة المثلى التى لا انقطاع لها، وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم
جرباط .
والفاء فى قوله، فمن بكفر ... ، للتفريع. والسين والتاء فى استمسك
للتأكيد والطلب. وقوله ,فقد استمك بالعروة الوثقى، فيه - كما يقول
الزمخشرى - تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى بتصوره
السامع كانما ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به، وجملة « لانفصام
١
( م ٤٩ - البقره)

٧٧٠
الجزء الثالث
لها ، استئناف مقرر لما قبله أو حال من ((العروة، والعامل ((استمسك)) ..
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((والله سميع عليم)) أى سميع للاقوال، ..
وهمسات القلوب، وخلجات النفوس، عليم بما يسره الناس وما يعلنونه، ..
وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
قال القرطبى ما ملخصه: قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى (يأيها
النبى جاهد الكفار والمنافقين ... ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم -
قد أكره العرب على دين الإسلام وفاقلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام. وقيل ..
إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت فى أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون
على الإسلام إذا أدوا الجزية .. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم.
عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمى أيتها
العجوز تسلمى، إن الله بعث محمداً ابالحق. قالت أنا عجوز كبيرة والموت.
إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد وتلا: لا إكراه فى الدين» (١).
والذى تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن التدين
لا يكون مع الإكراه - كما أشرنا من قبل -، ولأن الجهاد ما شرع فى الإسلام.
لإجبار الناس على الدخول فى الإسلام إذ لا إسلام مع إجبار، وإنما شرع
الجهاد لدفع الظلم، ورد العدوان، وإعلاء كلمة الله، والرسول - صَبَّة -
ما فاقل العرب ليكرههم على الدخول فى الإسلام وإنما قاقلهم لأنهم
بدأوه بالعداوة .
ولآن الروايات فى سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه فى الدين،
ومن هذهالروايات ماجاء عن ابنعباس أنهقال : زلت فی رجل من الأنصار
من بنى سالم بن عوف يقول له الحصين كان له ابنان نصرافيان وكان هو.
مسلما، فقال النبى - ® - ألا أستكرههما فإنهما قد أيا إلا النصرانية ..
فأنزل الله هذه الآية (٢) وفى رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخوله.
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٠٢٨٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٠٣١١

٧٧١
سورة البقرة
فى الإسلام فاختصموا إلى النبى - على - فقال الأنصارى: يا رسول الله
أيدخل بعضى النار وأنا أنظر إليه فهزات الآية .
ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين، وهنا يمكن
التوفيق بأن نقول: إن الآية التى معنا تنفى إكراه الناس عنى اعتقاد
ما لا يريدون وآية (( يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين .. ، جاءت لحض
النبى - صلى الله عليه وسلم - وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا
فى طريق دعوته، حتى يكفوا عن عدوانهم، وتكون كلمة الله هي العليا.
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين،
فقال - تعالى - :
اللَّهُ وَلِّ الَّذِينَ ءَنُوْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَالَِّنْ كَفَرُواْ أَوْلِبَثُمُ الطَّهُوتُ يُخْرِ جُونَهُمْ مِنَ النِّ إلَى الظُّلُمَتِّ
أُرَكَ أَمْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَدِيدُونَ،
٢٥٧
الولى : الناصر والمعين والحليف . مأخوذ من الولاية بمعنى النصرة .
والمعنى: اللّه الذى بيده ملكوت كل شىء، ((ولى الذين آمنوا، أى معينهم
وناصرهم ومتولى أمورهم، فهو - سبحانه - الذى يخرجهم من ظلمات الكفر،
ومن ضلالات الشرك والفسوق والعصيان إلى نور الحق والهداية والتحرر
من الأوهام . أما الذين كفروا فأولياؤهم ونصراؤهم الطاغوت الذى يتمثل
فى الشياطين والأصنام والأوهام الموروثة، والكبراء المضلين، وهؤلاء
يخرجونهم بسبب افطماس بصيرتهم، وانتكاسهم فى المعاصى من نورالإيمان
والهداية إلى ظلمات الكفر والضلالة. أولئك الموصرفون بتلك الصفات
القبيحة أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا مؤبدا.

