النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة البقرة عداوتهم لملك من ملائكة الله ، لا يأكل مما يأكلون ، ولا يشرب ما يشربون وإنما هو من الملائكة المقربين ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإذاً فليس هناك أى مقتض لعداوته ، فلماذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيتة ؟ لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحى من عند الله على محمد ( صلى الله عليه وسلم) وهم يحسدونه على النبوة ، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عداتهم لجبريل - أيضاً - وهذه حماقة وجهالة منهم، لأن جبريل - عليه السلام - زل بالخير لهم فى دينهم وفى دنياهم. ولكن الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلاها لا تفرق بين الخير والشر. ومعنى الآيتين الكريمتين ، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه لا وجه اعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك بأمر الله ليكون مؤيداً لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة ، وقل لهم كذلك من كان معادياً لله أولملك من ملائكته أولرسول من رسله ، فقد کفر وبا .. بغضب من الله، ومن غضب الله عليه، جزاؤه الخزى وسوء المصير. قال الإمام ابن جرير: ( أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً، على أن هذه نزلت جواباً ليهود من بنى إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدى لهم، وميكائيل ولى لهم، (١). وروى البخارى فى صحيحه - عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال (سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبى (صلى الله عليه وسلم) وهو فى أرض يخترف - أى يجنى ثمارها - فأتى النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال له : إنى. سائلك عن ثلاث لا يعلمون إلا نبى، فما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ، وما يفزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال : أخبر نى بهن جبريل آنفاً) قال: جبريل؟ قال: نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة - فقرأ" (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٣١ ٢٨٢ الجزء الأول النبى ( صلى الله عليه وسلم) هذه الآية: «قل من كان عدواً لجبريل ((إنه نزله على قلبك ... ، الآية ثم قال: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة فزعت) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يارسول الله: إن اليهود قوم بهت، وأنهم أن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم يبهتونى، فجاءت اليهودفقال النبى ( صلى الله عليه وسلم): أى رجل فيكم عبد الله؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا: قال ((أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوة، قال: فهـذا الذى كنت أخاف يا رسول الله) (١). وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس: ( أن اليهود بعد أن سألوا النبى ( صلى الله عليه وسلم) أسئله أجابهم عنها، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو تفارقك . قال: ولى جبريل، لم يبعث الله نبياقط إلا وهووليه، قالوا: فعندها نفارقك، ولوكاز وليك - وأممن الملائكة لتابعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا،وأنزل الله - تعالى - قوله: ( قل من كان عدواً لجبريل فإنه فزله على قلبك بإذن مصدقاً لما بين يديه ... الآيات ) . وفى حديث الإمام أحمد والترمذى والنسائى (مقال اليهود للنبى (صلى الله عليه وسلم) بعد أن سألوه من أشياء أجابهم عنها إيما بقيت واحدة وهى التى فتابعك إن أخبر قنا بها، إنه ليس من فيى إلا وله ملك بانيه بالخير ، فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل - عليه السلام -. قالوا: جبريل ذلك الذى ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذى ينزل بالرحمة والقطر (١) صحيح البخارى كتاب التفسير بابقوله تعالى: (قل من كان عدو لجبريل ، جـ ٦ ص ٢٣ ٢٨٣ سورة البقرة والنبات لكان. فأنزل الله - تعالى -: (قل من كان عدواً لجبريل، الآية) (١) فيؤخذ من هذه الأحاديث وما فى معناها أن اليهود فى عهد النبى ( صلى الله عليه وسلم) كافوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل - عليه السلام - .. وأن هذه المجاهرة بالمداوة ، قد تكررت منهم فى مواقف متعددة بينهم وبين النبى (صلى الله عليه وسلم ) وأن الذى حملهم على ذلك هو حسدهم له، وغيظهم مر جبريل ، لأنه ينزل بالوحى عليه . قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: (ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله، ومع