النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة البقرة
جالتعقيب، وقوله ((وهو كافر، جملة حالية من ضمير يمت. وقوله: فأولئك
جواب الشرط. وقوله: وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإخبار
بأنهم أصحاب النار أو معطوف على جواب الشرط .. ، (١).
وفى الإتيان باسم الإشارة ((أولئك، فى الموضعين تنبيه إلى أنهم
أحرياء بذلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر .
وفى التنصيص على حبوط أعمالهم فى الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم،
فهم فى الدنيا - بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة
الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت، والدفن فى مقابر
المسلمين، ومن طلاق زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك
من حقوق المسلمين، أما فى الآخرة فشأنهم شأن الكافرين فى ملازم هم للنار
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة .
١ - حرمة القتال فى الشهر الحرام، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ،
وأنه لاحرج فى قتال المشركين فى الأشهر الحرم لقوله - تعالى - : فإذا
انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجد وهم، فإن المراد بالأشهر
الحرم هنا: هى أشهر العهد الأربعة التى أبيح للمشركين السياحة فيها فى
الأرض، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة، فالتقييد بها يفيد أن قتلهم
جعد إنسلاخها مأمور به فى جميع الأزمنة والأمكنة . وأيضا لأن الرسول
.(صلى الله عليه وسلم) غزاهوازن وثقيف وأرسل بعض الإصحابه إلى
أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك فى بعض الأشهر
الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبى (صلى الله عليه وسلم).
قال الآلوسي: وخالف عطاء فى ذلك ، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال
فى الشهر الحرام ، فحلف بالله - تعالى - ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم
«ولا فى الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمراً إلى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٧٤

٦٢٢
الجزء الثانى
يوم القيامة، والأمة اليوم على خلافة فى سائر الأمصار» (١).
وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال: ومهما يكن فإن:
القتال فى الأشهر الحرم حرام فى حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء
بالغزو فيه. ولقد قال جابر: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
لا يقاتل فى الشهر الحرام إلا أن يغزى أويغزو حتى إذا حضر ذلك أقام
حتى ينسلخ .
ولقد قال بعض العلماء : إن تحريم القتال فى الشهر الحرام منسوخ
بقوله - تعالى -((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)) وبقتال النبى
( صلى الله عليه وسلم) أهل الطائف فيه. والحقيقة أنه لم يثبت ناسخ
صريح فى النسخ فإن قوله - تعالى - ,وقاتلوا المشركين كافة، العموم فيه
بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال، وأن النبى (صلى الله عليه وسلم).
لم يبتدى. قتالا فى الشهر الحرام مختاراً قط، والتحريم فى الاختيار
والابتداء كما بينالا فى البقاء والاضطرار، لذا قال - سبحانه - ,فلا
تظلموا فيهن أنفسكم))، ولأن الأشهر الحرم نص عليها فى خطبة الوداع.
وكل ما جاء فيها غير منسوخ)) (٢) .
٢ - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط
العمل فى الدنيا سواء أمات المرقد على كفره أم عاد إلى الإسلام قبل موته
بدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى (( لئن أشر كت ليحبطن عملك، فقد
علق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبى (صلى الله عليه وسلم).
فالمراد أمته لاستحالة الشرك عليه. وعلى هذا الرأى سار المالكية والأحناف
ويرى الشافعية أن الردة تحيط العمل فى الدنيا متى مات المرتد كافراً،
لأن الآية تقول: ((ومن يردد، منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك.
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ١٠٨
(٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لوامـ
الإسلام السنة الخامسة : العدد العاشر ص ٥٩٩

٦٢٣
سورة البقرة
حبطت أعمالهم .... ويظهر أثر الخلاف فيمن حج مسلما، ثم أرتد ثم
أسلم. فالأحناف والمالكية يوجبون عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت
حجه . والشافعية يقولون: لاحج عليه لأن حجه قد سبق والردة لا تحيط ..
العمل إلا إذا مات الشخص كفراً .
ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه.
وبعد أن بين - سبحانه - عاقبه من يرقد عن دينه أتبع ذلك بيان عاقبة.
المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - ((إن الذين آمنوا والذين هاجر وأو جاهدوا
فى سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم)).
قال الإمام الرازى: فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن
عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله: هب أنه لا عقاب علينا فما فعلنا،
فهل قطمع منه أجراً وثواباً ؟ فيزات الآية، لأن عبد الذه كان مؤمناً وكان
مهاجراً، وكان مجاهداً بسبب هذه المقاتلة .
وفى الثانى: أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله: ((كتب عليكم القتال.
وهو كره لكم .... ، وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من
يقوم به وجزاؤه فقال: ((إن الذين آمنوا، والذين هاجروا ... )) ولا يكاد.
يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد» (١) .
والممنى: (( إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم.
الآخر ، واستقاموا على طريق الحق ، وأذعنوا لحكمه ، واستجابوا
لأوامر الله ونواهيه: (والذين هاجروا، أى: تركوا أموالهم وأوطانهم
من أجل نصرة دينهم: ((وجاهدوا في سبيل الله، لإعلاء كلمته (( أولئك))
الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة ((يرجون رحمة الله)). أى: يؤملون.
تعلق رحمته ، تعالى - بهم، أو ثوابه على أعمالهم ,والله غفور رحيم »
أى : واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين.
(١) تفسير الفخر الرازى =٢ ص ٤١

٦٢٤٠
الجزء الثانى
قال القرطبى: ((والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ،
.والقصد ترك الأول إيثارا للثانى. والهجرة ضد الوصل، والاسم الهجرة.
وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد . والاجتهاد والتجاهد: بذل
الوسع والمجهود، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة .
وإنما قال ((يرجون)) وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد فى هذه الدنيا
أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ فى طاعة الله كل مبلغ لأمرين: أحدهما: أنه
لا يدرى بماذا ختم له ، والثانى: لثلا يتكل على عمله، والرجاء أبداً معه
خوف كما أن الخوف معه رجاء)) (١).
وجىء بهذه الأوصاف الثلاثة مترقبة على حسب الواقع إذ الإيمان
ويكون أولا ثم المهاجرة من أرض الظالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم ، ثم
الجهاد من أجل إعلاء كلمة الحق .
وأفرد الإيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد، وجمع
الهجرة والجهاد فى موصول واحد لأنهما فرعان عنه .
وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم
وأنفسهم فى سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب، وبرأتهم مما أثاره المشركون
حولهم من شبهات ، وحذرتهم من السير فى طريقهم ، وبشرتهم بحسن
العاقبة متى استجابوا لتعاليم دينهم، واعتصموا بحبله .
وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل والتضحية ، ساق القرآن فى آيتين
ثلاثة أسئلة وأجاب عنها بما يشفى الصدور، ويصلح النفوس .
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٥١

٦٢٥
سورة البقرة.
فقال تعالى :
يَسْعَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَسِرِ قُلْ فِهِمَا
إِنَّ كَبِيرٌ وَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَ إِنَّهُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا
٢١٩
يُنفِقُونَ قُلِ الْعَقْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُلَيْتِ لَعَلَُّ نَفَرُونَ
فِي الُنْيَ وَالْآَخِرَةُ وَيَسْعَلُونَكَ عَنِ الْيَتَعَنَّ قُلْ إِصْلَاحُ فَهُمْ خَيْرٌ
بَإِنْمُخَالِطُهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُالْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحُّ وَلَوْ
شَآءَ اللهُ لَأَعْتَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌحَكِيمٌ (٣)
قوله (( يسألونك عن الخمر والميسر .... ، السائلون هم المؤمنون
وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعى من حيث الحل والتحريم. لا عن
الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما .
قال القرطبى: والخر مأخوذة من خمر إذا سقر، ومنه خمار المرأة لأنه
يستر وجهها- وكل شىء غطى شيئا فقد خمره. ومنه «خمروا آفيتكم، فالخمر
تخمر العقل، أى: تغطيه وتستره ... فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه
سميت بذلك ، وقيل إنما سميت الخمر خمرا؛ لأنها تركت حتى أدركت كمايقال:
قد اختصر العجين، أى: بلغ إدراكه. وخمر الرأى ترك حتى يتبين فيه الوجه.
وقيل: إنما هميت الخمر خمراً لأنها تخالط العقل من المخامرة وهى المخالطة
ومنه قولهم : دخلت فى خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أى: اختلطت بهم.
خالمعانى الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت
العقل. ثم خمرته، والأصل الستر (١).
ويرى كثير من العلماء أن هذه الآية هى أول آية نزلت فى الخمر . ثم
(م - ٤٠ البقرة)
(١) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٠٥١

