النص المفهرس

صفحات 701-720

٧٠١
سورة البقرة
جنت حنظلة - قالت: دخل على أبو جعفر محمد بن على وأنا فى عدتى فقال :
نقد علمت قرابتى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ابتیمن جدی علی
بن أبى طالب، وموضعى فى العرب، أو قدمى فى الإسلام. قالت: فقلت:
غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبنى فى عدنى وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أوقد
فعلت ! إنما أخبرتك بقراتى من رسول الله - عَ ل٣ه ـ وموضعى)) (١).
وقوله - تعالى - ((ولا جناح عليكم فيما عرضتم .. الخ، معطوف على
ما قبله فى الآية السابقة لأن الكلام فى الآيتين فى الأحكام المتعلقة
بعدة النساء .
و((ما)، فى قوله ،فيما عرضتم) موصولة. و((من خطبة النساء، بيان لما،
و((أل)، فى النساء للعهد والمعهودات هن الزوجات اللافى سبق الحديث
عنهن فى الآيات التى قبل هذه.
و((أو، فى قوله (( أو أكتنتم، الإباحة أو التخيير، ومفعول أكن
محذوف يعود إلى ما الموصولة فى قوله «فيما عرضتم، والتقدير: أوأكتموه.
ــ(«فى أنفسكم ) متعلق بأكنتم .
وقوله - تعالى - «علم الله أنكم ستف كونهن ولكن لا قواعدو من سراً
إلا أن تقولوا قولا معروفاً، كالتعليل لما قبله وهو قوله ((ولا جناح عليكم
فيما عرضتم .. إلخ)، ونهى عما يردى ويفسد، وإباحة لما لا ضرر فيه.
أى : علم الله أفكم يا معشر الرجال ستذكرون هؤلاء النسوة المعتدات
بمالهن من جمال ومن حسن عشرة ومن غير ذلك من شئونهن وأن تفكروا
فيهن وتهفوا إليهن نفوسكم، والله - تعالى- فضلا منه وكرماً قد أباح لكم أن
تذكروهن ولكنه ينها كم عن أن قواعدومن وعداً سرياً بأن تقولوا لهم فى
السر ما تستحيون من قوله فى العلن لقبحه ومنافاته للشرع.
وقوله (( إلا أن تقولوا قولا معروفاً، إستثناء مما يدل عليه النهى
ثلا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعاً، وهى
-

٧٠٢
الجزء الثانى
ما تكون بطريق التلويح والتعريض .
وفى قوله سبحانه (علم الله أنكم ستذكرونمن، بيان لما جبلت عليه
النفس البشرية من ميل فطرى بين الرجال والنساء، والإسلام لا يذكر هذا"
الميل وإنما يهذبه ويقومه وبصقله بآدابه الحميدة، وتعاليمه السامية .
وقوله «ولكن لاقواعدوهن سراً، استدراك على محذوف دل عليه.
(«ستذكروهن، أى: فاذكروهن ولكن لا تواعدومن سراً،.
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء فى المراد بالسرفى قوله - تعالى ..
((ولكن لاقواعدوهن سراً، فقيل معناه فكاحاً، أى لا يقل الرجل لهذه المعتدة
تزو جینی بلیعرضإن أراد ، ولا یأخذميثاقها وعهدما ألا تنگحغیر ،فىاستمرار
وخفية . هذا قول جمهور أهل العلم. و«سراً، على هذا التأويل نصب على
الحال أى مسرين - وسمى النكاح -رأ لأن مبيه الذى هو الوطنما يسر -
وقيل السر الزنا، أى لا يكونن منكم مواعدة على الزنا فى العدة ثم التزوج.
بعدها. أى لاقواعدوهن زنا. واختاره الطبرى . ومنه قول الأعشى:
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبداً
أى: ((فتزوجها أو ابتعد عنها. وقيل السر الجماع، (١).
والذى تطمئن إليه النفس أن كلمة « سراء صفة لموصوف محذوف أى
لا قواعدهن وعدا سرياً، وأن النهى هنا منصب على كل مواعدةسرية، بقال.
فيها كل ما ينهى عنه أويستحيا منه فى العلن، لقبحه أولأن أوانه لم يحن بعد،
إذ السرية أو الخلوه بين الرجل والمرأة لا تؤ من مزالقها. وفى الحديث الشريف.
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يحلون رجل بامرأة إلا كان.
الشيطان، ثالثها (٢) وأن المرادبقوله. إلا أنتقولواقولامعروفا،هوالتعريض ..
بالخطبة، وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم .
(١) تفسير القرطبى = ٣ ص ١٩٠
(٢) الترغيب والترهيب المنذرى حـ ٢ ص ٣٨

