النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ سورة البقرة أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن هذه الآية محكمة وليست منوخة، موعمن ذهب إلى هذا الاتجاه مجاهد، فقد قال ما ملخصه: دات الآية الأولى وهى «يزبصن بأنفون أربعة أش وعشراً، على أن مذ، عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية زيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول، وأن ذلك من باب الوصية بالزوجات أن يكن من السكنى فى بيوت أزواجهن بعد وفانهم حولا كاملا ولا يمنعن من ذلك لقوله «غير إخراج، فإذا انقضت عدتمن بالأربعة أشهر والعشر - أو بوضع الحمل - واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإهن لا يمنعن من ذلك لقوله (( فإن خرجن .. ». ومن المفسرين الذين أبدوا هذا الافجاء الإمام ابن كثير فقد قال - بعد أن ساق قول بجاهد - وهذا القول له إنجاء وفى اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن قيمية (١). كما أيده أيضاً الإمام الفخر الرازى فى تفسيره، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التى تثبت منعف قول من قال بالنسخ: «فكان المصير إلى قول - مجاهد أولى من إلتزام النسخ من غير دليل)، (٢). والخلاصة أن أصحاب هذا الاتجاه الثانى لايرون معارضة بين هذه الآية وبين آية ((والذين بتوفون منكم وبدون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، لأن الآية التى معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها . وإنما تتحدث عن حقها فى البقاء فى منزل الزوجية بعد وفاة زوجها، وأن هذا الحق ثابت لما فإن شاءت بقيت فيه، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما زاه مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد فى ألفاظها أو معافيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة . (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٩٧ بتصرف إسير. (٢) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ١٦٨ (م ٤٦ - البقرة) ٧٢٢ الجزء الثانى أما الآية الثانية فتراها واضحة فى الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشراً، وهى العدة التى يجب أن تمتنع فيها المرأة التى مات عنها زوجها عن التزين. والتعرض للزواج. إذن فلاتعارضبين الآيتين ومتى انتفى التعارضرائة فى النسخ. ويبدو لنا أن قوله - تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، .. مبينة أن هذه المدة لا تخير فيها الزوجة فى الخروج من بيت الزوجية بل هى ملزمة بالمكث فى بيت الزوجية حتى تنقوى هذه المدة أما مازاد عنها فإن قلنا أن لها الحق فى البقاء أو الخروج كانت هذه .. الآية مخصصة للآية التى معنا، وإنقلنا أنها لا حق لها فى البقاء فى بيت الزوجية أى أن من حق الورثة إخراجها بعد الأربعة الأشهر والعشرة الأيام كان قوله. - تعالى - «يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، ناسخاً لآية الوصية إلى الحول. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: (( والله عزيز حكيم، أى : عزيز فى. انتقامه من تعدى حدوده، إذ هو القاهر فوق عباده، حكيم فيما شرع لهم. من آداب وأحكام فينبغى أن يمتثل الناس أوامره ويجتنبوا ما نهاهم عنه. ثم بين - سبحانه - حق المطلقات فقال: «والمطلقات مناع بالمعروف. حقاً على المتقين، أى والمطلقات على أزواجهن الذين طلقوهن متاع بالمعروف أى شىء ينتفع به انتفاعاً متداً لمدة من الوقت ما تعارف العقلاء عليه وعلى فائدته للمرأة، وهذا المناع جعله الله حقا على المتقين الابن يصونون أنفسهم». عن كل ما يبغضه الله - تعالى -. وقد جعل الله هذا الحق المطلقة على مطلقها جبرا أو حصة الفراق وإزالة لما قد يكون بين الزوجين من شقاق، وتنفيذاً لما قد يحيط بحو الطلاق من تنافر وتخاصم وعدم وفاق . قال ابن كثير: وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب. المتعة لكل مطلقة سواء كانت مفوضة، أو مفروضالها، أو مطلقة قبل المي، أو مدخولا بها. وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السافه. ٧٢٣ سورة البقرة واختاره ابن جرير ، وهو قول عن الشافعى (١). وعلى هذا التفسير يكون المراد بالمتاع ما يعطيه الرجل لامرأته التى طلقها زيادة عن الحقوق المقررة لها شرعا ليكون التسريح بإحسان . ومن العلماء من يرى أن المراد بالمتاع هنا النفقة التى تكون المطلقة فى العدة قال الفخر الرازى: واعلم أن المراد بالمتاع فهنا فيه قولان: أنه هو المتعة فظاهر هذه الآية يقتضى وجوب هذه المتعة لكل المطلقات .. والقول الثانى أن المراد بهذه المنعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعا، وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى، (٢). ويظهر أن مراد الفخر الرازى بقوله: «اندفع التكرار، أى