النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة البقرة
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله: «كذلك يبين الله آياته.
للناس لعلهم يتقون )، ..
أى : مثل ذلك البيان الجامع الذى بين ألقه به حدوده التى أمركم بالتزامها.
ونها كم عن مخالفتها ، يبين لكم آياته، أى: أدلته وحججه لکی تصو نوا
أنفسكم عما يؤدى بكم إلى العقوبة ، وتكونوا من رضى الله عنهم
ورضوا عنه .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم، ببيان مظاهر
رفق الله بعباده، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم، بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب ..
والترهيب، والإباحة والتحريم ، وغير ذلك من أنواع الهداية والإرشاد إلى
ما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم .
وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام وما يتعلق به من أحكام، أردف
ذلك بالنهى عن أكل الحرام ، لأنه يؤدى إلى عدم قبول العبادات من صيام ..
واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال - تعالى -:
وَلَا
تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْبَيْنْكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُواْ
فَرِيقًامِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
٠١٠٠٠٠١٤٠
١٨٨
والخطاب فى الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة فى كل زمان ومكان ..
والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق، وعبر عنه بالأكل، لأن.
الأكل أهم وسائل الحياة ، وفيه تصرف الأموال غالباً .
والباطل فى اللغة: الزائل الذاهب يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا.
أى ذهب ضياعاً وخسراً. وجمع الباطل أباطيل. ويقال: بطل الأجير
يبطل بطالة إذا تعطل واقبع اللهو .

٥٢٢
الجزء الأول
والمراد هنا : كل ما لم يبح الشرع أخذه من المال وإن طابت به النفس،
كالربا والميسر وثمن الخمر، والرشوة، وشهاد الزور، والسرقة، والغصب،
ونحو ذلك مما حرمه الله - تعالى - .
والباء السيفية، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله ، وكذلك قوله
(( بيتكم)).
والمعنى : لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولى عليه بغير حق، متذرعاً.
بالأسباب الباطلة ، والحيل الزائفة، وما إلى ذلك من وجوه التعدى والظلم.
وفى قوله - تعالى - ((أموالكم) - مع أن أكل المال يتناول مال الإنسان
ومال غيره - فى هذا القول إشعار بوحدة الأمة وتكافظها، وتنبيه إلى أن
احترام مال غيرك وحفظه هو عين الإحترام والحفظ لمالك أنت، ففى هذه
الإضافة البليغة تعليل النهى، وبيان لحكمة الحكم، إذ استحلال الإنسان
المال غيره يجرى. هذا الغير على استحلال مال ذلك الإنسان المتعدى، وإذا
.- فشى هذا السلوك فى أمة من الأمم أدى بها إلى الضعف والتعادى والتباغض.
۔
فما أحكم هذا التعبير ، وما أجمل هذا التصوير .
وقوله ((وقدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم
وأنتم تعلمون ، بيان لصورة أخرى قبيحة من صور أكل أموال الناس
بالباطل وقوله ((وتدلوا بها إلى الحكام، معطوف على (( لا تأكلوا)).
والإدلاء فى الأصل: إرسال الدلو فى البتر للاستقاء. ثم جعل كل
إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه أدلى فلان بحجته، أى: أرسلها ليصل
إلى مراده .
والمراد بالإدلاء هنا : الدفع والإلقاء بالأموال إلى الغير من أجل
الوصول إلى أمر معين .
والحكام : جمع حاكم، وهو الذى يتصدى للفصل بين الناس فى
خصوماتهم وقضايام .

