النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١. سورة البقرة وبذلك نرى أن النى (صلى الله عليه وسلم ) كان يتوجه فى صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس ، قبل أن بأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام . ثانيا : الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحول المسلمين فى صلاتهم إلى المسجد الحرام . قلنا إن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته إلى المدينة استقبل فى صلاته ببيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بين المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين إليه، وكان أمل النى أن يلبوا دعوته وأن يسارعوا إلا الدخول فى الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبى ( صلى الله عليه وسلم) قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم واعتبروا اتجاه المسلمين فى صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهد: منهم، فتأثر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من موقفهم الجحودى وانبثقت فى نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتها إلى الله كى يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم. وقد أجاب اللّه تعالى رجاء نبيه (ص) فولاه القبيلة التى يرضاها ، ففر المؤمنون لذلك لأن فى توجههم إلى البيت الحرام، تأليفاً لقلوبهم، فى هثابتهم ومر کز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحد وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاء لله ولرسوله (صلى الله عليه و.س. أما اليهود ومن على شاكلتهم عن فى قلوبهم مرض، فقد استقبلوه بالاستهز والجحود، وإثارة الشبهات، لبطيلة الأفكار، وتشكيك المسلين فى عقيدته. ومما قاله المشركون فى ذلك: إن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) تحير فى دينه، ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. ومما قاله المنافقون: ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها ؟. ومما قاله اليهود - الذين تولوا كب التشكك فى صحة التوجه إلى البيد ٣٨٢ الجزء الأول الحرام - إن القبلة الأولى - وهى بيت المقدس ، إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادة-كم السابقة باطلة، ولو كان محمد ( صلى الله عليه وسلم) نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً . ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة ، الطعن فى شريفة الإسلام ، وفى نبوة النى ( عليه الصلاة والسلام) . ثالثاً : ولكن القرآن الكريم أفد عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم ، فأخبر الله - تعالى - بيبيه (صلى الله عليه وسلم) بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبته. الإيمان فى القلوب ويهيىء الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله فى الآيات السابقة على التحويل أنه إذا فسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها ،. لأن القادر على كل شىء ، المالك السموات والأرض تصرفاً وتدبيراً، أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب . ففى أى مكان. توجه المصلی فتم وجه اله، ثم نبه - رسوله( صلی الله عليه وسلم ) بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم. إشارة إلى أن المصلحة. فى التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك أن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه. ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكرأن الله - تعالى- قد جعله مثابة ومرجعاً الحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلماازدادوالهزيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم . وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد فى بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وابنه إساعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيرهـ ٣٨٣ دورة البقرة من كل رجس للطائفين والقائمين والركع السجود . وقد كانت الآيات الواردة فى شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتاً له هذه القداسه جدير بأن يكون قبلة للناس فى صلاتهم ، ولكن اليهود ومن فى قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة فى نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم ، فلا غرابة أن نطقوا كفراً، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً . إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة ، لم يجد آداناً صاغية من المؤمنين ، لأن الله - تعالى - قد فهد للتحويل - كافلنا - بما يطمئن النفوس وأقن نبيه (صلى الله عليه وسلم) الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوابها ليكون ذلك أقطع لحجتهم ، كما قالوا فى الأمثال: ( قبل الرمى براش السهم) .. رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام . لقد أزل الله - تعالى - آيات كريمة من سورة البقرة فى شأن صرف القبلة إلى البيت الحرام ، لقن المؤمنين الإجابة على معارضات اليهود وغيرهم، وفوه فيها بشأن الأمة الأسلامية، وبشرها بإجابة رجاء فيها (صلى الله عليه وسلم) إذ ولاه القبلة التى يرضاها، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل ، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان. وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات فى ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً فى الخطاب ليرسخ فى النفوس، ويستقر فى المشاعر والقلوب. هذا، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد، نحب أن نتعرض لتفسيرها بالتفصيل، فنقول قال الله تعالى: هذه الآيات من ٠١٤٢ ١٤٤،١٤٣ ٣٨٤ الجزء الأول سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَاوَلَّهُمْ عَنْ قِبْلَنِمُ الَّى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِ ◌ّ وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِسَكُونُواْشُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الَّسُولُ عَيْكُمْ شَِدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبَةَ آلَّى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّ لِعْلَمَ مَنْ يَبِعُ الَّسُولَ مِّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةَ إلَّا عُلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ الله ◌ِيُضِيعَ إِمْنَكُمْ إِنَّاللّهَ بِالنَّاسِ لَكُ وفٌ رَّحِيمٌ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِّ قَلَنُوْلِيَنَّكَ قِبَةً تَضَيْهَاٌ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقّ قـ ـمـ مِنْ زَّيْهِمْ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبى (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين أن فريقاً من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ما يضرهم ، سيقولون على سبيل الإفكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ، ماضرفهم عن القبلة التى كانوا عليها، وهى بيت المقدس . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت، أى فائدة فى الإخبار بقولهم قبل وقوعه ؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع ، لما يتقدمه من توطين النفس ، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة اليه أقطع للخصم وأرد الشغبه)) (١). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٧ : ٣٨٥ سورة البقرة والمراد بالسفها. اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة ، ومن لف طفهم من المنافقين ومشركى العرب . وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه ، وأفكروا نبوة النبى (صلى الله عليه وسلم). مع علمهم بصدقه فى رسالته وقد صرح البخارى - رحمه الله - بأن المراد بالسفهاء هم اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله - تعالى - ((قد قرى تقلب وجهك فى السماء.)) فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود ،-ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها). ثم لقن الله - تعالى - نبيه (صلى الله عليه وسلم) الجواب الذى يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى: ((قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم). أى قل لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل: إن الأمكنة كلها مهلكاً وتصرفاً وهى بالنسبة إليه متساوية ، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة فى الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على ثالناس إلا أن يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم، لا ترجيحاً لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذى يهدى من يشاء هدايته، إلى السبيل الحق ، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك، ثم إلى الكعبة، حيث بعلم المصلحة فيها أمر به". - ثم وصف الله - تعالى - الأمه الإسلامية، بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم والعمل فقال تعالى: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، . والمعنى: ومثل ما جعلنا قبلتكم - أيها المسلمون - وسطاً لأنها البيت الحرام الذى هو المثابة للناس، والأمن هم، جعلناكم - أيضاً - ( أمة وسطا) أى: خياراً عدولا بين الأمم اليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة (م - ٢٥ البقرة) ... ٣٨٦ الجزء الأول التى تتوجهون إليها فى صلواتكم ، وتشهدوا على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوم الرسالة، ونصحوهم بما ينفعهم، ولكى يشهد الرسو ( صلى الله عليه وسلم) عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به. أخرج البخارى عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعىفوح يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديد يارب، فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول نعم، فيقال لأمته ١٠ بلغكم. فيقول: ما أتانا من نذير، فيقال له: من يشهد لك . فيقول محمد وأمته . فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله - جل ذكره - ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً (١) ثم بين الله - تعالى - الحكمة فى تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى: (( وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يقبع الرسول ممن ينقلب على عقبه ). أى وما شرعنا التوجه إلى القبلة التى كنت عليها قبل وقتك هذا وهى بيت المقدس ، إلا لتعامل الناس معاملة الممتحن المختبر ، فتعلم من يتبع الرسول ويأتمر بأوامره فى كل حال ممن لم يدخل الدين فى قرارة نفسه، وإنما دخل فيه على حرف ، بحيث يرقد عنه لأقل شبهة ، وأدنى ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف الإيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة والله - تعالى - عالم بكل شىء ، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهداً فى العيان، إذ تعلق الشى. واقعاً فى العيان، هو الذى تقوم عليه الحجة، ويترقب عليه الثواب والعقاب . ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال لتعلم ولم يزل عالماً بذلك ؟ قلت : معناه لفعله علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجوداً حاصلا، ونحوه («ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ، وقيل .(١) صحيح البخارى، باب: ((وكذلك جعلنا كم أمة وسطاء من كتاب. التفسير، ج٦ ص ٢٦ ٣٨٧ سورة البقرة ليعلم رسول الله والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده، وقيل معناه. لميز التابع من الناكص كما قال - تعالى .. « ليميز الله الخبيث من الطيب، فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم به بقع التمييز به، (١) . ثم بين الله - تعالى - آثار تحويل القبلة فى نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى: ((وإن كانت للكبيرة إلا على الذين هدى الله، .. أى : إنما شرعنا لك - يا محمد - القبلة أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك فى كل حالة من لا يعطيك، وإن كانت هذه الفعلة - وهى تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة - الكبيرة وشاقة ، إلا على الذين خلق الله الهداية فى قلوبهم فتلقوا أوامرنا بالخضوع والإذعان، وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا . ٠٬٠٠ وقوله - تعالى - «وما كان الله ليضيع إيمانكم. بشارة عظيمة للمؤمنين، وجواب لما جاشت به الصدور ، وتكذيب لما ادعاه اليهود من أن عباده المؤمنين فى الفترة التى سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ضائعة وباطلة . فقد أخرج البخارى من حديث البراء بن عازب - رضى الله عنه - (أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله - تعالى - ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)). وقال ابن عباس: ((كان رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم: أسعد بن زراره، وأبو أمامة .. وأناس آخرون فجاءت عشائرهم فقالوا: يارسول الله: مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم ، فكيف يإخواننا، فأنزل الله - تعالى - ((وما كان الله ليضبع إيمانكم)). وروى أن حى بن أخطب وجماعة من اليهودية قالوا للمسلمين : أخبرونا (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٣٨ :٣٨٨ الجزء الأول عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه، و كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بها مدة، ومن مات عليها فقدمات على ضلا فقال المسلمون إنما الهدى فما أمر الله - تعالى - والضلالة فيها نهى الله: فقالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبانتنا ؟ - وكان قد ما من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة - فانطلق عشائرهم إلى الفى (. الله عليه وسلم ) فقالوا: يارسول الله: كيف بإخواننا الذين ماتوا و. يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ((وما كان الله ليـ إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم)). والمعنى - وما كان الله - تعالى - ليذهب صلاتكم وأعمال الصالحة التى قتم بها خلال توجهكم إلى بيت المقدس ، لأنه - سبحانا بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر من أحسن عملا . ثم خاطب الله - تعالى - نبيه ( صلى الله عليه وسلم) ووعده بـ القبلة التى سيؤمر بالتوجه إليها هى التى يحرص عليها ويرغب فيها. قال الإمام ابن كثير : قال على بن أبى طلحة قال ابن عباس: (كـ أول ما نسخ فى القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسا لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله تعالى أن يستقبل يه المقدس ففرحت اليهود فاسقبله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بضعة عن شهراً، وكان يحب قبلة أبيه إبراهيم ، فكان يدعو الله، وينظر إلى السما فأنزل الله - تعالى - «قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلتولينك قبلة ترضا فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهم شطره، ( والمعنى: قد شاهدنا - يامحمد - وعلمنا تردد وجهك، وتسريح نظر إلى السماء، قطلعا إلى نزول الوحى عليك، وتوقعاً لما ألقى فى روعك تحويل القبلة إلى الكعبة سعياً منك وراء استمالة العرب إلى الدخول (١) تفسير ابن کثیر ج ١ ص ١٩٢ ١ : ٣٨٩ سورة البقرة أحضان الإسلام، ومخالفة اليهود الذين كانوا يقولون: إنه يخالفنافى ديننا ويقبع قبلتنا، وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت، ووجهناك إلى قبلة تحيها وتميل إليها, فول وجهك شطر المسجد الحرام)) أى : فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته . ثم عمم القرآن الكريم هذا التشريع على الأمة الإسلامية جميعها . فقال تعالى : ( وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره). أى: وحيثما كنتم وأينما وجدتم فى بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء. المسجد