٦٢٦
الجزء الثانى
نزلت الآية التى فى سورة النساء. ثم نزلت الآية التى فى سورة المائدة.
والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال
((اللهم بين لنافى الخمر بياناشافيا، فنزلت هذه الآية , يسألونك عن الخمر .. »
فدعى عمر فقرأت عليه فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا)).
فنزلت الآية التى فى النساء ( يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم
سكارى .. ، فكان منادى رسول الله - عبّ له - إذا أقام الصلاة -
نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه، فقال:
((اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التى فى المائدة، فدعىعمر
فقرنت عليه، فلما بلغ ((فهل أنتم منتهون)) قال عمر: (( لتهنا اتهنا).
وبهذا الرأى قال ابن عمر والشعبى ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
ويرى بعض العلماء، أن أول آية نزلت فى الخمر هى قوله - تعالى - فى
سورة النحل: «ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزنا"
حسناً . ...
وعلى هذا الرأى سار صاحب الكشاف وقبعه بعض العلماء ، فقد قال:
نزات فى الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله - تعالى - , ومن ثمرات التخيل.
والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقا حسنا .. ، فكان المسلمون يشر بونها
وهی حلال لهم . ثم إنعمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يارسول الله،
أفتنا فى الخمر فإنها مذهبة العقل مسلية للمال، فنزلت: ((قل فيهما إثم كبير
ومنافع للناس، فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن.
عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلى فقرأ: قل بأيها الكافرون.
أعبدما تعبدون فنزات: ((لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى .. ، فقل من بشربها.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٥٥.
(٢) تفسير الكشاف فى جـ ١ صفحة ٢٥٩.

٦٢٧
سورة البقرة
ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا
وتناشدوا شعرا فيه هجاء الانصار فضرب أحد الأنصار سعدا بلحى بعير
فشجه ، فشكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك. فقال عمر: اللهم
بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزلت ((إنما الخمر والميسر .. ألخ الآية).
فقال عمر : انتهينا يا رب )).
وأصحاب الرأى الأول يقولون: إن آية سورة النحل وهى قوله - تعالى-
(((ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا .. )) ليس
لها علاقة بموضوع الخمر. ويفسرون السكر بأنه ما أحله الله ما لا يسكر
وأنه هو الرزق الحسن وأن العطف بينهما من باب عطف التفسير.
ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يشتهون ويحبونه من الخمر
والميسر، يمثل أسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأوامر الله ونواهيه، فعندما
بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها فى الطرقات . بل وحطموا الأوانى
التى كانت توضع فيها الخمر امتثالا وطاعة لله - تعالى - .
وهكذا نرى قوة الإيمان التى غرسها الإسلام فى نفوس أتباعه عن طريق
تعالمه السامية ، وتربيته الحكيمة ... تغلبت على ما أحبته النفوس، وأزاات
من القلوب ما ألفته الطبائع ،
هذا، وجمهور العلماء على أن كلمة ((خمر، تشمل كل شراب مسكر
سواء أ كان من عصير العنب أم من الشعير أم من التمر أم من غير ذلك ،
وكلها سواء فى التحريم قل المشروب منها أو كثر سكر شاربه أو لم يسكر.
ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر - أن رسول الله - وسطالدم -
قال : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر فى الدنيا
ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها فى الآخرة ، (١).
ومن أدلتهم أيضاً أصل الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها
(١) أخرجه مسلم فى كتاب الأشربه ج ٦ ص ٠١٠٠

٦٢٨
الجزء الثانى
سميت بهذا الاسم لخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة
وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أ كان من العنب أم من غيره.
وقال الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإراهيم النخعى وسفيان الثورى
وابن أبى ليلى: إن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير
العنب فقط، أما المسكر من غيره كالشراب من المر أو الشعير فلا يسمى
خمراً بل يسمى نبيذا. وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو
الخمر من العنب . أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال .
وقد رجح العلماء رأى الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن
وافقهم .
قال ابن العربى: وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة
فلا يلتفت إليها. والصحيح ما روى الأمة أن أنسا قال: حرمت الخمر يوم
حرصت وما بالمدينة خمر الأعتاب إلا قليل، وعامة خمرها البسر والتمر »
خرجه البخارى ، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم
يكن عندهم يؤمنذ خمر عنب، وإنما كانوا يشربون خمر الفبيذ فكروا
دفانهم - أى أولى الخمر - وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله
خمر، أى وأفرهم رسول الله - عَنّ الله - على ذلك -(١).
وقال الألوسى: وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه أن الشراب
المتخذما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سعى متى كان بحيث يسكر
من لم يتعوده حرام، وقليله ككثيره، ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته
غليظة. وفى الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن النقيع - وهو
نبيذ العسل - فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام، وروى أبو داود ( نهى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل مسكر ومفتر)، وصح, ما أسكر
كثيره فقليله حرام ، والأحاديث متضافرة على ذلك . ولعمرى إن اجتماع
(١) أحكام القرآن لا بن العربى جـ ١ صفحة ١٤٩.