٥٢٣
سورة البقرة
والفريق القطعة المعزولة من جملة الشىء، ومنه قيل القطعة من الغنم
قدذ عن معظمها فريق .
والإثم : الفعل الذى يستحق صاحبه الذم والعقاب . وجمعه آثام .
والمعنى: لا يأخذ بعضكم أموال بعض ــ أيها المسلمون - ولا يستولى
عليها بغير حق، ولا تدلوا بها إلى الحكام، أى ولا تلقوا أمرها والتحاكم
فيها إلى القضاة لا من أجل الوصول إلى الحق، وإنما من أجل أن تأخذوا
عن طريق التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإثم الذى يؤدى إلى
عقابكم، حال كونكم تعلمون أنكم على باطل ، ولا شك أن إتيان الباطل
مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به .
فعلى هذا الوجه يكون المراد بالإدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم
: ليقضوا فيها ، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال
-بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالية .
وهناك وجه آخر تحتمله الآية احتمالا قريباً، وبه قال كثير من العلماء
وهو أن المراد بالإدلاء بالأموال إلى الحكام، إلقاؤها إليهم على سبيل الرشوة
اليصلوا من وراء ذلك إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل، وعليه يكون المعنى.
لا يأخذ بعضكم أموال بعض أيها المسلمون، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام
:السوء على سبيل الرشوة، لتتوصلوا بأحكامهم الجائزة إلى أكل فريق من
أموال الناس بغير حق . ولا غرابة فى أن يعنى القرآن فى سياسته الرشيدة
بالتحذير من جريمة الرشوة ؛ فإنها المعول الذى يهدم صرح العدل من أساسه
- وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها وكرامتها، وقصير تلك المجالس موظنا
للظلم لا العدل .
وخص القرآن الكريم هذه الصورة بالنهى - وهى صورة الإدلاء بالأموال
إلى، الحكام - مع أنه قد ذكر ما يشملها بقوله , ولا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل ، لأنها على وجهى تفسيرها شديدة الشناعة، جامعة المنكرات كثيرة،

٥٢٤
الجزء الأول
كالظلم، والتباغض والرشوة، والغصب وغير ذلك. والحق، أن هذه الآبة
الكريمة أصل من الأصول التى يقوم عليها إصلاح المعاملات، وقد أخذ
العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة إرشاء الحكام ليقضوا
للراشى بمال غيره، وقد لعن النبى - صلى الله عليه وسلم - الجميع فى الحديث
الذى أخرجه الترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: ((لعن الله الراشى والمرتشى والرانش)) وهو الواسطة الذى بعمشى بينهما.
كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية.
لا يحل فى الواقع حراماً، ولا يحرم حلالا، والدليل على ذلك ما أخرجه
الشيخان عن أم سلمة - رضى الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر. وإنه
يأتينى الخصم . فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه قد صدق، ..
فأقضى له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار فليأخذها.
أو لیتر کها،.
قال الإمام ابن كثير: فدات هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن
حكم الحاكم لا يغير الشىء فى نفس الأمر، فلا يحل فى نفس الأمر حراما.
ولا يحرم حلالا، وإنما هو ملزم فى الظاهر، فإن طابق فى نفس الأمر فذاك
وإلا فالحاكم أجره وعلى المحتال وزره. ولهذا قال - تعالى - فى آخر الآية
((وأنتم تعلمون)). أى تعلمون بطلان ما تدعونه وترجو نهفى كلامكم»(١).
وبذلك تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه
« ليهلك من عن بينة ويحى من حى عن بينه وإن الله لسميع عليم)).
ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأدلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال.
فى الأشهر الحرم وبمواقيت الحج فقال - تعالى - :.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٢٥

٥٢٥
سورة البقرة
يَسْعَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ
٠٠٠٠٠
قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَحْ وَلَيْسَ الْبِّبِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِّمَنِ آَّىْ وَنُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا وَأَنَّقُواْ اله
◌َعَّكُمْ تُفْلِحُونَ (3)
ورد فی سیب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن
أبى العالية قال: «بلغنا أن بعض الناس قالوا: يا رسول الله، لم خلقت
. الأهلة فنزلت ..
١
والأهلة : جمع الهلال ، وهو الکوکب الذی یبزغ فی أول كل شهر ،
-ويسمى هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليال من ظهوره، ثم يسمى بعد ذلك
قمر إلى أن يعود من الشهر الثانى.
-
" قال بعضهم: وهو مشتق من استهل الصبى إذا بكى وصاح حين يولد ،
ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، وسمى بذلك لأنه حين
يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير، ولهذا يقال أهل الهلال
واستهل (١).
١
والمواقيت: جمع ميقات بمعنى الوقت، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال
وقيل : الميقات منتهى الوقت .
والمعنى: يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة، قل لهم
- يا محمد - إن الله - تعالى - قد خلقها لتكون معالم يوقت ويحدد بها الناس
.(١) تفسير الالوسى = ٢ ص ٠٧١

