النص المفهرس

صفحات 341-360

٠٣٤١
سورة البقرة.
السار للمخبر به الذى لم يسبق له علم به . والنذير: المنذر، وهو المخبر
بالأمر المخوف ليحذر منه .
وجملة ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، معطوف على جملة، إنا
أرسلناك ... ..
والجحيم : المتأجيج من النار. وأصحابها: الملازمون لها. والسؤال:
كناية عن المؤاخذة واللوم.
والمعنى : لا تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد، فإن وظيفتك أن
تبشر وتنذر ولست بعد ذلك مؤاخذاً ببقاء الكافرين على كفرهم، ولست
مسئولا عن عدم اهتدائهم ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)).
وفى وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم،
فصاروا لا يرجى منها الرجوع عن الكفر .
. وفى هذه الجملة مع قوله « بشيراً ونذيراً، تسمية للرسول - صلى الله عليه
وسلم - حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون .
ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية فقال: ((وان
ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم».
الملة : الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسمالما شرعه الله لعباده على
لسان نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس حقاً من
الأديان المنحرفة أو الباطلة، كما حكى القرآن عن يوسف - عليه السلام -
أنه قال :
((إنى تركت ملة قوم لا يومنون باق وهم بالآخرة هم كافرون).
وأفرد القرآن الملة فقال - تعالى - ملته - . مع أن الكل من اليهود والنصارى
ملة خاصة ، لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما
من التحريف بمنزلة واحدة ، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى فى قلة
الانتفاع به .

٣٤٣
الجزء الأول
ومعنى الغابة فى قوله « حتى تتبع ملتهم «الكتابة عن اليأس من أتباع
أهل الكتاب لشريعة الإسلام، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا باتباعه
- صلى الله عليه وسلم - لملتهم وكان أقباع النبى - صلى الله عليه وسلم - لملتهم
مستحيلا، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا، فالجملة الكريمة مبالغة فى
الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما ألا يجوز وقوعه منه.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب فقال:
( قل إن هدى الله هو الهدى).
وهدى ألقه : دينه ، والهدى ، بمعنى الهادى إلى طريق الفلاح فى الدنيا
والآخرة . أى : ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذى يضعه فى قلب
من يشاء هو الهدى الحقيقى لا ما يدعيه هؤلاء من الأهواء.
وإيراد الهدى معرفاً بأل مع اقترانه بضمير الفصل ((هو ) يفيد قصر
الهداية على دين الله ، وينفى أن يكون فی دین غير دين اللههدى. وإذا كانت
الهداية مقصورة على الدين الذى جاء به محمد - عَاله - فكيف يطمع
أهل الكتاب فى أن يتبع ملتهم ؟
ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال: ( ولئن أتبعت أهواءهم
بعد الذى جاءك من العلم ، ما لك من اللّه من ولى ولا نصير).
اللام فى قوله (( ولئن، تشعر بأن فى الجملة قسماً مقدراً روعى فى مدرها
ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يحدمن الله ولياً
ولا نصيراً .
والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة
من شهوات فى أنفسهم . والعلم: الدين: وحمى علماً لأنه يعلم بالأدلة القاطعة
والمولى: القريب والخليف . والنصير : كل من يعين غيره على من بناوئه
ويبسط إليه يده بسوء .
والمعنى: ولئن اقبعت - يا محمد - آراءهم الزائفة، بعد الذى جاءك

٣٤٣
سورة البقرة
حن العلم بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين
الواضحة ، مالك من اللّه من ولى يلى أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه.
وإنما أوثر خطا به (صلى الله عليه وسلم) ليدخل دخولا أولياً من أقبح
أهواء هم بعد الإسلام من المنافقين تمسكاً بولايتهم ، طمعاً فى نصرتهم.
وبعد أن ذكر القرآن فى الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل
الكتاب أخذ فى بيان حال المؤمنين، فقال:
«الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته».
: أى : بقر ونه قراءة حقة، مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه،
ولا شك أن ضبط لفظه يقتضى عدم تحريف مالا يوافق أهواء أهل
الكتاب، كالجمل الواردة فى فعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأن
قديره يستدعى أتباعه والعمل به .
وجملة: ((يتلونه حق تلاوته، حال من الضمير ((م ) أو من الكتاب
.وهذه الحال من قبيل الأحوال التى تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم
إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه . وهى التى تسمى بالحال المقدرة أى :
-مقدراً وقوعها بعد وقوع عاملها .
والمراد بالذين أوتوا الكتاب ، مؤمنو أهل الكتاب. والمراد بالكتاب
"التوراة والإنجيل. أوهم أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، والكتاب:
القرآن .
وأجاز بعضهم أن تكون الآية سيقت مدحاً لمن آمن من أهل الكتاب
بالقرآن، فيكون الضمير فى يتلونه القرآن .
وقوله (( أولئك يؤمنون به، خبر عن قوله (( الذين آتيناهم الكتاب)).
وفى ذكر الإشارة ووضعه فى صدر الجملة المخربها ، زيادة تأكيد
لإثبات إيمانهم .
وفى هذه الجملة تعريض بأولئك المعاندين الذين كانوا يسمعون كلام الله
ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، فكأن الآية التى معنا تقول: ((الذين آتيناهم