ذلك يبغضونه، وهذا أحط درجات الانحطاط فى العقل والعقيدة ، ولاشك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبىء عن تضافر آرائهم على الخطأوالأوهام)(١) وفى أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بلفظ. (قل) كى يرد على اليهود)، تثبيت له، وتطمين لنفسه وتوبيخ لحم على معاداتهم لأمين الوحى، وهو جبريل - عليه السلام - . وقوله تعالى: من كان عدواً لجبريل، شرط عام قصد الإتيان به ليعدوا أن أقه - تعالى - لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادى جبريل، إن وجد معاد آخر له سواهم . وقوله تعالى: (على قلبك، زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحى، وإشارة إلى أن السبب فى تمكنه ( صلى الله عليه وسلم ) من تلاوة القرآن الكريم، وإبلاغه الناس، ثباته فى قلبه. وقوله تعالى: ((فإنه نزله على قلبك بإذن الله)) معناه: فلا موجب أعداوته، لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله وأمره. وإذفعداوته عداوة لله فى الحقيقة والواقع، ومن هنا يتبين أن هذه الجملة تعليل لجواب الشرط وقائمة مقامه . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢٩ (٢) تفسير التحرير والتنوير ج ١ ص ٢٢٦ + ٢٨٤ الجزء الاول قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف استقام قوله تعالى ((فإنه نزله على قلبك، جزاء للشرط؟ قلت: فيه وجهان أحدهما : أن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته ، حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب التى بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه فى إنزاله ما ينفعهم. ويصحح المنزل عليهم ، والثانى: إن عاداه أحد فالسبب فى عداوته أه أزل. عليك القرآن مصدقاً لكتابهم، وموافقاً له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته. لكتابهم، ولذلك بحرفونه ويجحدون موافقته له . كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه)) (١). وقوله - تعالى - ((بإذن الله)) أى بأمره، وهو توبيخ لهم على عداوتهم. لجبريل، الذى نزل بالقرآن بإذن الله، لا من تلقاء نفسه، وحجة أولى عليهم. وقوله تعالى: ((مصدقاً، حال من الضمير العائد على القرآن الكريم، فى قوله ((نزل، أى أنزله حالة كونه مؤيداً للكتب السماوية التى قبله ومن. بينها التوراة ، وهذه حجة ثانية عليهم . ثم عززهما بثالثة ورابعة - فقال تعالى: ((وهدى وبشرى للمؤمنين)». أى هذا القرآن الذى نزل مصدقاً لكتبكم، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح، والعاقل لا يرفض الهداية التى تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة فى مجيتها عدراً له، وهو - أيضاً - مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى. عنهم فى الدنيا والآخرة، أما الضالون فقد أنذرم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق الإيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام. حججاً متعددة على حماقتهم وعنادهم وجهودهم للحق بعد ما تبين . وتكون. الآية الكريمة قد مدحت القرآن بخمس صفات . أولها : أنه منزل من عند الله وبإذنه. وثانيها: أنه منزل على قلب النبى. (صلى الله عليه وسلم)، وثالثها: أنه مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٢٦ ٢٨٥ سورة البقرة ورابعها : أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه وخامسها : أنه بشارة سارة للمؤمنين . ثم بين - تعالى - حقيقة الأمر فيمن يعادى جبريل وأن عداوته عداوة عقه - تعالى - فإنه أمين وحيه إلى رسله ليس له فى ذلك شىء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال تعالى: «من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين)). والمعنى: أن عداوة جبريل عداوة لله، وأن عداوة محمد ( صلى الله عليه وسلم) عداوة لله - أيضاً - فالإيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم كافر بالجميع . ومعنى عداوة العبدلله: كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته لملائكته: إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافى عصمتهم ورفعة منزلتهم. ومعنى عداوته لرسله : تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده: غضبه سبحانه - عليه، ومجازاته له على كفره. وصدر - سبحانه - الكلام باسمة الجليل تفخيماً لشأن ملائكته ورسله وإشعاراً بأن عدواتهم إنما هى عداوة ه _ تعالى _. وأفرد - سبحانه - جبريل وميكال بالذكر، مع اندراجهما تحت عموم ملائكته، لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل ، فأفردهما بالذكر التنبيه على أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع، وأن الكفر بأحدهما كفر بالآخر . قال ابن جرير: ((فإن قال قائل: أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل بلى، فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما فى الآية فى جملة أسماء الملائكة؟ قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت جبريل عدونا وميكائيل ولينا، وزعمت أنها كفرت بمحمد (صلى الله عليه وسلم)) ١ ٢٨٦ الجزء الأول فإن الله عدو له وأنه من الكافرين، فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه، أثلا یقول منهم قائل : إنما قال الله : منكان عدواً لله وملائكته ورسله، و السنا لله ولا لملائكته ولا ارسله أعداء، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصاً، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه ، وكذلك قوله ورسله فاست يا محمد داخلا فيهم ، فنص الله - تعالى - على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم. ليقلع يذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، وبحسم تمويهم أمورهم على ضعاف الإيمان، (١). وقال - سبحانه - فى ختام الآية الكريمة (( فإن الله عدو الكافرين)) ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم ، ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود، ويكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام من باب إثبات الحكم بالدليل، وللإشعار بأن عداوة الله - تعالى- لهم سببها كفرهم فإن الله لن يعادى قوماً لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لحم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو . قال صاحب المنار: « فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان فساد العلمة التى جاءوا بها، فهم لم يدعوا عداوة هؤلاء كلهم، لكنهم كذلك فى نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم فى الواقع، وهى أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكائيل الذى يزعمون أنهم يحبونه. وأهم كانوا يؤمنون بالنبى (صلى الله عليه وسلم ) لو كان هو الذى ينزل بالوحى عليه، ومعاداة القرآن الكريم. كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن المقصود من الجميع واحد فقولهم السابق. وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر ، وهذا من ضروب إيجاز القرآن الكريم التى انفرد بها ، (٢). (١) تفسير ابن جرير ١٢ ص ٠٤٤٩ (٢) تفسير المنار ج ١ ص ٠٣٩٤ ٢٨٧ سورة البقرة وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر والجهالة، لمعاداتهم. لجبريل وتكذيهم لمحمد عليم وبينتا ما عليه أمرهم من خزى وهوان. بسبب هذه العداوة التى لا باعث عليها إلا الحسد ، وكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . ثم أخذ القرآن فى تثبيت فؤاد النبى ( صلى الله عليه وسلم) وتسليتهعما يفعله معه اليهود فقال تعالى : وَلَقَدْ أَزَّلْنَا إِلَيْكَ ءَ ايَتٍ بَيِّنَلِّ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا : الْفَاسِقُونَ (® أَوَكُلَّا عَهَدُواْ عَهْدًا نَّهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( أى : لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله، وبينا لك فيها علوم اليهود ، ومكنونات سرائرثم وأخبارهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم من كتبهم ، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى : ((إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون)). وإن هذه الآيات التى أنزلها الله إليك با محمد ، ما يكفر بها، ويجحد صدقها إلا المتمردون من الكفرة ، الخارجون على حدود الله المنتهكون +رمانه. والهمزة فى قوله ((أو كذا)) للإنكار، والواو العطف على محذوف يقتضية المقام: أى أكفروا بالآيات البينات، ويكلما عاهدوا عهداً فيذه فريق منهم، أى: طرحوه ونقضوه من النبذ وهو إلقاء الشىء وطرحه اقلة. الاعتداد به ومنه سمى النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا فى الماء وهو حقيقة فى الأجرام وإسناده إلى العهد مجاز . ٢٨٨ الجزء الاول والضمير فى قوله ((منهم، يعود اليهود الذين اشتهروا بنقض العهو . وقوله:، (( بل أكثرهم لا يؤمنون)» يفيد الترقى إلى الأغلظ فالأغاظ، أى أن فريقاً منهم عرف بنقضه للعهد، وأكثرهم عرف بكفره وجحد للحق قال صاحب الكشاف، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، و. أخذ اللّه الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفو ((الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون)). وقال الرازى: «والمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ فى التوبيخ والتبكيت. ودل بقوله (( أو كلما عاهدوا، على عهد بعد عهد نبذوه ونقضوه ، بل بدل على أن ذلك كالعادة منهم، فكانه - تعالى - أراد تسلية النبى (صَيّة) عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن بين له أن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم ... )) ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن نبذ اليهود لكتاب الله، واتباعه. السحر والأوهام، فقال - تعالى .. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٢٢٧ .(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٤١٧ ٢٨٩ سورة البقرة. وَلَمَّا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الهِ مُصَدِّقٌّ ◌ِمَا مَعَهُمْ نَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِنَ أُوتُواْ الْكِتَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَنَّهُ لَا يَعْلَمُونَ (٢) وَبَعُواْ مَا نَتْلُواْ النََّطِيْنُ عَلَى مُلْكِ ◌ُلَيْمَئِنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيِطِينَ كَفَرُواْ يُعلّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَوَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْعَلَكْنِ بِبَابِلَ هَزُوتَ وَمَثْرُوتَّ وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ خَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرَّ فَتْعَلُونَ مِنْهُمَا مَايُفرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُمْ بِضَّارِ ينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلِّذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عليُواْلَمَنِ اشْتَهُ مَالَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خٍَّ وَلَئْسَ مَا شَرَوْ بِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلُونَ ﴿ وَلَوْ أَهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الَِّ خَيْرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلُونَ. ٠١٠٠٠٠١ ٣ والمعنى : وحين جاء اليهود وأحبارهم رسول من عند الله، وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) الذى يحدونه مكتوباً عندهم فى التوراة، طرخ فريق كبير منهم تعاليم التوراة التى تشهد بصدقه، وراء ظهورهم، حتى لكأنهم يجهلون أنها من عند الله، واتبعوا ما قصته واختلقته الشياطين من السحر والأوهام والمفتريات على عهد سليمان - عليه السلام - ومن هذه المفتريات والأكاذيب زعمهم أن سليمان - عليه السلام - كان ساحراً، وما تم له ملكه (م - ١٩ البقرة) عنة ٢,٩٠ الجزء الأول العريض، ولا ظهرت على يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا . وقد أكذبهم الله - تعالى - فى هذا الزعم بقوله (، وما كفر سليمان، أى: بتعلم السحر والعمل به، كما يزعم هؤلاء « ولكن الشياطين، هم الذين. (كفروا)، بتعلم السحر وتعليمه الناس، وتعليمهم - أيضاً - ضرباً آخر منه وهو ((ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وما روت)) من وصف السحر. وما هيته وكيفية الاحتيال به، ولقد كان الملكان لا بعدان أحدا من الناس. السحر حتى ينصحاه بقولها: إن السحر الذى نعلمك إياه . القصد منه التمييز بين المطيع والعاصى، وبين السحر والمعجزة، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين، بخلاف الشياطين فإنهم تعلموه وعلموه لغيرهم. لاستعماله فى الشرور والآثام ، ولإحداث التفرقة بين الزوجين ، ولكن هذا. السحر الذى يتعاطاه الشياطين وأتباعهم أن يضر أحداً بذاته، وإنما ضررهـ يتأتى إذا أراد الله تعالى - ذلك وشاءه، ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله المؤثرون عليه اتباع السحر، أن من استبدل السحر بکتاب القه ، فليس له نصيب من نعيم الجنة، «ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، علماً نافعاً. ((ولو أنهم آمنوا)، بالله ورسوله محمد (صلى الله عليه وسلم ، ﴾. أرشدتهم إليه التوراة، (واتقوا، المعاصى والاثام لأثقبوا مثوبة من عند الله. هى خير لهم مما آثروه واختاروه على كتاب الله (( لو كانوا يعلمون)). وقوله تعالى : ((ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم تبذ فريقه. من الذين أتوا بالكتاب كتاب الله وراء ظهورهم .. الخ الآية)). بيان لما صدر عن اليهود من تكذيب للرسول ( صلى الله عليه وسلم). وطرح لتعاليم كتابهم التى أمرتهم باتباعه . أخرج ابن جرير عن السدى قال فى قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب: كتاب الله ٢٩١ سورة البقرة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واقبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان .. » أى لما جاءهم محمد (صلى الله عليه وسلم) عارضوه بالتوراة فخاصموه بها. فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت، فذلك قول الله (,كأنهم لا يعلمون)، أى كأن هؤلاء الذين فبذوا كتاب الله من علماء اليهود، فنقضوا عهد الله، لا يعلمون ما فى التوراة من الأمر باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه(١). وفى وصف الرسول بأنه آت من عند الله تعظيم له، ومبالغة. فى افكار عدم إيمانهم به، وإغراء للناس جميعاً بالدخول فى دعوته ، لأنه ليس رسولا من تلقاء نفسه ، وإنما هو رسول من عند الله - تعالى -. والمراد (( بما معهم، التوراة. وتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم- لها ، معناه أن ما جاء به من تعاليم موافق لها فى أصول الدين، وأن ما جاءت به من صفات الرسول المنتظر بعد عيسى - عليه السلام - لا تنطبق إلا عليه! (صلى الله عليه وسلم). وعبر - سبحانه - عن تركهم العمل بالكتاب الذى نزل هدايتهم بالنبذه مبالغة فى عدم اعتدادهم ، وتناسيهم إياه ، لأن أصل النبذ طرح وإلقاء ما لا يعتد به . وفى إسناد النبذ إلى فريق من الذين أتوا الكتاب، سخرية بهم، واستجهال لهم، لأن الذين أوتوه هم الذين نبذوه، ولو كان النابذون من المشركين لكان لهم بعض العذر لجهلهم، ولكن أن يكون النار كون النور هم الذين أوتوه وأكرموا به، فذلك هو الضلال المبين . والمراد من (كتاب الله) الذى نبذوه لما جاءهم رسول الله - صَ لليه - التورارة، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها حقاً، لا تبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى ذكرت صفاته فيها ، والذى وجب عليهم بمقتضى كتابهم (١) تفسير ابن جرير ج١ ص ٤٤٣ بتصرف وتلخيص . ٢٩٢ الجزء الأول (التوراة ) الإيمان به، فهم بجحودهم لنبوته، يكونون جاحدين لتوراتهم التى شهدت له بالصدق . وقيل المراد بكتاب الله الذى نبذوه القرآن , لأنهم لم يؤمنوا به ، بل تركوه بعد سماعه، وتناسوا ما اشتمل عليه من هداية وإرشاد ، مع أنه كان من المتحتم عليهم أن يتلقوه بالقبول . والذى نراه أن الرأى الأول أرجح، لأن النبذ يقتضى سابقه الأخذ،. فى الجملة. وهو متحقق بالنسبة للتوراة، بخلاف القرآن الكريم فإنهم لم يسبق لهم أن تمسكوا به، ولأن مذمتهم تكون أشد وجحودهم أكثر، إذا كان المراد بالكتاب الذى نبذوه، هو عين الكتاب الذى نزل هدايتهم وآمنوا به وهو التوراة . وقوله تعالى: ( وراء ظهورهم ) كناية عن إعراضهم الشديد عنه، وقوليهم عن تعاليمه . 1 تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره، أى تولى عنه معرضاً، لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إليه، ففى هذه الجملة الكريمة تصوير صادق لإعراضهم عن كتاب الله - تعالى - حيث شبه - سبحانه - تركهم لكتابه، بحالة شىء يرمى به وراء الظهر استهانة به. وفى إضافة الوراء إلى الظهر، تأكيد لنبذ ما ترك بحيث لا يؤخذ بعد ذلك . قال الأستاذ الإمام: ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به فى جملته وتفصيله . وإنما المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبى (صلى الله عليه وسلم) ويبين صفاته ، ويأمرهم بالإيمان به واتباعه. فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره، بمن يلقى الشىء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره، وترك الجزء منه كتركه كله، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحى من النفس، ويجرى. على ترك الباقى (١) ... ) (١) تفسير المنار ج ١ ص ٣٤٦. ٢٩٣ سورة البقرة وقوله تعالى: ((كأنهم لا يعدون)) جملة حالية، أى طرحوه وراء ظهورهم مشتبهين بحال من لا يعلم منه شيئاً، ومن لا يعرف أنه كتاب اله. وشبههم بمن لا يعلمون مع أنهم فى الواقع يعلمون أنه من عند الله - جق العلم - لأنهم فيذوه مكابرة وعناداً، ولأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم ومن كان هذا شأنه فهو والجاهل سواء، فى جحود الحق والانغماس فى الآثام . وقال - سبحانه - (كأنهم لا يعلمون) بنفى الحال والاستقبال للإشعار فأنهم قوم لا أمل فى قوبتهم وإنا بتهم، بل هم تمر بهم الأيام، وتتوالى عليهم العظات، ومع ذلك لا يتوبون ولا يرجعون إلى الحق ، فهم مستمرون على طرح كتاب الله فى كل وقت وآن، ومصممون على ذلك. ثم حكى - سبحانه - لونأ آخر من زينهم وضلالهم واتباعهم الأباطيل بعد أن وبهم على نبذهم لكتابه فقال تعالى: واقبعوا ما قتلو الشياطين على ملك سليمان ». اتبعوا : من الاتباع وهو الاقتداء، والضمير فيه يعود على اليهود - المعاصرين للنبى ( صلى الله عليه وسلم). وقتلو : من التلاوة بمعنى الاتباع أو القراءة، وقال الراغب: تلا عليه كذب عليه . والشياطين: جمع شيطان، وهو كائن حى خلق من النار ، ويطلق على الممتلى، شراً من الأنس . والمعنى: إن هؤلاء اليهود نبذوا كتاب الله، واتبعوا الذى كانت تقلوه ونقصه الشياطين على عهد ملك سليمان، وفى زمانه، من الأ كاذيب والكفر ومن ذلك زعمهم أن ملكه قام على أساس السحر، وأنه ارتد فى أواخر حياته، وعبد الأصنام إرضاء لنسائه الوثنيات إلى غير ذلك من الأكاذيب التى ألصقوما به - عليه السلام - وهو بری۔ منها . ٠ ٢٩٤ الجزء الأول قال صاحب الكشاف: ((وقوله تعالى: (على ملك سليمان) أى على عهد ملكه وفى زمانه ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها فى كتب يقرذونها ويعدمونها للناش، وفشا ذلك فى زمان سليمان - عليه السلام - حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: ماتم ليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الإنس والجن والربح التى تجرى بأمره (١). وقوله تعالى: ((وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، معناه: وما كفر سليمان ولكن الشياطين هم الذين كفروا إذ تعدوا السحر وعلموه لغيرهم بقصد إضلالهم، وصرفهم عن عبادة الله - تعالى - إلى عبادة إغيره من المخلوقات . ففى الجملة الكريمة تنزيه لسليمان - عليه السلام-عن الردة والشرك وتبرئة له من عمل السحر الذى كان يتعطاه أولئك الشياطين وينسوبه إليه زورا وبهنا ودلالة على أن ذلك السحر الذى نسبوه إليه وباشرته الشياطين نوع من الكفر. وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان، وأنه ارتد فى آخر عمره، وعبد الأصنام وبتى لها المعابد، وكانوا عندما يذكر النبى (صلى الله عليه وسلم) سليمان بين الأنبياء يقولون: انظروا إلى محمد بخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحراً بركب الريح . فإن قال قائل : ما الحكمة فى نفى الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا يفيد أن أحداً نسب إليه ذلك . فالجواب: أن اليهود الذين فيذوا كتاب الله، واقبعوا ما قلته الشياطين من السحر أضافوا هذا السحر إلى سليمان، وقالوا إنه كان يسخر به الجن والإنس والريح، فأكذبهم الله - تعالى - بقوله: ((وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، كما بينا . ١ (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٢٧ ۔ ٢٩٥ سورة البقرة والضمير فى قوله تعالى: ((يعلمون الناس السحر، يعود على الشياطين الذين افتروا الأ كاذيب على سليمان - عليه السلام -. ويجوز أن يعود على اليهود الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا ما قلته تالشياطين على سليمان. قال الأستاذ الإمام: فى قوله تعالى ((يعلمون الناس السحر)): وجهان: أحدهما: أنه متصل بقوله تعالى: ((ولكن الشياطين كفروا، أى: أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر. والثانى: وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وأن الكلام فى الشياطين -قد انتهى عند قوله تعالى ((كفروا، وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهوراً فى زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم ، أى أن فريقاً من اليهود فيذوا كتاب الله وأقبعوا ما قتلوا الشياطين على ملك سليمان وههنا يقول القائل : بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان فى رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التى كانت تحت كرسيه؟ - فأجاب على طريق الاستئناف البيانى ((يعلمون الناس السحر .. )). وففى الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض، -فعلم - أيضاً - انهم أقبعوا الشياطين بهذه الفريه، وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعلم السحر، لأنه من السيئات التى كافرا متليسين بها، ويضرون بها الناس خداعاً وتمويها وتلبيساً (١). وإنما أضاف الله - تعالى - إلى اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على - ملك سليمان خاصة مع أنه كان معروفاً قبل سليمان - عليه السلام - كما أخبر به *القرآن عن سحرة فرعون، وإنما أضاف ذلك إليهم، لأن هذا كان هو الواقع منهم، ولآن سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على عهد سليمان، كان . (١) تفسير المنار ج ١ ص ٤٠١. ٢٩٦ الجزء الاول مدوناً فى صحف اليهود من قديم، وتوار» خلفهم من سلفهم إلى أن وصل .. إلى من عاصر النبى (صلى الله عليه وسلم) منهم ولأن سليمان - عليه السلام- أعطاه الله تعالى ملكاً واسعاً، وسخر له الإنس والجن والريح، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر . و((ما، فى قوله تعالى: ((وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت». . موصولة، وهى