٥٢٦
الجزء الأول
صومهم، وزكاتهم، وحجهم ، وعدد نسائهم ، وعدد حماين ، ومدقة
الرضاع، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم .
قال - تعالى -((هو الذى جعل الشمسضياء والقمر فوراً وقدره منازل؟
لتعلوا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات.
لقوم يعلمون)).
وخص الحج بالذكر مع أن الأدلة مواقيت لعبادات أخرى.
كالصوم والزكاة ، للتنبيه على أن الحج مقصور وقت أدائه على الزمن الذى.
عينه الله - تعالى - وأنه لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل،
إذكانوا ينقلون ما شاؤا من الأشهر الحرم الأربعة التى من جملتها ذو الحجة
إلى شهر آخر غير حرام، وهو النسى. المشار إليه بقوله - تعالى-، إنما النسى.
زيادة فى الكفر ».
وحص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها ،
لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال و محاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد
من الخاصة أو العامة أينما كانوا، بخلاف الأشهر الشمسية. فإن معر فتها تنبنى.
على النظر فى حركات الفلك وهى لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك.
هذا ، ومن الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآيةما رواه أبو
نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال : نزلت فى معاذ بن جبل وثعلبة بن.
غنم قالا: يارسول الله. ما بال الهلال يبدو - أو يطلع - دقيقاً مثل الخيط.
ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان ،
لا يكون على حال واحد ؟ فنزلت .
وعلى هذه الرواية يكون الجواب بقوله - تعالى-«قل هى مواقيت للناس.
الحج)، من قبيل أسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بغير ما يتطلبه سؤاله،
بتغزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهاً له على أن ذلك الغير هو الأولى بالسؤال ..
لأنه هو المهم بالنسبة له .

٠٢٧
سورة البقرة
فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة.
والنقصان، فأجيبوا ببيان الحكمة من خلقها، فكأنه - سبحانه - يقول لهم:
عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق
بحالكم وهو ما اجبتكم علیه ، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها فى أول الشهر
وتناقصها فى آخره، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة، وأنتم لستم فى
حاجة إلى معرفة ذلك فى هذا الوقت .
ولعلماء البلاغة كلام جيد فى مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم، فقدقال.
السكاكى ما ملخصه: ((ولهذا النوع - أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى ..
الظاهر أساليب متفقنة، ولكل من تلك الأساليب عرق فى البلاغة يتشرب
من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى المخاطب بغيرمه.
يترقب، أو السائل بغير ما يتطلب، كما قال - تعالى -: يسألونك عن الأهلة .. »
الآية . قالوا فى السؤال. م١ بال الهلال يبدو دقيقاً ... ألخ فأجيبوا بماترى.
وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فرك من نشاط السامع ما سلبه
حكم الوقور، وأبرزه فى معرض المسحور، وهل ألان شكيمة , الحجاج.
الثقفى ((لذلك الرجل الخارجى، وسل سخيمته، حتى آثر أن يحسن على
أن يسىء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد فى قوله
((لأحملنك على الأدم، فقال الخارجى متغابيا: مثل الأمير بحمل على
الأدهم الأشهب . مبرزاً وعيده فى معرض الوعد، متوصلا أزيريه بالطف.
وجه : أن رجلا مثله جدير بأن بعد لا أن يوعد ،(١).
وقوله - تعالى- ((وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرمن.
اتق وأنوا البيوت من أبوابها، هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة.
كانوا يفعلونها فى الجاهلية، وهى أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا؛
(١) من تفسير القاسمى ج ٢ ص ٠٤٧٢