الحرام ونحوه. وقد جاءت هذه الجملة موجهة إلى الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب فى الأول خاصاً بالنى (صلى الله عليه وسلم) ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آ كد وأبلغ . فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له ، فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال تأديته الصلاة لربه، سواء أكان المصلى بالمدينة أم بمكه أو بغيرهما . وفى ذكر المسجد الحرام دون الكعبة، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك لم يقع خلاف بين العلماء فى أن الكعبة قبلة كل أفق . وأن من عاينها. فرض عليها استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها . فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع . وقد سقنا فى مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التى صرحته بأن الصحابة عند ما أبلغهم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أمر بالتحويل إلى الكعبة استداروا إليها وهم فى صلاتهم فجعلوها قبلتهم . ومها يشهد بقوة إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء عن نويلة يقت مسلم أنها قالت . ٣٩٠ الجزء الأول ( صلينا الظه - أو العصر - فى مسجد بنى حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء - أى بيت المقدس - فصلينا ركعتين ، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال . والرجال مكان النساء . فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام . فحدثنى رجل من بنى حارثة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أولئك رجال يؤمنون بالغيب، (١). ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكمية هو الحق الذى لاريب فيه فقال تعالى: ((وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون)). أى: وإن اليهود الذين أفكروا استقبالكم الكعبة، وانصرالكم عن بيت المقدس ، ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق؛ لأن الذى أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله ، أو أنه يصلى إلى القبلتين، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم ، وما الله بغافل عن أعمالكم بل هو محيط بها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة حساباً عسيراً » . - ثم أخبر الله - تعالى - عن كفر اليهود وعنادهم، وأنهم أن يتبعوا الحق ولو جاءهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بكل آية. فقال تعالى : (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٣ ٣٩١ سورة البقرة ، وَلَبِنْ أَبَيْتَ الَّذِينَ أَوْتُواْ ٠٠ ,٠٠٠٤ الْكِتَبَ بِكُلّ ◌َةٍ مَّتَبِعُواْ قِبِلَتَكَّ وَمَا أَنْتَ ◌ِتَابِعِ قِبْلَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ ◌ِتَابِع قِبْلَةَ بَعْضِّ وَلَيْنِ أَتْبَعْتَ أَهْوَآءُهُمْ مِنْ بَعْدِ مَجَآءَ كَ مِنَ الْعِلِّ إِنَّكَ إِذَا لَمِنَ الظَّلِينَ ﴾ الَّذِينَ ءَاتَّبِّنَهُمْ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَ يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمَّ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٤﴾ آلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُمْتِينَ () وَلِكُلّ ◌ِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِيهَا فَاسْتَّقُواْ الْخَيْرَتِ أَبْنَ مَاتَكُونُواْيَأْتِ بِكُ اللهُ جَيْعًاْ إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾ وَمِنْ حَيْثُ خَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَّ شَطْرَ الْمَسْجِدِ آلْحَرَِّّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُ وَمَاً اللُّغَفِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (2) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرٌ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَولُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُ مُهُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (ُ 1 والمعنى: ولئن جئت - يا محمد - اليهود من على طريقتهم فى الكفر بكل برهان وحجة ، بأن الحق هو ماجئتم به ، من فرض التحول من قبلة [ بيت المقدس فى الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به، لأن تر کهم ٣٩٢ الجزء الاول إقياعك ليس عن شبهة يزيلها الدليل ، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما فى كتبهم من أنك على الحق المبين . . وما أنت - يا محمد - بتابع قبلتهم ، لأنك على الهدى وهم على الضلال. وفى هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة، بعد أن أشاعوا بأن النبى (صلى الله عليه وسلم ) لو ثبت على قبلتهم لكانوا. يرجون أنه التى المنتظر، مقطع القرآن الكريم آمالهم فى رجوع النبى ( صلى الله عليه وسلم) إلى قبلتهم، وأخبر بأنه ليس بتابع لها. ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب فى القبلة ، وأن كل طائفة منهم لاقتع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى: (وما بعضهم يتابع قبلة بعضهم، أى : ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة. اليهود، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك ، مختلفون فى باطلهم وذلك لأن اليهود .. تستقبل بيت المقدس ، والنصارى تستقبل مطلع الشمس . ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيراً الأمة كلها من إتباع أهل. الكتاب، وجاء هذا التحذير فى شخص النبى (صلى الله عليه وسلم ) فقال تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين، أى: لئن اتبعت - يا محمد - قبلتهم - على سبيل الفرض، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على الباطل ، إنك إذاً لمن الظالمين لأنفسهم ، المخالفين لأمرى. فالآية الكريمة : وعيد وتحذير للأمة الإسلامية من إتباع آراء اليهود .. المنبعثة عن الهوى والشهوة، وسيق الوعيد والتحذير فى صورة الخطاب للرسول (صلى الله عليه وسلم) الذى لا يتوقع منه أن ينبع أهواء أهل الكتاب ، .. تأكيداً للوعيد والتحذير ، فكأنه يقول : لو اقبع أهواءهم أفضل الخليقة، وأعلاهم منزلة عندى ، لجازبته- مجازاة الظالمين، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه فى الفضل وعلو .. المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين .. ٣٩٣ سورة البقرة قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم .. ولهم قبلتان ، لليهود قبلة والنصارى قبلة ؟ . قلت: كلتا القبلتين باطلة، مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد فى البطلان قبلة واحدة ، (١). - ثم بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) معرفة لا يخالطها شك فقال تعالى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم،. أى: أن أخبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبي (صلى. الله عليه وسلم) ويعرفون أن توجهه إلى البيت الحرام حق، كما يعرفون. أبناءهم , فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية،. بالمعرفة الحسية فى أن كلا منها يقين لا اشتباه فيه . قال الإمام ابن كثير: « يخير الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة. ماجاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم) كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل فى صحة الشىء بهذا كما جاء فى الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال الرجل معه صبى صغير (( إبنك هذا)؟ قال نعم یا رسول الله أُشهد به، قال : «أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفی علیه، ویروی عن عمر أنه قال (( لعبد الله بن سلام) أتعرف محمداً (صلى الله عليه وسلم). كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين فى الأرض بنعته، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدى، فقبل عمر - رضى. الله عنه - رأسه)، (٢) . أى: وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإيقان العلمى. من أنك على حق فى كل شئونك ليتمادون فى إخفائه وجهوده ، وهم. يعلمون ما يترتب على ذلك الكتمان من سوء المصير لهم فى الدنيا والآخرة. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٢٩) (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٤ ٣٩٤ الجزء الأول - ثم ثبت الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين ، فأخبرهم بأن ماجاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو الحق الذى لاشك فيه . أى: أعلم - يا محمد - أن ما أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد الحرام . هو الحق الذى جاءك من ربك، وإن ما يقوله اليهود وغيرهم من المشركين هو الباطل الذى لاشك فيه، فلا تكونن من الشاكين فى كتمانهم الحق مع علمهم به ، أو فى الحق الذى جاءك من ربك وهو ما أنت عليه فى جميع أحوالك ومن بينها التوجه إلى المسجد الحرام . والشك غير متوقع من الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، ولذلك قال المفسرون إن النهى موجه إلى الأمة فى شخص نبيهاً «صلى الله عليه وسلم) إذكان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبهاً تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان فى قلوبهم. وقد وضح ابن جرير - رحمه الله - هذا المعنى بقوله : فإن قال لنا قائل: ((أو كان النبى (صلى الله عليه وسلم، شاكا فى أن الحق من ربه أو فى أن القبلة التى وجه الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك فى ذلك فقيل له (( فلا تكونن من الممترين)). قيل: ذلك"من الكلام الذى تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهى للمخاطب به ، والمراد به غيره كما قال جل ثناؤه: (( يا أيها النبى أفق الله ولا قطع الكافرين والمنافقين)) ثم قال «واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعلمون خبيراً)، فخرج الكلام مخرح الأمر للنبى (صلى الله عليه وسلم) والنهى له. والمراد به أصحابه المؤمنون به (١). - ثم قال تعالى: ( ولكل وجهه هو موليها فاستبقوا الخيرات ). أى : ولكل أهل ملة فيله يتجهون إليها فى عباداتهم ، فسارعوا أنتم (١) تفسير ابن جرير جـ ٢ ص ٢٧. ٣٩٥ سورة البقرة جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التى تكسبكم سعادة الدارين، والتى من جملتها التوجه إلى البيت الحرام . ثم ساق الله - تعالى - وعداً لمن يطيع أمره، ووعيداً لمن ينصرف عن الخير. فقال - تعالى - ((أينماتكونوا يأت بكم الله جميعا. أمى: فى أى بقعة يدرككم الأجل ، وتموتون فيها، يجمعكم الله - تعالى - يوم القيامة. لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه - سبحانه - قادر على جمعكم بعد ماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجادكم وأبدانكم، كما أنه - سبحانه - قدير على كل شىء، وما دام الأمر كذلك، -فبادروا بالأعمال الصالحة شكراً لربكم، وحافظوا على قبلتكم ، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر والعناد . ثم أكد - سبحانه - حكم التحويل ، وبين عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد الحرام فى حالتى السفر أو الحضر. فقال - تعالى - ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ... أى: ومن أى موضع خرجت وإلى أى مكان آخر سرت ، فول - يا محمد - وجهك عند صلانك إلى المسجد الحرام، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق الدى لا شك فيه عند ربك ، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله - تعالى - فی كل ما يأمركم به، وینها كم عنه ، لأنه - سبحانه - ليس بساه عن أعمالكم، ولا يغافل عنها ، ولكنه محصيها عليكم، وسيجازيكم الجزاء الذى تستحقونه عليها يوم القيامة. ثم كرر - سبحانه - الأمر للمؤمنين بأن يتجهوا فى صلاتهم إلى المسجد الحرام فقال: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أى: ومن أى مكان خرجت - با محمد - فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وأيماكنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم فى علانكم تجاهه ونحوه . ٣٩٦ الجزء الأول وتلك هى المرة الثالثة التى تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد .. الحرام فى صلاتهم ، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن. تحول القبلة كان أول نسخ فى الإسلام - كما قال كثير من العلماء - فاقتضى الأمر تأكيده فى نفوس المؤمنين حتى يستقر فى مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح، ولأن الله - تعالى - أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه - (صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين. الزموا هذه القبلة لأنها هى القبيلة التى ترضونها وترغبون فيها وطالما. تمنيتموها، والزموها - أيضاً - لأنها هى القبلة التى لن تنسخ بعد ذلك. والزموما - كذلك - لأن له ومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين .. وغيرهم من المعاندين والخاسرين . وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد الحرام فى هذه الآية. الكريمة بحكم ثلاث . أولها : قوله تعالى ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموامنهم. فلا تخشوهم واخشونى) والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من المناوئين .. الدعوة الإسلامية . والمعنى عليك - أيها النبى - ومن معك من المؤمنين أن تتجهوافى صلائكم. إلى الكعبة المشرفة ، لكى تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس. إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف- ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التى قد تبدو مقبولة فى نظر ضعاف العقول . ١ وقوله تعالى (إلا الذين ظلموا) استثناء من الناس، والمعنى: لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم ، إلا المعاندين منهم القائلين.». ٣٩٧ سورة البقرة ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حباً لدين قومه، واشتيافاً لمكة، وهؤلاء لا تخافون مطاعنهم بل اجعلوا خوفكم منى وحدى ولا تقيموا لما يشاغبون به فى أمر القبلة وغيره وزنا ، فإنى كفيل أن أرد عنكم كبدهم وأحبط سعيهم، فأنتم ، أيها المؤمنون - ما توجهتم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ربكم وأمره، ففى الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم - عز وجل - وقد أحسن صاحب الكشاف فى شرحه للجملة الكريمة ، وصرح بأنه يجوز أن يراد بالناس وبالذين ظلوا مشركو العرب فقال : ( إلا الذين ظلموا) استثناء من الناس ، ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم ، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا هيلا إلى دين قومه وحباً لبلده ، ولو كان على الحق للزم قيلة الأنبياء قبله، فإن قلت: أى حجة كانت تكون المنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة ، ولم يبال بحجة المعاندين؟. :. قلت: كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذ كور فى نعته فى التوراة ؟ فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندین؟ قلت : لأنهم يسوقونه سياق الحجة ، ويجوز أن يكون المعنى : لثلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض فى ترككم التوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة ، حين يقولون بداله فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، (١). وثانيها: قوله تعالى: ( ولأتم نعمى عليكم ) أى: ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام ( لئلا يكون للناس عليكم حجة) ولتكون قبلتكم مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم، فالجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ((لئلا يكون الناس عليكم حجة، . وثالثها : قوله ( تعالى ولعلكم تهتدون) أى: وكى ترشدوا للصوات (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٤٠ ٣٩٨ الجزء الأول فى كل أموركم فاضلت عنه الأمم من الحق مدينا كم إليه، وخصصنا كم . ولهذا كانت أمت كم خير أمة