النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ سورة البقرة (يشرى نفسه، أى: يبيعها ببذلها فى طاعة الله وإعلاء كلمته ، وتحقيقه أن المكلف قد بذل نفسه بمعنى أنه أطاع الله - تعالى - وحافظ على فرائضه، وجاهد فى سبيله، من أجل أن ينال ثواب الله ومرضاته، فكان ما بذله من طاعات بمثابة السلعة، وكان هو بمنزلة البائع، وكان قبول الله - تعالى - منه ذلك وإثابتة عليه فى معنى الشراء. وقوله (( ابتغاء مرضاة الله، الابتغاء الطلب الشديد للشىء، هوالرغبة القوية فى الحصول عليه. وهو فى الآية مفعول لأجله . أى : ومن الناس نوع آخر قد باع نفسه وبذلها فى طاعة الله طلباً لرضوانه، وأملا فى مثوبته وغفرانه . فهذا النوع التقى المخلص من الناس ، يقابل النوع المنافق المفسد الذى سبق الحديث عنه . قال بعضهم : وكان مقتضى هذه المقابلة أن يوصف هذا الفريق الثانى بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتبجح بالقول ، أو مع مطابقة قوله لعمله وموافقة لسانه لما فى قلبه. والآية قد تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به، فإن من يبيع نفسه لله لا يبغى ثمناً لها سوى مرضاته ولا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق مع الإخلاص فى القلب فلا يتكلم بلسانين ولا يقابل الناس بوجهين. ويكون هو المؤمن الحق الذى يعتد القرآن بإيمانه)، (١) وقال أحد العلماء : ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا. ولا شك أن التعبير بالمصدر الميمى دون المصدر الأصلى له معنى يدركه السامع بذوقه، ولم تجد النحو بين ولا البلاغيين تعرضوا لبيان التفرقة بين المصدر الميمى وغيره والذى يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما، أن المصدر الميمى يصور المعنى المصدرى واقعاً قائماً متحققاً فى الوجود، أما المصدر غير الميمى فيصور المعنى مجرداً. فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجرداً (١) تفسير المنار ج ٢ ص ٢٥٢ ٥٨٢ الجزء الثانى من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أولا . أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق، أو فى صورة الموجود المتحقق، وعلى ذلك معنى (( ابتغاء مرضاةالله)) أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلباً موثقاً رضا الله - سبحانه - حقيقة واقعة مؤكدة، ويتصورون رضاه - سبحانه - حقيقة قائمة قد حلت بهم، فيشتد طلبهم وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم،(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله - والقهر . وفى بالعباد، أى، رفيق رحيم بهم، ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم بما هو فوق طاقتهم، وإنما كلفهم بما قطيقه نفوسهم ، وأنه أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة فى الدنيا مع تقصيرهم فيما أمرم به أو نهاهم عنه، وأنه كافأهم بالنعيم المقيم على العمل القليل، وأنه جعل العاقبة للمتقين لا المفسدين، إلى غير ذلك من مظاهر رأفته التى لا تحصى . هذا، وقد أورد المفسرون روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية منها أنها زلت فى صهيب بن سنان الرومى، وذلك أنه لما أسلم مكة وأراد الهجرة منعه المشركون أن يها جر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويها جر أذنواله، فتخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية . فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له : ربح البيع يا صهيب ، فقال لهم وأنتم فلا أخسر اله تجارتكم وما ذاك ؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له عندما رآه «ربح البيع،. ربح البيع مرتين)) (٢). وهناك روايات أنها نزلت فيه وفى عمار بن ياسر وفى خباب بن الأرت وفى غيرهم من المؤمنين المجاهدين . : (١) تفسير الآية الكريمة لفضلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة - بمجلة لواء الإسلام. السنة الخامسة - العدد الخامس، (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٧. ٥٨٣ سورة البقرة والذى نراه - كما سبق أن بينا - أن الآية الكريمة تتناول كل من أطاع الله - تعالى - وبذل نفسه فى سبيل إعلاء كلمته، ويدخل فى ذلك دخولا أولياً -من نزلت فيهم الآية، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بينت لنا فوعين من الناس، أحدهما خاسر، والآخر رابح، لكى نقبع طريق الرابحين، ونهجر طريق الخاسرين (( ومن تزكى فإنما يتز كى لنفسه وإلى الله المصير)). وبعد أن عرض القرآن هذين النوعين الذين نجدهما فى كل زمان ومكان، وجه نداء إلى المؤمنين دعاهم فيه إلى الاستجابة التامة خالقهم ، فقال - تعالى - : ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامُواْ أَدْخُلُواْ فِىِ السّلْ كَافَةً وَلَا نَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِّ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (﴾ فَإِنِ زَلَكْتُم مِنْ بَعْدِمَا ◌َ تَّكُمُ الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَنِ بُّحَكِيمٌ ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتَِّهُمُ اللهُ فِ ظُكَلٍ مِنَ الْغَمَاِ وَالْمَلَتِكُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى الَه ◌ُرْجَعُ الْأُمُورُ ( سَلْ بَنِيّ إِسْرَءِ يَلَ كَرْءَاتَدُهُمْ مِنْ ◌َِّ بَيِنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِمَةَ الهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَتُهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ اَلِْقَّابِ ﴿ زُيِنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْخَةُ الدُّنْيَا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَالَّذِينَ آَتَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَدَةِ وَاللهُ يُرْزُقُ مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرٍ حِسَابٍ ﴿) ٥٨٤ الجزء الثانى ((السلم) - بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام - بمعنى واحد، ويطلقان. على الإسلام وعلى المسالمة . وبعضهم فرق بين اللفظين بجعل ((السلم، بكسر السين - الإسلام، و((السلم، - بفتحها - المسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة . قال الفخر الرازى: وأصل هذه الكلمة من الانقياد. قال - تعالى - ((إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)). والإسلام إنما سمى إسلام لهذا المعنى . وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب. وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى؛ لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه)» (١). و ((كافة، أى جميعاً. وهى فى الأصل صفة من كف بمعنى منع، واستعملت. بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهى حال من قوله (( السلم)) .. أى : يأيها المؤمنون ادخلوا فى الإسلام والتزموا بكل تعاليمه، ونفذواجميع أحكامه وآدابه ، واعملوا بكل أوامره ونواهيه، ولا تكونوا من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود التزام جميع شرائع الإسلام وأحكامه وآدابه . وبعضهم يرى أن قوله (( كافة، حال مز فاعل ادخلوا وهو ضمير الجماعة. والمعنى عليه : أدخلوا فى الإسلام جميعاً، وانقادوا لأحكامه مجتمعین غير متفرقين ، لأنه الدين الذى ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وسواء أ كان لفظ ((كافه، حالا من ((السلم، أو من فاعل ((أدخلوا)). فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع شعب الإسلام وشرائعه .. مع التزامهم برباط الإخاء الذى ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا. الدين الحنيف . وإذا كان المراد بكلمة «السلم، المسالمة والمصالحة كان المعنى: يأيها= الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير (١) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٦٢٦. ٥٨٠ سورة البقرة متعادين ، متحابين غير متباغضين، متجمعين غير متفرقين ، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم، وأن تحاربوه متى اعتدى عليكم ، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام. وإنما جاء للهداية والسلام العزيز القوى الذى يرد الاعتداء بمثله. هذا هو المعنى الذى نراه ظاهراً فى الآية ، وهو ما سار عليه المحققون .. من المفسرين . وبعضهم ذكر أن الخطاب فى الآية لمؤمن أهل الكتاب ، لما روى. عن عباس أنه قال : نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنهم. حين آمنوا بالتى - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام - فعظموا السبت وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعد أن أسلموا، فأفكر عليهم المسلمون، فقالوا، إنا نقوى على هذا وهذا؛ وقالوا للنبى. - عَّ له - إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب،١١). وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير : بأيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكايتكم فى الإسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان . وهذان القولان ضعفهما ظاهر، إذ لا سندلهما يعتمد عليه، ولا يؤيدهما سياق الآية الكريمة، لأن الاية الكريمة صريحه فى دعوة المؤمنين إلى .. المسك بجميع تعاليم الإسلام، وإلى الإخاء الجامع وقبذ التفرق والاختلاف. والاعتداء . وقوله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، تحذير لهمما: يصدهم عن الدخول فى السلم . أى: أدخلوا فى السلم واحذروا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه هـ . إنه لكم عدو ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل . (١) تفسير الالوسى = ٢ ص ٠٩٧ ٥٨٦ الجزء الثانى والخطوات . جمع خطوة - بفتح الخاء وضمها - وهى ما بين قدمى من يخطو . وفى قوله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان)) إشعار بأن الشيطان كثيراًما يجر الإنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى بجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد ، وبذلك يكون من استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله . والعاقل من الناس هو الذى يبتعد عن كل ما هـو من نزعات الشيطان ووساوسه ، فإن صغير الذقوب قد يوصل إلى كبيرها ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . وقوله ((إنه لكم عدو مبين)) جملة تعليلية، مؤكدة للنهى ومدينة لحكمته وقوله (( فإن زلتم من بعدما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيزحكيم)) تفريع على النهى، وترهيب من العقاب الذى سيصيب المتبعين للشيطان. قال القرطبى: وأصل الزلل فى القدم، ثم استعمل فى الاعتقادات والآراء وغير ذلك . يقال : زل بزل زلا وزلولا وزلولا، أى: دحضت قدمه)). والبينات : جمع بينة، وهى الأدلة والمعجزات ، ومجيتها : ظهورها. والمعنى: فإن تنحيتم عن طريق الحق، وعداتم عنه إلى الباطل، من بعد أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ، والتى تدعوكم إلى اتباع طريق الحق، فاعلموا أن الله ((عزيز، لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن زل ((حكيم، لا يترك ما تقتضيه الجمكمة وإنما يضع الأمور فى مواضعها .. وجى فى الشرط بإن، لندرة حصول الزلل من المؤمنين، إذ الشأن فيهم ذلك . وقوله (( فأعدوا أن اللّه عزيز حكيم، جواب الشرط. وقوله ((من بعد ما جاءتكم البينات، قطع لعذرهم حتى لا يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به - كما قال القرطبى .. ٥٨٧ سورة البقرة وقال الفخر الرازى ما ملخصه: وقوله , فاعلموا أن الله عزيز حكيم، نهاية فى الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف مالا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوليد لولده: إن عصيتنى فأنت عارف بى وأنت تعلم -قدرتى عليك وشدة سطونى. فيكون هذا الكلام فى الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ -قلنا: نعم من حيث أتبعه بقوله (( حكيم)، فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والى.، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المى. فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة، (١) . وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول فى السلم كافة، ونهاهم عن الزلل عن طريقه المستقيم ، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول : فى السلم فقال: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلال ... )) • ينظرون: أى ينتظرون. يقال : نظرته وانتظرته بمعنى واحد. وظلل : جمع ظلة كظلم جمع ظلمة . وهى ما أظلمك من شعاع الشمس وغيره . والغمام: اسم جنس جمعى لغمامة، وهى السحاب الرقيق الأبيض ، سمى بذلك لأنه يغم ، أى يستر . ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون -متراكباً والاستفهام للإنكار والتوبيخ. والمعنى : ما ينتظر أولئك الذين أبو الدخول فى الإسلام من بعدماجاءتهم البينات، إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة فى ظلل كائنة من الغمام الكشف العظيم ليحاسبهم على أعمالهم. وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو - سبحانه - وإقيان الله - تعالى - إنما هو بالمعنى اللائق به - سبحانه - مع "تنزيه عن مشابهة الحوادث، وتفويض على كيفيته إليه - تعالى - . وهذا هو رأى علماء السلف . (١) تفسير الفخر الرازى ج . ص ٢٣١ ٥٨٨ الجزء الثانى وقوله , وقضى الأمر، معناه على هذا الرأى: أتم - سبحانه - أمر العباد وحسابهم فأثيت الطاقع وعوقب العاصى، ولم تعد لدى العصاة فرصة- للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من المفسرين منهم. ابن كثير فقد قال فى معنى الآية: يقول الله - تعالى - مهدداً للكافرين. بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة ، يعنى: يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله: إن خيراً فخير وإن شراً فشر !! ولهذا قال .. - تعالى - ((وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور» (١). أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته - سبحانه -، .. ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه فى الدنيا . وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله: ((إقيان الله: إتيان أمره وبأسه كقوله (( أو يأتى أمر ربك), فجاءهم بأسنا، ويجوز أن يكون المأتى به محذوفاً، بمعنى أن يأتيهم الله بيأسه أو بنقمته للدلالة عليه .. بقوله - قبل ذلك - ((فإن الله عزيز حكيم). فإن قلت : لم يأنهم العذاب فى. الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنته الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء مر حيث لا يحتسب كازأسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؛ ولذلك كانت الصادقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع .. الغيث: ((وقضى الأمر، أى: تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه» (٢). وقال الجمل ما ملخصه: وقوله (( إلا أن يأتيهم الله، استئناف مفرغ من مقدر، أى ليس لهم شى. ينظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة فى أو يخهم. وقوله: «والملائكة، بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى، وتأنيهم الملائكة- فإنهم وسائط فى إتيان أمره - تعالى -، بل هم الآتون بيأسه على الحقيقة .. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٨. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٥٣ ٥٨٩ سورة البقرة وقرأ الحسن وأبو جعفر: والملائكة بالجر عطفا على ظلل أى، إلا أن يأنيهم فى ظلل وفى الملائكة. وقوله («وقضى الأمر، فيه وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على بأنهم داخلا فى حيز الإنتظار ويكون ذلك من وضع الماضى موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر؛ وإنما جىء به كذلك لأنه محقق كقوله: أتى أمر الله. والثانى أن يكون جملة مستأنفة بر أها أخبر الله - تعالى - بأنه قد فرغ من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا فى حيز الإنتظار)) (١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله ((وإلى الله ترجع الأمور، أى إليه وحده - سبحانه - لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصبر الأمور خرها وشرها وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فالجملة الكريمة تذليل قصد به تأكيد قضاء أمره، ونفاذ حكمه، وتمام قدرته . ثم بين - سبحانه - أن كفر الكافرين ليس سيه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين، وإنما سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى ، بدليل أن بنى إسرائيل قد آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم بعد تمديده الكافرين فى الآية السابقة فيقول : قال الفخر الرازى : أعلم أنه ليس المقصود: سل بنى إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها؛ وذلك لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله - تعالى - إياه، بل المقصود منه المبالغة فى الزجر عن الإعراض عن دلائل الله - تعالى - أى: سل هؤلاء الحاضرين أنا !! آنينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لاجرم استوجبوا العقاب من الله - تعالى -، وذلك تنبيه هؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا فى العذاب كما رفع أولئك المتقدمون (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٦ ٥٩٠ الجزء الثانى ... ، (١). فيه . والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم و«سل)) فعل أمر من سأل وأصله إسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين. قبلها وصارت ساكنة فحذفت . ولما فتحت الين لم يكن هناك حاجة إلى. همزة الوصل فحذفت أيضاً . و((كم)) إما خبرية والمسئول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التفريع والتوبيخ. كأنه قيل («سل بنى إسرائيل)) عن طغيانهم وججودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات. كثيرة بينة ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها . وإما استفهامية والجملة فى موضع المفعول الثانى لقوله ((سل)) وقيل : فى موضع المصدر، أى: سلهم هذا السؤال. وقيل: فى موضع الحال. أى: سلهم قائلا كم آتينام . والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار - بأنه قد خالف. ما تقتضيه الآيات من الإيمان بالله - تعالى -. فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد واحد منا تويخ أحد فيقول لمن حضره : سله كم أنعمت عليه ؟ ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التى أظهرها الله - تعالى- لبنى إسرائيل على أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم: عصا موسى التى ألقاها فإذا هى حية تسعى؛ والتى ألقاها فإذا هى تلقف ما صنعه السحرة ، والتى ضرب بها البحر ((فانفلق فكان كل فرق كالطود العليم)) إلى غير ذلك من الآيات. الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى (( أرنا الله جهرة)، ومنهم من كفر وعبد العجل .. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال: ((ومن يبد له نعمة الله من بعد ما جاءتة فإن الله شديد العقاب)). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٣ ٥٩١ سورة البقرة التبديل: جعل شىء بدلا عن آخر ، ونعمة اللّه هنا تتناول آياته الدالة. على صدق رسله ، كما تتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل. وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة . أى : ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له، بأن کفر بها مع أنها تدعو إلى الإيمان، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمديها من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقاباً شديداً . وقوله (( من بعد ما جاءته)) زيادة توبيخ لهم، وأنهم مستحقون لأشد. ألوان العذاب، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها. فهو كقوله - تعالى - ((وقد كان فريق منهم. يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)». فهو تبديل. عن معرفة لا عن جهل أو خطأ . وقوله ((((إن الله شديد العقاب، تعليل للجواب أقيم مقامه. أى : ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هى الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له . والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم، وهو مأخوذ - كما يقوله. القرطبى - من العقب، كأن المعاقب يمشى بالمجازاء للجانى فى آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب - أى الموضع الذى يركب منه - ، فالعقاب والعقوبة. يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه (١) . فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله، ويترك شكرها. وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ماجاءته ، أتبعه بذكر الأسباب التى حملت أولئك الأشقياء على البقاء فى كفرهم وجحودهم. فقال - تعالى -: (١) تفسير القرطبى =٣ ص ٢٨ ٥٩٢ الجزء الثانى التزبين : جعل الشيء زينا أى، شديد الحسن. والحياة قائب فاعل، زين، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل . والمعنى، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم ، أما الآخرة فلم يفكروا فيها، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها . قال القرطبى: والمزين هو خالقها ومخفرعها وخالق الكفر، ويزينها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزبين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ، فالمؤمنون الذين هم على سنن (الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكنهم لأنهم لا يعتقدون غيرها)) (١). وقوله «ويسخرون من الذين آمنوا، معطوف على جملة ((زين الذين كفروا ... ، أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون الواو الحال . ويسخرون: يضحكون ويهزأون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به . أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الحياة الدنيا وشهواتها . وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم فى متع الحياة، لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم فى غير متعة فهو ضياع منها ، وأنهم أن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه فى دنياهم ، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم الآخرة الذى هو أهى وأبقى من نعيم الدنيا . وجىء بقوله ((زين)) ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. وجى ء بقوله (((ويسخرون)) مضارعاً للدلالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها بين (١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٠٢٩ ٥٩٣ سورة البقرة جوقت آخر. قال - تعالى -: ((إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون .. ». وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها غزات فى المنافقين عبد الله بن أبى و حزبه، كانوا يتنعمون فى الدنيا أو يسخرون سعن ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: أنظروا إلى هؤلاء الذين بزعم محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت فى أبي جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كمار وحباب وابن مسعود شوغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع - من نزولها فى شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين . وقوله ((والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة)) رد منه - سبحانه - على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين، والذين يرون أنفسهم أنهم فى زينتهم ولذانهم أفضل من المؤمنين فى نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة وضرائها. أى، والذين انقوا الله - تعالى - وصافوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك الكافرين مكانة ومكافا يوم القيامة، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلا عليين، أما الذير كفروا فإن كفرم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال ((من الذين آمنوا، ثم قال « والذين اتقوا، ؟ قلت: ليريك أنه لا يسود عنده إلا المؤمن التقنى، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك (١). وقيدت الفوقية بيوم القيامة التنصيص على دوامها، لأن ذلك اليوم. هو مبدأ الحياة الأبدية، ولإدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم فى الدنيا. وقوله : والله يرزق من يشاء بغير حساب)) تذييل قصد به تشريف المؤمنين ، وبيان عظم نوابهم . (م - ٣٨ البقرة) (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٥٥ ٥٩٤ الجزء الثانى أى: والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد .. لما يعطيه . أو أنه لا يخاف نفاد ما فى خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها . فهو - سبحانه - الذى يعطى ويمنع، وليس عطاؤه فى الدنيا دليل رضاه. عن المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه، أما عطاؤه فى الآخرة فهو دليل رضاه عمن أعطاه. قال الأستاذ الإمام: إن الرزق بلا حساب ولا سعى فى الدنيا إنما يضح. بالنسبة إلى الأفراد، فإنك ترى كثيراً من الأبرار وكثيراً من الفجار أغنياء هوضرين متمتعين بسعة الرزق ، وكثيراً من الفقر يقين فقراء معسرين، والمتقى. يكون دائماً أسعد حالا وأكثر احتمالا، ومحلا امناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر لأنه يجد فى التقوى مخرجاً من كل ضيق ... وأما الأمم .. فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التى ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون . متقية لأسباب نقم الله وسخطه .. وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة. والثروة وهى لا تعمل ، وإنما يعطيها بعملها ويسليها بزللها .. )) (١). ثم بين - سبحانه - أحوال الناس، وأنهم فى حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. فقال - تعالى - : (١) تفسير المنار ج ٢ ص ٢٧٤ بتلخيص. ٥٩٥ سورة البقرة كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَعَثَ الَهُ الَِّنَ ◌ُبَتِِّينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحِّ لِيَحْكُرَ بَيْنَ النَّاسِ ◌ِمَا أَخْتَفُواْ فِهٍ وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الّذِينَ أُوْتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُالَّذِينَءَ امُوْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِ بِإِذْنِهٌ وَاللهُ يَبْدِى مَن يَشَآءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيِّ ١ قال الفخر الرازى : أعلم أنه - تعالى - لما بين فى الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين فى هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان ، بل كان حاصلا فى الأزمنة المتقادمة ، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ثم اختلفوا، وما كان اختلافهم إلا بسبب البغى والتحاسد والتنازع فى طلب الدنيا)، (١). و«الأمة، القوم المجتمعون على الشىء الواحد يقتدى بعضهم ببعض مأخوذ من أم بمعنى قصد لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شئونه . والعلماء أقوال فى معنى قوله - تعالى - «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومندرين)). القول الأول الذى عليه جمهور المفسرين أن المعنى: كان الناس أمة واحدة متفقين على توحيد الله - تعالى - مقرين له بالعبودية مجتمعين على شريعة الحق ثم اختلفوا ما بين ضال ومهند، فبعث الله إليهم النبيين ليبشر وامن اهتدى منهم بجزيل الثواب، ولينذروا من ضل بسوء العذاب، وليحكموا بينهم (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ١١. ! ٥٩٦ الجزء الثانى فيما اختلفوا فيه بالحكم العادل ، والقول الفاصل . قال القفال: ويشهد لصحة هذا الرأى قوله - تعالى - ,فبعث الله النبين ... )، (١) فهذا يدل على أن الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثواحين الاختلاف، ويتأكد هذا بقوله (( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ويتأكد أيضاً بما فقل عن ابن مسعود أنه قرأ, كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبين .. )). وكان على هذا الرأى على بابها من المضى، وعدم استمرار الحكم، وعدم امتداده إلى المستقبل، لأن الناس كانوا مهتدين ثم زالت الهداية عنهم أوعن کثیر منهم بسبب اختلافهم فأرسل الله - تعالى - رسله هدايتهم. القول الثانى يرى أصحابه أن المعنى: كان الناس أمة واحدة مجتمعين على الضلال والكفر فبعث الله النبيين هدايتهم .. وكان على هذا الرأى - أيضاً - على بابها من المضى والانقضاء، ولا تحتاج على هذا الرأى إلى تقدير كلام محذوف، وهو ثم اختلفوا فبعث .. ألخ. ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإمام ابن كثير فقد قال: عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان بين فوح وآدم عشرة قرون كلمهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .. وهكذا قال قتادة ومجاهد. وقال تعو فى عن ابن عباس , كان الناس أمة واحدة)، يقول كانوا كفاراً ،فبعث الله النبيين :. ، والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سنداً ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الإستام فبعث أخـ إليهم نوحاً - عليه السلام - فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (٢). أما الرأى الثالث: فقد قرره الإمام الق طبى بقوله: ويحتمل أن تكون كان الثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠١٢ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥٠ . ٥٩٧ صوره البقرة واحدة فى خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحائق ، لولا من الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص ((كان)) على هذا التأويل بالمضى فقط، بل معناه معنى قوله, وكان الله غفوراً رحيماً)، (١). وهذا الرأى قد اختاره الأستاذ الإمام محمد عبده فى تفسيره الآية الكريمة وواقفة عليه بعض العلماء الذين كتبوا فى تفسير هذه الآية. قال الأستاذ الإمام ما ملخصه . , خلق الله الإنسان أمة واحدة أى مرتبطاً بعضه ببعض فى المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا فى هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضاً، وكل واحد منهم يعيش ويحياً بشىء من عمله لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفير جميع مايحتاج إليه ، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ... وهذا المعنى قولهم: ((الإنسان مدنى بطبعه، يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى مايك فى للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره ... ولما كان الناس كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف بمقتضى فطرهم،. وكان من رحمة الله أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين. وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة فى الآية التى تفسرها يكون على هذا المعنى : إن الله قضى أن يكور الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم فى توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم، التفاوت عقولهم، واختلاف فطرهم، وحرمانهم من الإلهام الهادى لكل منهم إلى ما يجب عليه نحو صاحبه، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله - تعالى - القادر على إثباتهم وعقوبتهم .... (٢). وقال فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ما ملخصه: وإن هذا الرأى الذى اختاره الأستاذ الإمام هو الذى نختاره، وعلى هذا التأويل لا يكون (١) تفسير القرطبى ج ٣ص ٠٣١ (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٨٢ بتصرف وتلخيص. ٥٩٨ أجزء الثانى ثمة حاجة إلى تقدير محذوف ، لأن ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ولا تهتدى عقولهم إلى الحقائق بنفسها توجب البعث، ولأن تلك الحال التى تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين ... ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع إلى الاجتماع، وحيث كان الاجتماع فلا بد من نظام يربط ، وشرع يحكم . وعلى هذا التأويل أيضا تكون الفاء فى قوله (( فبعث ... ) . وهى التى يقول عنها النحويون إنها للترتيب والتعقيب - فى موضعها من غير حاجة إلى تقدير، لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف. و((كان)) على هذا التأويل تدل على الاستمرار والثبوت، لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما فى حاجة إلى شرع السماء لا يهتدون إلا به . ثم قال فضيلته: وقد يقول قائل: إن جعل ((كان) الاستمرار يفيد أن وحدة الناس فى الفطرة وقأدبها إلى التناحر يقتضى بعث النبيين إلى يوم القيامة ، وإنه لابد من نبى لعصرنا، ونحن نسلم بالاعتراض ولا ندفع إرادة ونقول: فعم إنه لابد من قيام رسالة إلى يوم القيامة وهى رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) التى جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ومن عليها وهذا الكتاب هو القرآن الكريم الذى لا تبلى جدته، والذى تكفل الله بحفظه، وبإعجازه إلى يوم القيامة، والذى من يفرؤه فكانما يتلقاه عن النبى (صلى الله عليه وسلم) .. (١). هذه هى أشبه الأفوال فى معنى قوله - تعالى - «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وهناك أقوال أخرى لم نذكرها الضعفها وقوله - تعالى - «وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، معطوف على ((فبعث،، والمراد بالكتاب الجنس . . والمعنى: وأنزل - سجانه - مع هؤلاء النبيين الذين بعثهم مبشرين (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة من العدد الثامن ٥٩٩ سورة البقرة. ومنذرين كلامه الملتبس بالحق والجامع لما يحتاجون إليه من أمور الدين حوالدنيا، لكى يفصلوا بواسطته بين الناس فيما اختلفوا من شئون دينيه ودفيوية . وذكر - سبحانه - الكتاب بصيغة المفرد الإشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت إلا أنها فى جوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد فى أصله، «وإذا كان هناك خلاف بينها ففى تفاصيل الأحكام وفروعها لا فى جوهرها وأصولها، وقوله («بالحق)) متعلق بأنزل، أو حال من الكتاب أى ماتسا شاهدابه. والضمير فى قوله ((ليحكم .. ، يجوز أن يعود إلى الله - تعالى - أو إلى النبيين، أو إلى الكتاب . ورجح بعضهم عودته إلى الكتاب لأنه أقرب مذ كور . الجملة تعليلية للإنزال المذكور . وفى إسناد الحكم إلى الكتاب تنبيه للناس إلى أن من الواجب عليهم أن يرجعوا إليه عند كل اختلاف. لأن هذا هو المقصد الأساسى من إنزال الكتب السماوية . والأستاذ الإمام محمد عبد، كلام نفيس فى هذا المعنى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: « الحكم مند إلى الكتاب تقه، فالكتاب ذاته هو الذى يفصل بين الناس في اختلفوا فيه، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه، وألا بعداوا عنه إلى ما قوله الأنفس وتزينه الأهواء .. ولو ساغ للناس أن يؤلوا فصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص، لما كان لإنزال الكتب فائدة ، ولما كانت الكتب فى الحقيقة حاكمة ، بل كانت متحكمة فيها الأهواء، فتعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة، ولهذا رد الله الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به ... ونسبة الحكم إلى الكتاب هى كنسبة «النطن والهدى والتبشير إليه فى قوله - تعالى - «هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)) وقوله - تعالى - ((إن هذا القرآن يهدي للنى هى أفوم ويبشر المؤمنين .. » ثم بقول - رحمه الله - ,يتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثراً ٦٠٠ الجزء الثانى ما جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما بريد، وذلك بقطع الكامة أو الأثر عن بقية ماجاء فى الكتاب والآثار الآخر ولى اللسان أو تأويله غير ما قصد. منه؛ وماهم المؤول أن يعمل بالكتاب وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أوعضد أسطوته، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، وعوجت السبيل أم استقامت ، ثم يأتى ضال آخر يريد أن ينالمن هذامازال غيره، فيحرف ويؤول حتى يجدالمخدوعين بقوله، ويتخذهم مونا على الخادع الأول ، فيقع الاختلاف والاضطراب، وآلة المختلفين فى ذلك هو الكتاب (١)) .. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى اختلاف الناس فى الكتاب الذى أنزله لهدايتهم فقال ,وما اختلف فيه إلا الذين أو تود من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم، . والضمير فى قوله «فيه، وفى قوله ((أو قوه)، يعود إلى الكتاب، والمعنى عليه: وما اختلف فى شأن الكتاب الهادى الذى لا لبس فيه ، المنزل لإزالة. الاختلاف إلا الذين أوقوه، أى عدوه ووقفوا على تفاصيله، ولم يكن اختلافهم لا لتباس علیهم من جهته وإنما كان خلا فهم من بعد . ماظهرت لهم الدلائل الواضحة الدالة على صدقه، وماحملهم على هذا الاختلاف إلا" البغى والظلم والحسد الذى وقع بينهم . والمراد بالذين اختلفوا فيه أهل الكتات اليهود والنصارى، واختلافهم .. فى الكتاب يشمل تصديقهم ببعضه وتكذيبهم بالبعض الآخر، كما يشمل اختلافهم فى تفسيره وتأويله وتنفيذ أحكامه وعدم تنفيذها ، وذهاب كل فريق منهم مذهباً يخالف مذهب الآخر فى أصول الشرع لا فى فروعه. وعبر عن الإنزال بالإيتاء - كما يقول الآلوسى - للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق ، فإن الإنزال لا يفيد .. ذلك، وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك .. (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٨٤، ٢٨٦