٥٢٨
الجزء الأول
لا يدخلون من أبواب بيوتهم، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه فى
ظهور بيوتهم .
أخرج البخارى عن أبى إسحاق قال : سمعت البراء - رضى الله عنه -
يقول: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا
- من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها . فجاء رجل من الأنصار فدخل
من قبل بابه فكأنه عير بذلك فرات: ((وليس البر .... ألخ .
والمعنى: وليس من البر ما كنتم تفعلونه فى الجاهلية من دخولكم البيوت
-من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم ، ولكن البر الحق الجامع
لخصال الخير يكون فى تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، وإذا
ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم
من حجكم.
وفى الأمر بإتيان البيوت من أبوابها إشعار بأن إتيانها من ظهورها
باسم الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له فى الدين
- من شاهد فهو بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
وفى الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عماهو
٢ليس من العلم المختص بالنبوة، ولا تتوقف معرفته على الوحى، فهذا السائل
فى سؤاله مثله كمثل من يدخل البيت من ظهره لا من بابه .
قال بعضهم: وذلك لأن العلم على ضربين : علم دنيوى يتعلق بأمر
: المعاش - كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات النجوم ومعرفة المعادن والنبات،
وقد جعل الله لنا سبيلا إلى معرفة ذلك على غير لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم
وعلم شرعى يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه
.إلا من الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -.
فلما جاءوا يسألون النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أمكنهم معرفته من

٥٢٩
سورة البقرة
: غير جهته أجابهم، ثم بين لهم أن البر فى التقوى وذلك يكون بالعلم والعمل
المختص بالدين)) (١).
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ، ما وجه اتصال قوله-تعالى-وليس
مثابر .... ألخ . بما قبله؟ قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة
وعن الحكمة فى فقصاتها وتمامها: إن كل ما يفعله الله - تعالى - لا يكون
إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها
أنتم مما ليس من البر فى شىء وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يكون ذلك على
طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم فى الحج.
ويحتمل أن يكون هذا لتمكيسهم فى سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب
البيت ويدخله من ظهره. والمعنى: ليس البر وما ينبغى أن تكونوا عليه بأن
تعكسوا فى مسائلكم ، ولكن البربر من أنقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله
ثم قال: وأقوا البيوت من أبوابها، أى: باشروا الأمور من وجوهها
التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، والمراد وجوب قوطين النفوس
وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب ... )) (٢).
وقوله - تعالى - ((واتقوا الله لعلكم تفلحون، أمر بالتقوى التى تتضمن
القيام بجميع الواجبات واجتناب البدع والمنكرات . أى: افعلوا ما أمركم
الله به، واجتنبوا ما نهم كم عنه، لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون "
بالحياة المطمئنة فى الدنيا والنعيم الخالد فى الآخرة . وبذلك تكون الآية
الكريمة قد ردت عقول الناس إلى النظر والتأمل فى سنن الله وفى خلقه على
النحو الذى ينشىء التقوى فى النفوس، ويوجه إلى العمل الصالح الذى
يرضى الله - تعالى -.
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بطاعته وتقواه، حضهم على الجهاد
فى سبيله إذ هو من أجل مظاهرها، وبصرتم بحكمته وآدابه فقال - تعالى -:
(١) تفسير القاسمى < ٢ ص ٤٧٣ بتصرف
(٢) تفسير الكشاف حـ١ ص ٢٤٣.
(م - ٣٤ البقرة)

٥٣٠
الجزء الأول
وَقَائِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا
أَتَعْتَدُوْاْ إِنَّالَّه ◌َيُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَقْتُهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ
وَأَشْرِ جُوهُ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوْلُ وَالْفِتَةُ أَشَدّمِنَ الْقَتْلِّ وَلَ مُقَتُِمْ
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِهِ فَإِن قَلُوكُمْ فَقْتُلُوهٌ
كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ (٤) فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٢
وَقَدِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئَةٌ وَيَكُونَ الّذِيْنُ لِِّّ فَإِنِ أَنْتَهُواْ فَلَا
عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِنَ ﴿َ الثَّهْرُ الْحَرَامُ بِالثَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُّمَتُ
تِصَاصَُّ فَمَنِ اْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُم
وَأَتَّقُواْ الهَ وَأَعْلُواْأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (3) وَأَنْفِقُواْ فِ سَبِيلِ
◌ِالَّهِ وَلَ تُنْقُواْبِأَيْدِيْكُمْ إِلَى الَّهْلُكَّةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ !
الْمُحْسِنِينَ
قال ابن كثير : قال أبو جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى ..
العاليه فى قوله - تعالى - , وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم، قال :
هذه أول آية نزلت فى القتال بالمدينة، فلما تزات كان رسول الله - ملح --
يقال من قائله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة ، (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٢٦