٣٤٤
الجزء الأول
النكتاب، وكان من حالهم أن قرموه حق قراءته، يؤمنون به إيماناً لاريبة.
فيه، بخلاف المعاندين المحرفين الكلم عن مواضعه .
(. ثم بين - سبحانه - عاقبة الكافرين يكتبه فقال: ((ومن يكفر به.
فأولئك همّ الخاسرون » .
والكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه وإنكار بعض ماجاء فيه. أى ومن
يكفر به فأولئك هم الخاسرون فى الدنيا حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين ..
وهم الخاسرون فى الآخرة ، إذ سيفوتهم ما أعده الله لعباده من نعيم دائم،
ومقام كريم .
وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم ، فقد
اختتمه - أيضاً - هذا النداء فقال :
يَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَِّىّ
أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِى فَضَّلْتُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (٢) وَأَتَّقُواْ يَوْمَا لَا.
◌ْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلُ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَعَةٌ
وُلَ هُمْ يُنْصَرُونَ (!
ففی ھاتینالآبتین تکریر لتذ کیر بنىإسرائيل بما سبق أن ذكروا بهفى
صدر الحديث معهم فى هذه السورة ، وذلك لأهمية ما ناداهم من أجله
وأهمية الشىء تقتضى تكرار الأمر به إبلاغا فى الحجة وتأ كيداً للتذكرة.
قال القاضى : ولما صدر القرآن قصة بنى إسرائيل بذكر النعم والقيام
بحقوقها والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها ، كرر ذلك.
وختم به الكلام معهم ، مبالغاً فى النصح وإيذاناً بأنه فذلكة القضية».
والمقصود من القصة .
١٠

٣٤٥,
سورة البقرة
هذا، وبعد أن ذكر الله - تعالى - فى الآيات السابقة نعمه على.
بنى إسرائيل ، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد ، ويأتون
منكرات فى الأقوال والأعمال، وختم الحديث معهم بإنذار بالغ . وتذكير
بيوم لا يغنى فيه أحد عن أحد شيئاً ، بعد كل ذلك واصل القرآن حديثه.
عن قصة إبراهيم - عليه السلام - لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه.
ويقرون بفضله ، فقال - تعالى - :
٠
وَ إِذْ أَبْتَ إَِّهِمَ رَبُّ بِكَتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَمًّا قَالَ وَمِنْ ذُرِِّّ قَالَ لَا يَلُ عَهْدِى الَِّنَ(
بمبـ
١٢٤
والإبتلاء: الاختبار . أى. اختبره ربه - تعالى - بما كلفه يه من
الأوامر والنواهى، ومعنى اختبار الله - تعالى - لعبده، أن يعامله معاملة
المختبر مجازاً، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه - تعالى - لعلمه المحيط
بالأشياء والله - تعالى - قارة يختبر عباده بالضراء ليصيروا. وتارة ..
بالسراء وفى كلتا الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها .
وفى إسناد الابتلاء إلى الرب إشعار للتالى أو السامع بأنه إبتلاء بما
ابتلاه به تربية له ، وتقوية لعزمه، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور.
وقد اختلف المفسرون فى تعيين المراد بالكلمات التى اختبر الله بها.
نبيه إبراهيم - عليه السلام - على أقوال كثيرة .
قال ابن جرير: «ولا يجوز الجزم بشىء ما ذكروه منها أنه المراد على
التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح فى ذلك خبر بنقل الواح ...
ولا بنقل الجماعة الذى يجب التسليم له، . ولعل أرجح الآراء فى المراد بهذه
الكلمات، أنها الأوامر التى كلفه الله بها، فأتى بها على أتم وجه. ))
وقوله ,فأنتهن، أى أتى بهن على الوجه الأكمل، وأداهن أداء تاماً.

٠٣٤٦
الجزء الأول
يليق به - عليه السلام - ولذا مدحه الله بقوله ((وإبراهيم الذى وفى)).
وجىء بالفاء فى (فاتمهن) للدلالة على الفور والامتثال. وذلك من
شدة العزم ، وقوة اليقين .
وفى إجمال القرآن لتلك الكلمات التى امتحن الله بها إبراهيم، وفى
وصفه له بأنه أتمهن ، إشعار بأنها من الأعمال التى لا ينهض بها إلا ذو عزم
قوى يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة، وسرعة الامتثال .
وقدم المفعول وهو لفظ ابراهيم؛ لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة
اسم الرب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله ابراهيم.
وجملة ( قال إنى جاءلك الناس إماماً) مستأنفة لبيان مامن الله به على
· إبراهيم من الكرامة ورفعة المقام، بعد أن ذكر - سبحانه - أنه عامله
معاملة المختبر له، إذكلفه بأمور شاقة فأحسن القيام بها .
جاءلك: من جعل بمعنى صبر. والإمام : القدرة الذى يؤتم به فى
أقواله وأفعاله .
والمراد بالإمامة هنا: الرسالة والنبوة، فإنهما أ كمل أنواع الإمامة،
والرسول أكمل أفراد هذا النوع. وقد كان إبراهيم - عليه السلام - رسولا
يقتدى به الناس فى أصول الدين ومكارم الأخلاق .
وقال «إنى جاعلك الناس إماماً)، ولم يقل: « إنى جاءلك الناس
. رسولا ، ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق
التبليغ ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء ، فإن ابراهيم - عليه
السلام - قد رحل إلى آفاق كثيرة، فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق، وإلى
الشام، وإلى الحجاز، وإلى مصر، وكان فى جميع منازله أسوة حسنة لغيره
وقد مدح القرآن إبراهيم فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى :
((ثم أوحينا إليك أن اقبع ملة إبراهيم حنيفا).
وجملة ( قال ومن ذريتى) واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن يخطر
فى نفس السامع، فكأنه قال: وماذا كان من إبراهيمعندماقلق من ر به تلك

٣٤٧
سورة البقرة
الإشارة العظمى ؟ فكان الجواب أن إبراهيم قد التمس الإمامة لبعض
. ذريته أيضاً .
أى : قال إبراهيم: واجعل بارب من ذرينى أئمة يقتدى بهم.
وقد رد الله - تعالى - على قول إبراهيم بقوله: ((قال لا ينال
عهدى الظالمين » .
وإنما قال إبراهيم ومن ذريقى ولم يقل وذريتى، لأنه يعلم أن حكمة
"الله من هذا العالم لم تجز بأن يكون جميع نسل أحد من يصلحون لأن
يقتدى بهم فلم يسأل ما هو غير مألوف عادة ، لأن سؤال ذلك ليس من
آداب الدعاء .
أى : قال الله لإبراهيم : قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك
لكن لا يصيب عهدى الذى عهدته إليك بالإمامة الذين ظلموا منهم،
فالعهد هنا بمعنى الإمامة المشار إليها فى قوله «جاءلك للناس إماماً)).
وفى هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع ، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم
من الإنعام على بعض ذريته بالإمامة كما قال - تعالى - :
(( وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب، ولكنها تدل صراحة على أن
الظالمين من ذريته ليسوا أهلا لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم ، وتشير إلى أن
غير الظالمين منهم قد تنالهم النبوة ، وقد نالت من ذريته إسماعيل وإسحاق
ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء .
قال - تعالى - ,وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن
وظالم لنفسه مبين)) .
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام، وعن قصة بنائه،
وعن الدعوات الخاشعات التى كان إبراهيم يتضرع بها إلى الله عند رفعه
البيت فقال :

٣٤٨
الجزء الاول
وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَتَّخِذُواْ مِنْ
مَّقَاِ إِبْ هَِ مُصَلَّ وَعَهِدْنَا إِلَ إِبْرِهِمَ وَإِسْتَعِيلَ أَنْ طَهِرَ بَيْنِيَ
لِلطَّيِفِينَ وَالْعَنكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٨) وَ إِذْ قَالَ إِبْرَ هِمُ
رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدَّاءَاِنَّهُ وَأَرْزُ قْ أَهْلَهُ ، مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَّ
مِنْهُمْ بِاللّهِ وَلْيَوْمِ آلْآَخِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأْمَتِّعُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطُبٍ
إِلَ عَذَابِ النَّارِ وَبِثْسَ الْمَصِيرُ (٨) وَ إِذْ يَرَفَعُ إِبْرِهِمُ الْقَوَاِ
مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْتَعِلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٢٧
◌َبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِيْ لَكَ وَمِن ذُرِ يَقِنَا أُمّةً مُسْلَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
وَتُبْ عَلَيْنَاًّ إِنَّكَ أَنْتَ النَّابُ الرَّحِيمِ (١) رَبَّنَ وَأَبْعَتْ فِهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتَلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِيُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكَةَ وَيُزَكِم
◌ِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
وقوله - تعالى - ((وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، معطوف على ..
قوله - تعالى - ((وإذ ابتلى إبراهيم ربه ... ».
وجعلنا: بمعنى صيرنا . والبيت: المقصود به الكعبة، إذ غلب استعمال ..
البيت فيها حتى صار اسماً لها .
ومثابة للناس : مرجعاً للناس يرجعون إليه من كل جانب ، وهو مصدر
ميمى من ئاب القوم إلى المكان رجعوا إليه . فهم يثوبون إليه . ثوبة

٣٤٩
سورة البقرة
.وثووباً، أو معاذا لهم يلجأون إليه أو موضع ثواب يثابون بحجة واعتباره
والأمن : السلامة من الخوف ، وأمن المكان : اطمئنان أهله به ،
وعدم خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه فالبيت مؤمن ، أى موضع أمن .
وأخبر - سبحانه - بأنه جعله أمنا ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن
حتى صار كأنه نفس الأمن .
وكذلك صار البيت الحرام محفوظاً بالأمن من كل ناحية ، فقد كان
الناس فى الجاهلية يقتتلون ويعتدى بعضهم على بعض من حوله ، أما أهله
فكانوا فى أمان واطمئنان . قال تعالى :
,( أولم يروا أنا جعلنا جرماً أمناً ويتخطف الناس من حولهم، وقال
- تعالى- ((فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً».
وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع
حقاً ولا يعطل حداً، وزادت فى تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه
فريضة على كل قادر عليها .
قال الإمام ابن كثير:(( ومضمون مافسر به العلماء هذه الآية أن الله
تعالى بذكر شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدزاً من كونه مثابة
الناس. أى: جعله محلا تشتاق اليه الأرواح ونحن اليه ولا تقضى منه
وطراً ولو ترددت إليه فى كل عام استجابة من الله - تعالى - لدعاء خليله
إبراهيم فى قوله , فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم))، ويصفه - تعالى -
بأنه جعله أمنا من دخله أمن ولو كان قد فعل مافعل ثم دخله كان آمناً ،
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه
فلا يعرض له .. ،!
((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) الاتخاذ: الجمل، تقول اتخذت
خلافاً صديقاً أى : جعلته صديقاً. والمقام فى اللغة: موضع القدمين من قام
يقوم، ومقام إبراهيم: هو الحجر الذى كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء

٣٥٠
الجزء الأول
الكعبة لما ارتفع الجدار، وهو - على المشهور - تحت المصلى
المعروف الآن بهذا الاسم .
ومعنى اتخاذ مصلى منه : القصد إلى الصلاة عنده . فقد ورد فى الحديث
الصحيح الذى رواه الإمام مسلم عن جابر بين عبد الله أن رسول حص له -
طاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين)).
ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، ومنهم من أطلقه على
الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى.
قال الإمام ابن كثير: ((وقد كان هذا المقام - أى الحجر الذى يسمى
مقام إبراهيم - ملصقاً بجدار الكعبة قديماً، ومكانه معروف اليوم إلى جانب.
الباب مما يلى الحجر على يمين الداخل من الباب فى البقعة المستقلة هناك 4.
وكان الخليل - عليه السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة ..
ثم قال: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر - رضى اللهعنه ..
ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة (١):
ثم قال - تعالى - «وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين.
والعاكفين والركع السجود)).
عهدنا: أمرنا وأوحينا، و((أن) مفسرة المأمور به أو الموصى به.
المشار إليه بقوله ((عهدنا، أى: أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ظهرا بيتى ...
وأضاف - سبحانه - البيت إليه للتشريف والتكريم، ومعنى تطهيره:
صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأغذار والأرجاس والأوثان وكل
ما كان مظنة للشرك ، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسبى ومعنوى .
والطائفين: جمع طائف من طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا دار حوله.
الشىء ، والمراد بهم : المقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة .
والعاكفين: جمع عاكف، من عكف على الشىء عكوفاً إذا أقام عليه.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٧٠.

٣٥١
سورة البقرة
ملازماً له، والمراد بهم: المقيمون فى الحرم بقصد العبادة، ويدخل فى العبادة.
مدارسة العلوم الدينية وما يساعد على فهمها .
والركع السجود: الركع جمع راكع، والسجود: جمع ساجد .
والركع والسجود من هيئات الصفر، وأركانها، فمعنى ((وركع
السجود، المصلون .
فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين فى البيت الحرام: وهم الطائفون
وإن لم يكونوا مقيمين، كمن يأتون لحج وعمرة ثم ينصرفون .
والعاكفون الذين يقيمون فى الحرمبقصد الإكثار من العبادة فى المسجد.
الحرام. والمصلون يتقربون إلى الله بالصلوات. واء أ كانت فرائض أم نوافل.
ولم يعطف السجود على الركع ، لأن الوصفين متلازمان وأو عطف
لتوهم أهما وصفان مفترقان .
ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم.
إلى ربه فقال :
(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً) أى: أضرع إليك يا إلهى
أن تجعل الموضع الذى فيه بيتك مكاناً بأنس إليه الناس ، ويأمنون فيه من
الخوف ، ويجدون فيه كل ما يرجون من أمان واطمئنان .
والمشار إليه بقوله ((هذا)) مكة المكرمة .. والبلد كل قطعة من الأرض
عامرة أو غامرة .
والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن الأمن والخوف لا يلحقان.
البلد ، وإنما يلحقان أهل البلد .
قال الإمام الرازى: وإنما قال هنا « بلدا آمنا، على التنكير ، وقال فى.
سورة إبراهيم (( رب اجعل هذا البلد آمنا، على التعريف لوجهين الأول
أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل
هذا الوادى بلداً آمناً. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال:

٣٥٢
الجزء الأول
اجعل هذا المكان الذى صيرته بلداً ذا أمن وسلامة. الثاني: أن تكون الدعوتان
وقعتا بعد ما صار المكان بلداً، فقوله (اجعل هذا بلدا آمناً، تقديره: أجعل
- هذا البلد بلداً آمناً كقولك: كان اليوم يوماً حاراً، وهذا إنماتذكر للمبالغة
فى وصفه بالحرارة، لأن التفكير يدل على المبالغه، فقوله: رب اجعل هذا
البلد بلداً آمناً معناه: أجعله من البلدان الكاملة فى الأمن. وأما قوله: «رب
اجعل هذا البلدآمنا فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة، (١).
أما الدعوة الثانية التله توجه بها إراهيم إلى ربه من أجل أهل مكة فقد
حكاها القرآن فى قوله :
( وأرزق أهله من المرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر).
أى : كما أسألك يا إلهى أن تجعل هذا البلد بلداً آمناً، أسألك كذلك
أن ترزق المؤمنين من أهله من الثمرات ما يسد حاجاتهم ، ويغنيهم عن
الاحتياج إلى غيرك ،
وقوله ((وارزق)) مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من
مأكول وغيره .
والثمرات: جمع ثمرة ، وهى ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات.
وإنما طلب إبراهيم - عليه السلام - من الله أن يجعل مكة بلدا آمناً،
. وأن يرزق أهلها من الثمرات بما يغنيهم، لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال
الآمن، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على طاعة اللّه بقلوب
مطمئنة، وتفرغوا لذلك بنفوس مستقرة .
وقال فى دعائه: (( من آمن منهم بالله واليوم الآخر، لأن أهل مكة قد
يكون من بينهم كافرون، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه ، لذا أتبع
قوله: (( وارزق أهله، بقوله « من آمن منهم .. ، على وجه البدل فصار.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٤٧٦
1

٣٥٣
سورة البقرة
:"المعنى وارزق المؤمنين من أهله على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل
وهو هنا ((من آمن)، هو المقصود بطلب الرزق .
وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصاً على شيوع الإيمان بين
سكان مكة ، لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هى خاصة بالمؤمنين تجنبوا
ما يبعدهم عن الإيمان، أو أنه خص المؤمنين بذلك تأدباً مع الله - تعالى -
إذ سأله سؤالا أقرب إلى الإجابة، ولعله استشعر من ردالله عليه عموم دعائه
السابق إذ قال: ((ومن ذريتى، فقال: ((لا ينال عهدى الظالمين، أن غير
المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم.
واقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر فى التعبير عنالمؤمن،لأن
الإيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان
بكتب الله ورسله وملائكته .
ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: ( قال ومن كفر فأمتعه قليلا
ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) .
الضمير فى ((قال)، يعود إلى الله - تعالى - ومن فى قوله ((ومن كفر))
منصوب بفعل مقدر دل عليه فامتعه. والمعنى: قال الله وأرزق من كفر.
وإيراد المتكلم قولا من عنده معطوفاً على قول متكلم آخر مألوف فى اللغة
العربية، ويحسن موقعه عند ما يقتضى المقام إبجازاً فى القول، ولولا هذا
العطف لكان المعنى متطلباً لأن يقال: قال الله: أرزق من آمن ومن كفر.
و((أمتعه)): من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به. و((قليلا)»: وصف
لمصدر محذوف فى النظم. والمعنى: أمتعه تمتيعاً قليلا. ووصف التمتع فى
الدنيا بالقلة، لأنه صائر إلى نفاد وانقطاع.
و((أضطره، أى ألجته وأسوقه بعد متاعه فى الدنيا إلى عذاب لا يمكنه
الانفكاك عنه وجملة (( ثم اضطره إلى عذاب النار)) احتراس من أن يغتر
الكافر بأن تخويله النعم فى الدنيا يؤذن برضا الله فلذلك ذكر العذاب هنا.
(م ٢٣ - سورة البقرة)
١٠٠"

٣٥٤٢٠
الجزء الأول
(وبئس) فعل بستعمل لذم المرفوع بعده، وهو ما يسميه النحاق
بالمخصوص بالذم، ووردت هنا لذم النار المقدرة فى الجملة ، والمعنى : بئس
المصير النار. أى أنها مصير دى، كما قال تعالى فى آية أخرى.
(( أنها ساءت مستقراً ومقاماً)).
وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر فى الدنیا کما یرزق المؤمن.
وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير ، فلا متاع.
الكافر بالرزق حكم منها استدراجه المشار إليه بقوله تعالى:
((سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة
فى الرزق وحرم منها الكافرين لكان هذا التخصيص سائقا للكافرين إلى الإيمان
على وجه يشبه الإلجاء. وقد قضت حكمته - تعالى - أن يكون الإيمان
اختيارياً حتى يفساق الإنسان من طريق النظر فى أدلة عقلية يبصر بها أقوام.
ولا يبصر بها آخرون .
ثم حكى القرآن دعوة ثالثة تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: ((وإذ يرفع
إبراهيم القواعد من البيت وأسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم».
القواعد : جمع قاعدة ، وهى أساس البناء الموالى الأرض ، وبها يكون
ثبات البناء. ورفعها: إبرازها عن الأرض بالبناء عليها. والمراد بالبيته
الكمية .
والنقيل : القبول، وقبول اللّه للعمل أن يرضاه أو يشيب عليه.
والمعنى: واذكريا محمد ما صدر من الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل.
فقد كانا وهما يقومان برفع قواعد الكعبة ، يتضرعان إلى ويقولان : ياربنا
تقبل منا أقوالنا وأعمالنا، إنك أنت السميع العليم.
وتصدير الدعاء بندائه - سبحانه - باسم الرب المضاف إلى ضميرهما؟
مظهر من مظاهر خضوعهما ، وإجلالهما لمقامه ، والخضوع له - سبحانه-،
وإجلال مقامه من أسنى الآداب التى تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة.
وعبر المضارع فقال: «وإذ يرفع، مع أن رفع القواعد كان قبل نزول ...

٣٥٥
سورة البقرة
الآية ، وذلك ليخرجه فى صورة الحاضر فى الواقع لأهميته .
وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليؤكد أن رجاءهما في
استجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاء ابتغاء مرضاته جدير بالقبول . لأن
من كان سميعاً عليماً بنيات الداعين وضد ضها ترهم، كان تفضله باستجابة
دعاء المخلصين فى طاعته غير بعيد .
ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات ، التى توجه بها إبراهيم
وإسماعيل إلى اللّه - تعالى - فقال: ((ربنا واجعلنا مسلمين لك)):
مسلمين من الإسلام ، وهو الخضوع والإذعان ، وقد كانا خاضعين
لله مذعنين فى كل حال ، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك ، والإسلام
الذى هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد، وتحرى ما رسمه
الشارع فى العبادات والمعاملات ، والإخلاص فى أداء ما أمر به، واجتناب
ما نهى عنه .
وقوله (( ومن ذريتنا أمة مسلمة، معناه: واجعل يا ربنا من ذريتنا
أمة مخلصة وجهها إليك ، مذعنة لأوامرك ونواهيك .
و (من) للتبعيض، أو للتعيين كقوله: ((وعد الله الذين آمنوا منكم)).
وإنما خص الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح
بهم الأتباع؛ ولأن صلاح الذرية مرغوب فيه طبعاً، والدعاء لهم بالصلاح
مرغب فيه شرعاً، وقد حكى القرآن من دعاء الصالحين قوله - تعالى -:
((ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً).
( وأرنا مناسكنا) أى: علمنا شرائح ديتنا وأعمال «جنا، كالطواف
والسعى والوقوف. أومتعبداتنا التى تقام فيها شرائعنا، كمنى، وعرفات،
ونحوهما.
والمناسك: جمع منسك - بفتح السين وكسرها - بمعنى الفعل وبمعنى
الموضع من النسك - مثلثه النون وبضمها وضم السين - وهو غاية العبادة
والطاعة، وشاعت تسمية أعمال الحج بالمناسك كالطواف والسعى وغيرهما ..
((وقب علينا، تسند التوبة إلى العبد فيقال: قلاب فلان إلى الله ومعناها

٣٥٦
الجزء الأول
الندم على ما لابس من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود اليه،
ورد المظالم إن استطاع، أونية ردها إن لم يستطع، وتسند الى الله فيقال:
تاب الله على فلان، ومعناها حينئذ توفيقه الى التوبة، أو قبولها منه. فمعنى
((وتب علينا)) وفقنا للتوبة أو تقبلها منا .
والتوبة تكون من الكبائر والصغائر ، وتمكون من ترك ما هو أولى
أو من تقصير يؤدى الى خطأ فى الاجتهاد ، وعلى أحد هذين الوجهين ،
تحمل التوبة التى يسأل الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها.
((إنك أنت التواب الرحيم) التواب: كثير القبول لتوبة المنبين اليه،
وقبول قوبتهم يقتضى عدم مؤاخذتهم بما بأقونه من سيئات ، ثم بعد تخلصهم
من عقوبة الخطيئة أو المعاقبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان
وإبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد طلبا قبول توبتهما صراحة
فى قولها (وقب علينا)، ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم، إذ
الرحمة صفة من أثرها الإحسان، فكأنهما قالا: قب علينا وارحمنا، وهذا
من أكمل آداب الدعاء وأرجاء للقبول عند الله تعالى.
ثم ختم إبراهيم وإسماعيل دعواتهما بتلك الدعوة التى فيها خيرهم فى
الدنيا والآخرة، فقالا - كما حكى القرآن عنهما - :
(« ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب
والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)).
الضمير فى قوله ( منهم ) يعود الى الذربة أو الأمة المسلمة فى قوله :
((ومن ذريتنا أمة مسلمة لك » .
والرسول : من أوحى اليه بشرع وأمر بتبليغه: وقلاوة الشىء: قراءته
والمراد بقوله تعالى: ((يتلى عليهم آياته، يقرؤها عليهم قراءة تذكير وفى
هذا إيماء إلى أنه يأتيبهم بكتاب فيه شرع .
والآيات: جمع آية، والمرادبها ما يشهد بوحدانية الله، وبصدق

٣٥٧
سورة البقرة
رسوله (صلى الله عليه وسلم) فما يبلغه عنه، أو المر أدبها آيات القرآن الكريم
،فهو يتلوها عليهم ليحفظوما بألفاظها كمانزلت، ويتعبدوا بتلاوتها، وايعرفوا
من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجهاً مشرقاً من وجوه إعجازها .
والمكتاب: القرآن، وتعلمه يكون بيبان معافيه وحقائقه، ليعرفوا ما
أقاموالهم من دلائل التوحيد وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب
والحكمة : العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به .
ووضعها بجانب الكتاب يرجح أن المراد بها السنة النبوية المطهرة التى
تنتظم أقوال التى (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله، إذ بالكتاب وبالسنة
يعرف الناس أصلح الأعمال، وأعدل الأحكام، وأسنى الآداب ، وتنفتح
لهم طرق التفقه فى أسرار الدين ومقاصده .
ويزكيهم : أى بطهرهم من أرجاس الشرك ومن كل مالا يليق التلبس
به ظاهراً أو باطناً . يقال: زكاه الله، أى طهره وأصلحه، ومنه زكاة المال
التطهره بها، وأصل الزكاة - بالمد - النماء والزيادة ، يقال . زكا الزرع
زكاء وزكوا ، أى نما .
والمعنى : وفسألك باربنا أن تبعث فى الأمة المسلمة ، أوفى ذريتنا
رسولا منهم يقرأ عليهم آياتك الدالة على وحدانيتك ، ويعلمهم كتابك.
بأن يبين لهم معانيه، ويرشدهم الى مافيه من حكم ومواعظ وآداب ، كما
يديهم الى الحكمة التى تتمثل فى اتباع سنة نبيك - والتى بها يتم التفقه
فى الدين ومعرفة أسراره وحكمه ومقاصده، والتى يكمل بها العلم بالكتاب
إنك يا مولانا أنت العزيز الحكيم.
أى القادر الذى لا يغلب على أمر، العالم الذى يدبر الأمور على وفق
المصلحة ، ومن كان قادراً على كل ما يريد، عليها بوجوه المصالح ، كانت
استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال .
وقد جاء ترتيب هذه الجمل فى أسمى درجات البلاغة والحكمة ؛ لأن أول

٣٥٨
الجزء الاول
تبليغ الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه، ثم بتعليم العلم النافع
الذى تحصل به التزكية والتطهير من كل ما لا يليق التلبس به فى الظاهر،
أو الباطن.
وقد سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما أن تكون بعثة الرسول فى ذريتهما
فيكون أمر الإيمان قريباً منهم ، فإن نشأته بينهم ، ومعرفة سيرته قبل الرسالة
وشهادتهم له بالصدق والأمانة ، كل ذلك يحمل العقلاء على المبادرة إلى
تصديقه فيما يبلغه عن ربه .
ولقد حقق الله تعالى دعوة هذين النبيين الكريمين، فأرسل فى
ذريتهما رسولا منهم، وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) أرسله إلى الناس
كافة بشيراً ونذيراً .
وقد أخبر ( صلى الله عليه وسلم) أنه دعوة ابراهيم ، فقال: (أنادعوة
أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمى التى رأت ، وكذلك أمهات
المؤمنين يرين ).
ثم عرض القرآن بعد ذلك بالجاحدين والمعاندين الذين تركوا الحق
الواضح الذى هو ملة إبراهيم، فقال :
د

٣٥٩
سورة البقرة
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرِ هِمَ
إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ أَصْطَفَبَهُ فِ الْنْيَا وَإُِّ فِ الآخِرَةِ
لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ إِذْ قَالَ لَهُو رَبُّهُ ◌ٍ أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
الْعَلَمِينَ (3) وَوَصَِّى بِهَ إِبْرَاهِمُ بِهِ وَيَعْقُوبُ يَبِيَّ إِنَّ اللهَ
أَصْطَ لَكُ الدِّينَ فَمُونُنَّ إِلَّوَأَنْتُ مُسْلُونَ (3) أَمْ كُنُمْ تُهَدَآَءَ
إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ
نَعْبُ إلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَبَ ئِكَ إِبْرَهِكَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِنْحَقَ إِلَهَا وَإِحِدًا
وَنُ لَهُ مُسْلُونَ ﴿) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَامَا كَبَتْ
وَلَكُ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْعَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)
قوله تعالى: ((ومن يرغب من ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، معناه:
"لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله، إلا من
امتهن نفسه، واستخف بها، وظلمها بسوء رأيه، حيث ترك طريق الحق
إلى طريق الضلالة .
يقال رغب فى كذا إذا أراده، ورغب عن كذا إذا كرهه
وانصرفت عنه نفسه والملة فى الأصل الطريقة ، وغلب إطلاقها على
أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار السلام .
وسفه نفسه امتهنها واستخف بها .

٣٦٠
١٠٠
الجزء الأول
ثم بين الله - تعالى - منزلة نبيه إبراهيم - عليه السلام - وخطأ من ..
يرغب عن طريقته المثلى فقال تعالى: ((ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى
الآخرة لمن الصالحين ، أى: ولقد اختر ناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم.
فى الدنيا، وإنه فى الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى. فمن.
يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد فى ..
سفهه وسوه رأيه .
ثم بين اللّه تعالى كمال استقامة ابراهيم التى رفعته إلى المنازل العليا فقال تعالى
((إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) أى: اصطفى اللّه - تعالى ...
إبراهيم لأنه أمره بطاعته وإسلام وجهه إليه فى كل حال فبادر إلى الامتثال.
وقال (( أسلمت لرب العالمين، أى: أخلصت دينى له الذى فطر الخلق جميعاً ..
كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول فى قوله تعالى: « إنى وجهته.
وجهى الذى فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين)).
وبعد أن بين الله - تعالى - أن إبراهيم - عليه السلام - كان كاملا فى ...
نفسه، أقبع ذلك بيان أنه كان - أيضاً - يعمل على تكميل غيره، ودعوتهم
إلى توحيد الله تعالى . فقال- سبحانه - : ((ووصى بها إبراهيم بنيهويعقوب
يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)).
الضمير فى «بها، يعود إلى الملة التى ذكرت قبل ذلك فى قوله تعالى:
((ومن يرغب عن ملة إبراهيم، والمعنى: ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ..
ويعقوب كذلك أوصى بنيه باتباعها، فقال كل منهما لأبنائه: يابنى إن ..
الله اصطفى لكم دين الإسلام، الذى لا يقبل الله ديناً سواه , فلا تموتن.
إلا وأنتم مسلمون)، أى: فاثبتوا على الإسلام. واستقيموا على أمره حتى
يدرككم الموت وأنتم مقيمون على هذا الدين الحنيف .
ثم أفكر القرآن الكريم على اليهود افتراءهم على يعقوب وزعمهم أنه
كان على اليهودية التى أقاموا عليها تار كين دين الإسلام فقال تعالى: «أم كنتم ..