النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ سورة البقرة فى تمسكوهن أو على أنه مفعول لأجله. واللام فى قوله ((لتعتدوا، هى لام. العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء. وحذف متعلق لتعتدوا)، ليتناول .. الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله - تعالى - . وقوله (( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، وعيد شديد لمن يقدم على. ما نهى الله عنه. أى: ومن يراجع مطلقته بقصد الإضرار بها والاعتداء عليها فقد ظلم نفسه ظلماً مؤكداً، لأنه سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس. وجعل ظلوم لنسائهم ظلماً لأنفسهم ، لأن عملهم هذا سيؤدى إلى اختلال المعاشرة الزوجية واضطرابها، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين. وبين أهلها . ثم كرر - سبحانه - تحذير للمخالفين لشريعته، وذكرهم بألوان. نعمه عليهم ليستجيبو الأمره فقال: ((ولا تتخذوا آيات الله هزواً، واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به)). آيات الله : أحكامه التى شرعها فى شأن الطلاق وغيره . والهزء - بضمتين-مصدر هزأ به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر منى .. اسم المفعول أى: مهزوماً بها. وقوله («هزوا، مفعول ثان لتتخذوا .. والمراد بالحكمة هنا . السنة النبوية المطهرة. والموعظة والعظة: النصح والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب ، ويحذر النفوس عمانهى الله عنه . أى : ولا تتخذوا - أيها الناس - آيات الله التى شرعها لكم فى شأن .. الطلاق وغيره مهزوماً بها بأن تعرضوا عنها، وقتها وفوا فى المحافظة عليها ، والتمسك بتعائمها ، ومن مظاهر ذلك أن بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق منوهما أن ذلك لا يضر، أوكان يتخذ المراجعة وسيلة لإيذاء المرأة . قال القرطبى: وفى موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: إنى. طلقت امر أتي مائة مرة فماذا زى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك. بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا)، (١) . (١) تفسير القرطبى = ٣ ص ١٥٦ ٦٨٢ الجزء الثانى والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر بضده، أى جدوا فى العمل بأوامر اللّه وآياته، وارعوها حق رعايتها . وقوله ((واذكروا نعمة الله عليكم .. الخ)) أى تذكروا فى هدايتكم إلى الإسلام، وفى مشروعية الزوجية وفى غير ذلك مما لا يحصى من النعم وقدبروا فعم الله عليكم فقابلوها بالشكر، واستعملوها فيما خلقت له، وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم محمد (صلى الله عليه وسلم) من الكتاب وهو القرآن الذى يهدى التى هى أقوم، ومن الحكمة وهى السنة النبوية المطهرة، بما جاء فيهما من توجيهات سامية، وآداب عالية. و («ما، فى قوله ((وما أنزل عليكم، موصولة والعائد محذوف أى ما أنزله و((من، فى قوله (( من الكتاب، بيانيه، وجملة («يعظكم به، حال من فاعل أنزل أو من مفعوله، والضمير فى «به يعود على الكتاب والحكمة بعد قأوبلهما بالمذ كور. وجعل ضميرهما واحداً لأنهما فى مؤداهما وغايتها شئ. واحد، فالسنة ليست قابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت قوتها وسلطانها. وقوله - سبحانه - فى ختام الآية (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شىء عليم)» تذكير لهم بتقوى الله وخشيته ومراقبته، وتحذير هم من مخالفة أمره. أى: صوتوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى - فيما يتعلق بأمور الزوجية وفى غيرها بما شرعه لكم، واعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل شىء، عليهم بما تسرونه وما تعلنونه، وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه ((يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ الله)). ثم بين - سبحانه - ما ينبغى إتباعه عند حصول الطلاق وأمضائه. حتى لا يقع ظلم أو جور فقال - تعالى - «وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلون فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف». قال القرطبى: تعضاو من معناه تحبوهن، ودجاجة معضل أى: قد احتبس بيضها، وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. يقال: أفضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحبل. قال الأزهرى: وأصل العضل ٦٨٣ سورة البقرة من قولهم : عضلات الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أى شديد عسر البرى. أعيا الأطباء ... )). والمعنى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى: انقضت عدتهن وخلت الموانع من زواجهن ، فلاتمنعوهن من الزواج من يردن الزواج به ، متى حصل التراضى بين الأزواج والزوجات على ما يحسن فى الدين، وتقره العقول السليمة ، ويجرى به العرف الحمن . والمراد ببلوغ الأجل هنا بلوغ أقصى العدة، بخلاف البلوغ فى الآية التى قبل هذه، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من قبل لأن المعنى يحتم بذلك، والخطاب هنا للأزواج والأولياء ولكل من له تأثير على المرأة المطلقة، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء عدتها قد يكون من جانب الزواج السابق، لاسيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة، فإنه بعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج. وقد يكون المنع من جانب الأولياء، وقد أورد المفسرون آثاراً تشهد لذلك منها - كما يقول الآلوسى - ما أخرجه البخارى والترمذى والنسائي وابن ماجه وأبو داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: كانت لى أخت فأقانى ابن عم لى فأنكحتها إياه ، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى أفقضت العدة، فهوبها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت له: أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلا لابأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله - تعالى - حاجته إليه وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية. ففيَّ نزات فكفرت عن يمينى وأنكحتها أيا٠ ... (٢) . وعبر - سبحانه - عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال : فلا تعضاوهن أن ينكحن أزواجهن، مع أن الزواج لم يتحقق بعد، (١) تفسير القرطبى = ٣ ص ١٥٩ (٢) تفسير الآلوسى = ١ ص ١٤٤ ٦١٤ الجزء الثانى للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة ، وهى أن من يقع اختيارها عليه، ولم يكن افبراتها به فيه ما يشينها أو يشين أسرتها ، فمن الواجب ألا يمانع أحد فى إتمام هذا الزواج، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه، لأن شريعة الله والفطرة الإنسانية يقضيان بذلك . وقوله ((أن ينكحن)) تقديره: من أن ينكحن فهو فى محل جر عند الخليل. والكسائى وفىمحل نصب عندغيرهما، وقوله ((إذا تزاضوا، ظرف لأنینکحن .. أو لقوله ((فلا تعضلوهن))، وقوله (( بالمعروف، متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أوهو نعت لمصدر محذوف أى تراضياً كائناً بالمعروف .. أوهو متعلق بتراضوا. أى تراضوا بما يحسن فى الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من الترويج بغير كفء أوبما دون مهر المثل ليس من العضل المنهى عنه ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ، ذلكم أزكى لكم وأطهر، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) .. أى: ذلك القول الحكيم، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام. وأسماها يوعظ به، ويستجيب له من كان منكم عميق الإيمان بالله - تعالى- وبثوابه وبعقابه يوم القيامة . ذلكم الذى شرعه الله لكم - أيها المؤمنون -من ترك عضل النساء والإضرار بهن وغير ذلك من الأحكام ((أزكى لكم واطهر، أى. أعظم بركة ونفعاً، وأكثر تطهيراً من دنس الآثام، فإن المرأة إذا عو ملت معاملة كريمة ، ولم تظلم فى رغباتها المشروعة، إلتزمت فى سلوكها العفاف والخلق الشريف، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى. إرتكاب ما نهى الله عنه. والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وأنتم لا تعلمون ذلك ، فامتثلوا ما أمركم به واجتنبواماماكم عنه تفوزوا وتسعدوا والإشارة بقوله (( ذلك، إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال. والخطاب لكل من يصلح للخطاب من المكلفين . وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به ، وترق معه قلوبهم. تخشع له نفوسهم . ٦٨٥ سورة البقرة وأنى - سبحانه - بضمير الجمع , ذلكم، بعد أن قال فى صدر الجملة « ذلك، للإمارة إلى أنه حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها فى اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين ، وأن فاقدة ذلك ستعود عليهم جميعاً ما دام هذا الاختيار فى حدود الآداب التى جاء بها الإسلام. وقوله ((والله يعلم وأنتم لا تعلمون، رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله، أومتهاون فى ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التى يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون فيها، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية، والنتائج المرضية، لأنه شرع من يعلم كل شى. ولا يجهل شيئاً، ويعلم ما هو الأنفع والأصح للناس فى كل زمان ومكان ، ولم يشرع لهم - سبحانه - إلا مافيه مصلحتهم ومنفعتهم، وما دام علم الله - تعالى- هو الكامل، وعلم الإنسان علم قاصر، فعلينا أن نتبع شرع الله فى كلّ شئوننا، ولنقل لأولئك المعترضين أو المتهاونين: سيروامعنا فى طريق الحق فذلكم , أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لاتعلمون). وبعد: فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جمله من الأحكام التى تتعلق بالطلاق، وإذا كان الإسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التى تحتمها خصلحة الزوجين ، فإنه فى الوقت نفسه قد وضع كثيراً من التعاليم التى تؤدى إتباعها إلى الإبقاء على الحياة الزوجية، وعلى قيامها على المودة والرحمة ، ومن ذلك : ١ - أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج، بأن جعل أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق القويم، لأنهمتى كان كل من الزوجين متحلياً بالإيمان والتقوى، إستقرت الحياة الزوجية بينهما، وقامت على المودة والرحمة وحسن المعاشرة . ٢ - أنه أمر كلا الزوجين بأن یېذل كل واحد منهما قصارى جهده فى أداء حق صاحبه، وإدخال السرور على نفسه، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل، وأن يجعلا الأناة والصبررائدهما، فإن ٦٨٦ الجزء الثانى الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من اختلافه بين الزوجين . ٣ - دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير فى غير طريق المودة، فقال - تعالى - ((وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير ... ، كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق بينهما أو عند خوفه فقال - تعالى - «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق بينهما الله إن الله كان عليماً: خبيراً )) . ٤ - نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة فى حال حيضها، أو فى حال طهر باشرها فيه، لأن المرأة فى هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل مشرفاً إليها ... وأباح له أن يوقع الطلاق فى طهر لم يجامعها فيه، لأن إيقاعه فى هذه. الحالة يكون دليلا على استحكام النفرة بينهما . ٥ - نهى الإسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها. وأمر الزوج بأن يجعل طلاقه رجعياً ، وأعطاء فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها نفسه، فإن وجد الخير فى مراجعة زوجته راجعها .. بقصد الإصلاح واستمرار الحياة الزوجية، وإن وجد الخير فى غير ذلك تركها حتى تنقضى عدتها وفارقها بالمعروف عملا بقوله - تعالى - ,فإمساك. بمعروف أو تسريح بإحسان،. ٦ - جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل، لأنه هو الذى وقعت عليه معظم. أعباء الزواج ، وهو الذى سيتحمل ما سيترقب على الطلاق من تكاليف، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حیاته ، .. سيتأتى ويقروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك . ٦٨٧ سورة البقرة كما أن الإسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها، أو ترفع أمرهه القاضى ليفرق بينها وبينه إذا قيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما لأى سبب من الأسباب . وفى هذه الحال فلقاضى أن يفرق بينهما. إذا رأى أن المصلحة تقتضى ذلك . ٧ - أباح الإسلام للرجل الذى طلق امرأته ثلاثاً أن يعود إليها من جديد، وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجاً شرعياً وانقضت عدتها منه ، وفى ذلك ما فيه من التأديب لهما، والتهذيب السلوكها ٨ - وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد المرأة التى تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب. الشديد، ومن ذلك ما رواه أبو داود والزمذى عن ثوبان أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس - أى من غير عذر شرعى أو سبب قوى - فحرام عليها رائحة الجنة)). وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر عن النبى (صلى الله عليه وسلم). قال : أبغض الحلال إلى الله الطلاق، (١). هذه بعض التشريعات التى وضعها الإسلام لصياغة الحياة الزوجية من التصدع والاهيار، ومنها فرى أن الإسلام وإن كان قد شرع الطلاق ، إلا أنه لا يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه وبعد أن بين - سبحانه - حقوق الزوجين فى حالتى اجتماعهما واقترافهما، أردف ذلك ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا. فقال تعالى : الزواج . (١) الترغيب والترهيب للمنذری ج ٣ ص ٨٣ ز ٦٨٨ الجزء الثانى ١٠٠٠٠٠ وَأَلْوِِّنَاتُّ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ ھا حُوْلَيْ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَزَادَ أَنْ يُثِّالَّضَاءَةٌ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ، ◌ِزْتُهُنَّ وَكْوَتُنَّبِالْمَعْرُوِّ لَأَتُكَُّ نَفْسَّ إلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارِّ وَلَِّةٌ. وَدِهَا وَلَ مَوْلُوُ لَهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ فَإِنْ أَرَادَاً بِصَلّاً عَن تَضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُ رٍفَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَ إِنْ أَرَدُ أَنْ سْضِعُواْ أَوْلَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَيْكُمْ إذَا سَلَّهُم مَّءَ أَُّبِالْمَعْرُوفِ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والمراد بالوالدات الأمهات -وا. أكن فى عصمة أزواجهن أم مطلفات لأن اللفظ عام فى الكل ولا يوجد ما يقتضى تخصيصه بنوع من الأمهات. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالوالدات هنا خصوص المطلقات لأن سياق الآيات قبل ذلك فى أحكام الطلاق، ولأن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه. وحو لين أى عامين. وأصل الحول - كما يقول الراغب - تغير الشىء وانفصاله عن غيره. والحول: السنة اعتباراً بانقلابها ودوران الشمس فى مطالعها ومغاربها. قال - تعالى - ,والوالدات يرضعن أولا دهن حولين كاملين». ومنه حالت السنة تحول وحالت الدار تغيرت، وأحال فلان مكان كذا أى أقام به حولا ، (١) . وعبر عن الأمهات بالوالدات ، الإشارة إلى أنهن اللائى ولدن أولادهم، . وأنهن الوعاء الذى خرجوا منه إلى الحياة ، ومنهن يكون الغذاء الطبيعى المناسب لهذا المولود الذى جاء عن طريقين . وقوله (( يرضعن أولادهن)) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى، إذ التقدير الاير ضعن . أى : عليهن إرضاع أولادهن. (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى صد٠ ١٣٧ ٦٨٩ سورة البقرة وعبر عن الطلب بصيغة الخبر، للإشعار بأن إرضاع الأم لطفلها عمل توجيه الفطرة، وتنادى به طبيعة الأمومة . قال الجمل: وهذا الأمر الندب والوجوب، فهو يكون الندب عند استجماع -شروط ثلاثة، قدرة الأب على استئجار المرضع، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن الغير. ويكون للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط)، (١). وليس التحديد بالحولين الوجوب ، لأنه يجوز الفطام قبل ذلك، بدليل قوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة، وإنما المقصود بهذا التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا نتازعا فى مدة الرضاع، فإذا أتفق الأب والأم على أن يفطما ولدهما قبل تمام الحولين كان لهما ذلك إذا لم يتضرر الولد بهذا الفطام ، وإن أراد الأب أن يفطعه قبل الحولين ولم قرض الأم أو العكس لميكن لأحدهما ذلك. قال القرطبى ما ملخصه: وقد انتزع مالك - رحمه الله - ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هى ما كان فى الحولين، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولارضاعة بعد الحولين معتبرة .. لقوله- تعالى-«والوالدات يرضعن أولادهين حولين كاملين فهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين . وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) (( لا رضاع إلا ما كان فى الحولين، وهذا الخبر مع الآبة ينفى رضاعة الكبير وأنه لاحرمة له . وقد روى عن عائشة القول به ، وروى عن أبى موسى : الأشعرى أنه كان يرى رضاع الكبير. وروى عنه الرجوع عنه. وسيأتى تحقيق هذه المسألة فى سورة النساء، (٢). وفى وصف الحولين بكاملين، تأكيد لرفع قوم أن يكون المراد حولا وبعض الثانى، لأن إطلاق التثنية والجمع فى الأزمان والأسنان على بعض (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ١٨٨ (٢) تفسير القرطبى ج ٣ ص ١٦٢ (م ٤٤ - البقرة) ٦٩٠ الجزء الثانى المدلول إطلاق شائع عند العرب. فيقولون: هو ابن سنتين، ويريدون) سنة وبعض الثانية . وفى هذه الجملة الكريمة , والوالدات يرضعن أولا دهن حولين كاملين .. بيان لمظهر من مظاهر رعاية الله - تعالى - الإنسان منذ ولادته، بل منذ. تكوينه فى بطن أمه جنيناً، فقد أمر - سبحانه - الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن فى تلك المدة، لأن لين الأم هو أفضل غذاء لطفلها فى هذه الفترة، وأسلم وسيلة لضمان صحته ونموه، ولصيافته من الأمراض النفسية والعقلية، فقد أثبت الأطباء الثقاة أن الطفل كثيراً ما يصاب بأمراض جسمية ونفسية. وعقلية نتيجة رضاعته من غير أمه، كما أثبتوا أن عناية الأم بطفلها فى هذه. الفترة عن طريق إرضاعه ورعايته، تؤدى إلى تحسن أحواله ... وقوله (( لمن أراد أن يتم الرضاعة)) بيان لمن توجه إليه الحكم. أى هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع، فإذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة الرضاع. عن الحولين كان لهما ذلك . فالجملة الكريمه خير لمبتدأ محذوف أى هذا الحكم لمن أراد أن يتم مدة الرضاعة . وقوله ((وعلى المولودله رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، باز لما يجب على الآباء. أى : وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن من نفقة وكسوة. بالمعروف أى بالطريقة التى تعارف عليها العقلاء بدون إسراف أو تقتير. قال صاحب الكشاف: فإن قلت لم قيل ((المولود له، دون الوالد؟ قلت: ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون .. إليهم لا إلى الامهات ، كما قال المأمون بن الرشيد : فإنما أمهات الناس أوعية مستودعات والآباء أبناء فكان عليهن أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالاظار ألا ترى. أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله - تعالى - يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود ... ـود ٦٩١ سورة البقرة هو جازعن والده شيئاً ..... ). (١) . وقوله (( لا تكلف نفس إلا وسعها، تعطيل لإيجاب المؤن بالمعروف. أو تفسير للمعروف ولهذا فصلت هذه الجملة عن سابقتها. وقوله((وسعها)، منصوب على أنه مفعول ثان لتكلف، والاستثناء قبله مفرغ أى أن أبا الولد لا يكلف فى الإنفاق عليه وعلى أمه إلا بالقدر الذى تتسع له مقدرته بدون إرهاق أو مشقة وقلك هى سنة الإسلام فى جميع تكاليفه، فالله - تعالى- ما كلف عباده إلا بما يستطيعونه ويطيقونه بدون عسر أوعنت قال - تعالى - ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، وقال - تعالى - «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر». وقوله (( لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، تعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الاب والام، والتى أساسها رعاية حق هذا الوليد الذى أتی عن طريقهما. والمضارة مفاعلة من الضرر، والمعنى: لا ينبغى أن يقع ضرر على الام بسبب ولدها ، بأن يستغل الاب حنوها على وليدها فيمنعها شيئاً من نفقتها، أو يأخذ منها طفلها وهى تريد إرضاعه، أو يكلفها بما ليس فى مقدورها أو ما يخالف وظيفتها، ولا ينبغى كذلك أن يقع ضرر على الاب بسبب ولده ، بأن تكلفه الام بما لا تتسع له قدرته مستغلة محبته لولده وعنايته بتنشئته تنشئة حسنة . قال الجمل: و((لا)) فى قوله ((لاقضار) يحتمل أن تكون نافية فيكون الفعل مرفوعاً، ويحتمل أن تكون فاهية فيكون الفعل مجزوماً، وقد قرى به) فى السبع، وعلى كل يحتمل أن يكون الفعل مبنياً الفاعل والمفعول)) (٢). والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه أو يُضر من صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه ، وأضاف الولد إلى كل منهما فى الموضعين الاستعطاف، والتنبيه على أن (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٧٩ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ١٨٩ ٦٩٢٠ الجزء الثانى هذا الولد الذى رزقهما الله إياه جدير بأن يتفقا على رعايته وحمايته من كل ما يؤذيه ، ولا يجوز مطلقاً أن يكون مصدر قلق لأى واحد منهما . وقدمت الأم فى الجملة الكريمة ، لأن الشأن فيها أن يكون حنوما أشد، وعاطفتها أوق ، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب. فالجملة الكريمة توجيه سديد، وإرشاد حكيم، الآباء والأمهات إلى أن يقوم كل فريق منهم بواجبه نحو صاحبه ونحو الأولاد الذين ثم ثمار لهم. وقوله «وعلى الوارث مثل ذلك، معطوف على قوله «وعلى المولود له رزقهن .. الخ)) وما بينهما تعليل أو تفسير معقرض. والوارث: هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث. والإشارة بقوله ((ذلك)) تعود إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة وترك الإضرار. أى: وعلى وارث الأب أو وارث الصبى - أى من سيرته بعد موته . عليه مثل ما على الأب من النفقة وترك الإضرار. فهذه الجملة الكريمة سبقت لبيان من تجب عليه نفقة الصبى إذا فقد أباه، أو كان أبوه موجودا ولكنه عاجز عن الإنفاق عليه . قال الألوسى ما ملخصه: والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال. وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتاده .. وخلق كثير. ، وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبى ... وقال الشافعى المراد وارث الأب - يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب - وقيل المراد بالوارث الباقى من الأبوين، وقد جاء الوارث بمعنى الباقى كما فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم متعفى السمعى وبصرى واجعلهما الوارث منى، (١) وعلى أية حال قائمة الكريمة تفس معانى الإخاء والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة ، فالقادر بنفق (١) تفسير الآلوسى + ٢ صفحة ١٤٧ ٠ i سورة البقرة ٦٩٣ على العاجز، والغنى يمد الفقير بحاجته، وذلك تسعد الأسرة، وتسودها روح المحبة والمودة . وقوله, فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) معطوف على قوله ((يرضعن أولادهن حولين كاملين، لأنه متفرع عنه. والضمير فى قوله ((فإن أرادا، يعود على الوالدين. قال القرطبى: والفصال والفصل . الفطام