٥٣١
سورة البقرة
ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت فى الأذن بالقتال للمحرمين
فى الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغياً وعدواناً. فهى متصلة بما قبلها أتم
الاتصال، لأن الآية السابقة بينت أن الآهلة مواقيت للناس فى عباداتهم
ومعاملاتهم عامة وفى الحج خاصة وهو فى أشهر هلالية مخصوصة كان القتال
فيها محرماً فى الجاهلية . فقد أخرج الواحدى عن ابن عباس أن هذه الآيات
نزلت فى صلح الحديبية ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صده
المشركون عن البيت الحرام - ثم صالحوه فرضى على أن يرجع عامه القابل
ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء. فلما كان العام القابل تجهز
هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ألا تفى لهم قريش، وأن يصدوم عن
المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم فى الحرم والشهر
الحرام فأنزل الله - تعالى - الآيات)) (١).
والقتال والمقائلة: محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة
كل واحد من المتعاديين قتل الآخر .
قال أبو حيان: وقوله ((فى سبيل الله، السبيل هو الطريق . واستعير
لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية والدنيوية، فشبه.
بالطريق الموصل الإنسان إلى ما يقصده، وهذا من استعارة الأجرام للمعانى
ويتعلق (( فى سبيل الله)) بقوله ((وقاتلوا، وهو ظرف مجازى، لأنه لما وقع
القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه ، وهو على حذف مضاف
والتقدير فى نصرة دين الله ... ،(٢)
والمراد بالقتال فى سبيل الله: الجهاد من أجل إعلاء كامته حتى يكون
أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيماً، وأحراراً فى الدعوة إليه
وإقامة شرائعه العادلة فى ظل سلطان مهيب.
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٠٢٠٨
(٢) تفسير البحر المحيط ج ٢ ص ٦٥ لأبي حيان.

٢٣٣
الجزء الأول
أى: قائلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينة أعداء كم
الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ومنا جزقكم وتحققتم منهم سوء النية،
وفساد الطوية .
فالآية الكريمة تهيج للمؤمنين وإغراء لهم على قتال أعدائهم بدون
تردد أو تهيب ، وإرشادهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق،
لا من أجل المطامع أو الشهوات .
فقد روى الشيخان وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أبى موسى
- رضى الله عنه - أن أعرابياً أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله
الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاقل ليذكر ، والرجل يقاتل ايرى
مكانه - أى: ليتحدث الناس بشجاعته وليظهر بينهم - أى ذلك فى سبيل اقه؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قاقل لتكون كلمة الله هي
العليا فهو فى سبيل الله ، .
والأحاديث فى الدعوة إلى أن يكون الجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء
كلمته كثيرة متعددة. وقوله ((ولا تعتدوا، نهى عن الاعتداء بشتى صوره
ويدخل فيه دخولا أوليا الاعتداء فى القتال .
والاعتداء : مجاوزة الحد فيما أمر الله به أو نهى عنه .
أى : قاتلوا فى سبيل الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزو
فى قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم، كنسائهم ، وصبيانهم، ورهباتهم.
وشيوخهم الطاعنين فى السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد
والأعمى والمجنون. وقد وردت فى النهى عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية
ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتالهم إلا من
قامت الشواهد على أن له أثراً من رأى أو عمل فى الحرب، يؤازر به المحاربين
لمينتصروا على المجاهدين .
قال ابن كثير: ولهذا جاء فى صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الا

٥٣٣
سورة البقرة
- صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «أغزوا فى سبيل الله، قائلوا من كفر بالله،
أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع
وفى الصحيحين عن ابن عمر قال : وجدت امرأة فى بعض المغازى مقتوله
فأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان)، (١).
وقوله ((إن الله لا يحب المعتدين، كالتعليل لما قبله فى النهى عن مجاوزة
ما حده الله - تعالى - فى قتال المخالفين.
ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته - تعالى- من أثرها الرعاية والإنعام.
وإذا فى ألله - تعالى - محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم،
واستحقاقهم لعقوبته .
وقوله «واقتلوهم حيث ثقفتموهم، الضمير المنصوب فيه يعود على
قوله (( الذين يقاتلونكم، فى الآية السابقة.
و («ثقفتموهم)): أدركتموم وظفرتم بهم. يقال: ثقف الشىء إذا ظفر
به ووجده على جهة الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ
لأقرانه . قال الشاعر :
فإما. تثقفونی
فاقتلونى فمن أثقف فليس إلى خلود
ويقال - أيضاً - رجل ثقف: إذا كأن محكماً لما يتناوله من الأمور.
والمعنى: عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين أذنا لكم بقتالهم
حيث وجد تموهم وظهرتم بهم، فأنهم قد بادهوكم بالعدوان ، وتمنوا لكم
كل شر وسوء .
وقوله (( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم)) معطوف على ما قبله .
و ((حيث)، ظرف مكان. والمكان الذى أخرجوهم منه هو مكة، فإن
المشركين منقريش قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ماجعلهم
يتركون مكة ويها جرون إلى بلاد الحبشة أولا. ثم إلى المدينة المنورة ثانيا.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٢٦

٥٣٤
الجزءالأول
أى : اقتلوا هؤلاء الذين قاتهو كم فى أى مكان لقيتموهم فيه،
وأخرجوهم من المكان الذى أخرجوكم منه وهو مكة .
وفى هذا تهديد للمشر كين، وإغراء المسلمين بهم، ووعد بفتح مكة
وقد أنجز الله - تعالى - وعده ففتح المسلمون مكة فى السنة الثامنة من الهجرة
وقوله - تعالى - ((والفتنة أشد من القتل). دفع لما قد يقع)). من
بعض المسلمين من استعظام قتل المشركين فى مكة .
والفتنة فى الأصل: مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار
ليستخرج الزائف منهم ثم استعملت فى الابتلاء والامتحان والصرف عن
الشىء، وأكثر استعمالها فى التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر.
ويبدو أن المراد منها هنا ما كان يفعله المشر كون مع المسلمين من التعذيب
والصد عن الدين ، والإخراج من الوطن، وغير ذلك من صنوف الأذى.
والمعنى: لا تقصروا فى قتل المشركين الذين يقاتلونكم، والذين
أخرجوكم من ديار كم، فإن فتنتهم لكم بالإبذاء والتعذيب والصد عن
الدين ، أشد ضرراً من قتلكم لهم فى أى مكان وجدوا به .
وبعضهم فر الفتنة هنا بالشرك، أو بالرجوع إلى الكفر ، أو بعذاب
الآخرة، وقد بين ذلك ساحب الكشاف بقوله. وقوله ((والفتنة أشد من القتل،
أى: المحنة والبلاء الذى ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل. وقيل
البعض الحكماء: ما أشد من الموت: قال: الذى يتمنى فيه الموت ، جعل
الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التى يتمنى عندها الموت . ومنه
قول القائل :
لقتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق
وقيل: ((الفتنة)) عذاب الآخرة قال - تعالى- ((ذوقوا فتنتكم)). وقيل:
الشرك أعظم من القتل فى الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل فى الحرم
ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذى هم عليه أشد و أعظم ما يستعظمونه

٥٣٥ ١
سورة البقرة
ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم
إياهم فى الحرم، أو من قتلهم إيا كم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم،(١).
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين فى قتل الذين ينا جزونهم
«القتال ، دفعا لشرهم أينما وجدوا .
ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها المؤمنين عن قتال المشركين
-عند المسجد الحرام مراعاة لحرمته، ما دام المشر كون لم يفاتحوهم
بالقتال عنده، أما إذا فاتحوهم بالقتال فيه ، فقد أصبح من حق
المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يقاتلوا أعداءهم. وهذه الجملة هى
-قوله - تعالى - (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه،
فإن قالو كم فاقتلوهم)).
أى: لا تقاقلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد الحرام احتراماً له
حتى يبدأ المشركون قتالكم عنده، فإن بد. وكم بالقتال فيه فلا حرج عليكم
فى قتلهم عنده، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما هو البادى. بالقتال
فيه وهم المشركون، ولستم أنتم أيها المؤمنون لأن موقفكم إنما هو موقف
المدافع عن نفسه .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت للمسجد الحرام حرمته وهيبته
ومكانته السامية ، لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، إلا أنها
أذنت للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا ما هاجمهم المشركون
عند، أو فيه .
قال ابن كثير ما ملخصه : وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين
فى الحرم إذا بدأوا به بالقتال فيه دفعا أصواتهم، كما بابع النبى - ماء -
أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال ، لما تألبت عليه بطون
قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال
(١) تفسير الكشاف = ١ ص ٠٢٣٦

٠٣٦
الجزء الأول .
بينهم فقال: (( وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم بيطن مكة من ..
بعد أن أظفركم عليهم)، (١). وقال - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد.
ومن معه يوم الفتح : إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً
حتى توافونى على الصفا .. فما عرض لهم أحد إلا أناموه وأصيب من ..
المشركين نحو اثنى عشر رجلا)، (٢).
ولم يقل - سبحانه - فإن قاتلوكم فقاتلوهم، وإنما قال ((فإن قاتلوكم
فاقتلوهم ، تبشيراً للمؤمنين بالغلبة عليهم، وإشعاراً بأن هؤلاء المشركين من ..
الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها بقتفهم لا بقتالهم فهم اضعفهم ..
لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل .
وقوله « كذلك جزاء الكافرين، تذييل لما قبله. واسم الإشارة، ذلك)).
يعود إلى قتل المقانلین أينما وجدوا ..
والجزاء : ما يقع فى مقابلة الإحسان أو الإساءة، فيطلق على ما يثاب به
المحسن ، وعلى ما يعاقب به المسىء. والمراد به فى الآية العقاب.
أى : مثل هذا الجزاء العادل من القتل والردع يجازى الله الكافرين.
الذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديازهم .
ثم فتح القرآن الكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال (، فإن انتهوا)
فإن الله غفور رحيم ».
الانتهاء: أصله مطاوع نهى. يقال: نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق ..
على الكف عن الشىء، لأن النهى هو طلب ترك الشىء ..
أى: فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوالهم ..
فإن الله غفور رحيم، وكل من قاب من كفر أو معصية فشأن ألقه معه أن ...
يغفر له وير حمه .
(١) تفسير ابن كثير -ـ ١ ص ٠٢٢٧
(٢) تفسير القاسمى حـ ٢ ص ٠٤٧٦

٥٣٧
سورة البقرة
وفظير هذه الآية قوله - تعالى - ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم.
ما قد سلف ... )) (١) وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأنسياق.
الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين، فيكون حمل الانتهاء على الأمرين ..
معا أولى من حمله على القتال فحسب .
وقوله- تعالى - ( وقاتلوهم حتىلا تكون فتنة ويكون الدینقه ،معطوف.
على جملة (( وقاقلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم)). والضمير , هم، يعود.
على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم ..
والمراد من « الفتنة، الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للسامين.
واضطهادهم وتعذيبهم .
قال الآلومى: ويؤيده أن مشركى العرب ليس فى حقهم إلا الإسلام.
أو السيف. لقوله - سبحانه - ((تقاتلونهم أو يسلمون)).
وفى الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدارسول اللّه.
ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم ..
وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)).
والدين فى اللغة: العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى -.
سواء كان ما يتعبد به صحيحاً أم باطلا .
والمراد هنا الدين الصحيح الذى شرعه الله لعباده على لسان نبيهم محمد ..
- صلى الله عليه وسلم - ليتوصلوا به إلى الصلاح فى الحال والفلاح.
فى المآل .
والمعنى: قاتلوا أولئك المشركين حتى يزيلوا الشرك، وحتى تكسروا.
شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق ، وحتى يكون.
(١) تفسير الآلوسى حـ ٢ ص ٧٦.

٥٣٨
الجزء الثانى
الدين الظاهر فى الأرض هو الدين الذى شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه
محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقد تحقق ذلك بالقتال الذى دار بين المسلمين والمشركين فى أكثر من
عشرين غزوة قادها النبى - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ،وفى أكثر من أربعين
سربة بعث فيها أصحابه، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق
الباطل. وقبل أن يلتحق النبى - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى كان
الدين الظاهر فى جزيرة العرب هو دين الإسلام الذى جاء به الرسول
- صلى عليه الصلاة والسلام - .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)
والعدوان فى أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذى هو من الأفعال المحرمة
.والمراد به فى الآية القتل حيث يرتكب جزاء للمقاقلين.
والفاء فى قوله ((فإن انتهوا، للتعقيب. وقوله (( فلا عدوان إلا على.
الظالمين، قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف .
والمعنى: فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه، وأذعنوا التعاليم
الإسلام، فكفوا عن قتالهم، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم، وما دام
قد أنتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم، إذ القتال إنما يكون
الظالمين تأديباً لهم ليرجعوا عن ظلمهم .
ففى الجملة الكريمة إيجاز بالحذف، واستغناء عن المحذوف بالتعليل
الدال عليه.
قال الإمام الرازى: أما قوله - تعالى - ((فلا عدوان إلا على الظالمين))
-ففيه وجهان: الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أى: فلا قتل إلا على الذين لا
ينتهون عن الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال
- تعالى - ((إن الشرك لظلم عظيم).
فإن قيل : لم هى ذلك القتل عدوانا مع أنه فى نفسه صواب؟ قلنا:

٥٣٩
سورة البقرة
لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله
- تعالى - ((وجزاء سيئة سيئة مثلها)).
الثانى: إن تعرضتم لهم بعد إنتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم
ظالمين ، فنسلط عليكم من يعتدى عليكم)، (١).
وقوله - تعالى - ((الشهر الحرام بالشهر الحرام، بيان للحكمة فى إباحة
القتال فى الأشهر الحرم، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر الحرام إنما هى
واجبة فى حق من يصون حرمته ، أما من هتكها فقد صار بسبب انتهاكه
لحرمة الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة فى هذا الشهر وفى غيره.
وسمى الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل فى غيره من القتال ونحوه،
والتعريف فيه - على الراجح - للجنس، فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها
وهى أربعة : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
قال - تعالى -: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله
يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا
فيهن أنفسكم؛ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ، واعلموا
أن الله مع المتقين »(٢).
قال القرطبى : نزلت فى عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - خرج معتمراً حتى بلغ الحديبية فى ذى القعدة سنة ست ، قصده
المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده - سبحانه - أنه سيدخله
فدخله فى ذى القعدة سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه الآية»(٣).
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٠١٤٦
(٢) سورة التوبة. الآية ٣٦.
(٣) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٣٥٠.

٥٤٠
الجزء الثانى
والمعنى : هذا الشهر الحرام الذى تؤدون فيه عمرة القضاء، بذلك الشهر
الحرام الذى صدكم المشر كون فيه عن دخول المسجد الحرام، فإذا بد.وأ
بانتهاك حرمته بقتالكم فيه ، فلا قبالو أن تقاتلوهم فيه دفاعاً عن أنفسكم،
إذهم البادئون بهتك حرمته .
وقوله ((والحرمات قصاص)) متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق.
والحرمات: جمع حرمة ، وهى ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك .
والقصاص : المساواة. أى، وكل حرمة يجرى فيها القصاص فمن هنك.
أية حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة .
والمراد : أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم - أيها المؤمنون - فى
الحرم أو فى الشهر الحرام ، فقالوهم أنتم أيضاً على سبيل القصاص والمجازاة.
بالمثل، حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للحذر والإضرار بكم .
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم » .
أى : فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثل ما اهندى ..
عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذى أباحه الله لكم .
وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة .
قال الألوسى: واستدل الشافعى بالآية على أن القاتل بقتل بمثل
ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق. حتى لو ألقاه
فى ماء عذب لم يلق فى ماء ملح. واستدل بها أيضاً على أن من غصب شيئاً
وأتلفه لزمه رد مثله . ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة - کافیذوات ..
الأمثال - وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له، (١).
(١) تفسير الآلونى ج ١ ص ٧٧