أخرجت للناس . والجملة الكريمة معطوفة على الجملة السابقة وهى قوله تعالى (ولاتم. فعمتى عليكم . وبذلك تكون الآيات الكريمة التى نزات فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام قد ثبتت ) المؤمنين، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرم فى هذه المسألة . خامساً: هذا، وفى ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال. الخامس ، وهو : لماذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول : لقد شرع الله - تعالى - تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن على المسلمون. إلى بيت المقدس فترة من الزمان، وكرر الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند الصلاة ، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق، وأتى بألوان من الوعيد لمن لم يتبع أوامره، وساق وجوهاً من التأكيدات تدل على عناية بالغة بشأنها . والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل - مع أن التوجه إليها فرع من. فروع الدين - هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.کان اول. فسخ فى الإسلام - كما قال بذلك كثير من العلماء - والنسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان ، فاقتضى الأمر بسط الحديث فى مسألة. القبلة ليزدادوالإيماناً على إيمانهم. ولأن هذا التحويل - أيضاً - جاء على خلاف رغبة اليهود ، فإنهم كانوا يحرصون على استمرار المسلمين فى التوجه إلى بيت المقدس ، لأنه قبلتهم، فلما حصل التحويل إلى المسجد الحرام، اتخذوا منه مادة للطعن .. فى صحة النبوة ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وسلكوا البلبلة أفكار المسلمين. كل وسيلة . ٣٩٩- سورة البقرة فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة ، ومباين للعقول، فلا يقع فى الشرائع الإلهية ، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما بينا بعضه عند تفسيرنا الآيات الكريمة. ويبدو أن شعبهم هذا، كان له آثاره عند ذوى النفوس المريضة. وضعاف الإيمان لهذا كله أخذت مسألة القبلة شأناً غير شأن بقية الأحكام الفرعية ، فكان مقتضى الحال أن يكون الحديث عنها مستفيضاً، ومدعماً بالأدلة والبراهين، وهذا ما راعاه القرآن الكريم عند حديثه عن مسألة القبلة ، فلقد كرر وقرر، ووعد وقوعد ، ووضح وبين ، ليدفع كل شبهة ، وليجتث كل حجة، ويزيد المؤمنين إيماناً على إيمانهم، وينهض بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين فى العلم، ویهوی باليهود ومن حذا حذوهم فى. مكان سحيق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث. عن نعمة جليلة أخرى وهى نعمة أرسال الرسول فيهم هدايتهم فقال - تعالى -: كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُرْ ءَايَتِنَا وَ يُحِكُمْ وَيُعَلِمُ الْكِنْبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّالَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُنَ (2) فَذْ كُرُونِيّ أَذْ كُرْكُرْ وَأَشْكُرُواْلِ وَلَا تَكْفُرُونِ. ١٥٢ وقوله - تعالى - ((كا أرسلنا فيكم رسولا منكم ... ألخ)، متصل بما قبله ، والكاف للقشبيه وهى فى موضع نصب على أنها فعت لمصدر محذوف وما مصدرية، والتقدير: لقد حوات القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم تعمقه. :٠ : ٤٠٠ الجزء الأول عليكم إتماماً مثل إتمام نسمتى عليكم لإرسال الرسول (صلى الله عليه وسلم فيكم، إجابة الدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا «ربنا وأبعث فيهم رسولا منهم . وقيل إن قوله - تعالى - ((كما أرسلنا ... الخ) متصل بما بعده، فتكور الكاف للمقابلة، أى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين القويم والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فضلا منى وكرماً، فاذكرونى بالشكر عليها أذكركم برحمتى وثوابى. وقوله ((فيكم، متعلق ((بأرسلنا، وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور: وقوله ((منكم، فى موضع قصب، لأنا صفة لقوله (( رسولا، والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب. وفى إرساله الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من الشكر، لأن إرساله منهم يسبق معرفتهم لنشأته الطيّبة وسيرته المطرة، ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإيمان به، ولأن فى إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم، ومجد لا يعدله مجد، حيث جعل - سبحانه - خاتم رسله من هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الألفة الشديدة من الإنقياد، فكون الرسول منهم أدعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته. وقوله: ((يتلو عليكم آياتنا)، صفة ثانية للرسول ( صلى الله عليه وسلم ). والتلاوة : ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق، وأصله من الإتباع ومنه تلاه، أى : تبعه . والمراد من الآيات: آيات القرآن الكريم، وقلاوتها قراءتها ، فإن البصير بأساليب البيان العربى يدرك من مجرد تلاوة آيات القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التى كان بها معجزة ساطعة . وفى هذه الجملة - كما قال الألوسى - (إشارة إلى طريق إثبات نبوته - عليه الصلاة والسلام - لأن تلاوة الآمى الآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التى ينتظم