٦٢٩
سورة البقرة
الفساق فى زماننا على شرب المسكرات مما عدا ((الخمر)) ورغبتهم فيها،
فوق اجتماعهم على شرب ((الخمر، ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها
أسماء - كالعنبرية والإكسير - ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها
من الخدمة، وقبيح شربها للامة ، - وهيهات هيهات - فالأمر وراء ما يظنون
وإناته وإنا إليه راجعون)) (١).
بعد هذه الكلمة التمهيدية عن الآية ، وعن مدلول كلمة خمر ننتقل إلى
معنى كلمة «الميسر، فنقول: الميسر: القمار - بكسر القاف- وهو فى الأصل
مصدرميمى من بسر، كالموعد من وعد . وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة،.
لأن المال يجىء للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ.
ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه.
قال القرطبى نقلا عن الأزهرى: المير: الجزور الذى كانوا يتقاهرون
عليه، سمى ميرا؛ لأنه أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شىء جزأته
فقد يسرته . والياسر : الجازر لأنه يجزى الحم الجزور .. ويقال للضاربين
بالقداح والمتقامرين على الجزور : باسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا
سببا لذلك (٢).
وصفة الميسر الذى كانت تستعمله العرب أنهم كانت لهم عشرة أقداح
يقال لها الأزلام أو الأفلام ، فكانوا إذا أرادوا أن يقامروا أحضروا بعيرا
وقسموه ثمانية وعشرين قسما وتفرك ثلاثة من تلك الأقداح غفلا لاعلامة
عليها وكانت تسمى: السفيح، والمنبح ، والوغد. ومن طلع له واحد منها.
لا يأخذ شيئا من الجزور. أما السبعة الأخرى فهى الرابحة وهى الفذوله -٢٠م.
واحد ، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة ،
والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة ، والمعلى وله سبعة فيكون المجموع
ثمانیه وعشرين سهما .
(١) تفسير الآلوسى = ٢ صفحة ١١٣.
(٢) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٥٢.

٦٣٠
الجزء الثانى.
تلك صورة تقريبية لقمار العرب كما أوردها بعض المفسرين (١).
ولا شك أنه يدخل فى تحكمها من حيث الحرمة ما كان مشابها لها فى
المخاطرة والرمان وأخذ الأموال بدون مقابل مشروع، أوضياعها فيها حرمه الله
ومعنى الآية الكريمة : يسألك أصحابك يا محمد عن حكم شرب الخمر
ولعب الميسر، قل لهم على سبيل الإرشاد والإعلام: فى تعاطيهما ((إثم كبير)
أى: ذنب عظيم، وضرر شديد وذلك لما فيهما من القبائح المنافية لمحاسن
الشرع من الكذب «والأذى، وشيوع العداوة والبغضاء بين الناس ،
واستلاب أموالهم بغير حق .
وقوله ((ومنافع للناس، أى وفيهما منافع دفيوية للناس إذا الخمر تدر
على المتاجرين فيها أرباحا مالية، والميسر يؤدى إلى إصابة بعض الناس
للمال بدون تعب ،
وأطلق - سبحانه - الإثم وقيد المنافع بأنها الناس، للتنبيه على أن
الإثم فى الخمر والميسر ذاتى، فها فى ذاتهما رجس كبير، وخطر وبيل ،
وأن مافيهما من منافع ضئيل ولا يتجاوز بعض الناس ، فهى منافع خاصة
وليست عامة، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك .
((وإنمهما أكبر من نفعهما، أى أن المفاسد والأضرار التى تترتب على
تعاطيها، أعظم من المنافع التى تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى
متفعة بعض الناس ، أما مضارهما فكثيرة ، من ذلك أن تعاطى الخمر
يضعف الضمير، ويفد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد ، ويتلف
المال، ويغرى بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة -
فى كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب ... الخ .
وإن شئت المزيد من معرفة مضار الخمر فراجع ماكتبه العلماء
(١) راجع تفسير الألوسى ج ٢ ص ١١٣، وتفسير القرطبى
ج٢ ص ٠٥٨ ٠

٦٣١
سورة البقرة
والمتخصصون فى ذلك (١) .
أما تعاطى الميسر فمن مضاره - كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده -
إفساد التربية بتعويد النفس الكسل , وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية،
بوإضعاف القوة العقلية ، بترك الأعمال المفيدة فى طرق الكسب الطبيعية،
وإهمان المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التى هى أركان العمران،
وتخريب البيوت بيأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر فى ساعة واحدة ، فكم من
عشيرة كبيرة نشأت فى العز والغنى وانحصرت ثروتها فى رجل أضاعها عليها
فى ليلة واحدة؛ فأصبحت غنية وأمست فقيرة ... ). (٢).
إذن فالمنافع الدينيوية التى تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر
لاتساوى شيئا بجانب تلك المضار الجسيمة التى تعود على أفراد الأمة فى
دينهم وعقولهم وأجسامهم وأموالهم وترابطهم، وصدق الله إذ يقول:
((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدك
عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)).
ثم يأتى بعد ذلك السؤال الثانى الذى ورد فى هاتين الآيتين وهو قوله
- تعالى -: ((ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)).
ومناسبة هذا السؤال لما قبله أنهم بعد أن نهوا عن إنفاق أموالهم فى
الوجوه المحرمة كتعاطى الخمر والميسر، سألوا عن وجوه الإنفاق الحلال،
بوعن مقدار ما ينفقون فأجيبوا بهذا الجواب الحكيم .
قال الألوسى: أخرج بن إسحاق عن ابن عباس أن تقرأً من الصحابة
حين أمروا بالنفقة فى سبيل الله أنوا النبى ( صلى الله عليه وسلم) فقالوا:
: إنا لا ندرى ماهذه النفقة التى أمرنا بها فى أموالنا وما الذى تنفقه منها فأنزل
(١) راجع على سبيل المثال ((تفسير الجواهر)) فى معنى الآية للمرحوم
طنطاوى جوهرى وتفسير المنار جـ ٢ ص ٣١١
(٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٣٣٠

