النص المفهرس

صفحات 301-320

٢٠١
سورة البقرة
منسلخون عنه (١).
ثم بين - سبحانه - المنافع التى تعود عليهم لو اقبعوا الحق، بعد أن بين
الأضرار التى ترتبت على اتباعهم للباطل فقال تعالى: (ولو أنهم آمنوا
وانقوالمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أى: لو أن أولئك اليهود
النابذين لكتاب الله المنبعين للاوهام والأباطيل، آمنوا بمحمد (صلى الله عليه
وسلم) أو بالتوراة إيماناً حقاً، وافقوا الله، فاجتنبوا ما يؤ ثمهم ومنه السحر
والتمويه، لكانت لهم مثوبة من عند الله، هى خير لهم من السحر وغيره،
ولو كانوا من أولى العلم النافع لفهموا ذلك، واستبدلوا السحر بالإيمان
والتقوى ، ولكنهم قوم لا يعقلون .
فقوله تعالى: (مشوبة من عند الله خير) جواب الو الشرطية، وأصل
التركيب ، لأنيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم ، فحذف
الفعل، وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم ، للدلالة على ثبوت المثوبة
ـلهم والجزم بخيريتها .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: (فإن قلت: كيف
أو ثرت الجملة الاسمية على الفعلية فى جواب لو؟ قلت: لما فى ذلك من
الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها، كا عدل عن النصب إلى الرفع فى
سلام عليكم لذلك.
وقال الإمام الآلوسى: (المثوبة: اسم مصدر أئاب إذا أعطى الثواب،
والثواب الجزاء الذى يعطى للغير. ولم يقل - سبحانه"- مشوبة الله مع أنه أخصر.
ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن شيئاً قليلا من ثواب الله - تعالى-فى الآخرة
الدائمة ، خير من متاع كثير فى الدنيا الفانية، فكيف وثواب الله - تعالى -
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٢٢٨
(٢) المثوبة: اسم مصدر أثاب أعطى الثواب، والثواب الجزاء الذى
(٣) تفسير الكشاف ج١ ص ٠٢٢٨
يعطى للغير .

٣٠٢
الجزء الأول
كثير دائم، وفيه من الفرغيب المناسبين للمقام مالا يخفى (١).
وقوله تعالى ((لو كانوا يعلمون، شرط آخر محذوف الجواب لدلا﴾.
ما تقدم عليه، وحذف مفعول ((يعلمون ) لدلالة ((لمثوبة من عند الله خير)).
عليه. أى : لو كانوا يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر بالإيمان.
وبذلك تكون الآيات الكريمة التى سقناها فى هذا المبحث قد دمغت بنى
إسرائيل بمحود الحق، ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب.
والأباطيل ، وسيرهم فى طريق الشر عن تعمد وإصرار، وعدم عملهم بما
يعلمون لا نحراف طباعهم ، وحماقة تفكير هم وسوء قد بيرهم. واستحواذ.
الشيطان عليهم .. فيا وا بغضب على غضب وللكافرين عذاب أليم .
هذا، ويحسن بنا قبل أن تختم هذا البحث، أن تذكر كلمة موجزة عن
السحر فتقول :
السحر: فى أصل اللغة معناه: الصرف، ومنه قوله تعالى ((فأنى تسحرون».
أى: فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل .
وقد ذكر السحر فى القرآن والسنة ، واتفق علماء المسلمين على أن هناك.
شيئا يسمى سحراً، إلا أنهم اختلفوا فى تصويره.
فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن الحر آثارا حقيقية، وأن الساحر قد
يأتى بأشياء غير عادية، إلا أن الفاعل الحقيقى فى كل ذلك هو الله - تعالى -.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها .
أولا: أن الله - تعالى - قد أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم، أن يستعيذ به
((من شر النفائات فى العقد، وهم السحرة - على أرجح الأقوال.
قال الإمام ابن كثير: قوله تعالى (( ومن شر النفاثات فى العقد)) قال
مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك، يعنى السواحر قال مجاهد , إذا:
رقين ونفثن فى العقد، (٢).
(١) تفسير الآلوسى ج ١ ص ٠٣٨٤ (٢) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٥٧٣.