٧٠٣
سورة البقرة
قال صاحب الكشاف وقوله (إلا أن تقولوا قولا معروفا)، وهو أن تعرضوا"
ولا تصرحوا. فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بلا قواعدوهن.
أى لا قواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير مشكرة : أى
لا.قواعدوهن إلا بالتعريض .
ثم قال - تعالى -،ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)).
العزم: القطع والتصميم ، يقال عزم على الشىء إذا صمم وعقد القلب ..
على فعله، وهو يتعدى بعلى وبنفسه فيقال: عزم الشىء وعزم عليه.
وعقدة الن كاح : الارتباط الموثق به. وأصل العقد الشد، والعهود.
والأنكحة تسمى عقودا لأنها تعقد وتوثق كما يوثق بالحبل .
والمراد بالكتاب هذا الأمر المكتوب المفروض وهو العدة التى حدد
اله لها وقتاً معيناً .
والأجل: هو نهاية المدة التى قررها الشرع للعدة .
والمعنى: لا يسوع لكم يا معشر الرجال الراغبين فى الزواج من النساء
اللائى فارقهن أزواجهن أن تعقدوا العزم بهائياً فى أثناء العدة على أن تتموا.
الزواج بعدها، بأن تحول الخطبة من التعريض إلى التصريح، أو تبتوا فى
أمر الزواج بتاً قاطعاً بمواعدة أو نحوها، إذ العاقل لا يستعجل أمرا قبل
حول وقته، وإنما الذى يسوغ اكم أن تتمو اعقد الزواج بعد إنتها . العدة،
وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وجفت حدته .
والنهى عن العزم على عقد النكاح نهى بالأولى عن إبرامه وتنفيذه ..
لأن العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهى عنه كان الفعل أنهى ، فهو كالنهى.
عن الاقتراب من حدود الله فى قوله « تلك حدود الله فلا تقربوها ..
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أباحت شيئين ، ونهت عن شيئين :
أباحت التعريض بالخطبة للمرأة أثناء عدتها، كما أباحت إخفاء هذه الرغبة.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٨٤

٧٠٤
الجزء الثانى
فى الأنفس وحديثها بها. ويشهد لذلك قوله - تعالى-((ولا جناح عليكم فيما
عرضتم به من خطبة النساء أو أكتتم فى أنفسكم»، ونهت من المواعدة سراً إلا
أن يقولوا قولا معروفاً عن طريق التعريض، أو أن يسار الرجل المرأة بالقول
المعروف الذى أباحه الشرع وارقضته العقول السليمة، والأخلاق الفاضلة،
بأن يعدها فى السر بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى بصير
ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكداً لذلك التمريض. أما الشىء الثانى الذى نهد عنه
فهو العزم على عقدة النكاح قبل انقضاء العدة. ويشهد لهذا قوله - تعالى -:
« علم اللّه أنكم ستذ كرونهن ولكن لا قواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولا
- معروفاً، ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)).
وبعد هذه الأوامر والنواهى ختم الله - تعالى - الآية بقوله:((واعلموا
أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم).
أى : اعلموا أيها الناس أن الله - تعالى - يعلم ما يجول فى نفوسكم من
خير أو شر، وماتهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات، فاحذروا
أن تقصدوا ماهو شر، أو تفعلوا ما هو منكر، واعلموا أنه -تعالى-غفور
لمن تاب وعمل صالحاً ، حليم لا يعاجل الناس بالعقوبة، ولا يؤاخذهم
إلا بماكسبوا.
فالجملة الکريمة تحذیر و قبشیر ، و ترغیب وتھیب، لکی لا یتجاسر
الناس على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولا ييأسوا من رحمته من تابوا وأنابوا.
هذا، وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح المرأة فى عدتها، وإذا حدث
مثل هذا النكاح ودخل بها فرق بينهما وفسخ النكاح .
ويرى جمهور العلماء أنها تصير محرمة عليه تحريماً مؤبداً، ولا يحل له
-فنكاحها بعد ذلك، لأنه استحل مالا يحل فعوقب بحر مانه، كالقاتل يعاقب
بحرمانه من ميراث المقتول. وقيل: يفسخ النكاح ويفرق بينهما فإذا انتهت
العدة حلت له ولم يتأبد التحريم. ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه.