1
٦٣٢
الجزء الثانى
الله - تعالى - ((ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، وكان الرجل قبل ذلك ..
ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق ولا مالا يأكل .. (١).
وأصل العفو فى اللغة الزيادة. قال - تعالى -,ثم بدلنا مكان السيئة
الحسنة حتى عفوا .. )، أى زادوا على ما كانوا عليه من العدد. ويطلق على.
ما سهل وتيسر ما يكون فاضلا عن الكفاية. يقال: خذ ما عفا لك . أىه.
ما يتيسر. كما يطلق على الترك قال - تعالى - ((عفا الله عما سلف، أى.
تركه وتجاوز عنه .
والمراد به هنا : ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر.
الذى تيسر إخراجه ويسهل بذله، ولا يتضرر صاحبه بتركه،
والمعنى ، ويسألونك ما الذى يتصدقون به من أموالهم فى وجوه البر،
فقل لهم تصدقوا بما زاذ عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه، ولا يشق.
عليكم بذله .
وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد حكيم إلى التعاون والقراحم بين أفراد.
المجتمع، وتوجيه إلى المنهاج الوسط الذى يأبى التبذير وينفر من التقتير،
وفى أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ما يؤيد هذا الإرشاد.
والتوجيه ، ومن ذلك ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة عن النبى ( صلى
الله عليه وسلم) قال: خير الصدقه ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول .
وأخرج مسلم عن جابر أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال: إبدأٌ
بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأملك، فإن فضل عن أهلك شىء.
- فلذلك قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شىء فهكذا وهكذا ،.
إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى.
والأستاذ الإمام كلام جيد فى هذا المقام، فقد قال - رحمه الله -
ما ملخصه: إن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها
فى مصالحها العامة كإعداد القوة وتربية الناشئة ... تكون أعز وأقوىمن ..
(١) تفسير الآلومى جـ ٢ ص ١١٥

٦٣٣
سورة البقرة
أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا فى مثل ذلك ؛ لأن الواحد.
من الأمة الأولى يعد بأمة، إذ هو يعتبر نفسه جزءاً منها وهى كل له ، بنها
الأمة الثانية لا تعد بواحد لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر .. وفى
الحقيقة أن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة، لأن كل واحد من أفراده يعيش
وحده وإن كان فى جانبه أهل الأرض، فهو لا يتصل بمن معه لمدهم.
ويستمدهم منهم .... (١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله , كذلك يبين الله لكم الآيات ..
لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة .
أى: مثل هذا البيان الحكم الذى بينه الله لكم فيما سألتم عنه يبين
لكم فى سائر كتابه آباته وأحكامه وحججه لكى تتفكروا وتتدبروا فيما
ينفعكم فى دنياكم وآخرتكم ، بأن تعملوا فى الدنيا العمل الصالح الذى.
يجعلكم تظفرون برضا الله فى أخراكم .
قال صاحب الكشاف: وقوله، فى الدنيا والآخرة، إما أن يتعلق.
بتتفكرون ، فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون
بماهو أصلح لكم ، كما بينت لكم أن العفر أصلح من الجهد فى الثقة وتتفكرون.
فى الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى
قوله «وإنمهما أكبر من نفعهما، فيكون المعنى: لتفكروا فى عقاب الإثم
فى الآخرة والنفع فى الدنيا، حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من
العقاب الألم . وإما أن يتعاق بيبين على معنى : يبين لكم الآيات فى أمر
الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون) (٢) .
أما السؤال الثالث والأخير الذى ورد فى هاتين الآيتين فهو قوله تعالى
(((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوم فإخوانكم ....
أخرج أبو داود والحاكم والنسائى وغيرهم عن ابن عباس قال :
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٣٨
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٦٣