ما بين هذه الآية والآية التى سبقت وهى قوله - تعالى-«ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين، ولك أن تقول: إنه لاتكرار مع إرادة المتعة التى ليست هى النفقة لأنه فى السابقة بين أنها حق للمرأة حين تطلق ولم يكن قد قدر لها مهر معين ، وهنا ذكرت عقب آية الوقاة لدفع ما يتوهم من أن المتوفى عنهازوجها لهاحق فى المتعة إذالم يوصى لها زوجها بالنفقة ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات المتعلقة بأحكام الأسرة بقوله : ,كذلك بين الله لكم آياته لعلكم تعقلون)). أى : مثل هذا البيان الحكيم الواضح الذى بين الله لكم به الأحكام السابقة ، يبين لكم جميع آياته وأحكامه التى أنتم فى حاجة إليها لكى تفهموا ما فيها وتعقلوه وتعملوا به فتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد بينت لنا فى أكثر من عشر بن آية بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرة وصيانتها وسعادتها بأسلوب مؤثر حكيم وبطريقة تهدى إلى أفضل الأخلاق، وأقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وإن المتأمل فى هذه الآيات وما اشتملت عليه من توجيهات سامية ليوقن بأن هذا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٩٧ ٧٢٤ الجزء الثانى القرآن إنما هو من عند الله، الذى شرع لعباده مافيه صلاحهم وسعادتهم. وبعدهذا البيان الحكيم عن الأسرة وما يتعلق بها من زواج وطلاق وغير ذلك، ساق القرآن من القصص ما من شأنه أن بدع إلى التذكر والاعتبار. وبحرض على الجهاد فى سبيل الله، ويحمل المتأملين فى توجيهاته على إقامة الأسرة على أقوى الدعائم، وأفضل المبادى. التى بها قنال الأمم عزتها وكرامتها وسعادتها . فقال - تعالى - : أَّفَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْمِن دِيَدِهِمْ وَهُمْ أَلُفُ حُذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ اللهُ مُؤْتُوْنُمْ أَحْيَئُهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلِ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٥) وَقَِّلُواْ فِى سَبِيلٌ .. ◌َلَّهِ وَأَعْلَوْ أَنَّ اللَّسَمِعُ عَلِيمٌ ﴿ مَّن ذَا الَّذِ يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا بِحَسَنًا فَيُضَدِفَهُ لَهُ ◌ٍ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَالَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقُطُ وَإِلَيْهُ ترجعون ٢٤٥ قال الآلوسي: قوله - تعالى -((ألم تر.، هذه الكلمة قد تذكرلمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتى - كالأحبار وأهل التواريخ - وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهرت فى ذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الباب ، بأن شبه من ((لم ير)، الشىء بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن. يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى، قصداً إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب. ثم قال: والرؤية إما بمعنى الإبصار مجازاً عن النظر، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار، لأن النظر اختبارى دون ٧٢٥ سورة البقرة الادراك الذى بعده. وإما بمعنى الإدراك القلبى متضمناً معنى الوصول والانتها. ولهذا تعدت - أى الرؤية - بإلى فى قوله (ألم تر إلى الذين خرجوا .. )) (١) . والمعنى: قد علمت أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل - حال أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم التى ألفوها واستوطنوها، وهم ألوف ٠ مؤلفة، وكثرة كثرة، وما كان خروجهم إلا فرارا وخوفاً من الموت الذى سيلافيهم - إن عاجلا أو آجلا - . ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء نعلمه بها ونحطه بما جرى لهم عن طريق هذا الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . والمقصود من هذه الآية الكريمة حض الناس جميعاً على الاعتبار والاتعاظ. وزجرهم عن الفرار من الموت هلعاً وجبناً، وتحريضهم على القتال فى سبيل الله فقد قال - تعالى - بعد ذلك «وقاتلوا فى سبيل الله .. )) وإفها مهم أن الفرار من الموت أن يؤدى إلا إلى الوقوع فيه . وقوله ((وهم ألوف، جملة حالية من الضمير فى (( خرجوا)، و ((ألوف» جمع ألف. والتعبير بألوف يفيد أنهم كانوا كثيرى العدد، ومن شأن الكثرة أنها تدعو إلى الشجاعة ولكنهم مع هذه الكثرة قد استولى عليهم الجبن فخرجوا من ديارهم هرباً من الموت . وقيل إن معنى «وهم ألوف، أنهم خرجوا. وقلفى القلوب، ولم يخرجوا عن افتراق كان منهم، ولا عن تباغض حدث بينهم. وألوف عنى هذا القول. جمع آلف مثل قاعد وقعود وشاهد وشهود. قالوا: والوجه الأول أجدر بالاتباع لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمه يفيد مزيد اعتبار بحالهم، ولأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة . وقوله (( حذر الموت، أى خرجوالحذر الموت وخشيته، فقوله ,حذر» (١) تفسير الآلونى جـ ٢ صفحة ١٦٠. ٧٢٦ الجزء الثانى منصوب على أنه مفعول لأجله . والجملة الكريمة تشير إلى أن خروجهم كان الباعث عليه الحرص على مطلق حياة ولو كانت حياة ذل ومهانة ، وأنه لم يكن هناك سبب معقول يحملهم على هذا الخروج، ولذا كانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله - تعالى - بالموت الذى هربوا منه فقال: ((فقال لهم الله موتوا ثم أحيائهم، أى: فقال لهم الله موتوا فما تواثم أحيام بعد ذلك. جملة (( ثم أحيام) معطوفة على مقدر يستدعيه المقام أى، فماتوا ثم أحياهم . وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده - تعالى - عن إرادته . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله: ((فقال لهم الله موقوا)) قلت: معناه فأماتهم وإنماجى ءبه على هذه الصورة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشىء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف كقوله - تعالى-« إنما أمره إذا أرادشيئاً أن يقول له كن فيكون، وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ، ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون فى سبيل الله)، (١). وقال الجمل: (( فإن قلت هذا يقتضى أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف المعروف من أن موت الخلق مرة واحدة؟ قلنا فى الجواب : لا منانا. إذ الموت هنا عقوبة مع بقاء الأجل كما فى قوله فى قصة موسى : «ثم بعثناكم من بعد موتكم ، وثم موت بانتهاء الأجل ، وتلخيصه : أنه - سبحانه - أماتهم قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة - أى فى الدنيا - بخلاف ميتة الأجل - فلا حياة بعدها فى الدنيا -٠٠٠ (٢). (١) تفسير الكشاف ج ١ صفحة ٢٩٠. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ١٩٧ ، بتصرف إسير: ٧٢٧ سورة البقرة وبعد هذا البيان لمعنى الآية قد يقال: من هم أولئك القوم الذين خرجوا . من ديارهم فراراً من الموت؟ وهل الإماتة والإحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة ؟ للإجابة على السؤال الأول نقول: لم يرد حديث صحيح من رسول الله. صلى الله عليه وسلم - يبين لنا فيه من هؤلاء القوم وفى أى زمن كانوا، وإنما ورد بعض المفسرين عن بعض الصحابة والتابعين وايات فيها مقال، وفيها. تفصيلات زى من الخير عدم ذكرها لضعفها. ومن هذه الروايات ماجاء عن ابن عباس أنه قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، حتى : إذا كانوا بموضع كذا أو كذا مائوا .. ثم أحياهم الله بدعوة دعاها نبيهم (١). ومنها أنهم - قوم من بنى إسرائيل - فروا من الجهاد حين أمرهم الله به على لسان نبيهم ((حزقيل) وعافوا من الموت فى الجهاد فخرجوا من ديارهم خاماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شىء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد .... قال القرطبى بعد أن ساق هذه الرواية: وقال ابن عطيه: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآبه أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمداً - مِنَّ هِ - إخباراً فى عبارة النفيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا .من ديارهم فراراً من الموت فأماتهم الله ثم أحيام ليروا هم وكل من جاء من بعدهم أن الإماتة إنما هى بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لا غقرار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين بدى أمر المؤمنين من أمة محمد - راخ - بالجهاد. وهذا قول الطبرى وهو ظاهر وصف الآية) (٢) والدى نراه أن الرواية الثانية التى تقول: إنهم قوم من بنى إسرائيل فروا من الجهاد حين أمرهم الله به .. معقولة المعنى، ويؤيدها سياق الآيات، لأن الآيات (١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٩٨ بتلخيص. (٢) تفسير القرطى = ٢ صفحة ٢٣٩. ٧٢٨ الجزء الثانى تحض الناس على القتال فى سبيل الله، وتسوق لهم قصة هؤلاء القوم لكى. يعتبروا ويتعظوا ولا يتخلفوا عن الجهاد الذى هو باب من أبواب الجنة - كما قال الإمام على بن أبى طالب - ولأن قوله - تعالى - «وم ألوف، يشعر بأنهم مع كثرة عددهم قد فکصوا على أعقابهم ، وفروا من وجوه أعدائهم. وهذا شأن بنى إسراقيل فى كثير من أدوار تاريخهم وما قاله ابن عطيه يشير إليها فهو يقول: وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدى أمر المؤمنين ... بالجهاد . إلا أنه آثر وصفهم بأنهم قوم من البشر. وللإجابة على السؤال الثانى وهو - هل الإمانة والإحياء بالنسبة لهم. كانا على سبيل الحقيقة - نقول: مبلغ علمنا أن المفرين السابقين مجمعون على أن الموت كان موتاً حقيقياً حسياً لهم ، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد . ذلك كانت إعادة حقيقية حسية . وقد خالف الأستاذ الإمام محمد عبده إجماع المفسرين هذا فرأى أن المراد بالموت فى الآية الموت المعنوى بمعنى أن موت الأممإنماهو فی جینها وذلتها وأن حياتها إنما تكون فى عزتها وحريتها، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه « .. والمتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفاً أى كثيرين، وإنما. هو الحذر من الموت الذى يولده الجبن فى أنفس الجبناء، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقى من الموت وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعدا .. من رقاب أهله، قال أبو الطيب : يرى الجبناء أن الجين حزم وتلك خديعة الطبع الثيم ثم قال: لقد خرجوا فارين (( فقال لهم الله مو توا ، أى أماتهم بإمكان. العدو منهم ... فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم. وأنزل استقلال أمتهم حتى صارت لا تعدأمة، بأن تفرق شملها، وذهبت .. جامعتها ، فكل من بقى من أفرادها بقى خاضعاً للغالبين ضائعاً فيهم ،. لا وجود له فى نفسه، وإنما وجوده تابع أوجود غيره .. ٧٢٩ سورة البقرة ومعنى حياتهم هو عود الإستقلال إليهم، ذلك أن من رحمة الله فى .. البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديباً لهم ، ومطهراً لنفوسهم مما عرض ط! من دنس الأخلاق الذميمة . أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف. والجبن والمثل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كامتهم، ووثقوا رابطتهم ، حتى عادت لهم وحدتهم، فاعتزوا وکثروا حتى خرجوا من ذل العبودية التى كانوا فيها إلى عز الإستقلال فهذا معنى حياة الأمم وموتها.)) (١). فأنت ترى أن الأستاذ الإمام يرى أن الموت والحياة فى الآية معنويان، بمعنى أن موت الأمم فى جبنها وذلتها، وحيانها فى استقلالها وحريتها . ولعله - رحمه الله - قد اتجه هذا الاتجاه لأن الحض على القتال فى سبيل. الله واضح فى هذه الآيات، ولأنه يرى أن واقع العالم الإسلامى يومئذ وما أصابه. من ظلم واستبداد واستلاب للحرية يدعوه إلى أن يحرض المسلمين على القتال. فى سبيل حقهم المسلوب، وأن يحذرهم من سوء عاقبة الجبن والخنوع .. ومع أننالانشك فى الدوافع الطيبه والبواعث الكريمة التى جعلت الأستاذ الإمام يتجه هذا الإتجاه، إلا أننا لانتردد فى اختيار ما ذهب إليه المفسرون. من أن الموت والحياة فى الآية حيان حقيقيان، لأنه هو الظاهر من معنى الآية. الكريمة، ولأنه يتجه إتجاهاً أعم من إتجاه الإمام محمد عبده، لأن المفسرين .. يرون أن الآية واضحة فى إثبات قدرة الله وفى صحة البعث، وفى الحضر على القتال فى سبيل الله . قال بعض العلماء: قوله - تعالى - ((ألم تر إلى الذين خرجوا :. الآية)). كان المشركون يستفتون اليهود فى كثير من الأمور وكانت هذه القصة معلومة. لليهود فى أسفارهم وتواريخهم ، فنزل القرآن بالإشارة إليها ليرتدع. المشركون عماهم فيه من الضلال وإنكار البعث، ويعلموا أن دلائل القدرة على البعث مشهورة ، وأن عند اليهود منها ما لو رجعوا إليهم فيه اعلموا: (١) راجع تفسير المنار = ٢ ص ٤٥٧ وما بعدها ٧٣٠ الجزء الثانى أنه حق لا ريب فيه. وفى ذكر هذه القصة مع ذلك تشجيع للمؤمنين على الجهاد والنعرض للشهادة، وتمهيد لما بعد هذه الآية)) (١). ثم ختم - سبحانه - الآيه بقوله « إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)) أى: إن الله - تعالى - لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة، وخلق لهم عقولا ليهتدوا بها إلى طريق الخير، وسخر لهم الكثير ما هذا الكون. فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه ، ولكن الذى حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون الله - تعالى - على ما منحهم من نعم. وفى قوله , ولكن أكثر الناس لايشكرون، إنصاف للقلة الشاكرة منهم، ومدبح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم. ثم أمر الله - تعالى - عباده بالجهاد فى سبيله فقال: ((وقاتلوا فى سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم)). والسبيل: الطريق: وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله لأن الإنسان يسلكها «فيصل إلى ما يرضى الله، ويعلى كلمته. ويعز دينه .. أى، قاتلوا أيها المسلمون فى سبيل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن دينه، وأعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل أقوالكم صالحها وطالخها، عليم بكل -ما يدورفى نفوسكم وخواطر كم، وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسى. با حا.قه فالآ ية الكريمة تحريض للمؤمنين على القتال من أجل إظهار الدين الحق، وتحذير لهم من القعود عنه، وحث لهم على صدق النية وإخلاص العمل لله، فقد مثل النبى (صلى الله عليه وسلم) عن الرجل بقائل شجاعة ويقاتل حمية، وبقاتل رياء، أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله)) (٢). (١) صفوة البيان لمعانى القرآن ص ٨٠ لفضيلة الشيخ حسنين -محمد مخلوف ، (٢) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٢٣٩ ٧٣١ سورة البقرة ثم أمر الله - تعالى - عباده بأن ينفقوا أموالهم فى الأعمال الصالحة التى من أجلها الجهاد فى سبيله فقال - تعالى -: ((من ذا الذى يقرض الله قرضا حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة » . قال القرطبى: ((القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأفرض فلان فلانا أى أعطاه ما يتجازاه . واستقرضت من فلان أى طلبت منه القرض فأفرضى . واقترضت منه أى أخذت القرض. وأصل الكلمة القطع ومنه المفراض. وأقرضته أى قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها ... ثم قال: والتعبير بالفرض فى هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهموفه، والله هو الغنى الحميد، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالفرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء . .)) (١). والمعنى : ومن هذا المؤمن القوى الإيمان الذى يقدم ماله فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفى غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة البائسين ، ومساعدة الأمة الإسلامية بما يفيدها ويعلى من شأنها، «فيضاعفه له أضعافا كثيرة، أى: فيرد الله - تعالى- إلى هذا الباذل المعطى - المقرض بدل ما أعطى وبذل وأفرض أمثالا كثيرة لا يعلم مقدارها إلا الله أكرم الأكرمين. إذ المضاعفة معناها إعطاء الشخص أضعاف أى أمثال ما :أعطى وبذل . والاستفهام فى قوله: ((من ذا الذى بقرض الله .. ، للحض على البذل والعطاء، والتهييج على الانصاف بالصفات الكريمة، حتى لكأن المستفهم لا يدرى من هو الأهل لهذه الصفات ويزيد أن يعرف من هو أهل لها . و((من)) اسم استفهام مبتدأ، و«ذاء اسم إشارة خبره، والذى وصلته صفة لاسم الإشارة أو بدل منه . وقوله (( قرضا حسنا، حث الناس على إخلاص النية ، وتحرى الحلال (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٠٢٢٩ ٧٣٢ الجزء الثانى فما ينفقون، لأن الإنسان إذا تصدق بمال حرام، أو قصد بنفقته الرياء أو المباهاة لا يكون عمله متقبلا عند الله، وإنما يتقبل الله العمل ويضاعفه من. قصد به وجهه ، وكان المتصدق ، مالا - لالا خالصا من الشبهات. فالله. - تعالى - طيب لا يقبل إلا ما كان طيبا. " ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون)) .. القبض: ضد البط . يقال : قبصه بيده يقبضه أى تناوله . وقبض. عليه بيده أى أمسكه. ويقال الإمساك اليد عن الذل قبض ومن ذلك قوله. - تعالى - ,ويقبضون أيديهم، أى يمتنعون عن الإنفاق. والبسط معناه المد والتوسعة. يقال بسط يده أى: مدها. وبسط المكان. القوم . وسعهم . والمعنى: والله - تعالى - بيده الإعطاء والمنع فهو يسلب قارة ويعطى. أخرى، أو يسلب قوما ويعطى أخرين، أو يضيق على بعض ويوسع على. بعض حسما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة ، وما دام الأمر كذلك فلا تبخلوا بما وسع عليكم كيلا قنبدل أحوالكم من الغنى إلى الفقر، ومن السعة إلى الضيق. وأنتم جميعا سترجعون إليه وحده ، وسيجازى. - سبحانه - الأسخياء بما يستحقون من كريم الثواب والبخلاء بما هم أهله. من شديد العقاب. فأنت ترى أن فى هذه الآية الكريمة ألوان من الحض = إلى الإنفاق فىوجوه الخير ومن ذلك التعبير بالاستفهام، لأنه للتقبيه وبعث للنفوس إلى التدبر والاستجابة. ومن ذلك - أيضاً - التعبير بقول (من ذا الذى .. ، فقد جمع هذا التعبير بين. اسم الإشارة والاسم الموصول فى الاستفهام ، ولا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكان المخاطب لعظم قدره من شأنه أن يشار إليه وأن يتحدث عنه ومن ذلك تسميته ما يذل الباذل قرضا، ولمن هذا القرض! إنه الله الذى بيده خزائن السموات والأرض والذى سيرد للباذل أضعاف. ٧٣٣ سورة البقرة ما بذل، فكأنه - سبحانه - يقول لنا: إن ما تدفعونه أن يضيع عليكم بل هو قرض منكم لى، وسأرده لكم بأضعاف ما دفعتم وأعطيتم . ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ووصفها بالكثرة فى قوله , فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ، أى لا يعلم مقدارها إلا الله . ومن ذلك التعبير بقوله «والله يقبض ويبسط .. ، لأنه ما دام العطاء والمنع من الله فلماذا يبخل البخلاء ويفتر المقترون؟ إن على الغنى أن يستشعر نعمة اللّه عليه وأن يتحدث بها بدون رياء وأن ينفق منها فى وجوه الخير حتى يزيده الله من فضله، وإلا ففى قدرة الله أن يسلبها منه، ويحاسبه على بخله حسابا عسيراً. هذه بعض وجوه المبالغة التى اشتملت عليها الآية لحض الناس على الإنفاق فى الجهاد وفى وجوه الخير، ولقد استجاب السلف الصالح لهذه التوجيهات، وحكى لنا التاريخ أمثلة كريمة من سخاتهم وبذهم. ومن خير الأمثلة على ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود قال: لمانزلت: (( من ذا الذى يقرض الله فرضاً حسناً، قال أبو الدحداح: يا رسول الله "أو إن الله - تعالى - يريد منا القرض؟ (( قال نعم يا أبا الدحداح، قال أرنى يدك. فناوله النبى - ◌ّ له - يده. فقال أبو الدحداح: فإنى أقرضت اللّه - تعالى - حائطا فيه ستمائة فخلة. ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك قال: أخرجى -قد أقرضت ربى حائطا فيه ستمائة نخلة)، (١). وفى رواية أزيد بن أسلم أن أبا الدحداح قال النبى - صلى الله عليه وسلم - إن لى حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعاليه والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما فرضالله - تعالى - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اجعل إحداهما له والأخرى دعها معيشة لك واميالك، قال: فأشهدك يارسول الله أنى قد جعلت خيرهما الله وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: «إذا يجزيك (١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٩٩. ٧٣٤ الجزء الثانى الله به الجنة، ثم انطلق أبو الدحداح إلى زوجته وهى مع صبياها فى الحديقة. تدور تحت النخل فأخبرها بما فعل ، فأقبلت على صبيانها تخرج ما فى أفواههم وتنفض ما فى أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر .. )) (١). وبهذا نرى السلف الصالح قد أممثل ما أمره الله به من إنفاق فى سبيله. ومن جهاد لإعلاء كلمته فزل آن الأوان للمسلمين أن بنهجوانهجهم لكم يسعدواكما سعدوا، وينالوا أشرف حياة وأعزها؟ اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك . ثم ساق القرآن قصة من قصص بنى إسرائيل مع أنبيائهم ، فيها العظات والعبر، وملخص هذه القصة : أن قوما من بنى إسرائيل كانوا قد انهزموا أمام أعدائهم هزيمة منكرة جعلتهم يولون الأدبار تاركين ديارهم وأبناءهم، فقالوا لنبى لهم بعد أن ذاقوا مرارة الهزيمة : ابعث لنا ملكا يقودنا للقتال فى سبيل الله، فقال لهم قبيهم بعد أن حذرهم من عاقبة الجبن والكذب :. ((إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، فاعترضوا على هذا الاختيار، ونقصوا من شأن من اختاره الله قائدا لهم، ولكن نبيهم ساق لهم من الحجج التى قدل. على صلاحية طالوت لهذا المنصب ما أخرس ألسنتهم .. ثم سار طالوت بجنوده لقتال أعدائه، وفى العاريق قال لمن معه ,إن اته مبتليكم بنهر فمن شرب. منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اعترف غرفة بيده فشربوا منه. إلا قليلا منهم ... ، ثم بعد هذه المخالفة جبن أكثرهم عن قتال أعدائهم. وقالوا, لا طاقة لنا اليوم بحالوت وجنوده، ولكن الفئة القليلة المؤمنة منهم. استطاعت أن تنتصر على كل عقبة فى طريقها، وأن تقاقل أعداءها بشجاعة وصبر واعتماد على الله، فكانت النتيجة أن اقتصرت الفئة القليلة المؤمنة بقيادة طالوت على الفئة الكثيرة الكافرة بقيادة جالوت . هذا تلخيص لتلك القصة العامرة بالعظات، ولعل من الخير قبل أن نبدأ فى تفسير آياتها أن نقرأهه بتدبر وقأمل كما صورها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر . (١) تفسير القرطبى = ٣ صفية .. ٧٣٥ سورة البقرة قال - تعالى -: أَّ تْ إِلَى الْعَلَإِمِنْ بَنِىّ إِسْرِ يلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَّ إِذْ قَالُواْ لِنَِّلَهُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكَا نُقَدِلْ فِى سَبِيلِ الَِّ قَالَ هَلْ عَسَيُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَدِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلََّ تُقْتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَزِنَا وَأَبْنَّا فَلَّا كُتِبَ عَهُ الْفِقَالُ: نَّوْاْإِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِظَّالِينَ ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ ◌ِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللّهُ أَصْطَفَّهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلِ وَالْجِسِْ وَاللهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَمِعُ عَلِيمٌ ٢٤٧ وقوله - تعالى- ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى. الخ)) استئناف ثان بعد قوله قبل ذلك ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم .. ». وقد سيق هذا الاستئناف مساق الاستدلال لقوله - تعالى - ,وقاتلوا فى سبيل الله ... حتى تتشجع النفوس على الجهاد، وتهون عليها المصاعب فى سبيل حياة العزة والكرامة . و((الملأ، الأشراف من