٧٠٥
سورة البقرة
وبذلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع، ويرقضيه
الخلق الكريم، ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإسلام بأسلوب حكيم جمع بين
الشدة واللين، والخوف والرجاء، حتى يثوب المخطئون إلى رشدهم، ويقلعوا
عن خطئهم .
ثم بين - سبحانه - فى آيتين كريمتين بعض الأحكام التى تتعلق بالمطلقة
قبل الدخول بها، سواء أذكر لها المهر أم لم يذكر ، فقال - تعالى -:
لَّاجُنَحَ
◌َلَيْكُمْ إِن طَلَّفْتُمُ الْنِسَآَ مَالَمْ تَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوْنَهُنَّ فَرِيضَةً
وَتِعُوهُنَّ عَلَى الْمُوبِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُفْتِ قَدَرُهُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوِفِّ
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (﴾ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ
وَقَدْ فَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَأْ
الَّذِىِ بِيَدِهِ، عُقْدَةُ الْتِّكَاحَّ وَأَنْ تَعْقُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَنَّ وَلَا تَنْسُأَ
الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّاللّه ◌ِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (أيام)
قوله - تعالى - ((ما لم تمسوهن)، أى ما لم تجامعوهن ولم تدخلوا بهن
والمس فى أصل معناه: اللمس، ويقال فيما معه إدراك بحاسة اللمس، ثم
أطلق على سبيل الكتابة على ما يكون بين المرء وزوجه من جماع ومباشرة
وعلى غير ذلكمما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية. وهذه الكتابة من الطف
الكتابات التى تربى فى الإنسان حمن الأدب ، وسلامة التعبير، وتجنبه
النطق بالألفاظ الفاحشة. وقد تكرر هذا التعبير المهذب فى القرآن الكريم
( م - ٤٥ البقرة)

٧٠٦
الجزء الثانى
ومن ذلك قوله - تعالى - حكاية عن مريم ((قالت أنى يكون لى ولدولم
يمستَى بشر ... (١).
والمراد بالفريضة هنا المهر الذى يفرضه الرجل على نفسه للمرأة قبل
الدخول بها .
والمعنى: لا إثم عليكم أيها الرجال إذا طلقتم النساء لأسباب مشروعة،
وبطريقة مرضية، قبل الدخول بهن، وقبل أن تقدروا لهن مهراً معيناً.
ثم بين - سبحانه - ما للمرأة على الرجل فى هذه الحالة فقال: ((ومتعوهن»
على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين)) ..
قوله - تعالى -,ومتعوهن، أى ملكوهز ما ينتفعن به، ويدخل التسلية
والسرور على نفوسهن. وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به الإنسان من مال
أو كسوة أو غير ذلك، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال.
أو غيره عند طلاقها منه لتنتفع به ، جبراً لخاطرها، وتعويضاً لما فالها.
بسبب هذا الفراق .
و((الموسع)، «والغنى الذى يكون فى سعة من غناه. يقال: أوسع الرجل
إذا كثر مائه، واتسعت حاله. و((المقتر)) هو الفقير الذى يكون فى ضيق من ..
فقره. يقال: أقتر الرجل أى افتقر وقل ما فى يده.
والمعنى: لا حرج عليكم فى طلاقكم للنساء قبل أن تدخلوا بهن وقبل
أن تقدر والهن مهراً معيناً، وليس من حقهن عليكم فى هذه الحالة أن يطالبنكم.
بالمصداق ، وإنما من حقين عليكم أن تمتعوهن بأن تدفعوا لهن ما ينتفعن به.
كل على حسب حاله وطاقته ، فالأغنياء يدفعون ما يناسب غنام وسعتهم ..
والفقراء يدفعون ما يناسب حالهم .
وقوله ((متاعاً بالمعروف، أى أعطومن ما يتمتعن وينتفعن به بالقدر
المتعارف عليه بين العقلاء، فلا يعطى الغنى ما لا يتناسب مع غناء ولا مع)
(١) سورة آل عمران الآية ٤٧.

٧٠٧
سورة البقرة.
حال المرأة التى طلقها ، ولا يعطى الفقير شيئاً تافهاً لا يسمى فى عرف
العقلاء متاعاً كما أنه لا يكلف فوق استطاعته، لأن المناع ما هى بهذا الاسم
إلا لأنه يتمتع به وينتفع به لفترة من الزمان .
وقوله (( حقاً على المحسنين، تأكيد لهذا التمتيع الذى هو من حق المرأة
على الرجل الذى طلقها قبل أن يدخل بها وقبل أن يسمى لها مهراً.
أى : هذا المتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم
بامتثالهم لأوامر الله، وترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات الاتى تأثرن
بسبب هذا الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون
النساء قبل الدخول بهن وقبل تسمية المهر لهن ، متى كانت المصلحة تستدعى
ذلك، وتبين الحقوق التى للمرأة على الرجل فى هذه الحالة .
" قال القرطبى: قوله - تعالى - ((لا جناح عليكم إن طلقتم النساء .. الخ)»
هذا أيضاً من أحكام المطلقات، وهو إبتداء إخبار برفع الحرج عن المطاق قبل
البناء والجماع، فرض مهراً أو لم يفرض. ولما نهى رسول الله - حَل ـ
عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوج لطلب العصمة
والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع فى نفوس المؤمنين أن من طلق
قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلت الآية رائعة للجناح فى
ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن)، (١).
وقوله (( أو تفرضوا لهن فريضة، معطوف على ((تمسوهن ، المنفى،أى
لا حرج عليكم فى تطليقكم النساء فى حالة عدم الدخول بهن وعدم تقدير
فهر معين هن .
وقوله، ومتعوهن على الموسع قدره .. الخ، تشريع حكيم وتوجيه سديد،
لأن فراق المرأة قبل الدخول بها وقيل تقدير مهر لها ينشىء جفوة مضة بين
المرأة وبين مطلقها، وقد يسىء هذا الغراق إليها وإلى أسرتها، فكان هذا
(١) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ١٩٦.