وأصله التفريق، فهو تفريق بين الصبى والثدى . ومنه سمى الفصيل-لولد الضأن - لأنه مفصول عن أمه. والتشاور: إستخراج الرأى - بما فيه المصلحة - وكذلك المشاورة. من الشور وهو اجتناء العسل. يقال شرت العسل- إذا استخرجته من مواضعه -والشواء: متاع البيت لأنه يظهر للناظر. والشارة هيئة الرجل. والإشارة: إخراج ما فى نفسك وإظهاره )،(١). والمعنى: فإن أراد الأبو أن فطاماً لولدهما قبل الحولين، وكانت هذه الإرادة. عن تراض منهما وتشاور فى شأن الصمى وتفحص لأحواله ، ورأیا أزهذا الفطام قبل بلوغه الحولين لن يضره فلا إثم عليهما فى ذلك . ١ وقال بعضهم: وأيضاً. لا إثم عليهما إذا فطماه بعد الحولين متى رأيا المصلحة فى ذلك. وقد قيد - سبحانه - هذا الفطام لصى بكونه عن تراض من الأبوين وتشاور منهما ، رعاية لمصلحة هذا الصبى، لأن رضا أحدهما فقط قد يضره، بأن تمل الأم الإرضاع أو يبخل الآب بالإنفاق، ولأن إقدام أحدهما على الفطام بدون التشاور مع صاحبه قد يؤثر فى صحة الصبى تأثيراً سيئاً .. لذا أوجب- سبحانه - التراضى والتشاور فيما بينهما من أجل مصلحة صبيهما. ثم قال - تعالى -: ((وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف)». أى: وإن أردتم - أيها الآباء - أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، ورضى (١) تفسير القرطبى ج ٣ صفحة ١٧٢. ٦٩٤ الجزء الثانى الأمهات بذلك، فلا إثم عليكم فيما تفعلون ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم، وعليكم أن تسلموا هؤلاء المراضع أجر هن بالطريقة التى يقرها الشرع، وتستحسنها العقول السليمة، والأخلاق القويمة . واسترضع - كما يقول الزمخشرى - منقول من أرضع. يقال: أرضعت المرأة الصبى، وأسترضعتها الصبى فهى متعدية إلى مفعولين، والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم. فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه . وقول «ماآ تيم، حذف مفعولاه أى آنيتمو هن إياه. وبالمعروف متعلق بسلتم أى بالقول الجميل، وبالوجه المتعارف المستحسن شرعاً. ويجوز أن يتعلق بآفيتم. وأن يكون حالا من فاعل سلمتم أو آ قيتم والعامل فيه محذوف أى ملتبسين بالمعروف . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((واتقوا الله واعلموا أن الله عا تعملون بصير». أى: اتقوا الله فى كل شئونكم، والتزموا ما بينه لكم من أحكام، واعلموا أن الله - تعالى - لا تخفى عليه أعمالكم، فهو محصيها عليكم، وسيجزى المحسن إحساناً والمسىء سوءاً. ثم بين - سبحانه - عدة المرأة إذا توفى عنها زوجها، وما يجب عليها من آداب فقال - تعالى - . وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُرٌ وَيَذَرُونَ أَزْ وَجَايَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِنَّ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَ أَنفُسِنَّ بِالْمَعْرُوفِّ وَاَللِّمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) ٦٩٥ سورة البقرة وقوله: «ُيتوفون)) - بالبناء للمجهول - أى تقبض أرواحهم فإن التوفى. القبض. يقال: توفيت مالى من فلان واستوفيته منه أى قبضته وأخذقا قال - تعالى - «الله يتوفى الأنفس حين موتها، أى يقبض الأنفس ويأخذ إليه بالموت حين إنتها. آجالها . والمعنى: والذين يتوفاهم الله - تعالى - منكم - أيها المسلمون- ويتر كو من خلفهم أزواجاً . فعلى هؤلاء الأزواج اللائى ارتبطن برجالهم إرتباه قوياً متيناً ثم فرق الموت بينهم وبينهن، عليهن أن (يتربصن بأنفسم أربعة أشهر وعشراً، أى: عليهن أن ينتظرن انقضاء عدتهن فيحبسن أنفسم عن الزواج وعن التزين وعن التعرض للخطاب مدة أربعة أشهر وعثم : ليال، وفاء لحق الزوج المتوفى ، واستبراء الرحم . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: هذا أمر من الله - تعالى - للنساءاللا - أو فى عنهن أزواجهن أن يعتددى أربعة أشهر وعشرايال. وهذا الحكم يشم الزوجات المدخول هن وغير المدخول بالإجماع، ومستند هذا الإجماع . فى غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذى رواه الإمام أم . وأهل السنن وصححه الترمذى أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فاء - عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها فقال: أقول فيها برأبى فإن يك صواباًفى "الله، وإن بك خطأ فمنى ومن الشيطان. والله - تعالى - ورسوله بريتا دمنه : لها الصداق كاملا . وفى لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شط . وعليها العدة ولها الميراث . فقام معقل بن يسار فقال: سمعت رسول أن (صلى اللّه عليه وسلم) قضى به فى بَرْوَعَّ بنت واشق. ففرح عبدال - بذلك فى حاًشديداً. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهى حاء . فإن عدتها بوضع الحمل لعموم قوله - تعالى - ((وأولات الأحمال أجله أن يضمن حملهن)) وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلبـ من الوضع أو أربعة أشهر وعشرة أيام الجمع بين الآيتين)، (١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٨٤ ٦٩٦ الجزء الثانى وقوله ((والذین، اسم موصول مبتدأ . و ((پتوفون، صلته، و(( منكم » .. فى موضع النصب على الحال من الواو فى ((يتوفون)) و((يتربصن)، وما بعده. خبر عن الدين والرابط محذوف والتقدير: يتر بصن بعدهم أربعة أشهر وعشراً" والتعبير بقوله ((يتربصن بأنفسهن) تعبير دقيق حكيم أى: عليهن أن يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزين وعن الخروج من منزل الزوجية - إلا إذا" كانت هناك ضرورة لهذا الخروج - مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك لأن المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليهادينها ووفاؤها لزوجها المتوفى عنها ، أن تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته، فإن هذا أمر مسترجن فى شرع الله وفى عرف العقلاء من الناس. إذ هذه المدة التى جاءت فى الآية التى حددها الله - تعالى - لمعرفة براءة الرحم من الحمل، وهى التى تخف فيها مرارة الفراق بين زوجين ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة . ولقد ألغى الإسلامبهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة للمرأة فقدكانت . المرأة فى الجاهلية إذا توفى عنها زوجها تغلق على نفسها مكاناً ضيقاً فى بيتها. وتقضى فيه عاماً كاملا حداداً على زوجها فأبطل الإسلام ذلك ، ومن .. الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما ثبت فى الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش - رضى الله عنهما - أن رسول الله (صلى الله عليه ... وسلم) قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً). والإحداد هو ترك الزينة، وعدم التعرض الخطاب ، وعدم الخروج. من منزل الزوجية إلا لضرورة . وفى الصحيحين أيضاً عن أم سلمة أن امرأة قالت يا رسول الله إن إبنتى توفى عنهازوجها وقد اشتكت عينها أفتكتحل؟ فقال : لامرتين أو ثلاثا ثم قال : إنما هى أربعة أشهر وعشر وقد كانت. إحداكن فى الجاهلية تمكث سنة)» . قال ابن كثير بعد أن ساق هذين الحديثين : قالت زينب بنت أم سلمة :. كانت المرأة إذا توفى عنهازوجها دخلت حمفشاً - أى مكاناضيقاً من اليات .... ٦٩٧ سورة البقرة وليست شر ثيابها ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر سنة .. (١). وقال بعض العلماء: وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هى فى. جملتها أكثر من عدة المطلقات، لأن تلك ثلاثة قروم تجى ء عادة فى نحو ثلاثة أشهر. وهنا يردسؤالان: أولهما: لماذا كانت العدة فى المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاث؟ ولماذا كانت الزيادة ؟ ولم نجد أحداً تصدى لبيان الحكمة فى جعلها بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التى تدر كها عقولنا - وإن كانت الحكمة السامية قد تعلو على مدار كنا -: هى. أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها والصغيرة والكبيرة، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذى إنتهى بوفاة أحدر كنيه، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع ما دام السبب واحداً فى الجميع. وفوق. ذلك أن العدة فى الوافلو قدرت بالحيض وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة فى الزواج إلى الكذب فندعيه وهو لم يقع ، وفى. المطلقات العدة حق المطلق فيستطيع أن ينكر عليها أما فى حال الوفاة فصاحب. الحق الأول قد مات وصار الحق فقه خالصاً . فحد ذلك الحق بالأشهر. والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب وإدعاء ما لم يحصل ، لأن الأيام. والأشهر تعرف بالكتاب والحساب وليست أمراً يعرف من جهتها فقط. أما الجواب عن الأمر الثانى وهو لماذا كانت العدة بالوفاةأكثر فى الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؟ فيبدو بادى الرأى من الفرق بين حال الطلاق وحال الوفاة أن الطلاق نتيجة شقاق. فالحداد على الزوج الذی ینشته ليس قوباً، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة الرجعة يكون أوضح فى معنى العدة، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر . أما حال الموت فمرارة الفراق فيها أوضح وأشد. ومعنى الحداد يغلب فيها معنى براءة الرحم، ولذا نجب على. (١) تفسير ابن كثير حـ ١ ص ١٨٥ ٦٩٨ الجزء الثانى المدخول بها وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق ... وقد يرد سؤال ثالث وهو : لماذا حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ؟ . وإن تقدير الأعداد كما يقرر للفقهاء أمر توقيفى خالص لا يجرى فيهالقياس ولكن ليس معنى ذلك أنه لاحكمة فيه ، وأن الحكمة يقررها العلماء فى أمرين: أولهما: أن الأشهر الأربعة هى التى يظهر فيها الحمل ويستبين ، .وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط ... وثانيهما: أن مدة أربعة الأشهر هى المدة التى قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر ... فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج فى حدود هذه المدة ومقاربة لها فى الجملة)، (١) وقوله«فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فما فعلن فى أنفسهن بالمعروف، بيان لما يترتب على إنتهاء عدة المتوفى عنها زوجها من أحكام حكيمة. أى: فإذا انتهت المدة التى حددها الشرع للمرأة التى مات عنهازوجها لتجنب فيها التزين والتعرض للنكاح . فلا حرج عليكم بعد ذلك أيها : المسلمون أو أيها الأولياء - فى ترك هؤلاء الزوجات الأرامل يفعلن فى أنفسهن ما تفعله المرأة الراغبة فى الزواج من التزين والتجمل ولكن بالطريقة .. التى بقرها الشرع، وترضاها العقول السليمة، والأخلاق المستقيمه. وقوله:بالمعروف متعلق بفعلن، أو حال من النون أى حالة ككونهن متلبسات بالمعروف. ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعاً بأن تبر جن وأظهرن . ما أمر الله بستره فإنه فى هذه الحالة يجب على أوليائهن أن يمنعوهن من ذلك ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((والله بما تعملون خبير)) أى أنه محيط .. بد قائق أعمالكم لا يخفى عليه منها شىء، فإذا وقفتم أنتم ونساؤكم عند حدوده أعدكم فى الدنيا وأجزل مثوبتكم فى الآخرة، وإن تجاوزتم حدوده عاقبكم (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة - مجلة لواء الإسلام العدد الثامن السنة السادسة سنة ١٩٥٢. ٦٩٩ سورة البقرة بما يستحقون ((يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت للناس أفضل وسائل الحياة الشريفة، خأرشدت المرأة التى مات عنها زوجها إلى ما يحفظ لها كرامتها، ويدفع عنها ما يتنافى مع العفة والشرف والوفاء . ثم بين - سبحانه - حكم الخطية النساء المعتدات بياناً يقوم على أدب النفس، وأدب الاجتماع، ورعاية المشاعر والعواطف مع رعاية المصالح والضرورات فقال - تعالى -: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَمَا عَرَّضْتُ بِهِ، مِنْ ◌ِخِطْبَةِ الْتِسَآءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَنَذْكُرُونَهُزّ وَلَكِن ◌َّأَتُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُو عُقْدَةَ الْنِّكَاجِ خَّ ◌َُّغَ الْكِتَبُ أَجَهُ، وَأَعْلُواْ أَنَّالَّهَ يَعْلَمُ، ( فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ٢٣٥ وقوله - تعالى - ((فيما عرضتم به، أى: لو حتم وأشرتم به. من التعريض :الذى هو ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرج وأصله من عرض الشىء - بضم العين - أى جانبه ومن أمثلته أن يقول الفقي المحتاج للمحتاج إليه : جننك لأسلم عليك .. وهو يقصد عطاء .. و(«خطبة النساء، مخاطبة المرأة أو أوليائها فى أمر زواجها. والخط. .- بكسر الخاء كالجلسة - مأخوذة من الخطب أى الفان لأنها شأن من الشئو ٧٠٠ الجزء الثانى وقيل من الخطاب لأنها نوع - مخاطبة تجرى بين جانب الرجل وجانبه المرأة . والمراد خطبة النساء اللائى فارقهن أزواجهن. وأكنتم فى أنفسكم» أخفيتم وأسررتم من الإكنان وهو الإضمار من غير إعلان. والمعنى : ولا حرج ولا إثم عليكم أيها الرجال المبتغون للزواج فى .. التعريض بخطبة المرأة أثناء عدتها لتتزوجوهن بعد انقضائها، كما أنه لا إثم. عليكم كذلك فى الرغبة فى الزواج بين ، مع إخفاء ذلك وسقره من غير كاف. وإعلان لأن التصريح بالخطبة أثناء العدة عمل يتنافى مع آداب الإسلام، ومع تعاليم شريعته ، ومع الأخلاق الكريمة ، والعقول السليمة.، والنفوس الشريفة . قال القرطبى : قال ابن عماية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة. بما هو نص فى تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام. معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك . ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة طلاقاً رجعياً. إجماعاً لأنها كالزوجة. وأما من كانت فى عدة البيضونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها،(١). والتعريض فى خطبة النساء أساليبه مختلفة، وما ذكره العلماء فى هذا الشأن أن بقول الرجل للمرأة: إنی راغب فى الزواج أو أن يقول لو ليها: لا تسبقنى بها إلى غيرى ... ومن أساليب التعريض ما فعله النبى - صلى الله عليه وسلم - مع السيدة أم سلمة، فقد دخل عليها وهى متايمة من زوجها أبى سلمة فقال لها:«لقد علمت أتى رسول الله وخيرته وموضعى فى قومى، فكان كلامه خطية لها بأسلوب التعريض . ومنها ما ذكره صاحب الكشاف عن عبداته بن سليمان عن خالته- سكينه (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١٨٨.