الناس. وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه. وإنما سمى الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملاً الصدور، أو لأهم يتما اؤن. أ)، تتعاونون فى شئونهم. وأصل الباب الاجتماع بما لا يحتمل المزيد. ٧٣٦ الجزء الثانى والمعنى: كما سبق أن بينا فى قوله: « ألم تر إلى الذين خرجوا .. قد علمت أيها العاقل حال أولئك القوم من بنى إسرائيل الذين كانوا بعدوفاة موسى - عليه السلام - إذا قالوا لنبى لهم أقم لنا أميرا لكى نقائل معه فى سبيل الله. ومن لم يعلم فها نحن أولاء نعلمه بحالهم فعليه أن يعتبر ويتعظ . فقوله (( من بعد موسى)) بيان للزمن الذى كان يعيش فيه أولئك الملا . من بنى إسرائيل والمراد بالنبى الذى قالوا له ((ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله» على الراجح - ( شمويل بن حنة)) وكان السبب فى طلبهم هذا من نبيهم أن العمالقة أتباع جالوت كانوا قد أخرجوهم من ديارهم، وأنزلوا بهم هرائم شديدة، فطلبوا منه ذلك لكى يستردوا مجدهم الضائع ، وعزهم المسلوب، على يد هذا القائد المختار من جهة نبيهم ، وفى الإتيان بلفظ هذا النبى بصيغة التنكير إشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبى، وإنما المقصود معرفة حال أولئك القوم، وما جرى لهم مع نبيهم من أحداث من شأنها أن تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ . وهذه طريقة القرآن فى سرد القصص لا يهتم بالأشخاص والأزمان إلا بالقدر الذى يستدعية المقام. أما الاهتمام الأكبر فيجعله لما اشتملت عليه القصة من وجوه العظات والعبر . ويبدو أنه كان يتوجس منهم خيفة لأنه أعرف بطبيعتهم، فهراه يقول : لهم كما حكى القرآن عنه: «قال هل عسيتم إن كتب عليكم القعال ألا تقاتلوا ، . فالاستفهام للتقرير والتحذير. أى إنى أتوقع عدم قتالكم إذا فرض عليكم القتال، فراجعوا أنفسكم وقوتكم قبل أن تطلبوا هذا الطلب، لأنه إذا فرض عليكم ثم نكتم على أعقابكم فإن عاقبتكم ستكون شراً لا شك فى ذلك. .وعلى هنا بمعنى التوقع والمقاربة ، والجملة استئناف بيانى. قال صاحب الكشاف ؛ والمعنى : هل قار بتم ألا تقاتلوا؟ يعنى هل الأمر ٧٣٧ سورة البقرة كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاقلوا بمعنى أنوقع جينكم عن القتال فأدخل ((هل)) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب فى توقعه. وخبر. (((عسيتم)): ((ألا تقائلوا)) والشرط فاصل بينهما)) (١). ثم حكى القرآن ردهم على نبيهم فقال: «قالوا وما لنا ألا نقائل فى سبيل كالله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» ؟ . أى قال الملاُ من بنى إسرائيل على سبيل الإنكار والتعجبمما قاله فيهم: وأى .. صارف يصرفنا عن القتال وحالنا كما ترى؟ إننا قد أخرجنا من ديارناوحيل بيننا وبين أبناتنا وفلذات قلوبنا فكيف لا نقائل مع أن الدواعى موجودة، -والبواعث متوفرة، والأسباب مهيئة؟ فأنت تراهم فى إجابتهم هذه يستنكرون ما توقعه نبيهم منهم، ويجزمون بأن الطريق الوحيد لعزتهم إنما هو القتال وأن هذا الأمر لا مراجعة فيه ولا جدال . وهكذا شأن الجبناء المغرورين فى كل زمان ومكان يرحبون بالمعارك قبل قدومها فإذا ما جد الجد كذبت أعمالهم أقوالهم، وأعطوا أدبارهم لأعدائهم !. ثم حكى القرآن أن نديهم كان صادقاً فيما توقعه منهم من جبن وكذب، وأنهم قوم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم فقال - تعالى - «فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ،. أى: فين فرض عليهم القتال بعد أن ألحوا فى طلبه، أعرضوا عنه، ونفروا منه إلا عدداً قليلا منهم فإنه ثبت على الحق ، ووفى بعهده . قال الآلوسي: وقوله (( إلا قليلا منهم)) وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشرة عدة أهل بدر على ما أخرجه البخارى عن البراء -رضى .. الله عنه - والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحياناً بأنه جم غفير ، (٢). (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٠٢٩١ (٢) تفسير الآلوسى + ٢ صفحة ٠١٦٦ ( م - ٤٧ البقرة) ٧٣٨ الجزء الثانى ثم ختم الله - تعالى- الآية بقوله ((والله عليم بالظالمين)، لإفادة الوعيد الشديد .. لهؤلاء الذين نقضوا عمودهم، ونكسوا عن القتال عندما فرض عليهم، ولكل من يفعل فعلهم ، وسار على طريقهم . أى: والله - تعالى - عليم بالظالمين الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك ... الجهاد، وبترك ما أمرهم الله به بعد أن عاهدوه على عدم الترك. ثم بين القرآن ما أخبرهم به قبيهم ليحملهم على الطاعة والامتثال فقال .. - تعالى - ((وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً)،. أى وقال لهم بعد أن أوحى إليه بما يوحى: إن الله - تعالى - وهو العلم الخبير بأحوال عباده قد بعث لكم ومن أجل مصلحتكم طالوت ليكون ملكاً" عليكم ، وقائداً لكم فى قتالكم لأعدائكم ، فأطيعوه واتبعوا ما يأكم به. و((طالوت، أسم أعجمى قيل هو المسمى فى التوراة باسم ((شاول، وقيل إن هذا الاسم لقب له من الطول كملكوت من الملك، لأن طالوت ... كان طويلا جسيما . ولقد كان الذى يقتضيه العقل أن يطيعوا أمر نبيهم، ولكنهم اجوا فه .. جد الهم وطغيانهم وقالوا أنبيهم معترضين على من اختاره الله قائداً لهم. (( أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال)». ((أنى)) أداة استفهام بمعنى كيف، والاستفهام هنا للتعجب من جعل. طالوت ملكاً عليهم. أى قالوا لنبيهم منكرين ومتعجبين من اختيار طالوت. ملكاً عليهم : كيف يكون له الملك علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأننا أشرف منه نسباً ، إذ منا من هو نسل الملوك أما طالوت فليس من نسلهم ، وفضلا عن ذلك فهو لا يملك من المال ما يملكه بعضنا فكيف يكون هذا الشخص ملكاً علينا ؟ فأنت تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ظنوا أن المؤهلات الحقيقية. لاستحقاق الملك والقيادة إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة العقلية » ٧٣٩ سورة البقرة والقوة البدنية، والقدرة الشخصية فلا قيمة لها عندهم لانطماس بصيرتهم، وسوء تفكيرهم . قال بعضهم: ((وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب ، وسبط المملكة بسيط هوذا، ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين. والواو فى قوله ((ونحن أحق .. )) للحال، والواو الثانية فى قوله. (((ولم يؤت .. )) عاطفة جامعة للجملتين فى الحكم)) (١). ثم حكى القرآن مارد به نبيهم عليهم فقال: «قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم، والله يؤتى ملمكه من يشاء والله واسع عليم. : أى قال لهم نبيهم مد للا على حقية طالوت بالقيادة: إن الله - تعالى - «اصطفاه عليكم، أى اختاره وفضله عليكم واختياره يجب أن يقابل بالإذعان والتسليم. وثانياً ((وزاده بسطة فى العلم، أى أن الله - تعالى - منحه سعة فى العلم والمعرفة والعقل والإحكام فى التفكير المستقيم لم يمنحها لكم ، وثالثاً: وزاده بسطة فى الجسم) بأن أعطاه جسماً قوياً ضخماً مهيباً. وهذه الصفات ماوجدت فى شخص إلا وكان أهلا للقيادة والزيادة . وفضلا عن كل ذلك فما لك الملك هو الذى اختاره فكيف تعترضون بامن تدعون أنكم تريدون القتال فى سبيل الله؟ لذا فراء - سبحانه - يضيف الملك الحقيقي إليه فيقول: ((والله يؤتى ملكه من يشاء)) أى: يعطى ملكه لمن يشاء من عباده لحكمة يعلها. فلا يجوز لأحد أن يعترض على اختياه، والله ((واسع، الفضل والعطاء , عليم، بشئون عباده. خبير بأحوالهم وأعمالهم. ثم حكى القرآن أن نبيهم لم يكتف بهذه الدلائل الدالة على صلاحية طالوت للقيادة، وإنما ساق لهم بعد ذلك من العلامات التى تشهد بحقيقه بهذا المنصب ما يثبت قلوبهم، ويزيل شكهم ويشرح نفوسهم فقال- تعالى -: (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٠١ ٧٤٠ الجزء الثانى وَقَالَ لَهُمْ نَبِّهُمْ إِنَّءَايَةً مُلْكِةٍ أَنْ يَأْتِّكُ الثَّابُوتُ فِهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ ◌ِمَا تَرَكٌ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُونَ تَجِلُهُ الْمَلَتَكَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُرْ إِن كُنْتُ مُؤْمِنِينَ (٨) فَلَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُدِ قَالَ إِنَّاللهَ مُبْتَلِكُم بِنَهَرٍ فَ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِى وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمُهُ فَإِنَّهُر ◌ِّي إِلَّا مَنِ آَغْتَفَ غُرْفَةَ بِيدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّ قَلِلًا مِنْهُمْ قَاً جَاوَزَهُ. هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ ، قَالُواْ لَ طَاقَةً لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم ◌َُّدُواْ اللّهِكَم مِّنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ. كَثِرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّنْبِرِينَ ٢٤٩ التابوت: يوزن فعلوت - من التوب وهو الرجوع ، وقاؤه مزيدة لغير التأنيث كجبروت، والمراد به. صندوق التوراة. وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم، ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم . وكان عهدهم به قد طال فذكرهم بمآ ثره رغيباًفيه وحملا على الانقياد لطالوت)، (١) والسكينة: من السكون وهو ثبوت الشىء بعد التحرك: أو من السكن - بالتحريك - وهو كل شىء سكنت إليه النفس وهدأت. والمعنى: وقال لهم نبيهم ليقنعهم بأن طالوت جدير بالملك (إن آية ملكه) أى علامة ملكه وأنه من الله - تعالى - (أن يأتيكم النابوت) أى أن يرد عليكم (١) تفسير القاسمى ج ١ صـ ٦٤٦