٧٠٨
الجزء الثانى
الحق الذى جعله الله للمرأة على الرجل وهو التمتيع، قسرية لنفسها، وتعويضاً
عما أصابها بسبب هذا الفراق، وتلطيفاً لجو الطلاق وما يصاحبه من جفاء
وبغضاء، واستبقاء للمودة الإنسانية بين الطرفين، وإزالة لما عسى أن يقوله
البعض من أنه ما طلقها من طلقها إلا لشىء.
ولا شك أن إنها. الحياة الزوجية قبل الدخول فيها ، لضرورات
اقتضاها هذا الإنهاء ، أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول فيها.
قال الجمل ما ملخصه: وقوله ((على الموسع قدره، جملة من مبتدأ وخبر
وفيها قولان: أحدهما أنها لا محل لها من الإعراب بل هى استئنافية بينت حال
المطلق بالنسبة إلى يساره وإقتاره. والثانى فى محل نصب على الحال وصاحب
الحال فاعل متعوهن . والرابط بين جملة الحال وصاحبها محذوف والتقدير:
على الموسع منكم. و((متاعاً، منصوب على المصدر. و((بالمعروف، جار
ومجرور صفة له. و«حقاً، صفة ثانية لقوله «متاعاً، أو مصدر مؤكد
لمضمون الجملة قبله. وعامله محذوف وجوباً والتقدير: حق ذلك حقاً، (١).
هذا، ويرى بعض العلماء أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال
مفارقتها قبل الدخول بها وقبل تسمية المهر، لأن الآية الكريمة قد أكدت
ذلك وجعلته حقاً ثابتاً لا يجوز التحلل منه قال - تعالى - «متاعاً بالمعروف
حقاً على المحسنين ).
ويرى بعضهم أنها مستحبة ، لأن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير
، واجبة وقد رجح المحققون من العلماء الرأى الأول وقالوا: إن الإحسان لا ينافى
الوجوب الذى دل عليه الأمر فى قوله ((ومتعوهن)، وتأكد بقوله «حقاً على
المحسنين)). وأيضاً قوله (( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)) يؤيدهذا،
فقد جعل الله المتعة على الفريقين كل فريق على حسب طاقته وقدرته .
والمتعة تختلف باختلاف الأحوال من يسار وإعسار ، بقدرها
القاضى على الرجل على حسب حالته كما يقدر النفقة .
(١) حاشية الجمل الجلالين جـ ١ صفحة ١٩٣.

٧٠٩
سورة البقرة
والصالحون من الناس هم الذين يبذلون المتعة للمطلقة بسخاء ومودة،
ولقد أثر عن الحسن بن على - رضى الله عنهما - أنه متع امرأة طلقها.
بعشرة آلاف درهم، فلما تسلمت هذا المال الوفير قالت: «متاع قليل من
حبيب مفارق» .
ثم بين - سبحانه - حق المرأة فيما لو طلقت قبل الدخول بها وبعد
قسمية مهر لها فقال - تعالى-(وإن طلقتهومن من قبل أن تمسومن وقد فرضتم
لهن فريضة، فنصف مافرضتم إلا أن يعفون أويعفو الذى بيده عقدة النكاح)).
أى: وإن طلقتم يا معشر الرجال النساء من قبل أن تدخلوا بهن وقباشر وهن،
ومن بعد أن قدرتم لمن صداقاً معلوماً، فالواجب عليكم فى هذه الحالة أن
تدفعوالهن نصف ما قدرتم لهن من صداق، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها فتتركه
لمطلقها بسماحة نفس، بأن تكون هى الراغبة فى الطلاق ، أو بتنازل الذى بيده
عقدة النكاح وهو الزوج عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا أو ماهو أكثرمن
النصف لأنه هو الراغب فى الطلاق. وجملة ((وقد فرضتم لهن فريضة» فى
موضع نصب على الحال من فاعل ((طلقتموهن، أو من مفعوله. أى وإن
طلقتموهن حالة كونكم فارضين لهن المهر أو مفروضاً لهن المهر .
والفاء فى قول ((فنصف ما فرضتم، واقعة فى جواب الشرط، والجملة
فى محل جزم جواب الشرط، و((نصف) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف
أى فالواجب نصف ، أو هو مبتدأ محذوف الخير أى فلهن نصف، وقد
صرحت الآية الكريمة بوجوب النصف، ولم قصرح بوجوب دفعه، لأنه
قد يكون قدم لها المهر كله أو بعضه ، فكان التعبير بالوجوب بياناً للحكم
حتى يسفرد المطاق ما دفعه زيادة عن النصف إن أراد ذلك، أو يكمل لها
النصف إن كان قد دفع أقل منه ،
وقوله ((إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح)) إستثناء مفرغ
من عموم الأحوال . و«يعفون، فعل مضارع الواو فيه لام الفعل ، وذو نه ضمير
جماعة الإناث فهو هنا مبنى على السكون فى محل نصب بأن. دوز نه يفعلن