معطوفة على السحر فى قوله تعالى (يعلمون الناس السحر) أى يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم الذى أنزل على الماكين. والذى أنزل عليهما هو وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال به. ليعرفاه الناس فيجتنبوه، على حد قول الشاعر : عرفت الشر لا الشرلكن لتوقيه ومن لا يعرف الشرمن الناس يقع فيه. فالشياطين عرفودفعملوا به ، وعلموه للناس ليستعملوه فى الشرور والمآثم .. بينما المؤمنون عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه (١)، هذا، واختصت بابل (٢) بالإنزال، لأنها كانت أكثر البلاد عملا بالسحر ، وكان سحرتها قد اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم فى أبداتهم وعقولهم وأموالهم، ثم جروثم إلى عبادة الأصنام والكواكب فحدث (١) ويجوز أن تكون (ما)، طوفة على قوله تعالى (ما تتلو الشياطين) والمعنى على هذا الرأى. واقبع اليهود بعدأن نبذوا كتاب الله السحر الذى تمته " شياطين على .. عهد سليمان، واتبعوا كذلك السحر الذى أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت- وعلى هذا الرأى يكون قوله تعالى: ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر جملة معترضة بين المتعاطفين قصد بها تبرئة سليمان من السحر وإضافته . إلى الشياطين، وبيان أهم م الذين تعاموه وعلموه الناس بقصد إضلالهم. هذا، وفى إعراب ( ما) فى قوله تعالى: ( وما أنزل على الملكين) آراءه. أخرى اكتفينا عنها بما ذكرناه لو فائه بالغرض . (٢) بابل : مدينة بالعراق ينسب اليها السجر والخمر. ٢٩٧ سورة البقرة فساد عظيم، وعمت الأباطيل فألهم الله - تعالى - هاروت وماروت أن يكشفا. للناس حقيقة السحر ودقائقه، حتى يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة اللّه إلى عبادة الكواكب وغيرها قد خدعوم وأضلوم، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم . واللام فى (( الملكين)) مفتوحة فى القراءات العشرة المتواترة، وقرىء شاذاً(( الملكين، بكسر اللام. قال بعض المفسرين: المراد بالملكين - بفتح اللام - رجلان صالحان . أطلعا على أسرار السحر التى كانت تفعلها السحرة، فعلماها للناس ليحذرام من الانقياد لتلبيسات الشياطين، وسميا ملكين مع أنها من البشر اصلاحها. وتقواهما، ويؤيد هذا الرأى قراءة الملكين - بكسر اللام - وإن كانت شاذة. وقال جمهور المفسرين: إنهما ملكان على الحقيقة أنزلها الله - تعالى- ليعلم الناس السحر ابتلاهلهم، ليفضحا مزاعم السحرة الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ويسخرون العامة لحم ويخرجونهم إلى عبادة غير الله،(وهاروت وماروت ) اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر، وهما بدل أو عطف بيان للملكين . وقوله تعالى: ( وما يعلمان من أحد حتى بقولا إنما نحن فتنة فلا تكَفر). بيان لما كان ينصح به الملكان من يريد تعلم السحر عنهما . والجملة حالية من هاروت وماروت . والفتنة، المراد بها هنا الابتلاء والاختبار، تقول: فتنت الذهب فى النار ، أى : اختبرته لتعرف جودته ورداءته . والمعنى : أن الملكين لا يعلمان أحداً من الناس السحر إلا وينصحانه. بقولهما إن ما نعلمك إياه من فنون السحر، الغرض منه الابتلاء والاختبار لتميز. المطيع من العاصى . قمن عمل به ضلوغوی ، ومن تر که فهو علىهدى ونور من الله، ولإظهار الفرق بين المعجزة والسحر. فحذار أن تستعمل ما تعلمته .. فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين). كما كفر السحرة بنسبتهم التأثيرات إلى ... ٢٩٨ جـ الجزء الأول للكواكب وغيرها من المخلوقات. فالمقصود من تعلم الملكين للناس السحر ، فضح أمر السحرة الذين : كثروا فى تلك الأيام، وادعوا ما لم يأذن به الله، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر حتى يعلم الناس أن هؤلاء السحرة الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ليسوا كذلك، وإنما هم أنا كون، وأخبروا على أنفسهم طريق القصر بأنهم فتنة المبالغة فى الاقرا بأنهما لا يملكان نفعاً ولا ضراً لأحد ، وإنما هما فتنة محضة، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصى. ثم بين - سبحانه - لوناً من السحر البغيض الذى استعمله أولئك السحرة فى الأذى فقال تعالى : ( فيتعلمون منها ما يفرقون به بين المرء وزوجه) أى فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه . فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله تعالى قبل ذلك ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ) لأنه يقتضى أن التعليم حاصل، وأن بعض المسلمين قد استعملوه فى التفريق بين الزوجين . : وخصص سبحانه هذا