٧٧٢
الجزء الثالث
وأفرد - سبحانه - النور وجمع الظدات، لأن الحق واحد، أما الظدات
فقد تعددت فنونها وألوانها وأسبابها. وفى تقديم «الذين كفروا، فى قوله:
(والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، إشارة إلى أنهم هم الذين ارتضوا
أن يكون الطغيان مسيطراً على قلوبهم، لأن كفرهم بالله - تعالى - هو الذى
جعل الشيطان ينفذ إلى أقطار نفوسهم بسهولة ويسر .
وقوله ((والذين كفروا، مبتدأ و(أولياؤهم، مبتدأ ثان، و((الطاغوت))
خبره. والجملة خبر المبتدأ الأول .
ولم يقل - سبحانه - والطاغوت ولى الذين كفروا، للاحتراز عن.
وضع اسم الطاغوت فى مقابل لفظ الجلالة .
فإن قيل : وهل كان الكافرون فى نورثم أخرجوا منه؟ فالجواب أن المراد
يخرجونهم من النور الفطرى الذى جعل عليه الناس كافة، أو من نور الحجج
الواضحات التى من شأنها أن تحمل كل عاقل من الدخول فى الإسلام . وقيل
المراد بهؤلاء المخرجين من النور إلى الظلمات أولئك الذين آمنوا بالنبى
(مَّ الَّهِ) قبل بعثته ثم كفروا به بعدها والإشارة فى قوله ((أولئك، تعود
إلى الذين كفروا. وفى التعبير ((بأصحاب النار، إشعار بأنهم ملازمون لماكما
يلازم المالك ما يملكه والرفيق رفيقه. وقوله («هم فيها خالدون، تأكيد
لبقائهم فيها واختصاصهم بها.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ساقت أحسن البشارات للمؤمنين ،
وأشد العقوبات للكافرين الذين استحبوا العمى على الهدى.
ثم ساق القرآن بعد ذلك بعض الأمثلة للمؤمنين المهتدين، والعدالين
المغرورين .

٧٧٣
سورة البقرة
فقال - تعالى - .
أَرْ زَ إِلَى الَّذِى حَتَجَّ
إِرَّهِمَ فِىِ رَبِّهِةَ أَنْ ءَاتَهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَ هِتُ رَبِ الَّذِى:
يُحِءَ وَيِّتُ قَالَ أَنَاْ أُحْيٍ وَأَمِتٌ قَالَ إِبْرَّهِهُ فَإِنَ الهَ يَأْتِي
بِلَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَيْتَ الَّذِى كَفَرَّ وَلهُ
الَيَهْدِى الْقَوْمَ الظّلِينَ
٢٥٨
((حاج)) أى جادل وخاصم. والمحاجة: المخاصمة والمغالبة بالقول.
يقال حاججته فحججته أى خاصمته بالقول فتغلبت عليه. وتستعمل
الحاجة كثيراً فى المخاصمة بالباطل، ومن ذلك قوله - تعالى - «فإن حاجوك
فقل أسلمت وجهى الله ومن اتبعن .. )) وقوله - تعالى -: «وحاجه قومه
قال أتحاجون فى اللّه وقد هدان .. )).
والمعنى : لقد علمت أيها العاقل قصة ذلك الكافر المغرور الذى جادل
إبراهيم - عليه السلام - فى شأن خالقه- عز وجل - ، ومن لم يعلم قصته
فها نحن أولا. غخيره بها عن طريق هذا الكتاب العزيز الذى لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه .
والاستفهام للتعجب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره
وبطره، والمراد به - كما قال ابن كثير - تمرود بن كنعان بن كومر بن سام،
ابن نوح ملك بابل، وكان معاصراً (سيدنا إبراهيم - عليه السلام -.
وأطلق القرآن على ما دار بين هذا الملك المغرور وبين سيدنا إبراهيم.
أنها محاجة مع أنها مجادلة بالباطل من هذا الملك، أطلق ذلك من باب المهائلة
اللفظية، أو هى حاجة فى نظره السقيم ، ورأيه الباطل.
والضمير فى قوله ((فى ربه، يعود إلى إبراهيم - عليه السلام -. وقيل
يعود إلى نمرود لأنه هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه والإضافة - على

٧٧٤
الجزء الثالث
الرأى الأول - للتشريف، والإذان من أول الأمر بأن الله - تعالى -
مؤيد وناصر لعبده إبراهيم. وقوله ((أن آتاه الله الملك، بيان لسبب إقدام
هذا الملك على ما أقدم عليه من ضلال وطغيان. أى سبب هذه الحاجة
لأنه أعطاه الله - تعالى - الملك فيطر وتكر ولم يشكره - سبحانه - على
هذه النعمة، بل استعمالها فى غير ما خلقت له فقوله (( أن آناه، مفعول
لأجله، والكلام على تقدير حذف الجر، وهو مطرد الحذف مع أن وأن.
وقوله ((إذا قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت، حكاية لما قاله إبراهيم- عليه
السلام لذلك الملك فى مقام التدليل على وحدانية الله وأنه سبحانه هو المستحق
للعبادة أى قال له: ربى وحده هو الذى ينثى الحياة ويوجدها، ويميت
الأرواح ويفقدها حياتها، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك.
وقول إبراهيم - كما حكاه القرآن -: ((ربى الذى يحيى ويميت، مفيد
للقصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو «ربى)) والخبر هو الموصول وصلته.
وعبر بالمضارع فى قوله (يحيى ويميت، لإفادة معنى التجدد والحدوث
الذی یری ويحس بين وقت وآخر .
أى ربى هو الذى يحيى الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهداً فى كثير
من الأوقات، فمن الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع
عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال .
وقوله (( إذ قال إبراهيم .... ، ظرف لقوله (( حاج، أو بدل اشتمال
منه، وفى هذا القول الذى حكاه القرآن عن إبراهيم - عليه السلام -
أوضح حجة وأقراها على وحدانية اله واستحقاقه للعبادة، لأن كل عاقل
يدرك أن الحق هو الذى يملك الإحياء والإمائة، ويملك بعث الناس يوم
القيامة ليحاسبهم على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر .
قال الإمام الرازى ما ملخصه: والظاهر أن قول إبراهيم «ربى الذى يحيى
ويميت)) جواب شرط لسؤال سابق غيرمذ كور. وذلك لأنه من المعلوم أن
الأنبياء بعشوا للدعوة إلى الله، ومتى ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر بطالبه
بإثبات أن للعالم إلهاً . فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى الرسالة فقال له نمرود:

٧٧٥
سورة البقرة
من ربك؟ فقال إبراهيم: ربى الذى يحي ويميت ، إلا أن تلك المقدمة
حذفت لأن الواقعة قدل عليها، ودليل إبراهيم فى غاية الصحة لأن الخلق عاجزون
عن الإحياء والإماقة، وقدم ذكر الحياة على الموت هنا، لأن من شأن الدليل أن
-يكون فى غاية الوضوح والقوة، ولاشك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر،
واطلاع الإنسان عليها أتم ، فلاجرم وجب تقديم الحياة هاهنا فى الذكر)، (١).
ثم حكى القرآن جواب تمرود على إبراهيم فقال: ((قال أنا أحي وأميت،
أى قال ذلك الطاغية: إذا كنت ياإبراهيم تدعى أن ربك وحده الذى
يحي ويميت فأنا أعارضك فى ذلك لأبى أنا - أيضا أحبى وأميت وما دام
الأمر كذلك فأنا مستحق للربوبية. قالوا: ويقصد بقوله هذا أنه يستطيع
أن يعفو عمن حكم بقتله، ويقتل من شاء أن يقتله.
ولقد كان فى استطاعة إبراهيم - عليه السلام - أن يبطل قوله ، بأن يمين
له بأن ما يدعيه ليس من الأحياء والأمانة المقصودين بالاحتياج، لأن
- ما قصده إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء الموت، كان فى استطاعة الخليل
- عليه السلام - أن يفعل ذلك، ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال
والمحاورة، وأناء بحجة فى الإفحام فقال له - كما حكى القرآن -: ((فإن الله يأتى
- بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب».
أى قال إبراهيم لخصمه المغرور: لقد زعمت أنك تملك الإحياء والإماتة
كما يملك الله - تعالى - ذلك، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركا فه
. - تعالى - فى قدرته، فإن كان ذلك صحيحاً فأنت ترى وغيرك يرى أن اقه
- تعالى - يأتى بالشمس من جهة المشرق عند شروقها، فأت بها أنت من جهة
المغرب فى هذا الوقت فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التى قذفها إبراهيم.
- عليه السلام - فى وجه خصمه؟ كانت نتيجتها - كما حكى القرآن -
(١) تفسير الفخر الرازى =٧ ص ٢٥ طبعة عبد الرحمن محمد.
يتصرف وتلخيص .