٣٠٣
سورة البقرة
فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثارا حقيقية، وإلا لما أمر الله - تعالى -.
نبيه (( صلى الله عليه وسلم)) أن يستعيذ من شرور السحرة.
ثانياً: قال الإمام البخارى : - فى باب هل يستخرج السحر - : حدثنى
عبد الله بن محمد ، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول : أول من حدثنا به ..
ابن جريج يقول: حدثنى آل عروة عن عروة، فسألت هشامآًعنه حد ثناعن
أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان
يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من الحر
إذا كان كذلك. فقال: «يا عائشة أعلمت أن أنت قد أفتانى فما استفتيتهفيه؟
أثانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال الذى عندرأى
للآخر، ما بال الرجل: قال مطبوب، قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم.
- رجل من بنى زريق حليف اليهود كان منافقاً - قال، وفيم : قال: فى
مشط ومشاطه، قال: وأين؟ قال فى جف طلعةذ کر تحت راعوفة فى بتر.
ذروان. قالت: فأنى البئر حتى استخرجه، فقال: «هذه البئر التى أريتها.
وكأن فخلها رءوس الشياطين، قال فاستخرج - أى السحر - قالت: فقات.
أفلا - أى - تنشرت؟ فقال: (( إن الله قد شفانى وأكره أن أثير على أحد.
من الناس شراً)، (١).
(١) فتح البارى: لا بن حجر جـ ١٢ ص ٢٤٥ طبعة الحلبى.
وهذا تفسير موجز لمفردات الحديث: ((هشام) هو ابن عروة بن الزبير أنافيه-
ومعنى: ((أفتانى فيها استفيته فيه)): أجابتى فيما دعوته من أن يطلعنى على حقيقة م)
((مطبوب، أى محور بقال: طب الرجل - بالضم- إذا سحر. «المشط): الآلة
التى يسرح بها شعر الرأس واللحية ((والمشاطه)): ما يخرج من الشعر إذامشط
«وجف طلع نخلة ذكر، هو الغشاء الذى يكون على الطلع ويطلق على الذكر
والأنثى فلهذا قيده بالذكر. «والرأعوفة)): حجر يوضع على رأس البئر يقوم
عليه المستقى وقد يكون فى أسفلها (وبئر ذروان»: اسم لموضع البئر، كأن ماء ها =:

٣٠٤٠
الجزء الأول
فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر فى جسم الرسول بِشَانيه
جنوع من المرض أو الثقل، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير فى عقله .
قال الإمام ابن القيم: هذا هو الحديث الذى رواه البخارى ، وهو
ثابت عند أهل العلم بالحديث لا يختلفون فى صحته ، وقد اتفق أصحاب
الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة
مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقه، وهؤلاء أعلم
بأحوال الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأيامه)) (١).
وقال الإمام القرطبى (الأدلة متوفرة على أن السحر حقيقة، فهو
- مقطوع به بإخبار الله - تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه ، وعلى هذا أهل
الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بجثالة المعتزلة.
ومخالفتهم أهل الحق، ولقد شاع السحر وذاع فى سابق الزمان، وتكلم
الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله (٢).
وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى. قال المازري: ((مذهب أهل
السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره
من الأشياء الثابتة . خلافا من أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه
إلى خيالات باطلة لا حقائق لها. وقد ذكره الله - تعالى - فى كتابه وذكر أنه
مما يتعلم. وذكر فيه إشارة إلى أنه ما يكفر به. وأنه يفرق بين المرء وزوجه.
. وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضاً مصرح بإثباته.
وأنه أشياء دفنت وأخرجت ولا يستنكر فى العقل أن الله - سبحانه - يخرق
العادة عند النطق بكلامملفق أد تركيب أجسام، أو المزج بين قویعلی تر قيب
= نقاعة الحناء)): يعنى أحمر اللون .. أفلا أى تنشرت»: النشرة - بالضم -
- ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أومسا من الجن قيل لها
ذلك : لأنه يكشف بها عما خالطه من الداء .
:((١) التفسير القيم لابن القيم - تفسير سورة الفلق (٢) تفسير القرطبى ج ٢ صـ٦٤

٣٠٥
سورة البقرة
لا يعرفه إلا الساحر. قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث لسبب آخر.
خزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه بمنع الثقة بالشرع
«وهذا الذى ادعاء بعض المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقة
وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك . قال القاضي
عياض: وقد جاءت روايات مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر
جوارحه، لا على قوله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث :
(«حتى يظن أنه ياع أهله ولا يأتيهن)، أن يظهر من نشاطه ومتقدم عادته
القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من
ذلك كما يعترى المسحور (١) .
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنماهو تخييل وتمويه
كما قال تعالى فى سحرة فرعون ,فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرم
أنها تسعى، فأخبر - سبحانه - أن ما ظنوه سعياً منها لم يكن سعياً على الحقيقة
إنما كان تخييلا وتمويهاً. وقال تعالى فى سحرة فرعون أيضاً ((لما ألقوا سحروا
أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، أى فلما ألقوا عصيهم موهوا
على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تعى، وأرهبوهم بما فعلوه، وجاءوا
بسحر عظيم فى فنه .
والذى نراه أن السحر على أضرب منها :
أولا : ضرب يترقب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإنسان حيواناً
وعكسه، وهذا قد منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكنه ذلك لا لتلبس
فعله هذا بمعجزات الأنبياء. وأهل السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا.
ويفرقون بينه وبين المعجزة إن وقع، بأن المعجزة خارق يظهر على يد من
يدعى النبوة على سبيل التحدى والمعارضة، والسحر ليس فيه دعوى نبوة
ولا معارضة.
(١) صحيح مسلم ((كتاب السلام، باب السحر = ٤ ص ١٧١٩ شرح
موتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى .
(م - ٢٠ البقرة)

٣٠٦
الجزء الأول
هذا، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه، ولا يظهر إلا على
يد شرير بخلاف المعجزة .
: قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : وهذا النوع لم يقع.
لنا دليل فى الشريعة على وقوعه، وربما كانت الحاجة إلى الفرق
بين المعجزة والسحر فرقاً واضحاً تقتضى عدم وقوعه، فالساحر لا يبلغ أن
يقلب العصا ثعباناً، ولا أن يغلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أنيجعل
الماء ينبع بين الأصابع فتروى منه العطاش ، أعنى أنه لا يجرى على يده من
خوارق العادات، مثل ما يجرى على أيدى الأنبياء الإعجاز (١).
ثانياً: أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عليها الضرر
بدون مماسة ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر، وهذا الضرب قد أجازه أهل
السنة ومنعه المعتزلة ، ومن أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء وزوجه
والظاهر فى هذا الضرب قول أهل السنة لأن القرآن الكريم قد حكى عن السحرة.
أنهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وقد صح الحديث
أن لبيد بن الأعصم اليهودى سحر رسول اللّه بط له وأنه حينما استخرج
السحر خف جسمه (صلى الله عليه وسلم) كأنما نشط من عقال.
ثالثاً: مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهريه لا حقيقية وهذا الضرب.
واقع باتفاق بين أهل السنه والمعتزلة، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة
فرعون فى قوله تعالى: ((فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وفى
قوله تعالى: (( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)).
هذا ، وقد حذر الإسلام من تعاطى السحر للاذى ، وجاءت تعاليمه
بذمه وتحريمه، وتوعدت مرتكبه بالعقوبات الأليمة، ففى الحديث الشريف
((حد الساحر ضربه بالسيف».
وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق ، وبعضهم أفى بأن.
الساحر إذا كان قد أحدث فى المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه ؟
(١) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الثالث ص ٠٨

٣٠٧
سورة البقرة
وإن كان قد أحدث به ما لا قصاص فيه، حكم عليه بدية مناسبة .
وبعد: فهذه كلمة ذكرناما عن السحر، لم نقصد بها الخوض فى تفصيلاته.
وإنما قصدنا بها إعطاء القارئ. فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثناعن رذائل
اليهود التى منها فيذهم لكتاب الله واقباعهم الاوهام والأباطيل والأكاذيب.)
ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبى ( صلى الله
عليه وسلم - بألفاظ معينة حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبى
(صلى الله عليه وسلم ) فقال تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا
وَاسْمَعُواْ وَلِلْكُفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمُ
٦٠٤
"(راعنا) من المراعاة، وهى المبالغة فى الرقى ، بمعنى حفظ الغير،
وإمهاله ، وتدبير أموره ، وتداركمصالحه، وكان المؤمنوز يقولون ارسول
الله ((صلى الله عليه وسلم)) إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول الله، أى:
راقبنا وانتظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه ، فتلةف اليهود هذه الكامة موافقتها
كلمة سيئة عندهم، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم، ويقولون «راعنا، يا أبا القاسم،
يظهرون أنهم يريدون طلب المراعاة والانتظار، وهم يريدون فى الحقيقة
الإساءة إليه - صَل إذ أن هذه الكلمة معناها: اسمع لا سمعت
أو يا أحمق، أو من الرعونة التى هى الحمق والخفة، فهى الله - تعالى -
المسلمين عن استعمال هذه الكلمة حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إيذاء
النبى (صلى الله عليه وسلم)، والتنقيص من شأنه.
قال قتادة: «كانت اليهود تقول للنبى ((صلى الله عليه وسلم، راعنا سمعك،
يستهزئون بذلك، وكانت - هذه الكلمة - فى اليهود قبيحة)).

٣٠٨
الجزء الأول
وقال الإمام ابن كثير: «نهى الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يتشبهوا
بالكافرين فى مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلامما
فيه قورية لما يقصدونه من التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا ،
يقولوا راعنا يورون بالرعونة كما قال تعالى:
( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه وبقولون مهمعنا وعصينا،
واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعناً فى الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا
وأطعنا واسمع وأنظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ، ولكن لعنهم الله بكفرهم،
فلا يؤمنون إلا قليلا)). وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا
إذا سلموا، إنما يقولون السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم
بقولنا وعليكم، وأنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن
الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا، (١).
وقال الإمام ابن قيميه:(( كان المسلمون يقولون راعنا يارسول الله وأرعنا
سمعك ، يعنون المراعاة، وكانت هذه اللفظة سباً قبيحاً بلغة اليهود فلما سمعتها
اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنانسب محمداً سراً فأعلنوا له الآن بالشتم،
وكانوا بأقونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم، فسمعها «سعد
بن معاذ، ففطن لهم، - وكان يعرف لغتهم - فقال اليهود: عليكم لعنة الله،
والذى نفسى بيده يامعشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله
((صلى الله عليه وسلم، لأضربن عنقه، فقالوا: أو لستم تقولونها، فأنزل
الله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا، لكى لا يتخذ اليهود
ذلك سبيلا إلى شتم الرسول (صلى الله عليه وسلم، (٢).
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال
-.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤٨.
(٢) كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص ١٤١ للإمام
ابن تميمة .

٣٠٩
سورة البقرة
تعالى: ((وقولوا انظرنا، أى: لا تقولوا تلك الكلمة - وهى, راعنا ، أيها
المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة لسب نبيكم «صلى الله عليه وسلم، وقولوا
مكانها ( أنظرنا، أى: انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم عنك، من نظر بمعنى انتظر
تقول نظرت الرجل انظره إذا اقتظرته وارتقبته، وبهذا المعنى وردقوله تعالى
( انظرونا نقتبس من فوركم) أى : انتظرونا نقتبس من نوركم.
فالآية الكريمة تفيه وإرشاد إلى الأدب الجميل ، وهو أن يتجنب
الإنسان فى مخاطباته الألفاظ التى توهم جفاء أو تنقيصاً فى مقام يقتضى
إظهار مودة أو تعظيم .
تم بين - سبحانه - مصير اليهود المؤلم جزاء تعديهم على رسول اللّه مشبي
فقال: ((وللكافرين عذاب أليم، أى: لهؤلاء اليهود الذين اتخذوا كلمة
((راعنا)، وسيلة إلى سب الرسول ( صلى الله عليه وسلم) عذاب أليم جزاء
کفرهم وتطاولهم وسماهتهم .
هذا ، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود كانوا يحيون
رسول اللّه عَ لّ بكلام محرف لا يفطن له أكثر الناس يقصدون به الدعاء
عليه بالموت ، فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يرد عليهم بما يكبتهم
ويخزبهم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك قال:
((مر يهودى برسول الله ( صلى الله عليه وسلم، فقال السام عليك، فقال
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) (وعليك)، ثم قال رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) - لأصحابه - أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال يقول ((السام
عليك، قالوا يا رسول الله ألا نقتله. قال: (لا، إذا سلم عليكم أهل
الكتاب فقولوا وعليكم)، (١) .
٢ - وأخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت:
دخل وحط من اليهود على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا:
(١) صحيح البخارى، باب (( إذا عرض الذمى وغيره بسبب النبى))
من كتاب « أستتابة المتديز، ج ٩ ص ٢٠.

٣١٠
الجزء الأول
السام عليك قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت:
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ((مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق
فى الأمر كله، فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال ((لقد قلت وعليكم)) (١)
٣ - وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «سلم ناس من اليهود
على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال:
(وعليكم، فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا: قال بلى قد سمعت
فرددت عليهم ، وإنما نجاب ولا بجابون علينا)، (٢).
وإذن فالآ ية الكريمة وهى قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا
ألخ)) وهذه الأحاديث الشريفة. تثبت أن اليهود كانوا يستعملون من بين
مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية القول الملتوى القبيح ، والخطاب
المجرف السىء، ولكن الله - تعالى - أحبط خطتهم، ونهى المؤمنين عن
استعمال الألفاظ التى كان يتخذها اليهود ذريعة لبلوغ مآربهم ، وكان الرسول
« صلى الله عليه وسلم، يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم، وبذلك ذهبت
مكايد اليهود أدراج الرياح وأيد الله - تعالى - رسوله والمؤمنين بقوته
ونصره .
ثم فيه القرآن المؤمنين إلى ما يضمره لهم المشركون وأهل الكتاب
وعلى رأسهم اليهود - من شرور وأحقاد فقال - تعالى -:
(١) أخرجه البخارى - واللفظ له - فى باب , كيف يرد على أهل الذمة
السلام، ج ٨ ص ٧٠ وأخرجه مسلم فى كتاب السلام، جـ ٤ ص ١٨٠٦
تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى .
(٢) صحيح مسلم: باب ((النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف
٩
يرد عليهم من ((كتاب السلام، جـ ٤ ص ١٢٠٧.

٣١١
سورة البقرة
مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُتَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرِمِن رَّبِّكُرُّ
وَلَّهُ يَخْتَّصُِّرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللهُذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
١٠٥
((ما يود، أى: ما يحب، إذ الود محبة الشىء مع تمنيه، يقال: ود
فلان كذا يوده وداً ومودة بمعنى أحبه وتمناه .
قال صاحب الكشاف: ((ومن الأولى فى الآية للبيان، لأن الذين
كفروا جنس تحته فوعان، أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة
.لاستغراق الخير، والثالثة لا بتداء الغاية)، (١).
وقوله - تعالى - ((ما بود ... ألخ الآية، بيان لما يبيته الكافرون .
خصوصاً اليهود - للمسلمين من حقد وكراهية، وتحذير لهم من الاطمئنان
إليهم، والثقة بهم.
وفى التعبير بقوله تعالى ((ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب، دون ما
يود أهل الكتاب تنبيه إلى أنهم قد کفروا بکتبهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنينبها
لصدقوا محمداً (صلى الله عليه وسلم ) الذى أمرتهم كتبهم بتصديقه واتباعه.
وعطف عليهم المشر كين ليدل على أن عبدة الأصنام -أيضاً - يضاهون
كفرة أهل الكتاب، فى كرامة نزول أى خير على المؤمنين ، وأن الجميع
يحسدونهم على ما آقام الله من فضله عن طريق نبيه ((صلى الله عليه وسلم))
من دين قويم، وقرآن كريم، وهداية عظمى، وأخوة شاملة ، وأمن بعد
خوف، وقوة بعد ضعف .
والخير : النعمة والفضل ، والمراد به فى الآية الكريمة النبوة وما تبعها.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٧٤.

٣١٢/
الجزء الأول
من الوحى الصادق ، والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة. والمجة
البالغة ، والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع .
وأهل الكتاب قد كرهوا ذلك المؤمنين اعنادهم وحدهم، وكرامتهم.
أن تكون النبوة فی رجل عربی لیس منهم .
والمشر كون كرهوا ذلك - أيضاً - لأن فى انتشار الإسلام، وفى تنزيل
الوحى على النبى ((صلى الله عليه وسلم، ما يخيب آمالهم فى إبطال الدعوة
الإسلامية ، وإضعاف شوكتها ، والنصر على أتباعها .
وقوله تعالى: والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)) ..
رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين ، لأن الحاسد ..
الغباوته يسخط على قدر الله، ويعترض عليه لإنعامه - سبحانه - على المحسود ..
والله - تعالى - هو صاحب التصرف المطلق فى الإعطاء والمنع فكان من ..
الواجب على هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أى خير على المؤمنين أن
يريحوا أنفسهم من هذا العناء، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء ، لأن الله ...
- تعالى - يهب خيره لمن يشاء .
والاختصاص بالشىء: الانغراد به، تقول: اختص فلان بکذا آى ..
انفرد به ، ويستعمل متعدياً إلى المفعول به ، فتقول: أخصصت فلانا بكذا
أى أفردقه به وجعلته مقصوراً عليه. وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص.
فى الآية الكريمة .
وقيد - سبحانه - اختصاص رحمته بمن يشاء ، ليعلم الناس جميعاً،
أن إفراد بعض عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها، وليس لأحد كائناً".
من كان أى تأثير فى ذلك .
ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر
عنه. أى: يختص برحمته من يشاء اختصاصه بها، وهى تتناول النبوة ...
والقرآن، والنصر، وكل ذلك مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين .

٣١٣
سورة البقرة
وقوله تعالى ( والله ذو الفضل العظيم) تذييل لما سبق أى كل خير يناله.
العباد فى دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده - تعالى - يتفضل به عليهم،
وفى ذلك إشعار الحاسدين بأن يقلعوا عن حسدهم ، وتعريض باليهود.
وغيرهم من حسدوا محمداً له على أن آتاه الله النبوة، فكانه - سبحانه-
يقول لهم: إنى أصطفى للنبوة من أشاء من عبادى وهى لا تدرك بالأمانى،
ولكنى أهبها لمن هو أهل لها .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون
من حقد وبغضاء وبشرتهم بأن ما يبيقونه لن يضرهم ما داموا معتصمين.
بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم .
ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن موضوع النسخ الذى أثار اليهود حوله
الشبهات، وجادلوا فيه النبى - ( صلى الله عليه وسلم).
۔
لقد استنكر اليهود أن يبدل الله آيه بآية، أو حكماً بحكم، وقالوا: ألا
ترون إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) بأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه
ويأمر بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غداً، ما هذا من شأن الأنبيا ..
وما هذا القرآن إلا من كلام محمد، بقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض
بعضه بعضاً .
ولم يترك القرآن الكريم تلك الشبهات التى أثارها اليهود حول شريعة.
الإسلام بدون جواب، بل أنزل الله - تعالى - آيات كريمة لدحضها وإزالتها.
من الصدور، ليزداد المؤمنون إيماناً، وهذه الآيات هى قوله تعالى :

٣١٤
الجزء الأول
مَانَسَخْ
مِنَّةٍ أَوْنُنِهَا نَأْتِ بِغَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلٍ
شَىْءٍ قَدِيرٌ (يَ أَ نَعْلَمْ أَنَّ اللهَلَّهُلَكُ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَالَهُمْ
مِنِ دُوِ اللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ ﴿نْ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْعَلُواْ رَسُولَكٌ
كَسُبْلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَقَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِمَنِ فَقَدْ ضَلَّ
سَوَآءَ السَّبِيلِ(
١٠٨
والنسخ فى اللغة الإبطال والإزالة، يقال. نسخت الشمس: الظل
تفسخه، إذا أذهبته وأبطلته .
وفى عرف الشرع: بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب
لاستمر الحكم على مشروعيته ، بمقتضى النصر الذى تقرر به أولا .
ونفسها من أنسى الشىء جعله منسياً.
فمعنى نسخ الآية فى قوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) رفع حكمها مع بقائها
ومعنى إنسانها فى قوله - تعالى - (ننسها) رفع الآبة من نظم القرآن جلة.
وسمى رفع الآية من نظم القرآن جملة إنساء، لأن من شأن مالا يبقى
فى النظم أن ينساه الناس لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به.
ويصح إبقاء الإنساء على حقيقته، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها
من الحافظة ، بعد أن يقضى الله بنسخها .
وإنما قلنا بعد أن يقضى الله بنسخها، لأن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة
لشىء من القرآن، والله يقول ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (١).
وما يدل على نسخ الآية المنساة، أى: انتهاء مدة التكليف بها قوله تعالى:
(١) سورة الحجر الآية رقم ٠٩

٣١٥
سورة البقرة
«فأت بخير منها أومثلها، أى مأت بخير من المنسية المفسوخة أو مثلها، فيكون
قوله تعالى ((أو نفسها، معبراً عن حالة تعرض فى بعض ماسيرفع من القرآن
وهی أن ینساء الناسلذها به منقلوبهم ، بعد أنیقضی الله بنسخه-کما ذ کرنا.
ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص ، أن ما ينسى لعدم حضوره فى
الذهن لا تعرف الآيات التى تقوم مقامه ، فربما يقع فى الوهم أنه ذهب من
غير أن ينزل من الآيات ما يغنى غناءه .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ننساها، بالهمزة، من النساء وهو التأخير
وعلى هذه القراءة يحمل النسخ فى قوله تعالى: ما ننسخ من آية على النوعين
السابين وهما : نسخ الآية حكماً فقط، ونسخها حكماً وتلاوة .
ومعنى «ننساها، تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها، وتنزل
ما يقوم مقامها فى القيام بالمصلحة .
والخيرية والمماثلة فى قوله تعالى: ((نأت بخير منها أومثلها)) ترجع
إلى ثواب العمل بها. فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب
العمل بالمنسوخة قبل نسخها ، وقد يكون مماثلا له، وإن كانت كل واحدة
من الآيتين الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها ، أقوم
على المصلحة من الأخرى.
وبعد أن أثبت - سبحانه - أن النسخ جائز وواقع بقوله: (( ما تنسخ
من آية أو فنسها نأت بخير منها أو مثلها، ساق جملة كريمة فى صورة الاستفهام
التقريرى، مخاطباً بها الأمة الإسلامية فى شخص نبيها ( صلى الله عليه
وسلم ) لتكون دليلا على هذا الثبوت، وهذه الجملة هى قوله تعالى :
« ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير)، والمعنى أن الله - تعالى - متمكن
من أن يفعل ما يشاء على الوجه الذى تقتضيه حكمته وإرادته، ومن كان
هذا شأنه فله أن يأمر فى وقت بأمر ، ثم ينسخه أو يستبدله بآخر تبعاً
المقتضيات الظروف والأحوال .
ثم أهم - سبحانه - الدليل على كمال قدرته وشمولها لكل شىء فقال:

٣١٦
الجزء الأول
((ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض، ومالكم من دون الله من
ولى ولا نصير » .
والمعنى: أنه - سبحانه - مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية، وأنه
هو المنصرف کما یشاء فیذواتها وأحوالها، وأنه ينصرف فى أمورهم ويجريها.
على حسب ما يصلحهم، وهو أعلم بما بتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ وايس.
الناس من أحد يتولى أمورهم، ويعينهم على أعدائهم سواه، ومن كان الله
وليه ونصيره علم يقينا أنه لا يفعل به إلا ماهو خير له فى دنياه وأخراه.
وإذن فأنتم - أيها اليهود - ما قدرتم الله حق قدره، لإعمكم أن النسخ
محال على الله لأن المالك لكل شىء ، من حقه أن يمحو ما يشاء، ويثبت
ما يريد على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته .
فالآية واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من إحاطة.
قدرته - سبحانه - بكل شىء .
ثم حذر القرآن الكريم المؤمنين من الاستماع إلى وساوس اليهود، تثبيتاً
لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، فقال تعالى: ((أم تريدون أن تسألوا رسولكم
كما مثل، ومى من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)».
والمعنى: لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تقترحوا على رسولكم (صلى الله عليه.
وسلم) مقترحات تتنافى مع الإيمان الحق، كأن تسألوه أسئلة لاخير من ورائهم
لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبنى إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى
- عليه السلام - بعد أن جاءهم بالبينات - مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم.
فقالوا له (( أربا الله جهرة)) (١) وقالوا له ((اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، (٢).
ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإيمان، ولخرجتم على.
صراط المستقيم الذى يدعوكم إليه نبيكم ( صلى الله عليه وسلم).
(١) سورة البقرة الآية ٥٦]
(٢) (الأعراف الآية ١٣٨

٢١٧
سورة الجبرة
والاستفهام فى الآية الكريمة للإنكار ، وفى أسلوبها مبالغة فى التحذير
من الوقوع فيما وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم، إذ جعل محط الإنكار
إرادتهم للسؤال، وفى النهى عن الشىء، نهى عن فعل بأبلغ عبادة.
ثم فبه الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما يضمره لهم اليهود من أحقاد
وشرور فقال - تعالى - :
وَدَّكَثِرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ
◌ِعَتِكٌ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِدِ أَنْفُسِهِمِ مِنْ بَعْدِ مَاتَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْ خَّى يَأْتِ الله ◌ِأَمْرِّةً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (يـ
ومعنى الآية الكريمة : أحب وتمنى عدد كثير من اليهود الذين هم أهل
كتاب ، أن ينقلوكم أيها المؤمنون من الإيمان إلى الكفر ، حسداً لكم
.وبغضاً لدينكم ، من بعد ماظهر لهم أنكم على الحق بإتباعكم محمد (صلى الله عليه
وسلم) فلا تهتموابها، بل قابلوا أحقادهم وشرورهم بترك عقابهم، والإعراض
عن أذاهم، حتى بأذن الله لكم فيهم بما فيه خير كم ونصر كم، فإنه
- سبحانه - على كل شىء قدير)).
وقوله تعالى: (دود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم
كفاراً، بيان للون من ألوان الشرور التى يضمرها أهل الكتاب وعلى رأسهم
اليهود، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق ، إلى الكفر الذى
((أنقذهم الله - تعالى - منه.
وإنما أسند - سبحانه - هذا التمنى الذميم إلى الكثرة منهم ، اتصافاً للقلة
المؤمنة التى لم ترقض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله إلى الإسلام.
وقوله تعالى ((من بعد إيمانكم)) مبالغة فى ذمهم بسبب ما تمنوه وأحبوه
إذ ودو !- وهم أهل كتاب - أن يحل الكفر محل الإيمان، وفيه إشعار بأن

٣١٨
الجزء الأول
ما تمنوه بعد الحصول؛ لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، منع.
صاحبه من الانتقال إلى الكفر .
ثم بين - سبحانه - أن الذى حملهم على هذا التمنى الذميم هو الحقد
والحسد، فقال تعالى: ( حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق)
أى: أن هذا التمنى لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذى استولى على
نفوسهم، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان
ويتمنون التحول منه إلى الكفر، فالجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة
السابقة من محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر .
قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين: ( والحسد: قلق النفس.
من رؤية نعمة يصيبها إنسان ، وينشأ عن هذا الفلق تمنى زوال تلك النعمه
عن الغير وتمنى زوال النعم مذموم بكل لسان، إلا نعمة أصابها 'فاجر
أو جائر يستعين بها عن الشر والفساد، فإن تمنى زوالها كراهية الجور.
والفساد لا يدخل فى قبيل الحسد المذموم فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص.
وإنما تمنيت لنفسك مثلها فهى الغبطة والمنافسة، وهى محمودة لأنها قد تنتهى
بالشخص إلى اكتساب محامد اولا المنافسة لظل فى غفلة عنها، والحسد
قد يهجم على الإنسان ولا يكون فى وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين
المحدود، وإنما يؤخذ الإنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من القدح
فى المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه)) (١).
وقوله تعالى ( من عند أنفسهم) إعلام للمؤمنين، بأن هؤلاء اليهود لم
يؤمروا بذلك فى كتابهم ، بل إن كتابهم لينهاهم عن هذا الخلق الذميم ولكنهم
لحبث نفوسهم وسوء طباعهم ، رسخ الحسد فى قلوبهم لدرجة يعسر معها.
صرفه بعنهم ، أو صرفهم عنه .
والجملة الكريمة ( حداً من عند أنفسهم ) تدل على أن أولئك اليهود
يعتقدون صحة دين الإسلام ، إذ الإنسان لا يحمد غيره على دين إلا إذا
(١) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد ٥ ص ٦

٣١٩٠
سورة البقرة
عرف فى نفسه صمته ، وأنه طريق الفوز والفلاح .
وقوله تعالى: ((من بعد ماتبين لهم الحق)) يدل على أن محبة اليهود لتحويل.
المؤمنين من الكفر إلى الإيمان وقعت، بعد أن ظهر لهم صدق النبى ( صلى
الله عليه وسلم ) وبعد أن تبين لهم الصفات التى وردت فى التوراة بشأن
المبشر به، لا تنطبق إلا عليه، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما كان
عن عناد وجمود على الباطل ، وذلك هو شأن أحبارهم الذين كانوا على.
علم بالتوراة، وبتبشيرها بالنبى ( صلى الله عليه وسلم).
ثم أمر الله تعالى المؤمنين فى ختام الآية أن يقابلوا شرور اليهود بالعفو
والصفح، وأن يوادعوهم إلى حين فقال تعالى: « فاعفوا واصفحوا حتى.
یأتی الله بأمره علی کل شیء قدير)).
العفو: ترك العقاب على الذنب. والصفح: ترك المؤاخذة عليه ،
فكل صفح عفو ولا عكس .
والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تتركوا معاقبة أولئك اليهود الحاسدين
وأن تعرضوا عن رفع السيف فى وجوههم حتى بأذن الله لكم فى أن تشفوا
صدوركم منهم ، ويبيح قتالهم الذى يترتب عليه نصركم ، إذ أن كل شى.
داخل تحت سلطان قدرته - تعالى - .
فالمراد بالأمر فى قوله تعالى: ((حتى بأتى الله بأمره) الإذن للمسلمين.
بقتالهم فى الوقت الذى يختاره الله - تعالى - لهم، عندما تكون لهم القوة
التى يتمكنون بها من جهاد أعدائهم .
قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإمام: « وفى أمره تعالى لهم بالعفو
والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة لأن.
الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون
كثرة أهل الكتاب مع باطلهم ، فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه.
الحق، فعاملوهم معاملة القوى العادل ، القوى الجاهل وفى إنزال المؤمنين
على ضعفهم منزلة الأقوباء ، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع

٣٢٠
الجزء الأول
الضعفاء، إذان بأن أهل الحق هم المؤيدين بالعناية الإلهية، وأن العزة
لهم ماثبتوا على حقهم ، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذى
يصرع الباطل كما قلنا غير مرة، وإنما بقاء الباطل فى غفلة الحق عنه)) (١).
وقد أكد الله - تعالى - وعده بقوله: ((إن الله على كل شىء قدير))
أى أن كل شىء داخل تحت قدرته النافذة التى لا يعجزها شئ ..
وقد أنجزاءة - تعالى - وعده، فأذن المؤمنين فى الوقت المناسب
بقتال اليهود وتأديبهم ، وقد ترتب على ذلك النصر للمؤمنين ، والطرد
والقتل لليهود الحاقدين .
وبعد أن أمر القرآن المؤمنين فى الآية السابقة بالعفو والصفح عن
أعدائهم ، الحكمة تجعل العفو والصفح خيراً من العقوبة والتأنيب، انتقل
بعد ذلك إلى أمرهم بالمحافظة على الشعائر التى تطهر قلوبهم ، وتزكى نفوسهم
فقال - تعالى -:
وَقِيمُواْ الصَّلَ وَانُواْ الزَّكَوَةٌ وَمَا تُقَدِّمُواْلِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ◌َِدُوهُ
عِندَ اللَّّ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بِصِيرٌ (3)
فقد أمرهم - سبحانه - فى هذه الآية بالمواظبة على عمودى الإسلام
وهما العبادة البدنية التى تؤكد حسن صلة العبد بخالقه وهى الصلاة والعبادة
المالية التى تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين وهى الزكاة .
وجاءت جملة(،وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله)) بعد
. ذلك، لترغيهم فى فعل الخير على وجه عام، ولتحثهم على التزود من الأعمال
الصالحة سواء أكانت فرضاً أم نفلا.
وقال، لأنفسكم، للإشعار بأن ما يقدمه المؤمن من خير إنما يعود نفعه
إليه، وأنه سيجد عند الله نظير ذلك الثواب الجزيل، والأجر العظيم،
(١) تفسير المنار ج ١ ص ٤٢١