اللون من السحر بالنص عليه. للتنبيه على شدة فساده. وعلى شناعة ذفب من يقوم به. لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة والرحمة . والضمير فى قوله تعالى (فيتعلمون) راجع لأحد، وصح عود أضمير الجمع عليه مع أنه مفرد، لوقوعه فى سياق النفي، والنكرة إذا وردت بعد نفى كانت فى معنى أفراد كثيرة ، فصح أن يعود ضمير الجمعا إليه كذلك. ثم نفى - سبحانه - أن يكون السحر مؤثراً بذاته فقال تعالى: (وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) أى: أن أولئك السحرة أن يضروا أو ينفعوا أحداً بحرهم إلا بإذن الله وقدرته، فالسحر سبب عادى لما ينشأ عنه من الأضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله بذلك. والجملة الكريمة معترضة لدفع قوهم أن يكون السحر مضراً بذاته، بحيث لا يتخلف عنه الضرر متى تساطاه الساحر . ٢٩٩ سورة البقرة والمراد (بإذن الله) هنا. تخليته - سبحانه - بين المسحور وضرر السحر، أى: إن شاء حصل الضرر ببب السحر، وإن شاء منعه فلا يصيب المحور منه شىء من الأذى . وعبر - سبحانه - عن هذا المعنى بطريق القصر، مبالغة فى نفى أى تأثير للسحر بذاته، وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوى غيبية سوى الأسباب التى ربط الله بها المسببات، وإرشاداً لهم إلى حسن الاعتقاد ، وسلامة اليقين . ثم بين - سبحانه - أن أولئك المتعلمين السحر الأذى والتفرقة بين المتحابين يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، فقال تعالى (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) أى: أن أولئك الذين تعلموا السحر ليضروا به غيرهم ، ولم يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل، أو ليدفعوا به الشر عن أنفسهم، قد سلكوا بهذا التعليم الطريق الذى يضرهم ولا ينفعهم، وأصبحوا بذلك عامين لما نصحهم به الملكان عند تعليم السحر . وفى هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر للأذى ومبالغة فى تجهيل المصدقين لهم، لأن الساحر - مهما بلغت براعته- فلن يستطيع أن يمنع شيئاً أراده الله، ولا إن بأتى بشىء منعنه الله وما دام الأمر كذلك فالمشتغل به ، والمصدق له كلاهما وقع فى ضلال مبين . وقد أفادت الجملة الكريمة بجمعها بين إثبات الضر وففى النفع مفاد الحصر فكأنه - سبحانه - يقول: ويتعلمون ما ليس إلا ضرراً بحثاً. ثم بين - سبحانه - مآل أولئك اليهود التاركين للحق، والمتبعين للباطل فقال تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق) أى: ولقد علم أولئك اليهود الذين نبذوا تعاليم كتابهم واتبعوا السحر ، أن من استبدل السحر بكتاب الله ليس له من حظ فى الجنة، لأنه قد اختار الضلال وترك الهدى، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد خرمت عليهم تعلم السحر أو تعليمه الاذى والضرر، وشددت العقوبة على مرتكبه ، وعلى متبح الجن ٣٠٠ الجزء الأول والشياطين والكهان . فالضمير فى ( علموا) يعود إلى أولئك اليهود الذى تركوا كتاب الله واستبدلوا به السحر . والاشتراء هو اكتساب شىء بذل غيره، والمراد أحم اكتسبوا السحر الذى قتلوه الشياطين بعد أن بذلوا فى سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة، وغدوا مفلسين من حظوظ الآخرة، لإقبالهم على التمويه والكذب ، واستبدالهم الذى هو أدنى بالذي هو خير . وأكد - سبحانه - علمهم بضرر السحر بقوله ( ولقد علموا ... ) للإشارة إلى أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره، وإنماهم الذين اختاروه وملوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة . ثم قال تعالى: ( ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون). شروا : بمعنى باعوا، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة . و نعیمها . والمعنى: ولبئس شيئاً باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من السحر والعمل به، ولو كانوا من ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك. وأثبت لهم العلم فى قوله تعالى ( ولقد علموا لمن اشتراه .. ) ثم تقام عنهم فى قوله تعالى: ( لو كانوا يعلمون ) جرياً على الأسلوب المعروف فى. فنون البلاغة من أن العالم بالشىء إذا لم يعمل بموجب علمه نزل منزلة الجاهل وتفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين . وإلى هذا المعنى الذى قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله . فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا فى قوله (ولقد علموا لمن اشتراه). على سبيل التوكيد القسمى، ثم نفاه عنهم فى قوله (لو كانوا يعلمون)؟" قلت : معناه : لو كانوا يعملون بعلمهم. جعلهم حين لم يعملوا به كانهم.