٧١٠
الجزء الثانى
أى : فلهن نصف المهر الذى فرضتهوه لهن فى كل حال إلا فى حال عضو
المطلقات أى إبرائهن لكم وتنازلهن عن هذا الحق، أو فى حال عفو الذى
بيده عقدة النكاح، وهو الزوج المطلق - عند الأحناف والشافعية - لأنه
هو المالك لعقد النكاح وحله، والمراد بعفوه إن يزيد لها نصف المهر المقرر.
ويرى المالكية أن الذى بيده عقدة النكاح هو ولى المرأة، لأنه هو الذى
بيده عقدة النكاح ثابتة ، وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم فقط ..
ويكون المعنى على هذا الرأى: عليكم يامعشر الرجال أن تدفعوا للنساء
نصف المهر إذا طلقتموهن بعد أن قدر تم لهن مهراً وقبل أن تمسوهن إلا أن
يتنازل الفاء عن هذا الحق، إذا كن بملكن ذلك، أويتنازل أو لياؤهن أن
كن لا يملكن حق التنازل، كأن تكون البنت صغيرة ، أو غير جائزة التصرف
وقد دل كل فريق على مذهبه بما هو مبسوط فى كتب الفقه.
ثم حبيب - سبحانه - إلى الناس التسامح والتعاطف فقال: وإن
تعفو أقرب التقوى ولاتنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير)).
أى: من حق المرأة المطلقة على مطلقها أن يدفع لها نصف المهر إذا كان
الطلاق قبل المباشرة وبعد تحديد المهر، وإذا تنازل أحد الطرفين عن جزء من
حقه لصاحبه كان هذا التنازل حسناً. لأن هذا التنازل والتسامح يضفى على
جو الطلاق لوناً من المودة والتقارب بين النفوس التى آلمها الفراق بتلك
الصورة، فاحرصوا - أيها الناس - على هذا العفو بأن يننازل كل فريق
منكم لصاحبه عن شىء من حقه، ويتسامح معه، فإن ذلك أقرب إلى تقوى
القلوب ، وصفاء النفوس ، ولانتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض
بالإحسان ، وحب الخير، وجميل الذكر ، فالله - تعالى - بصير
بأعمالكم وسيحاسبكم عليها، وسيجازى كل نفس بما عملت.
فالجملة الكريمة توجيه حكيم الناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن والتباغض
والتخاصم خصوصاً فى حالات الطلاق التى هى من أشد الأحوال دفعاً إلى
هذه الرذائل .

٧١١٠
سورة البقرة
ولقد حفظ لنا التاريخ الإسلامى صوراً مشرقة لهذا العفو والفضل من
. ذلك ما ذكره الإمام الزمخشرى من أن جبير بن مطعم دخل على سعد
ابن أبى وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها. ثم طلقها قبل أن يدخل بها
وبعث لها المهر كاملا. فقال له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها على فكرهت
رده . فقيل له : فلم بعثت بالصداق كاملا؟ قال: فأين الفضل .
وروى أن أحد الصحابة تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها فأعطاها
الصداق كاملا،، فقيل له فى ذلك فقال: أنا أحق بالعفو منها (١).
وهكذا نرى مبلغ استجابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ووصاياه،
.فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام؟
وبعد هذا الحديث المستفيض الذى لم ينته بعد عن الطلاق وأحكامه
وآدابه، أورد القرآن آيتين كـ عتين تأمران بالمحافظ على الصلاة وبالمداومة
على طاعة الله، وباللازمة لذكره - عز وجل - فقال - تعالى -:
حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَّتِ
◌َ فَإِنْ خِفْتُ فَرِجَالًا
وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَلِتِينَ
٢٣٨
أَوْرُكَانًّاً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَذْكُرُواْ اللّهَكَ عَلََّكُ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (3)
وأعل السر فى توسط هاتين الآيتين بين آيات الأحكام التى تحدثت عن
: الطلاق، والعدة والرضاع والخطبة ... إلخ، لعل السر فى ذلك أن هذه الأمور
كثيراً ما تكون مثار تنازع، تخاصم وتقاطع بين الناس، فأراد القرآن بطريقته
الحكيمة، وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس: إن محافظكم على الصلاة،
ومداومتكم على طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض فى نفوسكم المراقبة له
- سبحانه-، والخصية من عقابه، وسيعينكم على أن تحلوا قضا باكم التى تتعلق
بالطلاق وغيره بالعدل والإحسان والتسامح والتعاطف، لأن من حافظ على
فرائض الله وأوامره، لفصرفت نفسه عن ظلم الناس ، وعاملهم معاملة كريمة
«سنة. وقد بين القرآن فى كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة مخشوع وخضوع
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٨٦ بتصرف يسير.

٧١٢
الجزء الثانى
لله - تعالى - وأن المداومة على ذكره، والملازمة لطاعته كل ذلك من.
شأنه أن يمنع الإنسان من الوقوع فيما نهى الله عنه، قال - تعالى -:
((اقل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ولد كر الله أكبر ...
وقال - تعالى - ,واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها الكبيرة إلا على ..
الخاشعين،، وقال - تعالى -((وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن ..
الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين».
فكان الله - تعالى - يقول للناس: لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة،
وبالمداومة على طاعة، وذكرى خلال حديثى عن أحكام كثيراً ما تكون هذه ..
الأحكام مثار تنازع بينكم ، وذلك الى تحلوا التسامح والتواصل والتقارب ..
محل التشاحن والتدار والتجافى، لأن من شأن المحافظة على هذه العبادات ،
أن تهدى الناس إلى أكمل الأخلاق والصفات .
· فسبحان من هذا كلامه، ومن تلك إرشاداته وتوجيهاته ووصاياه.
وقوله - تعالى - «حافظوا)) من الحفظ بمعنى ضبط الشىء، وصيانته من كل
تضيع، وهو خلاف النسيان . والخطاب لجميع المكلفين من أفراد الأمة.
والمعنى : حافظوا يا معشر المسلمين والمسلمات على أداء الصلوات فى
أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين، وحافظوا بصفة خاصة
على الصلاة الوسطى، لما لها من منزلة سامية ، ومكافة عالية .
فقد أمر الله - تعالى - عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة، وأفرد
الصلاة الوسطى بالذكر تفخيماً شأنها، وإعلاء لقدرها من بين أفراد جنسها
والمسلم يكون محافظاً على الصلاة إذا أداها فى وقتها مستوفية لآدابها
وسفنها وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها، أما إذا قصر فى شىء من ذلك
فإنه لا يكون محافظاً عليها تلك المحافظة التامة التى أمر الله بها.
وفى قوله - تعالى - ,حافظوا، تنبيه إلى أن الصلاة فى ذاتها شىء.
نفيس ثمين تجب المحافظة عليه، لأن هذه الكلمة تدل على الصيانة والضبط ..

٧١٣
سورة البقرة
بجانب دلالتها على الأداء والإقامة والمداومة .
قال الإمام الرازى: وقوله: « حافظوا، بصيغة المفاعلة التى تكون بين ..
إثنين ، للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب . فكأنه قيل :
احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذى أمرك بها. وهذا كقوله ((فاذكرونى
أذكركم، وفى الحديث ((احفظ الله يحفظك)). أو أن تكون المحافظة بين
المصلى والصلاة. فكأنه قيل: أحفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة بمعنى أنها.
تحفظك من ارتكاب المعاصى، وتشفع لمصليها يوم القيامة، (١).
والعلماء أقوال فى المراد بالصلاة الوسطى التى أفردها الله - تعالى - من.
بين الصلوات .
فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات الخمس المفروضة،
وأن الوسطى مؤ نث الأوسط أى الشىء المتوسط بين شيئين، فالصلاة الوسطى.
هى الصلاة المتوسطة بين صلاتين ، إلا أنهم اختلفوا فى تعيينها .
فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر ، لأنها تقع فى
وسط الصلوات الخمس، إذ قبلها إثنتان وبعدها إثنتان، ولأنها وسط بين
صلانى النهار ، وصلاقى الليل ، فمعنى التوسط فيها واضح ، ولأنها مظنة
التقصير لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذى يكون فى الغالب وقت كسل .
وفضلا عن ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر».
وقد ساق الإمام ابن كثير عدداً من هذه الأحاديث ومنها ماجاء فى صحيح.
مسلم ومسند الإمام أحمد عن على بن أبى طالب قال: قال رسول اللّه عَ له
يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم
وبيوتهم قاراً، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء ، وفى مسند
الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) قال: « الصلاة
الوسطى صلاة العصر ».
وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد ، وبالأمر بالمحافظة
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ١٥٧ - بتلخيص.

٧١٤
الجزء الأول
عليها، وبالتحذر من التقصير فيها ، مما يشهد بأنها هى الصلاة الوسطى،
فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
قال: ((الذى تفوقه صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله، أى: سلب من
أهله وماله فبقى وحيداً بدونهما .
وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقيل صلاة الظهر،
وقيل صلاة المغرب، وقيل العشاء، وقيل الجمعة، وقيل غير ذلك من الأقوال
التى لا قبلغ فى قوتها مبلغ قول القائلين بأنها صلاة العصر، ولذا قال ابن كثير
وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التى قبلها، ومعترك النزاع فى الصبح
والعصر، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها - أى إلى أن المراد
بالصلاة الوسطى صلاة العصر (١).
ومن العلماء من اتجه فى بيان المراد من الصلاة الوسطى إتجاهاً آخرفهو
يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها ، وأن الوسطى ليست بمعنى
المتوسطة بين صلافين ، وإنما هى بمعنى الفضلى لأن وسط الشىء خياره
. وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة. والمعنى
على هذا الرأى: حافظوا يامعشر المسلمين على الصلوات كلها، وحافظوا
.على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أنى فاضلة بأن تأدوها فى أوقاتها
كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع .
قال ابن كثير : وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس
رواه ابن أبى حاتم عن ابن عمر وفى صحته نظر. والعجب أن هذا القول
قد إختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر إمام ماوراء البحر، وإنها لإحدى
الكبر، إذ اختار مع إطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب
ولا سنة ولا أثر )).
ومن العلماء المحدثين الذين إستحسنوا هذا الرأى الشيخ محمد عبده
- رحمه الله - فقد قال: ((واولا أنهم اتفقوا على أنها - أى الصلاء الوسطى-
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٩١ وما بعدها.

٧١٥
سورة البقرة
إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمى من قوله ((والصلاة الوسطى، أن المراد
بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى أى : حافظوا على أنواع الصلاة وهى
الصلاة التى يحضر فيها القلب وتتوجه بها النفس إلى الله - تعالى - وتخشع
لذكره، وقدبر كلامه لا صلاة المرائين ولا الغافلين)، (١).
والذى نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هى واحدة من
بين الصلوات الخمس، وأنها هى صلاة العصر هو أقوى الآراء، لأنه -
أولا - يتفق مع أصحاب الاتجاه الثانى الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن
يكون بطريقة قامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها
بصلاة العصر يشفى أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان. ولأنه - ثانياً-قد امتاز
عن رأى أصحاب الاتجاه الثانى بأنه أعمل النصر الصحيح الثابت عن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بأن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا شك
أن إعمال النص أولى من إهماله أو من تأويله تأويلا ضعيفاً.
وقوله « وقوموا لله قانتين، مؤكد لما قبله من المحافظة والمداومة على
أداء الصلاة.
والقنوت : لزوم الطاعة مع الخضوع والخضوع. أى قوموا فى الصلاة
مطيعين الله - تعالى - مؤدين لها على وجهها الكامل فى خشوع وخضوع
واطمئنان .
والفاء فى قوله «فإن خفتم فرجالا أو ركباناً، للتفريع أى: حافظ وا على
الصلاة فى كل وقت، وأدوها بخشوع واطمئنان، فإن كان بكم خوف من
عدو فى حال المقائلة فى الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب ، فصلوا
راجلين أى ماشين على الأقدام ، أو راكبين على ركائبكم بإيماء ، سواء
وليتم وجوهكم شطر القبلة أولا .
و«رجالا، جمع راجل. وهو القوى على المشى برجليه. يقال: رجل
(١) تفسير المنار جـ ٢ صفحة ٠٤٣٨

٧١٦
الجزء الثانى
الإنسان يرجل رجلا إذا لم يجد ما يركبه ومشى على قدميه، والركبان جمع
راكب للجمل أو الفرس أو غيرهما .
وجواب الشرط محذوف والتقدير : فإن خفتم فصلوا راجلين
أو راكبين، وهذان اللفظان أى - رجالا أو ركباناً - حالان من الضمير
فى (( فصلوا، المحذوف .
والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإسلام بشأن الصلاة، فقد أمر الله.
تعالى - عباده بأن يحافظوا عليها فى حالتى الأمن والخوف، والصحة
والمرض ، والسفر والإقامة ..
وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإمام محمد عبده فقال ما ملخصه: وقوله.
تعالى- ((فإن خفتم فرجالا أو ركباناً، هذا تأكيد المحافظة على الصلاة، وبيان
أنها لا تسقط بحال ، لأن حال الخوف على النفس أو العرض أو المال هو مظنة
المفر فى الترك كما يكون السفر عذراً فى ترك الصيام .. والسبب فى عدم
سقوط الصلاة عن المكف بحال أنها عمل قلبى، وإنما فرضت تلك الأعمال.
الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبى المقصود بالذات ، وهو تذكرسلطان
الله - تعالى - المسئولى علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإنسان إذا أراد عملا
قلبياً يجتمع فيه الفكر أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل.
ولا ريب أن هذه الهيأة التى اختارها الله - تعالى - للملافهى أفضل معين.
على استحضار سلطانه فإن قولك «الله أكبر، فى فاتحة الصلاة وعند الانتقال.
فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل
شىء ما يغمر روحك، ويستولى على إرادتك .. وكذلك الشأن فى سائر
أعمال الصلاة .
فإذا تعذر عليك الإتيان ببعض تلك الأعمال البدنية؛ فإن ذلك لا يسقط
.عنك هذه العبادة القلبية التى هى روح الصلاة وغيرها، وهى الإقبال على الله ..
تعالى - واستحضار سلطانه، مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان.

٧١٧
سورة البقرة
الذى لا يمنع من مدافعة الخوف الطارى. من سمع مفترس، أو عدو مغتال،
أو لص محتال .. فالآية تعلمنا أنه يحب أن لا يذهلنا عن الله شىء فى حال
من الأحوال .. )) (١).
وقال الإمام ابن العربى: قوله - تعالى - ,فإن خفتم فرجالا أو ركباناً،
أمر الله - تعالى - بالمحافظة على الصلاة فى كل حال من صحة ومرض، وحضر
وسفر، وقدرة ومجز، وخوف وأمن ، لا تسقط عن المكلف محال،
ولا يتطرق إلى فرضيتها إختلال. وقد قال - بَ لهـ: ((صل قائماً، فإن
لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)).
والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، لا تسقط بحال حتى
لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، كذلك إذا لم يقدر على حركة
سائر الجوارح، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات ، فإن العبادات كلها
تسقط بالأعذار ، ولذلك قال علماؤنا : إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت
الإيمان الذى لا يسقط بحال، ولا تجوز النيابة فيها بيدن ولا مال .. (((٢).
ما لم تكونوا تعلمون))
ثم قال- تعالى -,فإذا أمنتم فاذكروا الله ؟
أى فإذا زال خوفكم وصرتم آمنين مطمئنين، فاذكروا الله، أى فأدوا الصلاة
قامة كاملة مثل ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -
وقد من الله - تعالى - عليكم بهذا التعليم الذى كنتم تجولونه فضلا
منه وكرماً .
وعبر - سبحانه - ((بإن، المفيدة للشك فى حالة الخوف، وبإذا المفيدة
للتحقيق فى حالة الأمن، للإشعار بأن حالة الأمن هى الحالة الكثيرة الثابتة ،
وأن حالة الخوف هى الحالة القليلة الطارئة، وفى ذلك فضل جزيل من الله-
(١) تفسير المنار جـ ٢ صفحة ٤٤٣.
(٢) أحكام القرآن لا بن العربى جـ ١ صفحة ٢٢٧.

٧٢٠
الجزء الثانى
غيرى أصحابه أن هذه الآية متسوخة لأنها توجب على الزوج حين مشارفة الموت
أن يوصى لزوجته بالنفقة والسكنى حولا، ويجب عليها الاعتداد حولا.
وهى مخيرة بين السكنى فى بيته حولا ولها النفقة، وبين أن تخرج منه
ولا نفقة لها، ولم يكن لها ميراث من زوجها. قالوا: وكان هذا الحكم فى
إبتداء الإسلام. وقد نسخ وجوب الوصية بالنفقة والسكنى بآيه المواريث
وبحديث(( ألا لا وصية لوارث، حيث جعل لها الربع أو الثمن عوضاً عن
النفقة والسكنى. ونسخ وجوب العدة حولا بقوله -تعالى-قبل ذلك ((والذين
يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً .. الآية)،
قالوا: وما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى عن ابن عباس
أنه قال فى هذه الآية: نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع
-والثمن ((ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً)) (١).
وقد حكى هذا الرأى صاحب المكشاف فقال: والمعنى: أن حق الذين
يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم
حولا كاملا، أى : ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن . وكان
ذلك فى أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله «أربعة أشهر وعشراً، وقيل نسخ
مازاد منه على هذا المقدار . ونسخت النفقة بالإرث الذى هو الربع والثمن .
واختلف فى السكنى فعند أبى حنيفة لاسكنى. ثم قال: فإن قلت كيف نسخت
الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت : قد تكون الآية متقدمة فى التلاوة وهى متأخرة
فى التنزيل. كقوله - تعالى - ((سيقول السفهاء)، مع قوله ((قد فرى
ققلب وجهك فى السماء، (٢) .
وعلى هذا الإنجاء سار جمهور المفسرين.
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الطلاق باب نسخ متاع المتوفى عنها
زوجها بما فرض لها من الميراث .
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٨٩