٦٣٤
الجزء الثانى
لما نزل قوله - تعالى - ((ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن» وقوله
- تعالى - ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ياكلون فى بطونهم نارا
وسيصلون سعيراء انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه. وشرابه
من شرابه، فجعل يفضل له الشىء من طعامه وشرابه، فيحبس له حتى بأكله
أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)
فأنزل الله - تعالى - ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم
فإخوانكم ، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم، (١).
والمعنى : ويسألونك يا محمد عن القيام بأمر اليتامى أو التصرف فى
أموالهم أو عن أموالهم وكيف يكونون معهم فقل لهم: إن المطلوب هو إصلاحهم
بالتهذيب والتربية الرشيدة . والمعاملة الحسنة، وإصلاح أموالهم بالمحافظة
عليها وعدم إنفامها إلا فى الوجوه المشروعة فهذا الإصلاح المفيدلهم ولأموالهم
خير من مجانبتهم، وتركهم ، ولذا قال - تعالى - بعد ذلك: ((وإن
تخالطوهم فإخوانكم، أى: وإن تعاشروهم وتضوهم إليكم فاعتبروهم
إخوانكم فى العقيدة والإنسانية، وعاملوهم بمقتضى ما تفرضه الأخوة
من تراحم وتعاطف ومساواة .
والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . «وإصلاح، مبهدأ وسوغ الابتدائية
به مع أنه فكرة وصفه بالجاروالمجرور (لهم)). ((وخير) خبره وقوله, فإخوانكم))
الفاء واقعة فى جواب الشرط، وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف والتقدير
فهم إخوانكم ، والجملة فى محل جزم على أنها جواب الشرط .
وقوله «والله يعلم المفسد من المصلح، وعد ووعيد، وترغيب فى الإصلاح
وترهيب من الإفساد، أى : والله يعلم المفسد لشئون هؤلاء اليتامى من
المصلح لها، كما أنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولافي السماء ،
وسيجازى كل إنسان على حسب عمله، فاحذروا الإفساد ولا تتحر واغير الإصلاح
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٦

٦٣٥
سورة البقرة
ثم قال - تعالى - «ولو شاء اللّه لأعنتكم، العنت: الشدة والمشقة
-والتضييق. يقال: أعنته فى كذا يعنته إعنانا، إذا أجهده وألزمه ما يشق عليه
أى : ولو شاء اللّه لضيق عليكم وأحرجكم بتحريم مخالطة هؤلاء
اليتامى، وبغير ذلك ما يشرع لكم، ولكنه - سبحانه - وسع عليكم
وخفف فأباح لكم مخالطتهم بالتى هى أحسن ، فاشكروه على ذلك .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((إن الله عزيز حكيم، أى: إن الله
- تعالى - غالب على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التى من جملتها إعنائكم
:قادر على أن يعز من أعز اليتامى وبذل من بذلهم، حكيم فى كل تصرفانه
.وأفعاله، فلا يضع الأشياء إلا فى مواضعها.
وقد استدل العلماء بهذه الآية على جواز التصرف فى أموال اليتامى على
موجه الإصلاح، وعلى أن للولى أن يخالط اليتيم بنفسه فى المصاهرة والمشاركة
وغير ذلك ما تقتضيه المصلحة .
وقد وردت أحاديث متعددة فى رعاية اليتيم وإصلاح أحواله ومن ذلك
-مارواه البخارى عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
.أنا وكامل اليقيم فى الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما،.
وروى الطبرانى عن أبى الدردرا. قال: أتى النبي (صلى الله عليه وسلم)
رجل يشكو قسوة قلبه، فقال له النبى: (صلى الله عليه وسلم) أتحب أن
يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ إرحم اليتيم ، وامسح رأسه، وأطعمه من
طعامك ، بلن قلبك وتدرك حاجتك .
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أفضل ألوان
الإصلاح للأفراد والجماعات فى مطاعمهم ومشاربهم ونفقتهم وعلاقتهم
بغيرهم ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى، والقلب الرحيم . ومن
شأن الأمة التى تعمل بهذا التوجيه السامى الحكيم أن تعال السعادة فى
دنياها، ورضا الله - تعالى - فى أخراها .

٦٣٦
الجزء الثانى]
ثم تحدثت السورة بعد ذلك فى اثنتين وعشرين آية (١) عن بعض أحكام.
وآداب الزواج ، والمعاشرة ، والإيلاء والطلاق، والعدة، والنفقة،
والرضاعه ، والخطبة ، والمتعة ، وغير ذلك مما يتعلق بصياغة الأسرة
وتقويتها، وبقائها على أفضل الدعائم، وأحكم الروابط، إذ الأسرة هى
اللينة الأساسية فى بناء المجتمع، ومن مجموعها يتكون، فإذا صلحت.
الوحدات والمكونات صاح البنيان، وإذا تصدعت تصدع ....
ولقد إبتدأت الآيات التى معنا حديثها عن الأسرة بالحديث عن
الزواج لأنه أعمق الروابط وأقواها، ومنه تتأتى الذرية، لذا جعل أساس
الاختيار فيه هو التدين السليم، والحاق القويم، الذى يسعد ولا يشقى ،،
ويبنى ولا يهدم، ويحفظ ولا يضيع ... ، ولا يتأتى ذلك إلا باختيار
المسلمة الصالحة والإعراض عن المشركة الكافرة .
إستمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك فيقول :
وَلَا تَنْكِحُواْ
الْمُشْرِكَتِ خَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَمَةٌ مُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَنْبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِجُوا الْمُشْرِ كِينَ خَّى يُؤْمُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُّ خَيْرٌ
مِنْ مُشْرِكِ وَوْ أَنْبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى الَّارِّ وَاللهُيَدْعُواْ إِلى الْجَنَّةِ
وَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيْنُ ءَايَاتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَ ثُّونَ (
٢٢١
قوله - تعالى - ((ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، النكاح فى اللغة الضم
وتداخل أجزاء الشىء بعضها فى بعض . ثم أطلق على العقد الذى به تكون
العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشروعة،
(١) من الآية ٢٢١ وهى, ولا تنكحوا المشركات ... الخ) قوله
,كذلك يبين أنه لـكم آياته لعلكم تعقلون، الآية ٢٤٢

٦٣٧
سورة البقرة
والمشرك فى لسان الشرع من يدين بتعدد الآلهة مع الله - تعالى - وأصله
من الإشراك بمعنى أن تجعل الشىء بينك وبين غيرك شركة، فمن يعبد مع
الله - تعالى - إلهاً آخر بعد مشركا، وهو فى الآخرة من الخاسرين.
ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة : مشرك، ومشركين، ومشركات
فى القرآن الكريم تعنى عبدة الأوثان، وأنها صارت فى استعمال القرآن
حقيقة عرفية فيهم ، ولم يطلقها القرآن على اليهود والنصارى وإنما عبر عنهم
بهذا الإسم أو بأهل الكتاب، أو بوصف الكفر دون الشرك كما فى قوله
- تعالى - ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل ... ، وعليه فالمراد
بالمشركات والمشركين فى الآية عبدة الأوثان .
وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة
الوثنية ، واليهودية ، والنصرانية .
وقد ترتب على هذا الخلاف فى إطلاق كلمة «مشرك، أن أصحاب
الر أى الأول قالوا: إن النهى فى الآية إنما هو عن زواج المشركات اللاتى يعدن
الأوثان ولا كتاب لهن، وأنه يجوز - مع الكراهة - أن يتزوج المسلم الكتابية،
لأن القرآن يقول: ((اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب
حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من
"الذين أوتوا الكتاب من قبلكم .. الآية، (١). ولأنه قد جاءت الروايات
بأن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات. فعثمان بن عفان تزوج نصرانية
ثم أسلمت ، وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهودبتين.
أما من قال بالرأى الثانى فيرى حرمة الزواج بالوثنية واليهودية
والنصرانية لأن لفظ المشركات يعملهن جميعا. وأصحاب هذا الرأى - كما
يقول الألوسى - يجعلون آبة المائدة وهى قوله - تعالى - ,والمحصنات
من المؤمنات ... )، منسوخة بالآية التى معنا فسخ الخاص بالعام .. وإلى
هذا الرأى ذهب الإمامية وبعض الزيدية (٢).
(١) سورة المائدة الآية ..
(٢) تفسير الآلومى جـ ٢ ص ١١٨

٦٣٨
الجزء الثانى
وردى عن عمر وعبد الله ابنه - رضى الله عنهما - أنهما حرما ذلك
وفى رواية أنهما كرهاه. وهى الأصح .
قال القرطبى: وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة
ابن المان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب . فقال:
لو جاز طلافكما لجاز فكاحكما ولكن أفرق بينكما صغرة قماة. قال ابن عطيه
وهذا لا يستندجيداً، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له.
حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم.
أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن .
ثم قال القرطبى: وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية.
أو اليهودية . قال حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك
أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله. قال النحاس: وهذاقول
خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح.
نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس ..
ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد ... وفقهاء
الأمصار عليه، وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة.
الآية التى فى سورة المائدة، لأن البقرة من أول مانزل بالمدينة والمائدة من آخر
ما نزل، وإنما الآخر بنخ الأول - أو يخصصه -، وأما قول ابن عمر فلا
حجة فيه، لأن ابن عمر - رضى الله عنه - كان متوقفا، فلما سمع الآيتين
فى واحدة التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ
عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل، (١).
والذى نراه أن زواج المسلم بالكتابية جائز لأن القرآن صريح فى ذلك، ولأن
عمر - رضى الله عنه - أفر بأنه ليس بحرام، فتكون آية المائدة مخصصة لآية
البقرة على فرض عمومها ، ومبينةحكم جد بدخاص بالکتابیات، وهو الجواز.
ولكن هذا الجواز لا يمنع كراهته، لأن الزواج بالكتابية كثيراً مايؤثر فى.
(١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٦٨ بتصرف وتلخيص.

٦٣٩
سورة البقرة
إضعاف العاطفة الدينية عند المسلم ، وعند الأطفال الذين يكونون ثمرة،
لهذا الزواح ، لأنهم يخرجون إلى الحياة وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم ،
ولأن المرأة الكتابية التى تقبل الزواج بالمسلم كثيراً ما تكون منحرفة فى سلوكها.
وأن الدافع لها إلى هذا الزواج إنما هو المال أو الجمال أو الجاه وليس الدين
أو الخلق، لأنه لو كان الدافع ذلك ارضيت بالإسلام دنيا، وبآدابه خلقا
لها، وما أحكم قول عمد لحذيفة: «لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن
تعاطوا المومسات منين)) .
هذه خلاصة لآراء العلماء فى هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى
أفوالهم فى مظانها (١) .
والمعنى: أنها كم أيها المؤمنون أن تتزوجوا بالنساء المشركات حتى.
يؤمن بالله - تعالى - ، ويذعن لتعاليم الإسلام وآدابه.
وقوله « ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، تعليل للنهى ،
وبيان لفضل المؤمنات على المشركات ، ولفضل طهارة النفس على جمال ..
الجسم، والمراد بالأمة هنا الأنثى المملوكة من الرقيق، وبالمشركة الحرة.
الجميلة بقريته المقابلة .
أى: ولأنثى رقيقة مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير
فى التزوج بها من امرأة حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير
ذلك من منافع دينوية ، لأن ما يتعلق بالمنافع الدينية يجب أن يقدم على.
المنافع الدنيوية، ولأن الزواج إرتباط روحى بين قلبين، ومن العسير أن
يتم هذا الترابط بين قلب يخلص لله فى عبادته ، وقلب لا يدين بذلك .
وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم فى إفادة التأكيد
مبالغة فى الحمل على الانزجار، وقد أمر النبى (صلى الله عليه وسلم) أنباعه.
أن يجعلوا الدبن أساس رغبتهم فى الزواح ، فقد أخرج الشيخان عن أبى.
(١) راجع - على سبيل المثال - تفسير الفحر الرازى ج ٦ ص ٥٧ ه.
وتفسير القرطبى ج ٣ ص ٦٦
--

٦٤٠
الجزء الثانى
بحريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تنكح المرأة لأربع:
- لمالها ولحمبها وبجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)).
وعن عبد الله بن عمرو - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: لا تتزوجو! النساء لحسنهن فعسى حسنون أن يرديهن،
ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالمن أن قطغيهن ، ولكن تزوجوهن
على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل ».
والأحاديث النبوية فى هذا المعنى كثيرة .
ثم قال - تعالى -,ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، أى: لاتزوجوا
:أيها المؤمنون النساء المؤمنات الرجال المشركين حتى يتركوا ماهم عليه من
شرك ويدخلوا فى دين الإسلام، فإذا فعلوا ذلك حل لكم أن تزوجوهم
النساء المسلمات، لأنهم بدخولهم فى الإسلام قد أصبحوا إخوانا لكم.
والنهى هنا يتناول المشرك الذى يعبد الأوثان ويتناول غيره ممن لا يدين
بالإسلام كأهل الكتاب، لأن القرآن قد جعل الإيمان غاية النهى، فإذا
لم يكن هناك إيمان من الرجل لم يكن له أن يتزوج من المرأة المؤمنة، ولأن
الله - تعالى - يقول فى آية أخرى: يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المومنات
- مها جرات فاءتحذو هن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتمو هن مؤمنات فلا ترجعوهن
إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحملون لهن، وأقوهم ما أنفقوا، ولا
جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آ فيتموهن أجورهن ولا تمسكوا يعصم
الكوافر ».
فهذه الآية صريحة فى أن زواج المسلمة بالكافر لا يجوز، وكلمة كافر
تشمل أهل الكتاب بدليل قوله - تعالى - لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على
لسان داود وعيسى ابن مريم .. ، وقوله تعالى: «ما يود الذين كفروا من
أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم .....
قال الفخر الرازى : لا خلاف ماهنا فى أن المراد به-أى بلفظ المشركين.
(الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع