النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
سورة البقرة
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْتِسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِعْرُوفٍ أَوْ سَرُِّوهُنَّ بِمَعْرُوِّ وَلَاتُمْسِكُوهُنَّ
ضِرَارَالْتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ◌َلَمَ نَفْسَهُ، وَلا ◌َقِذُواْ
◌َيَّتِ اللهِ هُوَأْ وَاذْكُواْ نِعْمَتَ اللَّهِعَيْكُمْ وَمَا أَوَّلَ عَلَيْكُمْمِّنَ
الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ بَعِظُكُمْ بِهَ وَاتَّقُواْلَهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَبِكُلٍ
شَىْءٍ عَلِيمٌ (٦ْ وَ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَضَوْ بَينَهُم بِالْمَعْرُوِفُ ذَلِكَ يُوعَظُ.
بِهِ مِّنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكُمْ أَزَْ لَّمْ
وَأَطْهُرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَنُمْ لَا تَعْلُونَ (
قوله - تعالى - ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، معطوف على
ما قبله لشدة المناسبة، والاتحاد فى الحكم وهو التربص الذى سبقت الإشارة
إليه فى قوله ((للذين :ولون من نسائهم تربص أربعة أشهر)) ..
والتربص : التأنى والقريث والانتظار .
والمقروء: جمع قرء - بضم القاف وفتحها - .
قال الطبرسى: وأصله فى اللغة يحتمل وجهين: أحدهما: الاجتماع ومنه
القرآن لاجتماع حروفه .. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهى مقرى. إذا
حاضت ، وذلك لا جتماع الدم فى الرحم ...
و الوجه الثانى: أن أصل القرء الوقت الجارى فى الفعل على عادة، يقال:

٦٦٢
الجزء الثانى
هذا قارى. الرباح أى وقت هبوبها ... ) (١).
والمعنى: أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها
ثلاثة قروه بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت .
والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل ،
لأن غیر ھن قد بين الله - تعالى - عدتهن فى مواضع أخرى .
والمتوفى عنها زوجها بين الله عدقها بقوله: ((والذين يتوفون منكم
ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً .. )) (٢).
ومن لا يحضن أيأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض، فقدبين
الله - تعالى - عدتهن بقوله: ((واللائى يثسن من المحيض من نسائكم إن
أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللاتى لم يحضن (٣))) أى: واللاى لم يحضن
فعد تهن كذلك ثلاثة أشهر .
وذوات الحمل بين الله - تعالى - عدتهن بقوله: «وأولات الأحمال
أجلون أن يضعن حملين .. ».
وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى -: «يأيها الذين آمنوا إذا
تكوتم المؤمنات ثم طلقتمو هن من قبل أن تمسومن فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها .. )،(٤).
وقوله ((يتربصن بأنفسهن)) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أى « ليتر بصن»
وإخراج الأمر فى صورة الخير - كا يقول الزمخشرى - ((تأكيد للأمر،
وإشعار بأنه ما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكانهن امتثان الأمر
بالتربص. فهو يخبر عنه موجوداً. ونحوه قولهم فى الدعاء: ((رحمك الله))
(١) تفسير مجمع البيان، جـ ٢ صفحة ٢٢٦ للطبرسى.
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣٤.
(٣) و (٤) سورة الطلاق الآية ٤.
(٤) سورة الأحزاب الآية ٠٤٩
٠

٦٦٣
سورة البقرة
: أخرج فى صورة الخير ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها.
وبناؤه على المبتدأ بما زاده أبضاً فضل توكيد. ولو قيل: «ويتربص
"المطلقات)، لم يكن بتلك الوكادة)) (١).
وفى قوله - تعالى - ((والمطلقات يتربص بأنفسهن .. ، ما فيه من الإبداع
فى الإشارة، والنزاهة فى العبارة والسمو فى المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة
كثيراً ما تشعر بعد طلاقها بأنها فى حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها فى حياتها
الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى،
. وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة،
-وهنا تبرز طريقة القرآء الحكيمة فى معالجة النفوس، إنه يقول للمطلقة:
إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيباً، ولكن الكرامة توجب
عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تتنقل بين الأزواج
تنفلا سريعاً .. وأيضاً فإن قداء الفطرة، وتعاليم الشريعه توجبان عليها
الانتظار مدة ثلاثة قروء، لكى تستبرى. رحمها، حتى إذا كان هناك حمل
،حسب إلى الأب الشرعى له .
وفى قوله - تعالى - ((يتربصن بأنفسهن)) إشعار بأن هذا التربص يحب أن
يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى ، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة
أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع
الحرة ولكنها لا تأكل بشديها - كما يقولون - .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعن بقوله: فإن قلت وما معنى ذكر
: الأنفس - هنا -؟ قلت: فى ذكر الأنفس تهيج لهن على التربص وزيادة
بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن . وذلك أن
أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبتها على
الطموح، ويجبونها على التربص)) (٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٠٢٧١
(٢) تفسير الكشاف ج ١ صفحة ٢٧١.

٦٦٤
الجزء الثانى
وقوله - تعالى - ((ثلاثة قروه)) نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه)،
لأن الكلام على تقدير مضاف، أى مدة ثلاثة قروه. فلما حذف المضاف ...
خلفه المضاف إليه فى الإعراب .
هذا، والعلماء رأيان شهيران فى المراد بقوله - تعالى - ((ثلاثة قروه)».
فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم يرون أن
المراد بالقروه هنا الحيضات والمعنى عندهم: أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد.
طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك من
أن يتزوجن إن شئن .
ومن أدلتهم: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد فسر القرء بمعنى الحيض ..
فقد جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود والنسائى عن فاطمة بنت أبى حبيش ...
أن رسول الله - عَله - قال لها: «دعى الصلاة أيام أقرائك» (١).
ولا شك أن المراد بالقرء فى هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذى لا تصح.
معه الصلاة .
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ..
ثابت والزهرى وغيرهم فيرون أن المراد بالقروم هنا الأطهار، أى الأوقات.
التى تكون بين الحيضتين للنساء.
ومعنى الآية عندهم: أن على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهنمن أزواجهن ..
ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن .
ومن أدلتهم: أن الله - تعالى - يقول: ((فطلقومن اعدتمن)، وقد بينت السنة.
النبوية أن الطلاق لا يكون فى الحيض، فلا يتصور أن يكون الطلاق فى.
العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة أنها قالت :...
هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار (٢).
(١) تفسير الآلومى = ٢ صفحة ٠١٣١
(٢) تفسير الفخر الرازى = ٦ صفحة ٩٤.

٦٦٥
سورة البقرة
قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإمام: والخطب فى الخلاف سهل».
لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو
يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار .. ومن النادر أن يستمر الحيض.
إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع فى المسألة» (١).
ثم قال - تعالى-ـ ((ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن)). أى :.
ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة اللّه التى خلقها فى أرحامهن من
ولد لكى ينسبنه إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكى تطول المعدة ويمتد
الإنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة.
للأمانة التى أودعها الله فى أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها. وسيحاسب الله
من يفعل ذلك منهن حساباً شديداً ، ويعاقبه عقاباً أليماً .
وقوله «إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ، تحريض لهن على عدم الكتمان.
وعلى الإخبار الصادق حتى تستقيم الأحكام ، وتتقرر الحقوق، وتحذيرلهن.
من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أى: أن على المطلقات ألا يكتمن.
ما خلق الله فى أرحامهن أن جرين على ما يقتضيه الإيمان، إذ الإيمان يبعث
على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة ، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن.
ما خلق الله فى أرجاءهن، كن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيماناً
حقيقياً، لأن من شأن المؤمنات الكاملات فى إيمانهن ألا يفعلن ذلك .
قال الإمام الرازى: أما قوله (( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر، فليس.
المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كماتقول.
للرجل الذى يظلم: إن كنت مؤمناً فلا تظلم . تريد إن كنت مؤمناً فيفيغى
أن يمنعك إيمانك عن ظلمى، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء .. والآيةـ
دالة على أن كل من جعل أميناً فى شىء فخان فيه فأمره عند الله شديد)، (٢) ..
٠
(١) تفسير المنار جـ ١ صفحة ٠٢٧١
(٢) تفسير الفخر الرازى = ٦ صفحة ٩٨.

٦٦٦
الجزء الثانى
. هذا، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه
إليها، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرر وامدة
يقتهى قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة . فلواده.ت-
أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها.
وللفقهاء كلام طويل فى هذه المسألة مبسوط فى كتب الفقه فليرجع
إليه من شاء ذلك.
ثم قال - تعالى - ((وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك إن أرادوا إصلاحاً)).
قال القرطبى: البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى بعلا لملوه على الزوجة
-بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله - تعالى-((أتدعون بعلا، أى رباً، لعلوم
فى الربوبية .. والبعولة أيضاً مصدر البعل. وبعل الرجل يبعل - كمنع بمنع.
أى صار بعلا. والمباعلة والبعال: الجماع، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -
لأيام التشريق: « إنها أيام أكل وشرب وجال، (١).
والمعنى: وأزواج المطلقات طلاقاً رجعياً أحق بردهن ومراجعتهن فى
.(( ذلك، أى فى وقت التربص قبل انقضاء العدة (( إن أرادوا إصلاحاً، أى
إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار، كما سيأتى فى قوله - تعالى-
, وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف
ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)).
قال القرطبى : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت
مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تقض عدتها وإن
كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهى أحق بنفسها
وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا بخطبة وفكاح مستأنف بولى وإشهادليس
على صفة المراجعه، وهذا إجماع من العلماء)، (٢) .
(١) تفسير القرطى جـ ٣ صفحة ١١٩ - بتلخيص -.
(٢) تفسير القرطى جـ ٣ صفحه ٠١٢٠

٦٦٧
سورة البقرة
وفى هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التى أرادها الله - تعالى-
عن وراء مشروعية العدة. فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة - هى مدة ثلاثة
مقروء - لكى يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه المراجعة وذلك
التدبر يرى أن الخير فى بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية لرابطة المودة
والرحمة التى جعلها الله - تعالى - بين الزوجين.
وقوله - تعالى - ((إن أرادوا إصلاحاً، شرط المقصود منه حض المطلق
على أن ينوى بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه
أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على فية الكيد
والأذى والمضارة ففى هذه الحالة يكون آثماً وسيعاقبه الله على ذلك
ما يستحقه .
قال الألوسى: وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة
الإصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للإجماع على جوازها مطلقاً، بل
المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به يفتفى
بانتفاته»(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف
.وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم)).
أى: وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤدكل واحد
منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف .
والمراد بالمماثلة - كما يقول الآلوسى - المماثلة فى الوجوب لا فى جنس
الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل هامثل ذلك ،
ولكن يقابله بما يليق بالرجال ،.
أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان فى أنكل
.واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بماعرفته
(١) و (٢) تفسير الآلولا جـ ٢ صفحة ١٣٤.

٦٦٨
الجزء الثانى]
الطباع السليمة ولم تذكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما فى شريعته.
فالباء فى قوله ((بالمعروف)) للملابسة.
وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أحاديث متعددة حقوق الرجال.
على النساء، وحقوق النساء على الرجال، ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه
عن جابر بن عبد الله أن رسول - صلی الله عليه وسلم - قال فىخطبته فىحجة
الوداع: اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذ تمومن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن.
بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه . فإن فعلن ذلك.
فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)).
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَلي قال: لا يحل.
لا مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن فى بيته إلا بإذنه ..
وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال : قلت يا رسول افه ».
ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا
اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا فى البيت)).
ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى.
عن ابن عباس أنه قال: إنى لأحب أن أتزين لا مرأتى كما تتزين لى لأناقه.
تعالى - يقول: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)».
أى أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هى تحب.
أن تفعل له ذلك .
ولكى لا يفهم أحد أن المراد بهذه المثلية المساواة من كل الوجوه قال.
- تعالى - ((وللرجال عليهن درجة)، والرجال: جمع رجل. يقال: رجل بين.
الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أفواهما. وفرس رجيل أى قوى
على المشى . وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية
وقرجل النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية
بمعنى القوة .
-

٦٦٩
سورة البقرة
والدرجة فى الأصل : ما يرتقى عليه من سلم ونحوه، والمراد بها هنا
المزية والزيادة أى: لهن عليهم مثل الذى لهم عليهن، وللرجال على النساء
حزية وزيادة فى الحق ، بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن
وغير ذلك من واجبات .
قال بعض العلماء: وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين
العنصرين - الرجل والمرأة - فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم
على تربية ناشتتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين . وقد
نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام
نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذى أقام البيت بماله وأن انهياره
خراب عليه فجعل له الرياسة، ولذا قال - سبحانه - ((الرجال قوامون على
النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم ... )).
هذه هى الدرجة التى جعلها الإسلام للرجل ، وهى درجة تجعل له حقوقاً
وتجعل عليه واجبات أكثر، فهى موائمة كل المواءمة لصدر، الآية، فإذا
كان الرجل فضل درجة. فعليه فضل واجب، (١).
وقوله ((والله عزيز حكيم، أى غالب فى انتقامه من عصاه، حكيم فى
أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده. فعلى الرجل والمرأة أن يطلباعز همافيه)
شرعه الله فهو الملجأ والمعاذلكل ذى حق مهضوم، وعليهما كذلك أن يتمسكا
بما كلفهما به، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة، ويؤيده العقل السليم.
وبعد أن بين - سبحانه - فى هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا
طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة دجعية، ووضع المنهاج العادل الذى
يجب أن يتبعه الرجال والنساء .. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذى
يفتهى عنده ما الرجل من حق المراجعة فقال - تعالى - (الطلاق مرتان
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)).
(١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.
مجلة لواء الإسلام السنة السادسة العدد ٣

٦٧٠
الجزء الثانى
قال الإمام ابن كثير : هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر فى ابتداء
الإسلام: من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرقه
ما دامت فى العدة ، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات ، قصرهم الله.
- تعالى - على ثلاث طلقات، وأباح الرجعة فى المرة والثنتين، وأبانها.
بالكلية فى الثالثة فقال: الطلاق مرتان ... الآية (١).
وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامر أته :..
لا أطلقك أبداً ولا أوبك أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال : أطلق حتى.
إذا دنا أجلك - أى قاربت عدقك أن تنتهى - راجعتك. فأنت المرأة
إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرت له ذلك فأنزل الله - تعالى ..
((الطلاق مرتان .. الآية)).
والطلاق - كما يقول القرطبى - هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج.
بألفاظ مخصوصة. وأر فى قوله (( الطلاق مرتان، للعهد الذكرى.
أى: الطلاق الرجعى المشار إليه فى قوله - تعالى-(والمطلقات يتربصن .. )) ..
مرتان، وأمر المطلق بعد إحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إماإمساك
بمعروف بمعنى أن يراجعها على فية الإبقاء على العلاقة الزوجية، والمعاملة الحسنة.
وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهى عدتها، ويطلق سراحها بدون.
ظلم أو إساءة إليها، كما قال - تعالى - ((وسروحين سراحاً جميلا)).
قال القرطبى: والتسريح: إرسال الشىء، ومنه تسريح الشعر ليخلص ..
البعض من البعض، وسرح الماشية أرسلها .. ))
وعلى هذا التفسير يكون المرادبالطلاق فى الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين.
حقيقة التثنية، ويكون وقت الإمساك أو التسريح هو مابعد الطلقة الأولى
أو الثانية بصفة خاصة، وفى كل الأوقات بصفة عامة. وعلى هذا التفسير
سار كثير من العلماء .
ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق فى الآيا الطلاق الشرعى، وبالمرتين التكرار.
(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٧١

٦٧١
سورة البقرة
لا العدد، وأن المراد من التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة، أى بعد.
الطلقتين الأوليين يتروى فى الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة.
وقد ذكر هذا الرأى صاحب الكشاف فقال :
((الطلاق)) بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أى التطليق الشرعى.
تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، ولم يرد
بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كفوله ,ثم أرجع البصر كرتين، أى كرة
بعد كرة لاكرتين اثنتين ، ونحو ذلك من التثانى التى براد بها التكرير
كقولهم: لبيك وسعديك .. وقوله ,فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»
تخيير لهم بعد أن علمهم "كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة.
وبين أن يسرحومن السراح الجميل الذى علمهم إياه .. وروى أن سائلا
سأل النبى ( صلى الله عليه وسلم) أرأيت قول الله - تعالى - الطلاق مر تان
فأين الثالثة، فقال « صلى الله عليه وسلم، التسريح بإحسان، (١).
والفاء فى قوله - تعالى -، فإمساك .. ، للتفريع، وإمساك خبر لمبتدأ
محذوف والتقدير : فاشأد أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
قال الفخر الرازى: والحكمة فى إثبات حق الرجعة: أن الإنسان مادام:
يكون مع صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارة، فعند ذلك
يظهر، فلو جعل الله - تعالى - الطلقة الواحدة مافعة من الرجوع لمظمت المشقة
على الإنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة
لا يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت - سبحانه - حق المراجعة بعد
المفارقة مرتين ، وعند ذلك يكون قد جرب الإنسان نفسه فى تلك المفارقة
مرتين وعرف حال قلبه فى ذلك الباب . فإن كان الأصلح إمسا كها راجعها:
وإمساكها بالمعروف ، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن ..
الوجوه، وهذا التدريج والقرقيب يدل على كال رحمته ورأفته بعباده)).
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٧٣

٦٧٢
الجزء الثانى
هذا، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع
الطلاق دفعة واحدة، بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات، فطلاقه
لا يكون إلا طلقة واحدة، لأن إقتران الطلاق بكلمة واحدة لا يجعله ثلاث
مرأت بل هو مرة واحدة كمن يقول: أحلف بالله ثلاثاً فهو يمين واحدة .
ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل فى مثل هذه الصورة يقع
ثلاثاً، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة يكون ثلاثاً
أو اثنين على حسب ما إقترن به. ولأن عمر - رضى الله عنه - أختى
بذلك. فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس قال :
(( كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - في الله -، وعلى عهد أبى بكر،
وسنتين من خلافة عمر واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا فى
أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناء عليهم ، فأمضاه.
وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها فى كتب الفقه وبعض كتب التفسير .
ثم قال - تعالى - ((ولا يحل لكم أن تأخذوا ما آنيتمومن شيئاً إلا أن
مخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما
-فما افتدت به )).
قال الراغب: الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظفونة أو معلومة ، كما
أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة . ويضاد
الخوف الأمن .. )).
والجناح: الإثم من جنح بمعنى مال عن القصد - وسمى الآثم به الميل فيه
من الحق إلى الباطل -. يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها.
والاقتداء : تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله
من الفدى والغداء بمعنى حفظ الإنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل
ذلك(١).
١
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفها من صفحة (١٦)،
صفحة ١٠٠، صفحة ٠٣٧٤

٦٧٣
سورة البقرة
والمعنى: ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم فى
-مقابلة الطلاق شيئاً مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال، لأن
هذا الأخذ يكون من باب الظلم الذى نهى الله عنه، وليس من باب العدل
الذى أمر الله به .
ثم استثنى - سبحانه - صورة يجوز فيها الأخذ فقال ((إلا أن يخافاً .. الخ)
أى: لا يجوز لكم أن تأخذوا فى حالة من الأحوال إلا فى حالة أن يخاف
الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففى هذه الحالة يجوز الأخذ
وحدود الله هى ما أوجبه - سبحانه للرجل على زوجته، ولها عليه.
ثم خاطب - سبحانه - الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإصلاح بين
،"الزوجين فقال: ((فإن خفتم ألا يقيما، أى الزوجان , حدود الله، التى
حدها لهم وأمرهم باتباعها فى حياتهم الزوجية ((فلا جناح عليهما فيما افتدت به))
أى : فلا إثم على الزوج فى أخذ ما أعطتهله الزوجة من مال مقابل انفصالها
عنه، ولا إثم عليها كذلك فى هذا الإعطاء، لأنهما ما داما قد وصلًا إلى
هذه الحالة من التنافر، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من
المال ما تفدى به نفسها من البقاء فى عصمته، ما داما قد أصبحا كذلك .
غوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى ((وإن يتفرقا يغنى الله كلا من سعته))
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لمن الخطاب فى قوله (( ولا يحل لكم أن
تأخذوا، إن قلت: إنه للأزواج لم يطابقه قوله ،فإن خفتم ألا يقيما حدوداته))
وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟
. قلت: يجوز الأمران جميعاً: أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره
للائمة والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز فى القرآن وغيره . ويجوز الخطاب
كله للأئمة والحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإبتاء عدد الترافع إليهم
(م - ٤٣ البقرة)

٦٧٤
الجزء الثانى
فكأهم الآخذون والمؤقون )»(١).
والمراد بقوله (( ما أتيتموهن، أى من المهور وتخصيصها بالذكر وإن
شاركها فى الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتقبيه على أنه إذا لم.
بحل لهم أن يأخذوا مما أعطومن فى مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم.
الان لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى.
وقوله , شيئاً، مفعول به لتأخذوا. والتنوين للتقليل أى: لا يحل لكم.
ن تأخذوا آتيتمومن شيئاً ولو كان المأخوذ شيئاً غاية فى القلة، لأن هذا
الأخذ يجا فى الإحسان الذى أمرقم به . وقريب من هذه الآية فى النهى عن ..
لأخذ قوله - تعالى - :
(((وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا
نأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً».
وأن والفعل فى قوله « إلا أن يخاناء فى موضع نصب على الحال أى
لا خائفين .
وقوله (( أن لا يقيما، فى موضع نصب على المفعول به ليخافا والتقدير إلا
ن بخانا ترك حدود الله .
وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا فى جواز الخلع .
قال ابن كثير: وقد ذكر ابن جرير: أن هذه الآية نزلت فى شأن ثابت بن ..
نيس ، ففى صحيح البخارى عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى
- ◌َد - فقالت: يا رسول الله ١ - وزجى ثابت بن قيس - ما أعيب
عليه فى خلق ولادين، ولكن أكره الكفر فى الإسلام-أى أكره عدم الوفاءحقه.
بغضى له -. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتردين عليه حديقته؟"
- وهى المهر الذى أمهرها - قالت: نعم، قال رسول الله - عَّه .
(١) تفسير الكشاف -١ صفحة ٢٧٤.

٦٧٥
سورة البقرة
الثابت: إقبل الحديقة وطلقها تطليقة، (١). قالوا: ففرق رسول الله - ﴾
بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع فى الإسلام.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «تلك حدود الله فلا تعتدوما.ومن
يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ).
أى: تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التى بينتها لكم فى شأن
الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التى جدها، فلايجوزلكم أن
أن تخالفوها، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها
لسخط الله وعقابه .
وكانت الإشارة للبعيد (( قلك، لبيان سمو قدر هذه الأحكام، وعظم
منزلتها ، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة .
وسميت هذه الأحكام حدوداً للإشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل،
والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذى يمنع
اختلاط أحدهما بالآخر . يقال: حددت كذا أى جعلت لوحداً يميزه.
وحد الدار ما تتميز به عن غيرها ..
وفى إضافة هذه الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنماهى مخالفة
له - سبحانه - وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم
الخبير الذى أحسن كل شىء خلقه .
والفاء فى قوله (( فلا تعتدوها، التفريع أى: إذا كانت هذه الأحكام
حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزما يؤدى إلى سوء العقبى.
وعبر فى قوله «فأولئك هم الظالمون)، بفاء السببية وباسم الإشارة وبضمير
الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية والإشارة إلى أن الظلم شأن من
شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم.
وقد جاء - سبحانه - بكل هذه المؤكدات فى تلك الجملة الكريمة لكبح
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٧٤.

٦٧٦
الجزء الثانى
جماح غرور الإنسان، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيراً ما يتوهم
بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمقتضى الزمان الذى يعيدون فيه،
ويحاولون إخضاع شرع الله - تعالى - لمصالحهم وشهواتهم، أو يتر كون
ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال:
تلك حدود الله فلا تعقدوها ... ، بينما قال هناك فى ختام آية الصوم
« تلك حدود الله فلا تقريوها .. )) (١) وذلك لأن الكلام هنا فى شأن الأسرة
وما يسودها أحياناً من خلافات، واصطدامات ، واضطرابات .. والخشية
هذا إنما هى من تعدى هذه الحدود التى حدها الله فى أى مرة من مرات هذا
الخلاف .. فجاء التحذير من التعدى لا من المقاربة ، بينما هناك كان الحديث
عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوتى البطن والفرج،
فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التى حدها الله إنقاء
لضعف الإرادة أمام جاذبيتها .
فسبحان من هذا كلامه «ولو كان - هذا الكلام - من عند غير الله
لوجدوا فيه إختلافاً كثيراً،.
ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث ، بعد بيانه لأحكام
الطلاق الرجعى وأحكام الخلع فقال - تعالى - ,فإن طلقها فلا تحل له من
بعد حتى تنكح زوجاً غيره » .
أى: فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له
مراجعتها بعد كل منهما فى أثناء العدة ، فإنه فى هذه الحالة تكون زوجته محرمة
عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فكا حاً شر عياً صحيحاً، بأن يدخل بها،
ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم .
فالمراد بالنكاح فى قوله « حتى تنكح زوجاً غيره)) الزواج بشخص آخر
يدخل بها دخولا صحيحاً. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء فى الحديث
(١) الآية ١٨٧ من هذه السورة .

٦٧٧
سورة البقرة
المشهور الذى أخرجه البخارى وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - قالت:
جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول الله - عَّ له - فقالت: يارسول الله
إن رفاعة طلقنى فيت طلاقى. وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير
الفرظى، وإن ما معه مثل الهدبة ، فقال رسول الله - صلى أنه عليه وسلم -:
لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق
عسيلتك)» (١).
وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها وبجامعها. وعلى هذا أنعقد إجماع
الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز للمرأة
أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثانى دون أن يدخلبها.
وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التى
لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه .
ثم قال - تعالى - ((فإن طلقها فلا جناح عليهما أذ يتراجعا إن غلنا أن
يقيما حدود الله، أى: فإن طلق الزوج الثانى تلك المرأة التى سبق طلاقها
من الزوج الأول، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول فى أن يرجع كل منهما
إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما
سيقيمان حدود الله، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه
بأمانة وإخلاص.
وقوله (( أن يتراجعا، فىموضع جر بإضمار حرف الجر أى فى أن يتراجعا
وقوله (( أن يقيما)) فى موضع نصب على أنه سد مسد مفعولى ظن.
قال صاحب الكشاف : ولم يقل : إن عما أنهما يقيمان حدود الله لأن
اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله . ومن فسر الظن هاهنا بالعلم فقدوهم
ولأن الإنسان لا يعلم ما فى الغد وإنما يظن ظاً ، (٢).
(١) صحيح البخارى فى كتاب الطلاق الثلاث ح ٧ صفح ٠٥٥
(٢) تفسير الكشاف = ١ صفحة ٠٢٧٦ بتلخيص.

٦٧٨
الجزء الثانى
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: ((وذلك حدود الله يبينها لقوم
يعلمون،.
أى: وقلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره ما كلف الله به
عباده يبيئها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ويعملون
بمقتضى علمهم .
وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل المرأة التى طلقت من
زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجاً
صحيحاً يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضى عدتها منه .
ومن حكم هذا التشريع الحكيم رفع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق
زوجاتهم ، وزجرهم عن التساهل فى إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف
الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته أن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا
افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع
وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التى تتميز بسعه
الصدر وضبط النفس .
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير سبعة أحاديث فى النهى عن نكاح المحلل-
وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثاً من زوجها بقصد إحلالها لهذا
الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صورباً وليس شرعياً-
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن عبدالله بن
مسعود قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له، وأكل
هربا وموكله)».
وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ألا
أخبركم بالتي المستعار)؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل أن
اللّه المحلل والمحلل له ).
وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن نكاح

٦٧٩
سورة البقرة
المحلل فقال: لا، إلا نكاح رغبة - لا نكاح دلسة أى لانكاح غش وتدليس-
. ولا استهزاء بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها .. )).
وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له
من غير مؤامرة منه - أى من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل
تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة. كنا فعد هذا سفاحاً على عهد
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال ابن كثير: والمقصود أن الزوج الثانى يكون راغباً فى المرأة قاصداً
لدرام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. واشترط الإمام مالك مع ذلك أن
يطأها الثانى وطأمباحاً فلو وطنها وهى محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض ..
لم تحل للأول بهذا الوط. والمراد بالعسيلة الجماع لمارواه الإمام أحمد والنسائى
عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا إن العميلة
الجماع، (١).
وبعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الزوج خير بين الإمساك
والتسريح فى مدة العدة ، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر
وقت فى العدة ، وذلك لتذكيره بأن الإمساك أفضل من التسريج، وأن عليه
ألا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدت طرق الإصلاح والمعالجة، وأنه إذا اختار
الطلاق فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور.
قال - تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف
أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا، ومن يفعل ذلك
فقد ظلم نفسه .
قال الراغب: الأجل: المدة المضروبة للشىء. قال - تعالى -«لتبلغوا
أجلا مسمى .. ٢ - أى مدة معينة - والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد
والمنتهى مكاناً كان أوزماناً أو أمراً من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة
عليه وإن لم ينته، فمن الانتهاء قوله - تعالى - «حتى إذا بلغ أشده وبلغ
(١) تفسير ابن كثير - ١ صفحة ٢٧٨.

٦٨٠
الجزء التانى
أربعين سنة)، .. وأما قوله: فإذا بلغ أجامن فأمسكوهن بمعروف ((فالمشارفة
فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها ...
والمراد بالأجل هنا عدة المرأة . وببلوغها قرب إنتهائها.
والضرار - كما يقول الرازى - هو المضارة. قال - تعالى(والذين اتخذوا
مسجداً ضراراً، أى اتخذوا المسجد ضرراً ليضاروا المؤمنين، ومعناه يرجع.
إلى إثارة العداوة ، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة)).
والمعنى: وإذا طلقتم - أيها المؤمنون - نساءكم طلاقاً رجعياً، ((فبلغن
أجلهن، أى فشارفت عدتمن على الانتهاء، وقاربت الإنقضاء، فعليكم أن
تتدبروا مليا فى أمركم ، فإن رأيتم الأصلح فى بقائهن معكم فنفذوا ذلك.
وأمسكوهن بمعروف. أى بما هو المعروف من شرع الله الحكيم ، وبما تقره.
الأخلاق الحسنة، والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لارغبة لكم فى البقاء.
معهن فسرحوهن بمعروف أى فأمضوا الطلاق، وتفارقوا بالطريقة التى.
يرضاها الحق - سبحانه - بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولاتذ کروهن بوه بعد ..
انفصالكم عنهن ، فهذا شأن الأتقياء الصالحين فقد سئل بعضهم، لم طلقت -.
امرأنك ؟ فقال : إن العاقل لا يذكر ما بينه وبين أهله .
قالى القرطبى: ((معنى ((بلغهن، قارين بإجماع من العلماء، ولأن المعنى.
يضطر إلى ذلك ، لأنه بعد بلوغ الأجل لاخيار له فى الإمساك ، وهو فى ...
الآية التى بعدها بمعنى الانتهاء، لأن المعنى يقتضى ذلك، فهو حقيقة فى
الثانية ، بجاز فى الأولى - أى التى معنا -)).
ثم نهى - سبحانه - عن الإمساك الذى يكون معه الضرر فقال .!!
((ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا، أى لا تراجعومن إرادة الضرر بهن.
والإيذاء لحن لتعتدوا عليهن، والجملة الكريمة تأكيد للأمر بالإمساك
بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كان يفعله بعضهم من مراجعته
لامرأته قبل انتهاء عدتها لالقصد الإبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة ..
الزوجة، أو لقصد أن تفتدى نفسها منه بالمال: و((ضرراً) منصوب على الحال.