٧٧٦
الجزء الثالث
((فبهت الذي كفر ، أى : غلب وقهر ، وتحير وانقطع عن دجاجه ،
واضطرب ولم يستطع أن يتكلم، لأنه فوجى. بما لا يملك دفعه . ودبهت)) ..
فعل ماض جاء على صورة الفعل المبنى للمجهول - کزهى وز کم -
والمعنى فيه على البناء للفاعل. وقوله ((الذى كفر)، هو فاعله. والبهت :.
الانقطاع والحيرة، وقرى. بوزن - علم ونصر وكرم .
والفاء فى قوله: ( فإن الله يأتى بالشمس .... الخ، فصيحة لأنها:
أفصحت عن جواب الشرط مقدر أى إن كنت كا تزعم أنك تحى وتميت ..
. وأن قدرتك كقدرة الله، فإن الله، - تعالى - يأتى بالشمس من المشرق ..
فأت بها من المغرب .
وعبر عن هذا المبهوت بقوله: ((الذى كفر، للإشعار بأرسبب.
حيرته واضطرابه هو كفره وعناده.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((والله لا يهدى القوم.
الظالمين، أى لا يهديهم إلى طريق الحق ، ولا يلهمهم حجه ولا برهاناً،
بسبب ظلمهم ، وطغيانهم ، وإيثارهم طريق الشيطان على طريق.
الرحمن .
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لوناً من ألوان رعاية-
الله لأولياته ، وخذلانه لأعدائه ، لكى يكون فى ذلك عبرة وعظة.
لقوم يعقلون :
ثم ساقت السورة الكريمة قصتين تدلان أبلغ دلالة على قدرة الله ..
- تعالى - وعلى صحة البعث والنشور، استمع إلى القرآن وهو يمكن.
ماقين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :

٧٧٧
سورة البقرة
أَوْ كَالَّذِى مَنَّ عَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوِهَا قَالَ أَنَّى يُحِءٍ هَذِهِ اللّهُبَدَ مَوْنِها فَأَمَهُ اللهُمِنَّةَ عَمِ ◌ّمَ
يَعْثَهُ، قَالَ كَمْ لَبِئْتَّ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمَاأَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَ لَّثْتَ
مِنََّ عَلٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَرَبِكَ لَمْ يَسَنَّهُ وَانْظُرْ إِلَى حَارِكٌ
وَلِنَجْعَلَكَ ءَ ايَةً لِلنَّاسِ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَاِ كَيْفَ نُشِرُهَا تُمَّ تَكُوهَا
◌َّمَا قَلَّا تَبَيِّنَ لَهُ، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الََّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾ وَإِذْ
قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِفِ كَيْفَ تُحِيِ الْمَوْنَىّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ
بَ وَلَكِن ◌ِّيَطْمَبِنَّ قَلْبِّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَّةً مِنَ الْغَيْرِ فَصُرُ هُنَّ إِلَيْكَ
ثُمَّأَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءَاتُمَ أَدْعُهُنَّيَأْتِنَّكَ سَعْبًا وَأَعْلَمْ.
أَنَّ اللّهَ عَزِ يزٌحَكِيمٌ (ّ
قال الآلوسي ما ملخصه: قوله ((أو كالذى مر على قرية، معطوف على ..
سابقه - وهو قوله: ((ألم تر إلى الذى حاج، والكاف أسمية بمهفى مثل معمولة.
لأرأيت محذوفا. أى أو أرأيت مثل الذى مر على قرية .. وحذف لدلالة، أم
قر، عليه. وقيل: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم.
أو الذى مر على قرية .. ، وقيل: إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل:
أرأيت شيئاً عجيبا - كالذى حاج إبراهيم فى ربه، أو كالذى مرعلى قرية، (١).
والذى ((مر على قرية، قيل هو عزيز بنشرخيا، وقيل حزقيال بن بوزى.
(١) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ١٩

١٧٨
الجزء الثالث
«وقيل غير ذلك، والقرية قيل المرادبها بيت المقدس وكان قد خربها (((مختنضر))
البابلى .. والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه يقصد العبرة
وبيان الحال والشأن، وجملة ((وهى خاوية على عروشها، فى موضع الحال من
الضمير المستتر فى «هر)) والواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان
بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها . وقيل هى حال من قرية ،
وسوغ إتيان الحال منهامع كونها فكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدروهو أرأيت
ومعنى( وهى خاوية على عروشها، أن جدرانها ساقطة على سقوفها، أى أن الخراب
قد عمها والدمار قد نزل بها، فأصبحت خالية من أهلها، وفارغة من كان يعمرها
وأصل الخواء الخلو. يقال خوت الدار وخربت تحوى خوا. إذا سقطت وخلت
والعروش جمع عرش وهو سقف البيت، ويسمى العريش، وكل شىء
يهيا ليظل أو يكن فهو عريش وعرش.
وقوله - تعالى - ,قال أنى يحيى هذه اللّه بعد موتها، حكاية لما قاله
ذلك الذى مر على فلك القرية ورأى فيها مارأى من مظاهر الخراب والدمار
والمعنى: أو أرأيت مثل الذى مر على قرية وهى ساقطة حيطانها على سقوفها،
وفارغة من كان يسكنها، فماله أمرها، وراءه شأنها، وقال على سبيل التعجب ..
كيف يحيى الله هذه القرية بعد موتها، بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب،
ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم. فقوله (( أنى يحى هذه)، بمعنى
كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون ((أنى)
هنا بمعنى متى أى: يحى الله هذه القرية بعد موتها فتمكون منصوبة على الظرفية.
وقال القرطبى: قوله (( أنى عى هذه اللّه بعد موتها، معناه من أى
طريق وبأى سبب، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان،
كما يقال الآن فى المدن الخربة يبعد أن تعمر وتسكن أى: أنى تعمر هذه بعد
خرابها . فكان هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التى عهد فيها أهله
.وأحبته ... )،(١).
(١) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٢٩٩.

٧٧٩
سورة البقرة
وقوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة، لا عن أصل الإعادة، لأنه
كان مؤمنا بالبعث والنشور ، إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من
الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها، وتشوق إلى عمارتها ، واعترف
بالعجز عن معرفة طريق الإحياء. فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل؟ كانت
نتيجته كما حكاها القرآن: «فأمانه اللّه مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت ؟ قال
لبثت يوما أو بعض يوم)).
أى : بعد أن قال هذا الذى مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما
قال ، ألبثة الله - تعالى - فى الموت مائة عام , ثم بعثه، أى أحياه ببعث
روحه إلى بدنه ((قال كم لبثت)) أى كم مدة من الزمان لينتها على هذه الحال؟
((قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم)).
وقال ـ سبحانه ـ (( فأماته الله مائة عام ثم بعثه، ولم يقل ثم أحياه،
الدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال
وكان ذلك بعد عمارة القرية ، وللإشعار بسرعته وسهولة تأتيه على البادى
- سبحانه - .
قال ابن كثير : كان أول شىء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه
كيف يحيى بدنه، فلما استقل سوياً قال الله له بواسطة الملك (( كم لبثت))؟
( قال لبثت يوما أو بعض يوم) وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله فى
آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: ((أو بعض
يوم »(١).
وقوله قال: ((كـ لبثت)) استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل: فماذا قال له
بعد بعثته ؟ فقيل: قال كم لبثت ليظهر له العجز عن الإحاطة بشئون الله
- تعالى - على أقم وجه، وتنحسم مادة استبعاده بالمرة.
(١) تفسير إن كثير ج ١ صفحة ٣١٤.

٧٨٠
الجزء الثالث
وكم منصوبة على الظرفية ويميزها محذوف والتقدير كم بوما أو وقتا
والناصب. لها قوله ( لبثت ).
وفى هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم ، وأن البعث.
يشبه اليقظ بعده، وأنه لا شىء محال على الله - تعالى - فهو القائل: ،
( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة).
وفى الحديث الشريف: والله لنمو تن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ،
ولتحاسين بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها
لجنة أبداء أو لنار أبدا)).
وقوله - تعالى - ( قال بل لبثت مائة عام) معطوف على مقدر ، أى: ليس
الأمر كما قلت إنك لبثت يوما أو بعض يوم بل إنك لبثت مائة عام ثم أرشده
- سبحانه - إلى التأمل فى أمور فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة
البعث فقال - سبحانه - (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى
حمارك وانجملك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف تنشرها ثم نكسوها لحما).
قوله: ( لم يتسنه) أى لم يتغير بمرور السنين الطويلة، ولم تذهب طراوته.
فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه: مشتق من السنة، والهاء فيه أصلية إذا
قدر لام سنة ماء، وأصلها سنهة لتصغير ها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة
وسجدات، ولقولهم: سانهته إذا عاملته سنة فسنة، وتسته عند القوم إذا أقام.
فيهم سنة. أو الهاء فيه للوقف نحو كتابيه. وجزمه بحذف حرف العلة إذا قدر
لام سنة واواً، وأصلها سنوه لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات.
وقوله (نشرها) أى ترفعها. يقال: أنشر الشىء إذا رفعه من مكانه.
وأصله من النشر - بفتحتين وبالسكون - وهو المكان المرتفع. وقرى*
(نشرها) - بضم النون والراء - أى نحييها، من أنشر الله الموتى أى
أحياهم .
٠
والمعنى: قال الله - تعالى - لهذا الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها.