النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ سورة البقرة المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم قبع لهم، (١). وقوله (من بعد ما جاءتهم البينات)) متعلق باختلف، وفيه زيادة تشنع .. عليهم لأنهم قد اختلفوا فيه بعد أن قامت أمامهم الحجج الناصعة الدالة على الحق . وقوله («بغيا، مفعول لأجله لاختلفوا، وبينهم) متعلق بمحذوف صفة لقوله , بغيا)) . أى أن داعى الاختلاف هو البغى والحسد الذى. وقع بينهم ، فجعل كل فريق منهم بخطىء الآخر ، ويجرح رأيه . وفى هذا التعبير إلى إشارة البغى قد باض وفرخ عندهم، فهو يحوم عليهم ، ويدور بينهم ، ولا طمع له فى غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، لأنهم أربابه الذين تمكنوا منه، وتمكن منهم بقوة ورسوخ . وبعضهم جعل الضمير فى قوله «فيه، يعود إلى الحق، والضمير فى قوله. ((أوقوه يعود إلى الكتاب. أى: وما اختلف فى الحق إلا الذين أوتوا الكتاب ويرى بعض العلماء أن عودة الضمير فى كليهما إلى الحق أو إلى الكتاب جائز، وأن المعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له، فإذا اختلف فى الكتاب اختلف فى الحق الذى فيه وبالعكس. على طريقة قياس المساراة فى المنطق والجملة الكريمة تحذير شديد من الوقوع فيما وقع فيه غيرهم من اختلاف يؤدى إلى البغى والتنازع والإعراض عن الحق ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين بعد بيانه لحال الغاوين فقال .. - تعالى ((فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. أى: فهدى اله الذين آمنوا وصدقوا رسله إلى الحق الذى اختلف فيه. أهل الضلالة ، وذلك الهدى بفضل توفيقه لهم وتيسيره لأمرهم. والفاء فى قوله ((فهدى)، فصيحة لأنها أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوق . والتقدير : إذا كان هذا شأن الضالين المختلفين فى الحق ، فقد هدى. (١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ١٠٢ -٦٠٢ اجزء الثانى الله بفضله الذين آمنوا إلى الصواب. وبين - سبحانه - أن الذين رزقهم الهداية هم الذين آمنوا، للإشعار بأن سبب هدايتهم الحق هو إيمانهم وتقوام ، واستجابتهم للداعى الذى دعاهم إلى الطريق المستقيم. وأسند الهداية إليه - سبحانه - لأنه هو خالقها، ولأن قلوب العباد بيديه فهو يقبلها كيف يشاء ، وهذا لاينا فى أن للعبد اختياراً وكسباً فهو إذا سار فى طريق الحق رزقه الله النور المشرق الذى يهديه ، وإن سار فى طريق الضلالة واستحب العمى على الهدى سلب اللّه عنه توفيقه بسبب إيثاره الضلالة على الهداية . وقوله - تعالى - فى ختام هذه الآية, والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، تذييل قصد به بيان كمال سلطانه ، وتمام قدرته . أى: والله وحده هو الهادى من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذى لا يضل سالكه ، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه ، ولو أراد أن يكون الناس جميعاً مهديين لكانوا، ولكن حكمته اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فيجازى كل فريق بما يستحقه . قال ابن كثير : وفى صحيح البخارى ومسلم عن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا قام من الليل يصلى يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وفى الدعاء المأثور : اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاوارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فضل واجعلناللمتقين إماما (١) وبذلك نرى أن الآيةقد بينت أن الناس لا يستغنون عن الدين الذي شرعه الله لهم على لسان رسله - عليهم الصلاة والسلام -، وأن الأشرار من الناس هم الذين (١) تفسير إن كثير جـ ١ ص ٢٥٠ ٦٠٣ سورة البقرة يحملهم البغى على الاختلاف فى الحق بعدظهوره لهم ، أما الأخيار منهم فهم الذين اهتدوا بتوفيق الله وتيسيره إلى طريق الخير والصواب ((والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم،، وبعد أن ذكر - سبحانه - حال الناس ، واختلاف سفهاتهم على أنبيائهم ، واهتداء عقلائهم إلى الحق ، عقب ذلك بدعوة المؤمن إلى الاقتداء بمن سبقهم فى الصبر والثبات . فقال - تعالى -: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْتَدْخُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوّاً مِن قَبْلِكُمْ مََّّهُمُ الْبَسَةُ وَالضَّرَّاءُ وَزِلُواْ خَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعُ مَتْ نَصْرُ اللهِ أَلَّإِنَّ نَصْرَ اللهِغَرِيبٌ ( ٢١٤ قال القرطى : قال قتادة والسدى وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية فى غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد، وكانوا كماقال - تعالى - «إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجل، وقيل نزلت فى حرب أحد، ونظيرها - فى آل عمران - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .. ، وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدى المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه، وأشرقوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله ذلك تطبيقا لقلوبهم)) (١). وماذكره المفسرون فى سبب نزول هذه الآبه الكريمة لا يمنع عمومها، وأنها تدعو المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى التفرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم من المتقين حتى يفوزوا برضوان الله - تعالى - ونصره (١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٣٤ ٦٠٤ الجزء الثانى و «أم، هنا يرى بعضهم أنها للاستفهام الإنكارى، ویری بعضآخر أنها أم المتصلة ، ويرى فريق ثالث أنها أم المنقطعة . قال الجمل : وحسب هنا من أخوات ظن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وأن وما بعدها سادة مد المفعولين عند سيبويه، ومسدالأول عند الأخفش والثانى محذوف ، ومضارعها فيه وجهان : الفتح وهو القياس. والكر (١). و ((لما، تدل على النفى مع توقع حصول المنفى بها، كمافى قول النابغة: أزف الترحل غير أن ركابنا لما نزل برحالكا وكان قد فتفى بدا ثم قال : وكان قد أى ، وكأنه قد زالت . و((البأساء)) ما يصيب الناس فى الأموال كالفقر. والضراء: ما يصيبهم. فى الأنفس كالمرض مشتقان من البؤس والضر. و ((زلزلوا، من الزلزلة وهى شدة التحريك وتكون فى الأشخاص وفى. الأحوال . فيقال: زلزلت الأرض، أى تحركت واضطربت، ومعنى . ج زلزلت الأرض، أى تحر كت واضطربت، ومعنى زلزلوا: خوفوا وأزعجوا واضطربوا. والمعنى على أن ((أم) للاستفهام الإنكارى: أظننتم أيها المؤمنون أنكم .. تدخلون الجنة بمجرد الإيمان دون أن يصيبكم ما أصاب الذين سبقوكم. من شدائد فى الأنفس والأموال ، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم حتى. بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولواوهم فى أقصى ما تحتمله النفوس البشرية من آلام: متى نصر اقه ؟ !! لا - أيها المؤمنون - إلى أنهاكم أن تظنوا هذا الظن، وآمركم أن تتيقنوا من أن الظفر بدخول الجنة يستلزم منكم التأسى بمن سبقكم من المتقين فى، الصبر والثبات. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٩. ٦٠٥ سورة البقرة والمعنى على أن ((أم) هنا هى المتصلة - أى المشعرة بمحذوف دل عليه "الكلام -: قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب واهتدوا إلى الحق فآذام الناس أذنى شديدا فصبروا على ذلك أقتصبرون مثلهم على المكاره وتثبتون ثباتهم على الشدائد؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون أن يصيبكم ما أصابهم .. ؟ والمعنى على أن «أم، هنا منقطعة - أى تدل على الإضراب والاستفهام معا -: لقد أوذيتم أيها المؤمنون فى سبيل دينكم أذى عظيماً، فعليكم أن قصبروا وأن تثبتوا كما فعل الذين من قبلكم، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة دون ابتلاء وصبر .. أى: بل احسبتم .. إن كان هذا هو حسبانكم فهو حسبان باطل لا ينبغى لكم . وقوله - تعالى - ((مستهم البأساء .. ، استثناف وقع جواباً عما ينساق إليه الذهن ، كأنه قيل: كيف مثل أولئك الذين خلوا ومضوا؟ فكان الجواب مستهم البأساء .. ألخ. ومستهم أى: حلت بهم. وعبر بمستهم للإشعار بأن تلك الشدائد قد أصابتهم بالآلام التى اتصلت بحواسهم وأجسادهم ولكنها لم تضعف إيمانهم إذ حقيقة الى اتصال الجسم بجسم آخر . قال صاحب الكشاف: وقوله ((وزلزلوا، أى: أزعجوا إزعاجاً شديداً شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والافزاع ((حتى يقول الرسول)، أى إلى الغاية التى قال الرسول ومن معه فيها ((متى نصر الله، أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشدة. وفى هذه الغاية دليل على تناهى الأمر فى الشدة وتماديه فى العظم؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية فى الشدة التى لا مطمع وراءها (١)». والمراد بالرسول - كما يقول الآلوسى - الجنس لا واحد بعينه. وقيل: (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٥٦. ٦٠٦ الجزء الثانى شعياء، وقيل: أشعياء، وقيل اليسع. وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوما بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل (١))). وقوله - تعالى - ((ألا إن نصر الله قريب، استئناف على تقدير القول. أى فقيل لهم حينها التمسوا من الله النصر بعد تلك الشدائد والأهوال التي نزلت بهم: ألا إن نصر الله قريب. تطبيبا لأنفسهم، وبعثا للآمال فى قلوبهم. وفى هذه الجملة الكريمة ألوان من المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب، ويشهد لذلك التعبير بالجملة الاسمية بدل الفعلية فلم يقل - مثلا - ستنصرون والتعبير بالجملة الاسمية يدل على التوكيد. ويشهد اذلك أيضا تصدير الجملة بأداة الاستفتاح الداله على تحقيق مضمونها وتقريره، ووقوع إن المؤكدة بعد أداة الاستفتاح، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شىء والذى وعـ عباده المؤمنين بالنصر فقال، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة. الدنيا ويوم يقوم الأشهاد » : هذا، والمنأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت للمؤمنين أن طريق الجنة. محفوف بالمكارة، وصدق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) فى قوله : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات .. وأنهم لكى يصلوا إلى الجنة عليهم أن يتأسوا بالسابقين فى جهادهم وصبرهم على الأذى ،فقد أفتضت. سنة الله أن يجعل هذه الحياة فزالا موصولا بين الأخيار والأشرار ،ونزاعا مستمرا بين الأطهار والفجار ، وكثيرا ما يضيق البغاة على المؤمنين، وينزلون بهم ما ينزلون من صفوف الاضطهاد إلا أن الله - تعالى - قدتكفل بأن يجعل العاقبة للمتقين . وقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماء فى سبيل إعلاء كلمة الله . . روى البخارى عن خباب بن الأرت - رضى الله عنه - قال: شكونا، (١) تغير الألوسى = ٢ صفحة ١٠٤. ٦٠٧ سورة البقرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له فى ظل الكعبة. فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك .. عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)، (١). وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله - تعالى -, ومن الناس من. يعجبك. قوله فى الحياة الدنيا ... إلى هنا، قد بينت لنا أقسام الناس فى هذه الحياة ، ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإسلام، وأن يزهدوا فى زينة الحياة التى شغلت المشركين عن كل شىء سواها، وأن يشكروا الله على هدايته إياهم إلى الحق الذى أختلف غيرهم فيه، وأن بوطنوا أنفسهم على تحمل الآلام لكى يحقق الله لهم الآمال. ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين بعد ذلك إلى أن ما يعينهم على دفع. الأذى وعلى دحر أعداتهم أن يبذلوا أموالهم فى طاعة الله، وأن يعدوا. أنفسهم للقتال فى سبيله فقال - تعالى - : (١) صحيح البخارى كتاب الإكراه. باب من اختار الضرب والقتل .. والهوان على الكفر جـ - ٩ صفحة ٢٦. ٦٠٨ الجزء الثانى يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَ أَنْفَقْتُ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَ وَالْبَىِ وَالْمَسَلَكِنِ وَأَبْنِ السَّبِيِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّاللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ (٥) كُتِبَ عَلَيْكُ الْفِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمَّ وَعَسَِ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئً وَهُوَ خَبُ أَكُمْ وَعَسَ أَنْ تُواْ شَيْئًا وَهُوَشَرٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْلَعْلُونَ(9ّ يَسْعَلُونَكَ عَنِ الَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِهِ قُلْ فِتَالُ فِهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِوَكُفْرُِّهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ آلَّ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُّ وَلَيَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ خَّى يَدُّوكُمْ عَنْ دِيِكُمْ إِنٍ أَسْتَطَلُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِهِ» فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَوْلَكَ أَعْبُ النَّارِ هُمْ فِهَا تَدِدُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ ءَامُواْ وَالَّذِينَ هَاجُواْ وَجَدُ واْ فِى سَبِيلِ اللهِأَوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمْتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢١٨ قال الألوسى: عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله - ◌َ؟- (١) تفسير الآلوسى = ٢ صفحة ٠١٠٥ ٦٠٩ سورة البقرة أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله «يسألونك ماذا متفقون .. الآية. وعن ابن عباس قال: كان عمرو بن الجموح شيخاً كبيراً وعنده مال كثير فقال يارسول الله: بماذا نتصدق، وعلى من تنفق؟ فنزلت الآية. والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد أى شىء ينفقونه من أصناف الأموال؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء حق تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما، والأفر بين وفاء لحق القرابة والرحم -بوليتامى لأنهم فقدوا الأب الحانى الذى يسد عوزهم، والمساكين لفقرهم واحتياجهم، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده. قال الإمام الرازى: فإذا هو الغقيب الصحيح الذى رتبه الله - تعالى. فى كيفية الإنفاق. ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال: ((وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم، أى: وكل ما فعلتوه من خبر إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة له وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم فيجازيكم أحسن الجزاء عليه . .)) (١). وظاهر الآية - كما يقول الآلومى - أن السؤال من المنفق فأجاب بيان ،العرف مر بحا، لأنه أهم فإن اعتداد النفقة باعتباره. وأشار - سبحانه- إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله ((من خير)، يتضمن كونه حلالا اذ لا يسمى .ما عداه خيرا، وإنما تعرض لذلك - أى لبيان المنفق عليه - وليس فى السؤال ما يقتضيه، لأن السؤال للتعلم لا للجدل، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه. ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين، (وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيبا، فى أكل العمل فقال له: كله مع الخل). فالكلام إذاً من أسلوب الحكيم . ويحتمل أن يكون فى الكلام - أى فى كلام السائلين - (١) تفسير الفخر الرازى = ٦ صفحة ٠٢٦ (م - ٣٩ البقرة) ٦١٠ الجزء الثانى ذكر المصرف - أيضاً - كما فى سؤال عمرو بن الجموح إلا أنه لم يذكره فى الآية للإيجاز فى النظم تعويلا على الجواب، فتكون الآبه جوابا لأمرين ... مسئول عنهما. والاقتصار فى بيان المتفق على الإجمال من غير تعرض للتفصيل. كما فى بيان المصرف الإشارة إلى كون الثانى أهم. وهل تخرج الآية بذلك. عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟ قولان أشهرهما الثانى، (١). ولم يتعرض - سبحانه - «ما لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين. إما اكتفاء بذكرهم فى مواضع أخرى ، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله - تعالى - فى آخر الآية ((وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم («فإنه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان . قال الجمل و((ذا)) اسم موصول بمعنى الذى والعائد محذوف، و((ما)). على أصلها من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها - أى مفردة - يسألونك، وهى .. مبتدأ وذا خبره ، والجملة محلها القصب بيسألون. والمعنى يسألونك أى الشىء الذى ينفقونه)، (٢) .. وقوله (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم، تذييل قصد به الحضر على .. فعل الخير ، لأن المؤمن عندما يشعر بأن الله يرى عمله ويجازيه عليه. بما يستحقه، يشجعه ذلك على الاستمرار فى عمل الخير. وإذا كان بعضها يكثر من عمل الخير عندما يعلم أن شخصا ذاجاه يسره هذا العمل ، فكيف يكون الحال عندما يعلم المؤمن للتقى أن الذى يرى عمله ويكافئه عليه هو الله الذى ... لا تخفى عليه خافية ، والذى يعطى من يشاء بغير حساب. قال بعض العلماء: وقد اختلف فى هذه الآية. فقيل إنها منسوخة بآية. الزكاة وهى قوله - تعالى - ((إنما الصدقات للفقراء .... وفيل - وهو الأولى - إنها غير منسوخة، وهى لبيان صدقة التطوع فإنه متى أمكن الجمع (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ٠١٠٥ (٢) حاشية الجمل جـ ١ صفحة ١٧٠. ٦١١ سورة البقرة فلا نسخ »(١). وقوله (، كتب عليكم القتال وهو كره لكم)) حض لهم على بذل النفس. فى سبيل إعلاء كلمة الله، بعد أن حضهم فى الآية السابقة على بذل المال. والكره - بضم الكاف - بمعنى الكرامية بدليل قوله - تعالى - «وعى أن تكرهوا شيئا ...... أى أن القتال لشدة ويلاته، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة وقرىء وهو كره لكم - بفتح الكاف - فيكون فيه معنى الإكراه، لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه . وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية. ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما كان مكروها للنفوس لما فيه من التعرض للجاج وقطع الأطراف، وإزهاق الأرواح والإنسان ميال بطبعه إلى الحياة، وأيضاً لما فيه من إخراج المال ومفارقه الوطن والأهل، والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته وقومه وطعامه ، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد، ومشفات تتلوها مشقات، ولكن كون القتال مكروها النفوس لا ينافى الإيمان ولا يعنى أن المسلين كرهوا فرضيته، لأن امتثال الأمر قد يتضمن مشقة، ولكن إذا عرف الثواب هان فى جنبه اقتحام المشقات. ولا شك أن القتال فى سبيل الله - مع ما فيه من صعاب وشدائد - ستكون عاقبته العزة فى الدنيا، والسعادة فى الأخرى ، ويرى بعضهم أن كره المسلمين للقتال ليس سببه ما فيه من شدائد ومخاطر وتضحيات بدليل أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته، وإنما السبب فى كراهيتهم له هو أن الإسلام قد غرس فى نفوسهم رة، ورحمة وسلاماوحبا، وهذه المعانى جعلتهم يحبون مصابرة المشركين ويكرهون فقالهم أملا فى هدايتهم، ورجاء فى إيمانهم، ولكن الله - تعالى - كتب على المسلين قتال أعدائهم لأنه يعلم أن المصلحة فى ذلك ، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم. (١) تفسير آيات الأحكام جـ ١ صفحة ١١٤ لفضيلة الأستاذ محمد على السايس ٦١٢ الجزء الثانى ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ظاهر الآية ، لأن القتال فريضة شاقة على النفس البشرية، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشيتها، ولا أن يهون من أمرها، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطرى بكراهيتها، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر، بأن بقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن وراءه حكمة تهون مشتقته، وتسهل صعوبته، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنسانى القصير. وقد بين القرآن هذه الحكمة فى قوله «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم » . أى: وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال فى سبيل الله - تعالى - وهو خير لكم إذ فيه إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة - فى الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى وإما الشهادة والجنة ، وعسى أن تحبوا شيئا كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم فى الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم تحت طائلة الأعداء. قال الفخر الرازى: معنى الآية أنه ربما كان الشىء شاقا عليكم فى الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة فى المستقبل، ولأجله حمن شرب الدواء المرفى الحال لتوقع حصول الصحة فى المستقبل، وترك الجهاد، وإن كان يفيد - أى بحسب ظنكم - فى الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإتفاق ولكن فيه أنواع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلاد كم وحاول قتلكم .... والحاصل أن القتال فى سبيل الله سبب لحصول الأمن من الأعداء فى الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد فى الآخرة .. )، (١). وقال القرطى: والمعنى: عسى أن تكرهوا ما فى الجهاد من المشقة وهو خير لكم فى أنكم تغلبون وتظفرون وتقدمون وتؤجرون ومن مات منكم مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة ورك القتال وهو شر لكم فى أنكم تغلبون ويذهب أمركم . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ١٩ ٦١٣ سورة البقرة وهذا صحيح لاغبار عليه ، كما اتفق فى بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأى بلاد؟ !! وأسر وقتل وسى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! !ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته 11وقال الحسن فى معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة؛ فلرب أمر تكرهه فيه نجانك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير : جر أمراً ترتضيه رب أمـر قيه وبدا المكروه فيه (١) خ فى المحبوب منه وهذا الكلام الذى كتبه الإمام القرطبى من مئات السنين يثير فى النفس شجوناً وآلاماً، فإن المسلمين ماهانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد فى سبيل الله، وتثافلوا إلى الأرض ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وآثروا منع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة. وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره الآية: هذا إيجاب من الله - تعالى - للجهادعلى المسلمين وأن يكفواشر الأعداء من حوزة الإسلام . قال الزهرى: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد. فالقاعد عليه إذا استعير به أزيعين ، وإذا استغيث به أن يغيث، وإذا استقر أن ينفر، ولهذا ثبت فى الصحيح من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزمات ميتة جاهلية، وقال : - عليه الصلاة والسلام - يوم الفتح ، لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وفية وإذا استنفرتم فانفروا، (٢) . وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسلمين ، كل على حسب قدرته . وقد ختم - سبحانه- هذه الآية الكريمة قوله: ((والله يعلم وأنتم لا تعلمون)» أى: والله يعلم ماهو خير لكم وما هو شر لكم فى الواقع وأنتم لا تعلمون (١) تفسير القرطبى = ٣ ص ٣٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٢ ٦١٤ الجزء الثانى ذلك ، فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم، واتهوا عمانهاكم عنه لأنه لاينها كم إلا عما هو شرلكم ، ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل عليها ما قبلهما. أى: يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما . والمقصود من هذه الجملة الكريمة الترغيب فى الجهاد ، والامتثال لما شرعه الله - تعالى - سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف، لأن العلم بالحكم والمصالح هو اللّه رب العالمين. وبذلك نرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم الطبيعية، وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال، ولكنه يربى نفوسهم على الاستجابة لأوامرالله العليم بالغايات المطلع على العواقب، الخبير بمافيه خيرهم ومصلحتهم، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم فى سبيل رضا خالقهم عن طواعية واختيار ، لا عن قمر وإجبار . وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله عقب ذلك ببيان حكم القتال فى الأشهر الحرم فقال - تعالى - : ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير ... الخ)). وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير فى سبب نزول هذه الآية قصة ملخصها: أن النبى (صلى الله عليه وسلم) بعث عبد الله بن جحش ومعه إثنا عشر رجلا كلهم من المهاجرين، وأعطاه كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحداً من أصحابه. فسار عبدالله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه ((إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل بنخلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها عيراً لقريش وتعلم لنا من أخبارهم ». فقال عبد الله: سمعا وطاعة !! وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهضا فنهضوا جميعاً، فلما كانوا فى أثناء الطريق أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يعتقبانه. فتخلفا فى طلبه ، ومضى عبدالله ببقية أصحابه حتى وصلوا ٦١٥ سورة البقرة نخلة فرت بهم عير لقريش فى طريقها لمكة وكانت فى حراسة عمرو بن الحضرمى وعثمان بن المغيرة، وأخويه نوفل والحكم به كيمان. فتشاور المسلمون وقالوا: نحن فى آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخان فى الحرم فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلتهم فى الشهر الحرام !! .. فترددوا وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، فرمى ((وأقد بن عبد الله، عمرو بن الحضرمى جسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم. وقيل كان ذلك فى أول ليلة من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادى ، فإقدامهم على ما أقدموا علية كان على سبيل الخطأ. ثم أقبل عبد الله ومن معه بالغير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما فعلوه وقال لهم: (ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام)) . وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام، واشتد ذلك على المسلمين، حتى أنزل الله تعالى قوله «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير .. )) (١). والمعنى: يسألونك با م. عن حكم القتال فى الشهر الحرام، قل لهم. القتال فيه أمر كبير مستنكر، وذنب عظيم مستقبح، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس، وانتها كالمحارم الله - تعالى -. والسائلون قيل هم المؤمنون ؛ وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل : التعليم والتماس المخرج لما حصل منهم. وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعبير النبى ( صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه على القتال فيه، فرد الله عليهم بأن الفقال فيه كبير . ولكن مافعله هؤلاء المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به ... الخ . (١) تفسير بن كثير - بتصرف وتلخيص - ج١ ص ٢٥٤، وسيرة ، ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٠ ٦١٦ الجزء الثانى أكبر من ذلك بكثير . فالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين . وتبكيت وتوبيخ إن ... كان من المشركين، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروات الشبهات حول الإسلام والمسلمين، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من جرائم فى حق المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجراً. والمراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم جميعها وهى ذو القعدة وذو الحجة. والمجرم ورجب. وسميت بذلك لحرمة الفقال فيها، فأل فى الشهر الجفس .. وقيل للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذى حدثت فيه قصة عبدالله .. ابن جحش وأصحابه. وقوله («قتال فيه ، بدل اشتمال من الشهر الحرام، و((قتال، مبتدأ و(( كبير)، خبر و(فيه)، ظرف صفة لقتال مخصصة له. قال الإمام الرازى: فإن قيل: لم ذكر القتال فى قوله - تعالى - مقتال فیه ، ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجىء باللام حتى يكون المذكور. الثانى هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثانى غير الأول .. كما فى قوله - تعالى -،إن مع العسر يسرا»؟ قلنا: نعم ماذكرتم من أن اللفظ إذا تكور وكانا فكرتين كان المراد. بالثانى إذن غير الأول . والقوم أرادوا بقولهم، يسألونك عن الشهر الحرام. قتال فيه، ذلك القتال المعين الذى أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال - تعالى -. ((قل قتال فيه كبير،. وفيه تنبيه على أن القتال الذى يكون كبير آليس هو الفقال الذى سألتم عنه؛ بل هو قتال آخر؛ لأنهذا القتال كان الغرض به. نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟ إنما القتال الكبير هو الذى يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر؛ فكان إختيار التفكير فى الفظين لأجل هذه الدقيقة .. ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما يلفظ هذا التعريف ليطلب هذه الفائدة . فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه -- ٦١٧ سورة البقرة سر لطيف لا يهتدى إليه إلا أولو الألباب، (١) . ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التى كل جريمة منها أكبر من القتال فى الشهر الحرام الذى فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم. أو لجهلهم بالميقات فقال - تعالى - : (( وصد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه. أكبر عند الله)). أى: قل يا محمد هؤلاء المشركين نحن أوافقكم على أن القتال فى الشهر الحرام كبير، ثم قل لهم أيضاً على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه، ومن شرككم بالله فى بيته، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال فى الشهر الحرام . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين. بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه ، وتبكيت المشركين على جرانهم التى أولها يتمثل فى قوله - تعالى -: ((وصد عن سبيل الله، أى: منع من يريد الإسلام من دخوله ، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم بعاندون الحق فى ذاته . وثانيها قوله ((وكفر به، أى: كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على .. ما قبله ، وثالثها قوله ((والمسجد الحرام)) وهو معطوف على سبيل الله أى: وعد .. عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار. ورابعها قوله ((وإخراج أهله منه، أى: وإخراج النبى - حَطل - وأصحابه من مستقرثم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه، كل. ذلك (( أكبر)) جرما، وأعظم إنماء عند الله، من القتال فى الشهر الحرام . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ صفحة ٣٢. ٦١٨ الجزء الثانى قال الجمل: فقوله (( أكبر) خبر عن الثلاثة أعنى: صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان: أحدهما أن يكون خبراً عن المجموع. وثانيهما أن يكون خبرا عنها باعتبار كل واحد كما تقول: زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أى : كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذا هو الظاهر. والمفضل عليه محذوف أى: أكبر ما فعلته السرية)، (١). ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال: ((والفتنة أكبر من القتل). أى: ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين قارة بإلقاء الشبهات وقارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إنما من القتل فى الشهر الحرام، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير فى الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم فى الآخرة. وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر. أى: كفر كم بالله أكبر من القتل فى الشهر الحرام . وأصل الفئنة : عرض الذهب على النار ، لاستخلاصه من الغش، ثم استعملت فى الشرك وفى الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد . ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عندما قالوا: استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام. وأعظم منه لويرى الرشد راشد تعدون قتلا في الحرام عظيمة وكفر به ، والله راء وشاهد صدودكم عما يقول محمد لثلا يرى الله فى البيت ساجد وإخراجكم من مسجد الله أهله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد فإنا وإن عير تمونا بقت له بنخلة لما أوقد الحرب واقد سقينا من ابن الحضر مى رما حنا ينازعه غل من القد عاند دماً ، وابن عبدالله عثمان بيننا وقوله - تعالى - ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى بردو كم عن دينكم إن (١) تفسير الجمل جـ ١ صفحة ١٧٣. ٦١٩ سورة البقرة استطاعوا، بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها. أى: ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكى يرجعوكم عن دين الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه . والتعبير بقوله ((ولا يزالون)) المفيد للدوام والاستمرار للإشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع، وأنهم لن يكفوا عن الإعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم . و((حتى)) التعليل أى: لا يزالون يقاتلونكم لكى يردوكم عن دينكم)، أو بمعنى إلى، أى: إلى أن يردو كم عن دينكم. والرد: الصرف عن الشىء والإرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك: فغاية المشر كين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين. ٠ وقوله « إن استطاعواً، يدل - كما يقول الزمخشرى - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بى فلا تبق على . وهو واثق من أنه أن يظفر به. ويشهد لذلك التعبير بأن :المفيدة للشك . وفائدة التقييد بالشرط ((إن)) التنبيه على سخافة عقول المشركين، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين أن تؤدى إلى النتيجة التى يتمنونها وهى رد المسلمين عن دينهم ، لأن لهذا الدين ربا يحميه ، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإسلام فقال: «ومن برقدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)). ويرقدد ، يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر . و ((حبطت أعمالهم، أى: بطلت وفسدت وأصله من الحبط، بفتح ٦٢٠ الجزء الثانى الباء - وهو أن تأكل الدابة أ كلا كثيراً تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع مما أكات ويفسد حالها وربما تموت من ذلك. شبه - سبحانه - حال. من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بإرتداده فتكون وبالا عليه، بحال. الدابة التى أكات حتى أصابها الحيط ففسد حالها. والمعنى: ومن ير تدد منكم عن دين الإسلام، فيمت وهو كافر دون. أن يعود إلى الإيمان ، فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلت جميع أعمالهم الصالحة، وصارت غير نافعة لهم لا فى الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة المسلمين ، ولا فى الآخرة بسيب ردتهم وموتهم على الكفر ، وأولئك. الذين هذا شأ هم أصحاب النار هم فيها خالدون خلوداً أبدياً كسائر الكفرة، ولا يغنى عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً . وجىء بصفة الافتعال من الردة وهى مؤذنة بالتكلف، للإشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشة قلبه كان من المستعبد عليه أن يرجع عنه، فهذا المرقد لم يكن مستقراً على هذا الدين الحق وإنما كان قلفاً مضطرباً غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول. فى الدين الحق دون الثبات عليه . وفى قوله ((منكم، إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهى. أن يردوا المسلمين جميعاً عن دينهم . بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا: ضعيف الإيمان فیردہ إلی دینهم ، فیکون الله - تعالى - قد نفی خبثه عن هذا الدين، إذ لا خير فى هؤلاء المشركين ولافيمن عاد إليهم بعد إيمانه، والكل مأواهم النار وبئس القرار . قال الجمل : ومن شرطية فى محل رفع بالابتداء، يرتد فعل الشرط ، ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن فى يرتدد ؛ ومن التبعيض، والتقدير: ومن يرتدد فى حال كونه كائناً منكم أى بعضكم وعن. دينه متعلق بير تدد ، وقوله فيمت وهوكافر عطف على الشرط والفاءمؤ ذنة.